![]() |
![]() |
|
|
|
||
المشروع الوطني للإصلاح الشامل في اليمن
شارك في إعـداده ومراجـعته نخـبة من القيادات
والمتخصصين
(مايو- ديسمبر2004م)
دعوة إلى:
اتحاد وطني ديموقراطي (دوا) National Democratic Union “DAWA” لتبنّي وإحداث الإصلاحات المنشودة
المـحـتـويــات
- تـوطـئة:
- التوجهات:
- الجزء الأول: تشخيص أولي لواقع يستوجب الإصلاح
- الفصل الأول: حيثيات وقواعد ومنطلقات.
- مدخل.
- قواعد ومنطلقات للتوجهات الإصلاحية الإيجابية:
- أولاً: الموقف من المبادرات الدولية.
- ثانياً: الثوابت.
- ثالثاً: الخصوصيات والخصائص والقيم والتجارب الإنسانية والموروث الحضاري.
- الفصل الثاني: العوامل الموجبة للإصلاحات:
مكامن ونواحي الخراب والاختلالات.
أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها.
طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب
استراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها في مسيرتنا المستقبلية والآليات والوسائل.
-الفصل الثالث: الوجه الآخر للمنظومة السياسية:
- الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة ومنظومة المجتمع المدني عموماً.
- نواحي الضعف والخراب والاختلالات في منظومة المعارضة.
- العوامل التي أشاعت وعمقت الضعف والخراب والاختلالات:
أولاً: عوامل تتعلق بنشأتها وآلياتها وأدواتها.
ثانياً: عوامل ناتجة عن الأوضاع القائمة.
- تنويه.
- خلاصة
الجزء الثاني: أسس وآليات مخرجات الاصلاحات الشاملة:
الفصل الأول: محاور العملية الإصلاحية الاصلاحية:
1- مدخل.
2- معطيات أسس وآليات المخرجات المتوخاة من
الإصلاح السياسي الفعلي والشامل والعميق:
أولاً: نظام الدولة (لا مركزية الحكم)
ثانياً: نظام الحكم.
ثالثاً: السلطة التشريعية.
رابعاً: آليات العملية الديمقراطية.
خامساً: الخدمة المدنية.
سادساً: الإعلام.
سابعاً: القوات المسلحة والأمن.
الفصل الثاني: مجالات الإصلاح الشامل الأخرى:
- الإصلاح القضائي.
- الإصلاح الاقتصادي.
- الإصلاح الاجتماعي.
- الإصلاح التربوي والتعليمي.
- الإصلاح الثقافي.
- إصلاح السلطة الرابعة.
الفصل الثالث: حقوق الإنسان
الفصل الرابع :خلاصات [قضية التطرف].
الجزء الثالث: مراحل تحقيق الإصلاحات الشاملة:
الفصل الأول: آليات الشروع والإعداد والتنفيذ للإصلاحات الشامل
- الخيار الأول.
- الخيار الثاني.
الفصل الثاني: خطوات الإصلاحات الشاملة المطلوبة.
الـخـتــام .
تطورات لاحقة.
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
إنني في البدء أود توضيح قضيتين قبل الانتقال إلى التوطئة ومن ثم إلى التعمق في قراءة هذا المشروع الوطني للإصلاحات الشاملة..
1- إننا عندما نذكر بعض ما سبق أن طرحناه مبكراً من رؤى تبرز حقيقة أننا المبادرين بطرح قضايا مثل الديمقراطية والحريات والتوازن وحقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة، واستقلال القضاء والإعلام والخدمة المدنية وقضايا نظام الحكم المحلي كامل الصلاحيات والنظام البرلماني ونظام القائمة النسبية للانتخابات والحاجة الملحة لإصلاحات عميقة وشاملة لتحقيق كل ذلك.. والمصالحة الشاملة والوئام والوحدة الوطنية والحوار كوسيلة حضارية مُثلى...إلخ فإنه ليس في ذلك أي نوع من الإفراط في الحديث عن الذات وإنما المقصود هو تقديم أنفسنا وما نمثل من رؤى إلى الآخرين ولنوضح بأننا، ولمدة طويلة جداً، نؤمن بعمق بهذه المبادئ والآليات وأن طرحنا لهذه الرؤى أصيل في فكرنا وأدبياتنا وليس ظرفياً أو طارئاً أو لموجة أحداث استثنائية.. ولم نكن في حاجة لذلك لولا أننا قد حُـِرمنا من وسائل الإعلام العامة لعقود طويلة ولم نُمكّن من شرح وتبيين وجهات نظرنا ورؤانا على نطاق واسع بينما اسـتُخدِمت تلك الوسائل في بلادنا، وفي أماكن أخرى، خلال تلك العقود ضدّنا وعـتَّـمت على رؤانا بل وحاولت تشويهها.
2- في بعض فقرات المشروع قد يعتقد البعض أننا قمنا بدور الناقد للأوضاع القائمة في بلادنا وحسب.. والحقيقة أننا قمنا بتحليل لتلك الأوضاع وتفنيد للاختلالات والخراب والنواقص ومواطن الضعف ومسبِّباتها وعوامل بقائها في كل جزء أو ناحية من البنى،السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والتعليمية والثقافية والفكرية...الخ، واقترحنا ما نراه من معالجات وإصلاحات لازمة وآليات تنفيذية مناسبة. ولم نستثن حزبنا من النقد والتفنيد في هذا التحليل.
توطئة:
كان حزبنا أول تنظيم سياسي تبنى الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة منذ التأسيس قبل حوالي55 عاماً.. وأول من نادى بالإصلاحات الشاملة منذ إعلان الوحدة عام1990م. ونادينا بفصل الإعلام الرسمي والخدمة المدنية عن الحكومة وساهمنا المساهمة الأساسية في المؤتمر الوطني عام1992 وشاركنا بدور فاعل في الحوار الوطني الذي نتج عنه وثيقة العهد والاتفاق التي وقعناها جميعاً في عمَّان في فبراير1993م برعاية الملك حسين رحمه الله. ويعلم الجميع أننا من وضع أسس هذه الوثيقة وتوجهاتها. كما كنا من وضع مشروعاً لقانون الحكم المحلي كامل الصلاحيات وعرضناه في ندوة في صنعاء حضرها معظم الأحزاب الرئيسية عام1997م. كما كنا من نادى بالأخذ بنظام القائمة النسبية في الانتخابات ووضعنا مقارنة بين أنظمة الانتخابات في العالم وعقدنا ندوة حول هذا الأمر في صنعاء عام 2001 حضرتها كل الأحزاب الرئيسية وطرحنا مشروعاً للتعديلات الدستورية 1999م ورؤى للإصلاح الاقتصادي والقضائي ولدعم دور المرأة في الحياة السياسية والعامة وطرحنا رؤيتنا حول الديمقراطيات الناشئة عند انعقاد منتدى صنعاء للديمقراطيات الناشئة. كما طرحنا رؤى، حول الإصلاح القضائي والتعليمي وحول جذور الأزمة اليمنية وسبل علاجها وحول تضافر جهود المعارضة، منذ تسعينات القرن الماضي..الخ
لذلك فإن الأساس في مشروعنا هذا ،للإصلاحات الشاملة، يعكس توجهاتنا ورؤانا مع مراعاة المنطلقات التالية والخطوات العملية التنفيذية المؤدية إلى تطبيق الإصلاحات الشاملة المستهدفة:ـ
-1تقعيد منطلقات فلسفة الإصلاحات وتحليل وتبيين الذرائع التي يطرحها البعض حول رفض الرؤى والتوجهات والمشاريع الإصلاحية بدعوى ورودها من الخارج وتأصيل لحقائق تلك الذرائع ،مثل الثوابت والخصوصية والخصائص والحرص على ثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا، بما يؤكد أن تلك الذرائع لا ترتكز على منطق بل تتعارض مع حقائق التاريخ وتعيق أي تطوير أو تنمية لمجتمعاتنا.
2- تحليل لمواطن الخلل في مختلف المنظومات ،سياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية وثقافية..الخ، وأسبابها وعوامل بقائها واقتراح المعالجات اللازمة لها في كل منظومة.
3-تجميع وتأصيل رؤانا للإصلاحات الشاملة في كل منظومة بما في ذلك نظام الدولة ونظام الحكم ونظام الانتخابات وتمكين المرأة من أداء دورها الهام والمحوري في كل مجالات الحياة، واستقلال القضاء والإعلام الرسمي والخدمة المدنية ووضع الضوابط لضمان حماية الحريات وحقوق الإنسان وحماية البيئة واقتراح الآليات العملية لتحقيقها.
4-شيء من التحليل لظواهر التطرف بغرض إيضاح أهمية الفصل بين التطرف والإسلام فنـنـتزع عامل الدين من أيدي من يستغلونه ،استغلالاً ليس للدين صلة به، فيتقوَّون به لتحقيق أهدافهم المدمرة ويسيئون إلى غيرهم من المسلمين الذين إما لا يقرونهم على فعلهم أو لا يدركون حقيقة الإسلام فينجرف بعضهم معهم. وعلينا أن ندرك أن أي دعوة باسم أي دين ،وإن ضلَّت، قد تجد رواجاً وحماساً ،في ظل أوضاع تبدو سيئة أو استثنائية فتزرع شعوراً بظلم وإحباط، مالم تواجه بجهد يفصل بين هذه الدعوة الضالة وحقيقة الدين ويسهم في معالجة الأوضاع السيئة وعوامل الإحباط. ولن تجدي أي معالجات أمنية أو فكرية أخرى ،مضادة، أو إعلامية لاتقوم على فهم واستلهام عميق لصحيح الدين. بل إن المواجهة لهذه الدعوة ،الضالة والتخريبية، بمضادة الدين ،الذي تتلبس به، سيؤدي إلى نتائج عكسية وإلى إعطاء هذه الدعوة الأداة التي تستقطب بها اصطفاف واسع من المعتنقين لهذا الدين وأن بعض من لم تستقطبه ،هذه الدعوة الضالة المخربة المرجفة، قد لا يجرؤ على معارضتها لأنها تظهر للبعض وكأنها تصد هجمة على الدين نفسه وليس على من استغل الدين وشوَّه تعاليمه.. وهذه في نظرنا نقطة غاية في الأهمية ولم يتصد لها أحد ،بعمق وتفصيل، إلا أحياناً نادرة. وهذه القضية تستلزم فهماً ووعياً عميقين لها وفهماً للدين الذي يعاني أهله والآخرون من التطرف والإرجاف باسمه.
5-وللإنصاف فإنه بعد أحداث سبتمبر في نيويورك وواشنطن أشار الرئيس بوش في أكثر من مناسبة إلى عدم الخلط بين الإسلام كدين عظيم وبين من يقوم بأعمال كهذه باسم الإسلام.. كما أشار لذلك مسؤولون أسبان بعد أحداث مدريد ثم جاءت أحداث 7يوليو في لندن فلم تمنع رئيس الوزراء ،السيد توني بلير، ولا عمدة لندن ومسؤولي الأمن من توضيح هذا الأمر بحنكة وجلاء وإنصاف.كما نتفق مع ما جاء في كتاب توماس فريدمان الجديد (العالم مسطح ـ This world is flat ) من أن مهمة التبيين والفصل بين الإسلام وتلك الأعمال الإرهابية ،التي تُرتكب باسمه و لايقرها صحيح الدين الإسلامي، هي مسئولية المسلمين بدرجة أولى ( وهو ما يؤكد صحة رؤيتنا التي أوردناها في الفقرة 4 أعلاه وفي الجزء الأول – الفصل الأول الفقرتين ثانياً وثالثاً والجزء الثاني – الفصل الثالث (خلاصات ـ إلى نهاية الفصل)،ونضيف بأنه من الإنصاف أن يساهم العالم الغربي ،بمفكريه وإعلامه، في استيعاب هذا الأمر وتفهمه وتبيينه للرأي العام والتعامل مع المسلمين وفقاً لذلك ،وهو ما بدأت مؤشراته تظهر مؤخراً.
6- ونحن نعتقد ،بيقين، أن الخط الصحيح والنهج الأكثر منفعة للجميع والأقل كلفة هو في "التصالح التاريخي بين المسلمين والحضارة المعاصرة" لتحقيق التكامل والتبادل للمنافع والأمن والأمان.. وأن هذا الأمر يتحقق ،فقط، بنبذ التطرف وشيوع الاعتدال الحقيقي ورعاية تبادل المصالح .. ونعتقد أن الطريق الأسلم لتحقيق ذلك بأقل التكاليف هو بذل الجهد الواعي والصادق والمكثف لتبيين وتوضيح الفصل بين الإسلام وحقيقة مفاهيمه السامية ،المُعَظِّمة لحرمة الحياة ولحقوق الإنسان ولصيانة كل مكونات الوجود، من جهة والتطرف والإرهاب من جهة أخرى بحيث تظهر الحقيقة بأن كل من ينتهج التطرف والإرهاب هو بمنزلة الخارج عن صحيح الدين..وهذا يمكن تحقيقه بتضافر الجهود من الجميع وعلى كل المستويات وفي كل الاتجاهات وفي إطار خطة مدروسة تواجه وتعالج كل شذوذ وعوامل فكر التطرف ومهيِّجاته ومخصِّباته وجذوره ومنابعه وسواقيه.
7-قد يطرح البعض تساؤلاً مفاده: إن التصالح والتكامل يتم بين أنداد أو على الأقل متكافئين ولو في بعض العوامل.. فهل هذا متوفر بين العالم الإسلامي والحضارة المعاصرة التي تمتلك علوم العصر واقتصاد العصر وقوة العصر وثقافة تسير في اتجاه يبدو أنه نحو التسيُّد على باقي الثقافات وإعلام مُتسيِّد..الخ. في حين يعيش المسلمون ممزقين وعالة على منتجات الحضارة المعاصرة ؟؟ ولا شك أن هذا السؤال يحمل منطقاً في ما أورده من حقائق..غير أنه أغفل جوانب أخرى تحمل أيضاً حقائق تتعلق بالعمق الحضاري والتراث الفكري والاسهام العلمي والمعرفي للحضارة الإسلامية لقرون كثيرة من تاريخ البشرية وعوامل ومعطيات الحاضر وأهمها كثافة السكان المتنامية والمواقع الهامة التي يحتلها العالم الإسلامي ،رغم التمزق،وانتشار المسلمين في كل بلدان العالم والثروات التي تكتنزها البلدان الإسلامية والأسواق والعمق الإيماني الديني الذي إن اتجه في الاتجاه المتوافق مع صحيح الدين لأصبح عاملا إيجابياً لتوافق البشرية وأمنها وإن عُودِيَ واستُـثـير فإننا بذلك نسهِّل للتطرف والإرهاب الطريق ونحجِّم صحيح الدين القائم على الاعتدال والبناء والتعايش والمودة ونشر الخير والسلام ونبذ الإرهاب والتطرف...إن ماسبق كله يُشكل عوامل تكافؤ في الحاجة المشتركة لتصالح تاريخي وتكامل بين الحضارة المعاصرة والإسلام..ناهيك عن عوامل كثيرة أخرى يدركها الباحثون المتعمقون في تاريخ الحضارات والأديان والاجتماع والجغرافيا والتراث والفكر والثقافة. وأعتقد أننا أمام فرصة تاريخية تستحق التفكير المتعمق الموضوعي والتأمل الواعي ،بعيداً عن الضجيج غير منقطع عن الأحداث المشتعلة، ونرى أن مثل هذا التفكير وهذا التأمل يمكن أن يصبح مدخلاً لحقبة تاريخية جديدة يسود فيها الأمن والسلام والتصالح والتكامل والتبادل للمصالح والمنافع بين بني الإنسان.والتنافس أيضاً حول المصالح بل وأحياناً الصراع حولها ولكنه صراع عقول واعية ومدركة لأهمية نبذ العنف ولضرورة رعاية المصالح المشتركة ولمخاطر الصراعات العنفية على السلم والأمن والاستقرار والتنمية.
-8وبناء على ما تقدم فإن مشروعنا للإصلاحات الشاملة في بلادنا ،وأساسها الإصلاح السياسي الشامل، يهدف - إلى جانب إصلاح الاختلالات في كل مفاصل الحياة والسيطرة على الفساد عبر التأسيس الجاد للحكم الرشيد بمفاهيمه الدولية الثلاثة (المشاركة، الشفافية والمساءلة، سيادة القانون) وإدارة البلاد نحو التحول الديمقراطي وصيانة الحريات وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وتفعيل دورها وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا- إلى تأهيل بلادنا للمساهمة بدور فاعل وإيجابي في المصالحة التاريخية والتكامل بين الحضارات وإزالة ومعالجة عوامل الإرهاب والتطرف باسم الدين ،خاصة وبلادنا تملك تراكماً تاريخياً لأدوارها الفاعلة في نشر قيم الاعتدال والتسامح والمحبة والتعايش الايجابي مع الثقافات والأديان.
-9إننا في حزب رابطة أبناء اليمن ــ رأي ــ إذ نقدم هذا الجهد المتواضع لاندعي كماله ولا ندعي امتلاكاً للحقيقة.. بل نقدمه إلى أهلنا وزملائنا في الساحة اليمنية وإلى من يهمه أمن واستقرار اليمن وتنميته وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية في ربوعه وتأهليه لأداء دوره الإيجابي البناء في المنطقة والعالم.. وندرك ونقر أنه جهد يحتاج إلى تضافر جهود الجميع لإكمال ما قد يكون قد اعتوره من نقص، وتصويب ما قد يكون فيه من خطأ كما يحتاج إلى جهد مشترك لإنفاذ الإصلاحات الشاملة.
10- إن هذا الوطن المنكوب يوجب علينا جميعاً وقفة صادقة مع النفس مخلصة لله ولوطننا وأبنائه ،الذين سحقتهم كل صنوف المعاناة، وأن نتجه جميعاً للشروع في تشييد الأسس الصحيحة لبناء دولة النظام والقانون واللآمركزية من خلال الإصلاحات الشاملة والعميقة.. ونحن بذلك لا نهدف إلى "القفز على واقع" وإنما نهدف إلى تغييره بالكف عن استمرار "الوقوع فيه".. ولا ندعو إلى حرق "المراحل الموضوعية" ولكن إلى طيها برفق لا بطء فيه و إلى إحراق "المراحل الذاتية" لا حرق الذوات وطموحاتها المشروعة.. وإلى تحويل السدود والموانع المعيقة للخير والإصلاحات إلى مانعة ومعيقة للشر عن نفسها وعن الوطن. لقد ضاعت عقود وأجيال وهي تـُطْحَن في الدوامة المفرغة لواقع يتوارث القفز عليها وتتوارث استمراء الوقوع فيه والتسليم له عبر مراحل تطوي العقود وتحرق الأجيال وطموحاتها وأمانيها..والساسة والقادة ــ في كل المجالات ــ يمضغون الشعارات البرَّاقة ،خالية المضمون، فتتخدر الأجيال الحالمة الصادقة وتندفع وتقدم التضحيات الجسام وإذا بالحلم الجميل قد أصبح كابوساً.. وتستمر الأجيال تطحنها الدوامة في تبادل "دموي" للأحلام الوردية ولكوابيس الأشلاء.
لقد آن لبلادنا أن تغادر الدوامة وأن تغادرها الكوابيس وأن يتوقف الوقوع في واقع منتج للدوامات وللكوابيس وأن تطوي المراحل التي طوت عقوداً من حياة شعبنا وأحرقت أجيالاً وعطَّلت عجلة التقدم والتطوير والنهوض والحياة في بلد كان يمكن له أن يكون رائداً في المنطقة ،وقد كان، وبإذن الله سيلحق بالركب .. بتضافر جهود كل أبنائه ،بلا استثناء ولا إقصاء ولا تفرد ولا تمييز ولا فساد، فتلك من آفات الواقع ،التي استشرت، والذي يجب تغييره لا الوقوع فيه وهي أيضاً من مواصفات المرحلة التي يجب طيها.
قلوبنا مفتوحة وأيدينا ممدودة للجميع لنعمل على تحقيق الإصلاحات الشاملة والعميقة.
والله من وراء القصد.
عبدالرحمن علي بن محمد الجفري
رئيس حزب رابطة أبناء اليمن-رأي
التوجهات
تحقيق إصلاحات شاملة دستورية وقانونية وسياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية وثقافية وفي كافة شئون الحياة ومفاصل السلطة تؤدي إلى:-
إرساء أسس وحدة قابلة للاستمرار ، في ظل منظومة حكم متماسكة ، تحقق التوازن ، ونظام الحكم المحلي كامل الصلاحيات ، والقضاء العادل المستقل ، وتحقق الأمن والاستقرار والتنمية والمصالحة الوطنية الشاملة لعلاج جراحات كل الصراعات السياسية والاجتماعية ، ووضع حد لدورات الصراع الدموية ، وحماية الوطن من التمزق ليؤدي دوره الهام والرائد محلياً وإقليمياً ودولياً، وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والمساهمة في صيانة الأمن والاستقرار في المنطقة وفي تأمين المصالح العليا للوطن وتبادل المصالح مع الآخرين .
ملخص لمفاهيم التوجهات
1- وحدة قابلة للاستمرار
وحدة غير قابلة للتفكك أو الانشطار تجمع أبناءها ومناطقها حول المصالح المشتركة المتكافئة بحيث يشعر كل مواطن أن حقوقه الأساسية ومصالحه المشروعة يرتبط تحققها بترسيخ عوامل استمرار التوحد .
2- منظومة حكم متماسكة:
منظومة حكم متكاملة مستوفية لشروط التوازن والتعايش المانعة للصراع في إطارها ،من خلال الإصلاحات الشاملة الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية...إلخ ،رغم ما قد يكون من تباين في الرأي بين مكوناتها في بعض القضايا .
3- التوازن:
العلاقة المتكافئة المحققة للمصالح السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية في منظومة الحكم في المركز وبين المركز ووحدات الحكم المحلي ،المنشأة على قاعدة اللامركزية في الحكم، وبين الوحدات وبعضها ، وبين قيم العدالة الاجتماعية وآلية السوق ، وبين الحاجة إلى التغيير والتعامل ،إيجابياً، مع العولمة وبين ضرورة المحافظة على ثوابت الهوية ، وبين الحقوق والواجبات. مع توظيف الإرادة السياسية لتحقيق التوازن التنموي بحيث يحقق النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومخرجاته وعلاقاته استقراراً شاملاً: سياسياً ، واقتصادياً، واجتماعياً.
4- الحـكـم المحلـي كـامـل الصـلاحيـات:
نظام حكم محلي يتولى تخطيط وإقرار وإدارة كافة الشؤون المحلية وتنظيم النشاطات الاقتصادية المحلية على قاعدة اللامركزية، وبآليات منتخبة محلياً مع تنظيم الرابطة العضوية الرأسية المتكاملة مع المركز والعلاقات الأفقية التكاملية بين وحدات الحكم المحلي وفي إطار الالتزامات المترتبة على هاتين العلاقتين.
5- القضاء العادل المستقل النافذ:
تنظيم وإدارة السلطة القضائية بهياكلها ومستوياتها المختلفة ولوائحها الإجرائية والتنظيمية على قاعدة الاستقلالية النافذة المحققة للعدل والسلامين الاجتماعي والسياسي والمعززة لقوة القانون وضرورة وجود آلية فاعلة لتنفيذ الأحكام القضائية مع ضرورة رفع مستوى منسوبي السلطة القضائية مهنياً ومادياً ومعنوياً لتقليص الفساد وترسيخ قيم النـزاهة .
6 -الأمن والاستقرار:
الأمن الكامل الشامل للوطن والمواطنين وتأمين سعيهم حيثما استقروا أو تنقلوا بما يحقق حركة الحياة النافعة المزدهرة واستقرار الأوضاع ومجمل العلاقات وتُعزَّز آليات وشروط الأمن والاستقرار في اتجاه ترسيخ سيادة النظام والقانون ؛ ونقصد بالأمن الكامل كفالة حرمة الكليات الخمس ، ونقصد بالشامل أن يشمل ذلك كل المواطنين أينما وجدوا والوطن بكامله .
7- التنمية:
تحقيق الشروط الأساسية والآليات الضرورية لبدء واستمرار التنمية الشاملة على جميع الأصعدة (التعليمية ـ والاقتصادية – والاجتماعية – والسياسية...إلخ) وانتظام مخرجاتها الإيجابية لأغراض الوفاء باحتياجات التنمية والحياة الكريمة المحترمة المزدهرة للمواطنين وبناء الاقتدار على مواكبة مقتضيات العصر ؛ والعمل على رفع الكفاءة المهنية لذوي الدخل المحدود ليرتفع إنتاجهم كماً وكيفاً وبالتالي ترتفع مداخيلهم وقابلية حراكهم الاجتماعي وإسهامهم الفاعل في التنمية .
8- المصالحة الوطنية الشاملة:
المصالحة الوطنية الشاملة المحكومة بمنظومة معيارية فاعلة محققة لتصفية آثار وجراحات وتصدعات الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبضوابط وآليات مانعة للتصادم ولتكرار هذه الصراعات ومعززة للسلام العادل المستقر اجتماعيا واقتصادياً وسياسياً ولا تترتب عليها أية استحقاقات سلطوية حتى لا تتحول وظائف السلطة إلى حوافز للترضية ومكافآت وتعويضات لنتائج الصراعات، فوظائف السلطة تخضع لمعايير مرتبطة بالكفاءة المؤهِّلة لأداء مهام تلك الوظائف بالاقتدار المطلوب.
9- رعاية مصالح الوطن وتبادل المصالح مع الآخرين:
تقويم وتطوير الدستور والتشريعات والقوانين واللوائح والآليات بما يكفل تحقيق الإصلاحات الشاملة ، ورعاية مصالح الوطن والتبادل الإيجابي للمصالح مع الآخرين.
الجزء الأول: تشخيص أولي لواقع يستوجب الإصلاح
الفصل الأول: حيثيات وقواعد ومنطلقات
مــدخــل:
أولاً:
من باب التذكير فإن حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" منذ النشأة، قبل أكثر من نصف قرن، قد كان المبادر في اختيار وطرح:
1- الديمقراطية والتعددية السياسية كآلية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ولتسيير دفة الحكم.. والحرية كأساس للنهج الديمقراطي التعددي.
2- استقلال القضاء ونفاذ أحكامه كأساس للعدل ولحماية مسيرة الديمقراطية ورعاية الحريات.
3- اللامركزية كنظام يستوعب التنوع ويُفعل إيجابياته ويحقق التوازن في المصالح والمشاركة الشعبية الواسعة وبذلك تنتفي عوامل الغبن والقهر وكل أشكال التمييز ويتجذر ويترسخ الوئام.
4- التمسك بالإسلام كعقيدة ومنهج حياة على أساس النهج الإسلامي الذي اشتهرت به بلادنا، لسماحته واعتداله ونبذه للعنف والظلم وصيانته للنفس والمال والعرض والعقل واستيعابه للعصر بتطوراته العلمية والمعرفية عموماً.
لقد استطاع حزب "رأي" تحقيق التكامل الايجابي ،في رؤاه، بين الأصالة والمعاصرة.. وبين قيم ديننا الحنيف والتفاعل مع العصر دون تناقض أو تنافر.. انطلاقاً من أن الدين الإسلامي وقيمه الأصيلة يخاطب الإنسان أينما وُجد ،بخطاب المحبة، ويفسح الطريق لإبداعات الإنسان في كل المجالات.. ويحقق تصالحه مع ذاته ومع أخيه الإنسان ومع ما يحيط بالإنسان في هذا الكون. ويشجع بل يحث ويأمر بتحقيق تطلعات الإنسان في التطور في كافة مجالات الحياة وفي البحث عن قوانين الطبيعة والكون.. والاستفادة القصوى منها ولذلك كان حزب "رأي" منذ النشأة قد حقق تلك المعادلة المنطقية بين الإسلام والقوميات.. في مرحلة كانت الحركة القومية واليسارية نافرة من الدين باعتماد على وهم بوجود تضاد بين دعوات التحديث والتطور وبين الدين.. كما كانت كثير من الحركات الإسلامية نافرة من الدعوات القومية واليسارية باعتماد على نفس الوهم.. والحقيقة أنه كان يمكن أن لا يكون تضاد ولا تنافر.. بل توافق تام.. واستيعاب، منطقي وحقيقي، لبعضها بعضاً.. فالتعصب والتطرف في أي من الطرفين كان العامل الأساس في التنافر والتضاد وتشكيل وهم ثقافتيهما.. وكان السبب لتبديد أكثر من ثلاثة أرباع قرن في صراع فكري ودامي لا توجد أسباب حقيقية له سوى التعصب والتطرف وسوء الفهم.. وكان فهمنا ،أو بالأصح فهم روّادنا منذ مايزيد على نصف قرن، أن لا تضاد ولا تنافر بل تكامل.
- فالإسلام عقيدة ومنهج للإنسان بصرف النظر عن انتمائه القومي.
- والقومية وحدة انتماء ودم وتاريخ وجغرافيا ومصالح أكثر تشابكاً وتقارباً. وقد تضم أرض أي قومية انتماءات ديانية أخرى إما كأقليات ،لديانات أخرى، لها احترامها وحرية اعتقادها وحرية ممارساتها لشعائرها ونهجها أو كأكثرية يجب على الأقلية المسلمة فيها أن تحترم أنظمتها وقوانينها ويجب عليها هي أن تحترم معتقدات المسلمين ونهج حياتهم.
تلك كانت –ولاتزال– أسساً في نهجنا منذ النشأة.
ثانيـاً:
ومنذ الاستقلال في الشطر الجنوبي سابقاً عام 1967م.. ومنذ الوحدة عام 1990م طرح حزب "رأي"رؤى ومنطلقات كان من أهمها:-
1) الوحدة الوطنية...والوحدة اليمنية القابلة للاستمرار
2) الديمقراطية والحريات.
3) المصالحة الوطنية الشاملة.
4) نظام الحكم اللامركزي
5) الإصلاح الشامل .
6) التوازن.
7) استقلال القضاء والإعلام الرسمي والخدمة المدنية.
وتم التركيز منذ العام 1990م على توجهات الإصلاح الشامل الجذري والمصالحة الوطنية الشاملة في إطار كل المجتمع ومكوناته بما في ذلك منظومتي الحكم والمعارضة. وقدمنا رؤى ومشاريع حول الإصلاح السياسي في مجالات نظام الحكم وسير العملية الديمقراطية ونظم الانتخابات والحكم المحلي الواسع والكامل الصلاحيات والمصالحة الوطنية الشاملة ورؤى عن الإصلاح القضائي.. والإصلاح الاقتصادي.. واستقلال الخدمة المدنية والإعلام وإعادة النظر في مناهج التعليم الديني والعلوم الإنسانية والتطبيقية وتنقية مناهج التعليم الديني مما طرأ عليها من نهج تطرف لم نعهده في تاريخنا.. وإصلاح إداري.. واجتماعي بما في ذلك رؤى لمعالجة آثار تأميمات ومصادرات العقارات والأراضي "المنتفع والمالك عينان في رأس".. وكلها رؤى ومشاريع منشورة وتحويها أدبياتنا. www.ray-party.org
كما يحوي برنامج الحزب الذي أعلنه في 1993م على كثير من ذلك..
وأوضحنا أن بلادنا لِمَا تمتلك من مقومات جغرافية وتاريخية وثقافية وثروات طبيعية وبشرية ينتظرها دور هام ومحوري في المنطقة العربية والقرن الأفريقي بل والعالم.. وأنها لكي تستطيع أن تضطلع بدورها وتحقق المردود الأقصى لشعبها فإن عليها أن تؤهل نفسها لهذا الدور بإجراء الإصلاحات الشاملة والجذرية.
وكل ذلك مثبت في أدبياتنا.. بل إننا بعد نشر (التوجهات) لهذه الإصلاحات الشاملة.. جعلنا أسس التوجهات "كترويسة" ثابتة في الصفحة الأخيرة لصحيفة الحزب"رأي" منذ حوالي سبع سنوات..
ولأن "مُطْرب الحي لا يُـطْرِب".. فقد وقف كثيرون موقفاً سلبياً من تلك التوجهات والرؤى . وما أن جاء "زلزال" أحداث سبتمبر 2001م ، وبدأ العالم من حولنا يتكلم عن إصلاحات شاملة، حتى بدأت بعض الأصوات على استحياء تردد شيئاً مما نقول.. ثم جاءت دعوات أو مبادرات أمريكية للإصلاح ثم للدول الثمان الكبرى فحركت الماء الراكد وارتفعت والحمد لله كثير من الأصوات تتبنى توجهات الإصلاحات الشاملة.. ليس في بلادنا فحسب بل في كل المنطقة العربية بل والعالم.
قواعد ومنطلقات للتوجهات الإصلاحية الإيجابية:
أولاً: الموقف من المبادرات الدولية:
تباينت المواقف من المبادرات الدولية للإصلاحات.. وانقسم الناس في بلادنا، وغير بلادنا، إلى ثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: يرفض الإصلاحات بحجة أنها جاءت من الخارج وستُفرض من الخارج وأن ما يأتي من الخارج "يستهدف القضاء على قيمنا ومعتقداتنا وثوابتنا وخصوصياتنا.. وأنه شر مرفوض ويخدم مصالح الغير.. وان الإصلاحات يجب أن تنبع من حاجات وخصوصيات كل مجتمع".. وتبنَّى هذا الطرح بعض أنظمة الحكم وبعض النخب ،إما الموالية لتلك الأنظمة أو الطامحة في ما عند تلك الأنظمة، أو نخب أعلنت الرفض لمجرد الرفض، أو التي عاشت عقوداً على شعارات حماسية تخاطب بها عواطف البسطاء دون برامج أو بدائل.
ونحن نرى أن على الرافضين ،لكل ما يأتي من الخارج، أن يقدِّموا رؤية إصلاحية نابعة من حاجات وخصوصيات مجتمعاتنا أو أن يتبنوا تلك الرؤى التي انطلقت في بلداننا ،قبل أن يطرح الخارج مشاريعه، وأن يشرعوا في تنفيذها!!!
2- القسم الثاني: ضج فرحاً واستبشاراً وتطرف في دعوته للأخذ بكل ما يأتي من الخارج على علاته بل بالغ في تطرفه إلى درجة نبذ وذم وتشويه كل مقوماتنا وعقيدتنا وقيمنا وتاريخنا وكأننا أمة جاءت من نبت شيطاني.. وفُتِحَت لهذا القسم كل قنوات التعبير والترويج ؛ وهذا القسم في حقيقته يضم نخباً فكرية وثقافية لا نشك في حسن نوايا ومصداقية أكثرها ونتفهم مايمكن أن يكون قد دفع البعض منها لهذا التطرف من عوامل منها:-
أ- ما تعرضوا له ،كنخب، وما يعيشونه ومجتمعاتهم ،من حالة قهر وإحباط وسيطرة للأنظمة على كل مفاتيح العملية السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإعلامية والاجتماعية...الخ،.. مع افتقار بعض تلك الأنظمة لأي مشاريع حقيقية للإصلاح والتطوير ؛ ولا تسمح بأي تطور أو إصلاح طبيعي داخلي ولا تصغي لأي مشاريع تنطلق محلياً ولا تسمح بالتفعيل السلمي لحراك شعبي أو حتى نخبوي لدعم مشاريع الإصلاح المحلية مما يوصد الباب أمام أي خيارات أخرى سوى الاستقواء بالقوى والمنظمات الخارجية التي ظل التعامل معها والاستفادة من جهودها حكراً على أنظمة الحكم التي تبيح لنفسها هذا الأمر لترسيخ سلطاتها وسطوتها وتنكر على قوى المجتمع المدني ما تبيحه لنفسها ولو في حدود تحييد تلك القوى والمنظمات الخارجية لكي لا تستقوي بها الأنظمة على شعوبها ومنظمات المجتمع المدني فيها. ومعلوم أن أنظمة قد انهارت بغياب الغطاء الخارجي وأنظمة ،أصلاً، ما كان لها أن تقوم و تستمر دون ذلك الغطاء ولذلك فمثل تلك الأنظمة دائمة الاستعداد لأن تقدم أي تنازلات ،من أي نوع كان، نظير هذا الغطاء لكنها ترفض وبشدة أن تقوم بأي إصلاحات ترتقي بالأوطان والشعوب إذا ما شعرت أن ذلك قد يُقَلِّص من مصالحها الذاتية والسلطوية .
ب- تتمتع بعض تلك النخب بثقافة واسعة ولكنها تعتمد اتجاهات ومنطلقات وفكر ومعايير الآخرين في قراءاتها لموروثها الثقافي والعقائدي.. إما من خلال فكرٍ يساريٍ قام في قراءته على مخاصمة الأديان وعدم محاولة قراءتها قراءة موضوعية.. أو من خلال فكرٍ نشأ كرد فعل لمقاومة الكنيسة للعلم في القرون الوسطى.. وأنزلت ،تلك الشريحة من النخب، أطروحات التنوير في أوربا على مجتمعاتها التي لا وجود في معتقدها ولا في فكرها ولا في تاريخها ولا في ممارساتها ما يتنافر أو يتضاد أو يتخاصم مع العلم وتطوره والفكر وتنوره.. فافتعلت خصاماً وتنافراً لا وجود له أصلاً في حضارتنا وتراثنا وتاريخنا.. فعندما كانت أوربا تعيش ظلام القرون الوسطى وسيطرة الكنيسة على كل مجريات الحياة واضطهادها للعلم والعلماء، كانت بلادنا تعيش مرحلة ازدهار علمي وتكريم ومكانة للعلماء في كل العلوم وانسجام كلي بين ديننا والعلم بكل مخرجاته، الطبيعية والفكرية..، فلا وجود أصلاً للتنافر والتضاد عندنا بل حث وتشجيع وتطوير لكافة العلوم الطبيعية والإنسانية، وحركة ترجمة واستفادة بلا تردد من كل إيجابيات الموروث الحضاري الإنساني الذي سبق حضارتنا، وعطاء لنتاج حضارتنا لتنتقل عبر الأندلس-صقلية حتى أن أحد الأساقفة أسس مركزاً لترجمة مخرجات الحضارة الإسلامية، من العلوم التطبيقية والإنسانية، إلى اللغة اللاتينية، في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي.
ج- وصول تلك النخب إلى حالة الإحباط واليأس في إمكانية سماح الأنظمة بإصلاحات فعلية؛ وإلى حالة من الشعور بالعجز عن الضغط أو الفرض للإصلاحات بأدوات وآليات محلية ذاتياً ، خاصة ومعظم تلك النخب تأبى الانخراط في العمل السياسي المنظم وتفضل النشاط الفردي أو من خلال منظمات المجتمع المدني غير السياسية عوضاً عن المشاركة في منظمات سياسية قائمة لتصليب عودها ورفدها بالكفاءات والمساهمة في إصلاح الاختلالات التي تعاني منها؛ ربما لما تشاهده وتلمسه من تهميش الأنظمة لمنظمات العمل السياسي واستهتارها بها عبر تفريخ واستنساخ أحزاب تسيء شكلاً ومضموناً للعمل السياسي التعددي ، وهذا عامل حقيقي وهام علينا أن نسعى جميعاً لمعالجته.
3- القسم الثالث: يرى أن "الحكمة ضالة المؤمن" وأن الرفض المتطرف أو القبول المتطرف، لِمَا يأتي من الخارج على علاته، أمر لا يقره عقل ولا منطق ولا مصلحة وأن الفكر الإنساني مشاع لبني الإنسان وعلينا أن نأخذ بمنطلقاته المحققة لحاجاتنا ومصالحنا.. وأن الإصلاح الشامل حاجة وضرورة محلية لكل دولنا وأنظمتنا ومجتمعاتنا.. وأن دعوات وتوجهات واتجاهات الإصلاح الشامل كانت قد انطلقت في بعض مجتمعاتنا قبل أن تنطلق من الخارج.. وأن ما أخّر فعلها في الواقع عوامل داخلية وأخرى خارجية:-
داخلياً:- ضعف الآلية المحلية ،التي يمكن أن تفعِّلها ،والتي علينا أن نطورها
وأن نهيئ الظروف لتفعيلها، علاوة على قمع الأنظمة لأي محاولة جادة
لتفعيل إصلاحات جادة..
كما أن الافتراض أن ما يأتي من الغير شر كله هو افتراض يحمل افتئات ومجازفة وانغلاق غير مقبول لا شرعاً ولا نقلاً ولا عقلاً.. فازدهار الحضارة الإسلامية منذ صدر الإسلام كان أهم عوامله ،كما أسلفنا، التفاعل مع ما تمخض عنه الفكر الإنساني والعقل البشري في كل نواحي الحياة في ما سبقنا من حضارات.. بل إن القيم الذاتية الإيجابية الراقية التي سادت جزيرة العرب في عصر الجاهلية قد أقرها الإسلام وهذّبها وقعّدها.
خارجياً:- تعاون بين الأنظمة ،الرافضة للإصلاحات الجادة، في إضعاف أي تحرك إيجابي نحو تلك الإصلاحات وتبادل صفقات التضييق على من يلجأ إلى بعض منها نتيجة للقمع في بلاده وتبادل المعلومات في هذا الشأن.
كما أن العامل الأهم لغياب الإصلاحات الشاملة وبقاء هذا التخلف تمثَّل في استقواء تلك الأنظمة بالدول الكبرى ضد مواطنيها وضد قيادات المعارضة ومنح تلك الدول الكبرى مظلة الحماية لتلك الأنظمة نظير أي ثمن تحدده ،خاصة في مرحلة الحرب الباردة وتعدد الأقطاب.
كما أن استبعاد وجود المصلحة للغير في طرحه لتلك المبادرات هو سذاجة لا تقل عن سذاجة رفض مبدأ تبادل المصالح مع الغير وأهمية رعايتها وتنميتها.. فلا توجهات العزلة أو المبادرة بالعداء مقبولة ولا الذوبان في الغير مقبول أو مطلوب.. وإنما التعامل والتفاعل الإيجابي والتَفَهُّم والأخذ بكل ما يحقق التطور العلمي والإنساني والمصالح المشتركة، ولا تصادم ولا تنافر في ذلك مع قيمنا ومعتقداتنا.
فنحن جميعاً شركاء في هذا العالم ومسئولون عن تطوره وعلينا التعاطي مع ما يحقق تلك الشراكة التكاملية أخذاً وعطاءً ، فعلاً وتفاعلاً،.. بل إن ذلك من الواجبات ديناً ومن التكاليف الشرعية ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.. فالتنوع جُعل للتعارف وتبادل تلك المعارف وليس "للتعارك".. كما أننا جميعاً شركاء في الخلافة في هذه الأرض ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ؛ وهي مهمة الإنسان في هذا الوجود، أي الخلافة لعمران وإصلاح أمرنا في هذا الوجود وليس "الخلاف" لتدمير وإفساد هذا الوجود.. ولا تكليف مطلقاً يأمر بأن علينا أن نجبر أي إنسان أن يعتقد ما نعتقد ، وإنما تكليفنا هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. و"الحسنة" هنا عام وشامل ، قولاً وفعلاً وتعاملاً ، وحركة وسكوناً ، واختلافاً وتوافقاً.
ورسالتنا نحو العالم هي إيصال الخير وأخذه ونبذ الشر وإزالته ، والمودة ونبذ البغضاء، وزرع أواصر التآلف وقلع عوامل التخلف والتخالف، واللطف لا العنف، والحفاظ على النقاء ومنع التلوث، والصلاح والإصلاح ونبذ الفساد والخراب والتخريب، والرحمة لا القسوة.. تلك أسس وأصول رسالتنا نحو كل العالم والكون بكل موجوداته ومكوناته وبيئاته، إنسان وحيوان ونبات وجماد وماء وهواء وفراغ.. وما يطرأ من تخالف وبغضاء وعداء وتصادم هي الاستثناء لا القاعدة.. ودوافعها بالنسبة لنا يجب أن لا تتجاوز دفع ظلم أو اعتداء، أو دفع شر لجلب الخير وإزالة موانع منح الخير للجميع ونشره.. وما تبنّاه البعض من نظريات حتمية "صراع الحضارات" في منظورنا هو قراءة مبتورة لتاريخ الحضارات اعتمدت بعض مراحل الصراع "المصلحي" لا الحضاري.. فالحضارات الراسخة القيم لا تعتمد الصراع نهجاً ،بل تعتبره طارئاً ممقوتاً، فالصراع بذاته غير حضاري.. وإنما تفاعل الحضارات واستفادة كل منها من نتاج الأخرى هو القاعدة.. وتكامل الحضارات هو الهدف.. وأي صراع "مفروض" علينا يجب أن يكون منطلقنا ومنطقنا فيه السعي لتحقيق قانون "المدافعة" لدفع شرِّه ولمنع الإفساد والاستئصال ودون إلغاء أو تغيير أو ابتعاد عن هدفنا الأساس وهو: تحقيق التكامل والتعامل المتفاعل إيجابياً مع الآخر .
من هذه المنطلقات نعتقد أن علينا قراءة أي مبادرة أو رؤية تأتي من أي جهة كانت.. ومن هذه المنطلقات نرى أن علينا التفاعل والتعامل معها.. أخذاً وعطاءً.. إفادة واستفادة.. فحصاً وتحليلاً.. انتقاءً لما يُصلحنا ولا يفسدنا.. ينفعنا ولا يضرنا ،كلنا وبكلياتنا، نحن والآخر، وأيضاً دون انتقاءٍ لما يلائم ويحقق مصالح البعض ،المتنفذ، أو يرسخها أو يضاعفها على حساب الكل بذرائع الخصوصية أو المحافظة على القيم التي لم يهدرها شيء قدر ما أهدرتها بعض تلك الأنظمة وبعض من يتخذونها ذرائع لمنع الإصلاحات أو محاولة إعاقتها.
ثانيـاً: الثوابت:
ردد الكثيرون ، في مجال الاعتراض على مبادرات الإصلاح، قضية "الثوابت".. وهي قضية هامة.. لكن أن نجعل منها حاجزاً صاداً للإصلاحات الشاملة فإننا نحول معاني "الثوابت" من معانٍ وعوامل لقضايا وقيم دافعة للحياة والتطور إلى معانٍ وعوامل نقيضة وقيم كابحة للحياة والتطور.. ونرى أن علينا أن نحدد ما نعنيه "بالثوابت".
إن التعريف العام الفضفاض للثوابت التي يتذرع بها البعض أنها: "العقائد والقيم والتقاليد والمفاهيم والأسس والنظم ،وربما المسميات، التي اعتمدها المجتمع أو النظم السائدة"..
ويدخل في ذلك الدين والنظم السياسية والمفاهيم التي رسختها الأنظمة بل وأحياناً الآليات المعتمدة في نظام ما.
والحقيقة أن هذا التعريف قد يشكل ،في بعض جوانب ما اشتمل عليه، عائقاً وكابحاً لأي تطور في أي اتجاه.. وهو سوط ،بغلافٍ فكريٍ قاسٍ، يستخدمه البعض لجلد ووأد أي تفكيرٍ في التغيير والإصلاح ولحماية مصالح ترسخت وتجذرت ويراد لها الديمومة المستحيلة.
والتعريف المنطقي للثوابت "المطلقة" في نظرنا أنها تلك "التي لا تتغير بفعل التطور أو الزمان أو المكان أو الحاجة الحقيقية العامة" ، لأنها في أساسها قواعد تعاملت مع ثوابت في قوانين الحياة والكون وتركت للفضاء الفكري الإنساني المساحة الكاملة للتعامل مع سنن المتغيرات في الحياة والكون.
والثوابت المطلقة" في مجتمعنا [اليمني] والإسلامي عموماً ،في أي زمان وأي مكان، تشمل:-
1- الأركان [ الإسلام ـ الإيمان ـ الإحسان ].
2- الأحكام قطعية الدلالة وقطعية الثبوت. أو ما انعقد الإجماع على ثبوته من قِبل الأئمة المعتمدين ، مما يتعلق بثوابت في الحياة والكون..
وما عدا ذلك من أحكام تتعامل مع المتغيرات والمستجدات والتطورات في الزمان والمكان والمجتمعات الإنسانية والمكتشفات والاختراعات العلمية والمعرفية.. فإنها قابلة للبحث والتجديد والاجتهاد ،بشروطه وقواعده العلمية المعتبرة، مع التفاعل والتبيين من أهل التخصصات العلمية والمعرفية المختلفة وأهل العلوم الشرعية المؤهلين والمستوعبين لعصرهم.
3- الحرية الكاملة ،العادلة والمسؤولة، المستوعبة لأسس بناء المجتمع والتي لا سبيل لرقي وتطور تلك الأسس إلا بها.. وهي قيمة إنسانية كونية ثابتة تضبطها ،وتضبط هي، حركة الحياة واتصالها بمكوِّن الكون ومكوناته ،من إنسان وحيوان ونبات وجماد وماء وهواء وفراغ.
4- العدل الحر.. بمعناه الشامل والواسع.. وهو قيمة كونية إنسانية.. يطبقها الإنسان على ذاته وغيره من الموجودات.
5- الاعتدال.. وهو الميزان الدقيق النابذ لأي تطرف ،في إطار الذات وفي محيط الذات، في أي اتجاه ولأي تعدي من أيِّ كائنٍ أو اتجاهٍ على أي كائنٍ أو اتجاهٍ والمقوِّم ،"بالعدل الحر والحرية العادلة"، لأي اعوجاج والنابذ لأي قبحٍ أو سقمٍ ،في الذات –نفساً وجسداً وروحاً وعقلاً وقلباً ومداركاً- وفي المحيط الإنساني والوجودي ككل.
6- الحقوق الكونية، حقوق الإنسان ،الفردية والجمعية للشعوب والأمم، والحيوان والنبات والجماد والبيئة وكل موجود يتعامل معه الإنسان أو يؤثر فيه أو يتأثر به.. وتشمل الحقوق المتعلقة بالحياة ،من دينٍ ونفسٍ ومالٍ وعرضٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وفكرٍ ومساواة وأكلٍ وشربٍ وصحة وصيانة وحماية ورعاية...الخ.
تلك في نظرنا هي الثوابت العامة "المطلقة" التي لا تتغير بتغير الظروف وإن كان بعضها يتطور وتتسع مفاهيمه ومجالاته وآلياته وأدواته ووسائله بتطور مفاهيم الإنسان واتساع معارفه ومجالات حركته في الحياة والكون.
ومن هنا.. فإن تضاد أو توافق تلك الثوابت مع ما هو قائم في حياتنا لا يشكّل تضاداً أو توافقاً مع ثوابت الحياة في حقيقة الأمر وبما يحدده المعنى اللغوي والفهم السليم لثوابت الحياة.. وإنما قد يشكّل تضاداً أو توافقاً مع آليات ووسائل لنشوء أو تفعيل أو صيانة ما اعتدنا على ثباته في حياتنا ،من إيجابيات أوسلبيات،.. وبالتالي فإن حضور وتجذير تلك الثوابت في حياة الإنسان وما يحيط به يكون بقدر إصلاح وكفاءة أداء تلك الآليات والوسائل ،لترسيخ ما هو إيجابي ونبذ ما هو سلبي منها، وبقدر إيمان والتزام واستيعاب القائمين على تلك الآليات والوسائل بهذه الثوابت واستيعابهم للآليات والوسائل لتفعيلها.
ومع ذلك فقد اصطلحنا ،في اليمن مثلاً، على اعتبار "الديمقراطية" من الثوابت مع أنها في حقيقتها آلية العصر لتحقيق ثوابت الحرية والحقوق والعدل ..
بل كان من الثوابت المصطلح عليها في بعض نُظم الحكم أنها أنظمة حكم طبقة من خلال الحزب الواحد القائد.. من منطلق الماركسية اللينينية والاشتراكية العلمية.. وكان من الثوابت في بعض نُظم الحكم "تحريم" الحزبية بل إن البعض منها قد حرم ذلك دستورياً .. هذه كانت ثوابت تلك الأنظمة ولم تكن ثوابت المجتمع وفُرِضت في ظرف زماني معين وكل منها في بلد دون آخرى من بلداننا .. وفي حقيقتها منطلقات وآليات ووسائل أهل الحكم.. أو في أحسن الأحوال "فروع" عن ثوابت نسبية كانت قائمة أو أسس لأنظمة.. فانتهت بانتهائها أو بمجاراة تلك الأنظمة لمعطيات وشروط ظروف جديدة.
لذلك.. فإن الثوابت النسبية أو الفرعية أو الأسس والآليات والأدوات والوسائل خاضعة ،بحكم وظائفها، للتطوير والتعديل في نظمها واتجاهات حركتها بحيث تتمتع بالمرونة والكفاءة اللازمة لأداء مهامها في تحقيق وتفعيل وصيانة الثوابت المطلقة وفي بناء الدول على أسس جديدة وبآليات ووسائل وأدوات جديدة وقابلة للتطور والتطوير والتحديث. ما لم فإنها ستظل أدوات وأد وكبح وإعاقة للثوابت وللتأهل والتعامل مع العصر والمتغيرات بل قد يتضرر بقاؤها ذاته ويضمر إن لم تشملها عملية الإصلاحات والتغييرات الشاملة والتطوير لمواجهة الحاجة لتفعيل البناء المؤسسي للدولة والمجتمع.
وسنأتي على ذكر ذلك عندما نتطرق إلى الفقرة الخاصة بما يشمله أو يطاله الإصلاح والتغيير الشامل.
لذلك فإن ما يقال من "أن عقيدتنا ومجتمعاتنا وقيمنا ومصالحنا مستهدفة من المبادرات الدولية للإصلاحات الشاملة" أمر يحتاج إلى ترو وابتعاد عن المبالغات والذرائع.. والحديث في هذا الأمر يطرحه البعض من منطلقين:-
المنطلق الأول: أن عقيدتنا وقيمنا ستتعرض للخطر وأنها هي المستهدفة من تلك الدعوات والمبادرات.
ونقول أن عقيدتنا وقيمنا ليست "ريشة" يمكن أن يلعب بها الهواء أو الأهواء بل تقوم على أسس راسخة وضاربة جذورها في الأرض والتاريخ والقلوب والعقول وأن استمرار رسوخها فينا من عدمه يعتمد علينا نحن.. فإن كنا بهذا الضعف بداخلنا فسنحرم نحن من تلك القيم وستبقى ليبـدِّلنا في الأخذ بها وترسيخها من يعرف قدرها وأثرها لأن نور وخير ديننا للناس أجمعين وإن حرمنا أنفسنا نحن منه فلا خوف عليه ولا نفتـئت عليه ونتخذ من ادعاء الخوف عليه ذريعة لإغلاق منافذ التنوير والتطوير والتغيير.. وتجربة جمهوريات الإتحاد السوفياتي الإسلامية ماثلة للعيان؛ حيث لم تستطع سبعون عاماً من محاولات الإستئصال والوأد أن تنال مما ترسخ في القلوب والعقول، بل إن تلك المحاولات كانت من مُوَلِّدات ما نِشأ من تطرف عند البعض، وكان يمكن لنتائجها أن تغدو أكثر تدميراً لولا جذور من مفاهيم الإسلام السمح الصافي بقيت قبساً في قلوب الغالبية من مسلمي تلك المناطق.
المنطلق الثاني: أن الدول التي أطلقت تلك المبادرات والدعوات لم تطلقها حرصاً على تطويرنا ونمائنا وإنما أطلقتها بغرض السيطرة لتحقيق مصالحها ولا نرى أن هناك خلاف حول هذا الأمر.. ولا نرى غرابة، بل لا ينكر عاقل على دولة أو مجتمع أن يسعى لتحقيق مصالحه إلا إن كان هو عاجزاً عن تحقيق مصالحه أو فاقداً للرؤية التي تدله على آليات وسبل تحقيق مصالحه.. كما أنه لا يتوهم عاقل أن دولة أخرى أو مجتمعاً آخر سيكون مستهدفه أو همه تحقيق مصالح للآخرين إلا بقدر ما يسهم ذلك في تحقيق مصالحه هو؛ والتناسب طردي لتحقيق المصالح لأي مجتمع بين الوضوح في الرؤية وصواب القراءة ،لما حدث ويحدث ولما يمكن أن يحدث، وبين اكتساب ذلك المجتمع لإمكانية استفادته من المتغيرات واكتسابه للقدرة على تعظيم مقادير تبادله للمصالح مع الآخرين وتمكنه من الآليات والأدوات التي تنمي تلك القدرة والمقادير.
والمفارقة العجيبة والغريبة أن كثيراً من الذين يتذرعون بهذين المنطلقين لرفض عملية الإصلاح الشامل والتغيير..هم أنفسهم من يقبل التعامل مع كامل برامج وشروط البنك وصندوق النقد الدوليين –وكلتاهما مؤسستان دوليتان تفرضان ماتريانه من برامج و شروط تؤدي ،في نظرها، إلى إصلاح ما أفسدته الإدارة والسياسة المالية والاقتصادية لأي دولة- مهما سببت للمواطن من معاناة وضنك معيشي في مراحل تطبيقها، وزاد عليه، عدم تبصير الشعب بالمعاناة المؤقتة المصاحبة لعملية الإصلاح المالي والاقتصادي موحين للناس أنها من فعل شروط البنك وصندوق النقد الدوليين فقط ومتجاهلين أن اختلال منظومة الحكم وسوء الإدارة واستشراء الفساد في مفاصل منظومة الحكم تشكل العوامل الأهم والأكبر لتفاقم المعاناة والضنك والمسبِّبة لاستمرارهما ،وفي نفس الوقت تحافظ على مصالح المتنفذين في منظومة الحكم ،والمرتبطين بهم، وتنميها.
كل ذلك يؤكد أن منطلقات رفضهم أو تسويفهم أو تشويههم لعملية الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الفعلي ما هي إلا معاذير واهية وأن هذا الرفض والتسويف أو تحويل الإصلاحات إلى شعارات ومسميات وهياكل ،لا وجود حقيقي لها ولا فاعلية لها في أي قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو إعلامي أو تعليمي...الخ. كل ذلك لأن تلك الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الفعلي قد يقلص من الاستئثار بالقرار، في كل شيء وأي شيء، مما قد يفقدهم لبعض مصالحهم وسلطاتهم المطلقة والمغلَّفة بأقنعة شعارات الديمقراطية وحرية الصحافة بلا أثر.. وبهياكل آليات الديمقراطية التي لا تشكل أكثر من "ديكور" مشوَّه ومشوِّه للديمقراطية.. وبطوابير الانتخابات في كل موسم ،التي لم تؤدِ ولن تؤدي ،في ظل هذه العوامل الكابحة، إلى أي تبادل سلمي لأي سلطة وعلى أي مستوى وإنما تؤدي إلى ترسيخ "سلمي" ،مؤقت، ومنح شرعية ،شكلية، لما هو قائم.
أما قبولهم لشروط القروض.. –مع تعمّد تجهيل الناس بحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد– وتوالي ما سُمّيَ بـ(الجرعات القاتلة) ،دون جهد صادق وسليم للحد من قسوتها على الناس ،في هذه المرحلة،.. فلأنها لا تمسهم ولا تمس مصالحهم ، بل تنمّيها وتضاعفها ؛ وكلها على كاهل المواطن المسحوق أصلاً بالفساد المستشري الذي لم تتوقف السلطات ذاتها عن الاعتراف به وإعلان معرفتها عن من يمارسه وإعلان حربها ،الصوتية، عليه والتي حولت الفساد ،أي الحرب الصوتية، إلى واقع معترف به تمارسه السلطات جهاراً نهاراً وتتوسع فيه وترعاه وتصرخ لتعلن ،للمواطن المسحوق، أن هناك فساداً!! وكأنها تعلن إما قبولها به أو عجزها حتى عن تقليصه.. أو حتى عن "تنظيمه"..!! [كما طالبت إحدى الشخصيات الوطنية].
وذهب آخر إلى المطالبة بأن تعلن الدولة "قائمة" بأسماء من يمارسون الفساد وبمقادير ما يحصلون عليه وتلتزم أمام الشعب بتثبيت تلك القائمة وممارستها طبقاً للمقادير المعلنة.. ولمّا لم تستطع أن تلتزم واتضح أن العدد يتزايد والمقادير تتضاعف والمجالات تتسع طالب آخر بأن تقدم الدولة قائمة بأسماء المسؤولين الذين يتمتعون بالنزاهة والعفة وخطتها للحفاظ على نزاهتهم وعفتهم والالتزام بفعالية هذه الخطة وتنفيذها. وأيضاً لم تقم بذلك إما لأنها لم تجد أو أن الحقيقة أنه ليس من توجهاتها أن تحافظ على مسؤول نزيه عفيف أو أنها عاجزة عن ذلك!!
ولم يكن لنا أن نورد في سياق مشروع جاد ما طرحه البعض ،ساخراً، عن ما آلت إليه حالة مجتمعاتنا ، إلا لنبيّن عمق المأساة التي يعيشها شعبنا ليقيس الإنسان ما يسمعه من ضجيج عن الديمقراطية وهياكلها وآلياتها والحريات واتساعها في بلادنا والتنمية ومعدلاتها ،التي لا وجود لها إلا على ورق السلطة، ليقيس كل ذلك على ما تقوله السلطة هي عن تفشي الفساد وسرقة المال العام.. فلو كانت هناك ديمقراطية حقيقية وحرية حقيقية وتنمية حقيقية لما كان يمكن أن يصبح الفساد حقيقياً وبهذا الاستشراء والعلنية.. إن الشفافية في بلداننا غائبة في كل تصرفات وقرارات وسياسات دولنا إلا في ممارسة الفساد.. وعلى كل المستويات وبكل أنواعه.. وبكامل الشفافية والعلنية.. ولذلك أصبحت بلداننا طاردة للاستثمار والمستثمرين عدا تلك الومضات المحدودة في بعض المناطق العربية التي تطورت موانئها ،أداءً وأنظمة وكفاءة ودخلاً، بينما منطقة ميناء عدن الحرة فإنها منذ الإعلان عن إعادة إنشائها ،قبل حوالي 14عاماً بعد وأدها لربع قرن، وهي تترنح.. وجاءت حادثة المدمرة "كول" لتصبح الشماعة التي عُلِّـقت عليها كل أسباب فشل المنطقة الحرة ،رغم مضي عدة سنوات على تلك الحادثة، فقد تعودنا أن كل مصيبة أو فشل يحققه الحكم يعلقه على حكم الأئمة والاستعمار الذي انتهى قبل جيلين والتشطير الذي انتهى قبل أكثر من 14 عاماً والحرب التي انتهت قبل أكثر من عشر سنوات ، وإن مرت فترة هادئة فإنه يتم اختلاق أزمة أو توتر داخلي أو خارجي لتوفير شماعة جديدة يُعلَّق عليها العجز الذاتي لمنظومة الحكم عن التطور والتطوير وعن الخروج من ثقب التخلف الأكثر سواداً ولخلق تبريرٍ لما يتعرض له المواطن من معاناة على كل المستويات. إنها فلسفة إدارة الأوطان بالأزمات !!.
ثالثـاً: الخصوصيات والخصائص والقيم والتجارب الإنسانية والموروث الحضاري:
في مجال الذرائع لسد منافذ التطوير والتغيير والإصلاحات انطلق البعض مردداً "أن لمجتمعاتنا خصوصياتها.. ولمجتمعاتنا خصائصها وقيمها التي لا تسمح بقبول واستيعاب ما يأتينا من الخارج من دعوات ومبادرات قائمة على تجارب لمجتمعات لها خصوصياتها وخصائصها وقيمها".. وهذا من حيث "المظهر" النظري التبريري له بريقه.. ولكن وجاهة منطقه "الحقيقية" لا وجود لها إلا في بعض المنطلقات الجزئية المحدودة جداً وفي بعض الأدوات والأساليب التفصيلية لإجراء الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الحقيقي ومنها تلك المتعلقة ،في معظمها، بكيفية التغلب على عقلية الوصاية المرتكزة على رفض الإقلاع عن أساليب إدارة وطن بالأزمات وقوة العادة في الشعور الخاطئ لدى بعض المتنفذين بأن الأرض وما عليها ومن عليها حق مكتسب وعلى الآخرين أن يقبلوا بما يتفضل به هذا البعض مما يعكس وهماً وخوفاً على ضياع بعض المصالح التي يرونها حقاً دون أن يدركوا أو حتى يروا ما يجري حولهم في الوطن و خارجه فالإصرار قائم على أن الأمور مستتبة وأن الأوضاع مُثلى في الوقت الذي ينهار فيه كل حَسن ويسود كل قُبْح .
ومعالجة هذه الجزئيات لا تتأتى من رفض الإصلاحات الحقيقية أو التسويف أو التشويه لها وإنما تتأتى من معالجات لإيجاد آليات لاستيعابنا ،نحن كنظام وقوى وطنية وشعب، لها وقدرتنا على تفعيل استيعابها هي لخصوصياتنا وخصائص مجتمعاتنا وقيمها.. وقدرتنا على تغيير عقلية الوصاية وتغيير أسلوب إدارة الوطن بالأزمات.
وحتى نستطيع ذلك فلا بد من أن نعرف كل من الخصوصيات والخصائص والقيم للمجتمعات.. ونزيل الوهم التبريري المعيق للإصلاحات والكابح لحركتها.
1] الخصوصيات: هي تلك القيم والمعايير التي يختص بها مجتمع دون سواه ولا يستطيع التخلي عنها أو لا يريد التخلي عنها.. وهي إما أنها جامدة وغير قادرة على استيعاب التطور أو ظرف الزمان أو المكان.. أو أن التطور المطلوب يشوبه نقص أو خلل في عرضه يعيق استيعابه لها ،وهو أمر ممكن الحدوث في بعض القضايا والمراحل، أو أن ظرفي الزمان والمكان لا يهيئان البيئة الصالحة لهذا الاستيعاب وهو أمر يستحيل لأن المؤثر في الظرفين هو الإنسان الذي يملك آليات تؤهله لاستيعاب الكمال الإنساني أو النقص الإنساني.. وكلاهما ،كمالاً ونقصاً، نسبيان.
من هذا التعريف العام نستطيع أن نحدد خصوصياتنا ومدى استيعابها للتطور الإيجابي ومدى حاجة التطور لها. وسنحصر الأمر في خصوصيتين أساسيتين إحداهما من الثوابت المطلقة والأخرى فرع عنها..
الخصوصية الأولى: هي عقيدتنا الإسلامية وأحكامها المنوّه عنها في "ثانياً" فقرة 1و2 من "القواعد والمنطلقات".. وهذه الخصوصية ،في نظرنا، ليست فقط قادرة على استيعاب الإصلاحات الحقيقية والشاملة والتغيير الحقيقي.. بل يحتاجها الإصلاح الحقيقي الشامل والتغيير والتطوير في مجتمعنا ، وأكثر من ذلك فإن هذه الخصوصية آمرة وحاثة على هذا الأمر وقد سبق بسط هذا الأمر في المقدمة. ونجني على أنفسنا وعلى الإسلام إن تصورنا أن هذه الخصوصية خاصة بنا كمجتمع بل هي كونية وليست شعوبية ونحن وغيرنا نقوم بمهمة إبلاغها.. فإن أحسنّا فذلك ما يجب وإن أسأنا فالإساءة منا وفينا وعلينا. ونحسب أننا قد أسأنا في عصرنا هذا أكثر مما أحسنا.
الخصوصية الثانية: وهي الوحدة الأساسية الأولى لبناء المجتمع.. فنحن نعتبر أن الأسرة هي الوحدة الأساسية الأولى لبناء المجتمع ،مع الاهتمام بالمسؤولية الفردية حقوقاً وواجبات، وبالتالي فإن بناءها البناء الصحيح.. قيمياً ومعرفياً وعلمياً وصحياً ،جسداً وقلباً ونفساً وسلوكاً، يصنع مجتمعاً متماسكاً قوياً قادراً على التطور والإسهام في تطور الإنسان وما يحيط به.. وإن أهملناها.. وأقمنا عوامل تفككها فإننا قد نتطور في ميادين الحياة المادية ولكن الناتج مجتمع مفكك منزوع الروح يعتري بعض قيمه الضعف والتلاشي.. مثل الإيثار الحقيقي والتكافل النابع من الذات والرحمة والمودة الطبيعيتين والشعور بالطمأنينة والأمن والرضى.
بينما تنطلق مجتمعات أخرى من أن الفرد هو الوحدة الأساسية لبناء المجتمع مع تدني الاهتمام ببناء الأسرة إلى درجة تقرب من التلاشي، ومع ايجابيات هذا المنطلق الذي يفسح مجالاً للفرد واسعاً وإن على حساب المجموع.. وينمي بعض نواحي الإبداع في اتجاهيه الإيجابي والسلبي، إلا أننا نعتقد أن السلبيات، معيشياً واجتماعياً وقيميا،ً تنهك الفرد ذاته والمجتمع ككل.. وتنمي الأنانية المفرطة وتطلق جماح الغرائز والرغبات والأهواء النفسية رغم القفزة الهائلة في حضارة الخدمات وثورة المعلومات التي تغلّف هذا الخواء والتفكك. وبالتالي يفقد الإنسان أي استمتاع حقيقي بالحياة وتغيب السعادة الفردية والجمعية وتنسحق إنسانية الإنسان في طاحونة الحياة لهثاً وراء امتلاك شيء مما تضخه الحياة المادية والتطور المادي من أدوات ووسائل لتتحول تلك الأدوات والوسائل إلى غايات يظل الإنسان يلهث لنيلها فينتهي عمره دون أن يدرك تمام غايته.
ونحسب أن التجارب المجتمعية أثبتت أن المجتمع الإنساني السوي هو الذي يتحقق في ظل التوازن الذي يجب أن يسود بين حقوق الفرد الذاتية وواجباته نحو ذاته وبين حقوقه وواجباته في محيطه الأسري والمجتمعي وذلك لا يتحقق إلا في المجتمع الذي يعتمد الأسرة كوحدة أساسية لبنائه ونمائه وسعادته دون أن يطغى ذلك على حقوق الفرد الأساسية وبتفاعل وتكامل يؤديان إلى تمام تحقيقه لحاجياته وحقوقه من خلال كمال تحقيق وحدات مجتمعه لحاجياتها وحقوقها وبذلك تستقيم المعادلة المعتدلة العادلة.
وفي كل الأحوال فإن هذه الخصوصية لا يمكن إلا أن تكون عاملاً داعماً للإصلاحات الحقيقية الشاملة ومؤمّنة لمسيرها.. حتى في مجال الحريات التي لا تقيدها إلا في مجالات الاعتداء على حريات وحقوق الغير المادية والمعنوية.. وفي مجالات إطلاق الغرائز والأهواء بلا ضابط أو مسؤولية.. "فالحرية العادلة" بذاتها مسؤولية فردية ومجتمعية وقيمة إنسانية وكونية كما أسلفنا.. وكل توهم لقيمة إنسانية لا تحقق سمواً للنفس البشرية ورقياً لها تصبح "لا قيمة" بل تتحول إلى عبودية لهوى الذات وتتحول إلى "حرية مستبدة" على من يمارسها أولاً ثم على ما يحيط به من مكونات الوجود.. ولا قيود على الحرية وإنما ضوابط يقرها الإنسان ذاته تقيه هو من سطوة الهوى والغرائز غير المنضبطة وتقيه من "حرية مستبدة" قد يمارسها غيره.
2]الخصائص: إن الخصائص لمجتمع ما هي إلا تلك القيم والمعايير والتقاليد والعادات والصفات التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات.. والتي لا تكون خاصة به أو محصورة عليه بل قد يشترك فيها ،كلاً أو بعضاً، مع مجتمعات أخرى.. وقد تكون خصائص إيجابية أو سلبية. والخصائص قد تكون خَلْقِية أو سلوكية أو قدراتية.. وقد تكون أصيلة أو مكتسبة.. وقد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.. وقد تكون تاريخية أو بيئية.. وقد تكون ثابتة مستمرة أو نامية أو قابلة للضمور أو النضوب أو الاندثار.. وقد تكون مؤثرة في الإنسان أو متأثرة بالإنسان ،أو كلاهما معا،ً سلباً أو إيجاباً..
وبالتالي فإن الخصائص بمجملها.. وفي أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، لا يمكن أن تشكل بذاتها مانعاً للإصلاحات التي يحتاجها الإنسان لإقامة حياة سعيدة قائمة على العلاقات المتوازنة بين الإنسان وأخيه الإنسان ومجتمعه الإنساني وبين الإنسان وما يحيط به من حيوان ونبات وجماد وبيئة.. بل إن الإنسان إن أحسن التعامل مع هذه الخصائص وبهذه الخصائص، سلبية كانت أم إيجابية، فيستطيع أن يجعل منها عوامل دفع ودعم للإصلاحات الشاملة ،ولو بقصد التخلص من تلك الخصائص السلبية من خلال الإصلاحات،.. وكون الإصلاحات الشاملة تستهدف غاية صلاح الإنسان وتحقيق مصالحه وسعادته.. فإن ذلك كله لن يتحقق دون إصلاح علاقته بمكونات الوجود المحيطة به والمتعاملة معه.. من حيوان ونبات وجماد وبيئة.. الخ.
القيم الإنسانيـة:
إن القيم الإنسانية عموماً.. سواء ما جاءت بها الديانات عموماً وديننا الإسلامي خصوصاً.. أو ما كانت سائدة في المجتمعات وأقرتها وهذبتها وقعدتها الديانات السماوية عموماً وديننا الإسلامي خصوصاً... هي في صيرورتها إنسانية جُبِلَ عليها الإنسان أو تعارف عليها بنو الإنسان واكتسبتها البشرية أو جذرتها المجتمعات البشرية في ثقافتها وسلوكها بقدر ما اكتشفت ووجدت فيها من فوائد ومكاسب اجتماعية أو اقتصادية أو سلوكية.. وسواء أكانت تلك القيم مشتركة النشأة بين المجتمعات البشرية أو وجدت في مجتمعات بصورة أبرز من وجودها في أخرى.
وتلك القيم التي يجب تنميتها وترسيخها ،مثل الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والاستقامة والإتقان والجِدّية والالتزام والانضباط...إلخ.. وما هو مشترك من المستحسنات أو مرفوض من المستقبحات، هي الواقي للمجتمعات من الانزلاق والتردي، وهي المقوم الذاتي لأي اعوجاج، وهي المعيار لرقي المجتمعات والإشارات الموجهة لضمان سير الإصلاحات الحقيقية في المسار المحقق لمستهدفات تلك الإصلاحات دون عوائق أو كوابح.
التجارب الإنسانية.. والموروث الحضاري:
إن محصلات التجارب الإنسانية في كل المجتمعات.. وفي أي مجال من المجالات.. وفي كل الأزمنة هي ملك لبني الإنسان فهي نتاج مشترك لحضارات البشرية في مختلف العصور.. ومحصلة للجهد البشري بسلبياته وإيجابياته.. ولمحاسنه ومساوئه.. ولصوابه وخطئه.. ولجماله وقبحه.. وقد قامت كل حضارة على الاستثمار والاستفادة من الموروث الحضاري والتجارب الإنسانية التي سبقتها.. وبالتالي فإن الناتج في لحظة زمنية معينة هو ملك للإنسان أينما وجد.. ولا يجوز الاستئثار به واحتكاره لمجتمع دون سواه..
ومع حق كل المجتمعات في هذا الناتج.. ووجوب التسليم بهذا الحق ،الذي ساهم كل مجتمع إنساني في بناء جزء منه في مرحلة من مراحل التاريخ، ووجوب أن يكون هذا الناتج مشاعاً بفرص متكافئة للاستفادة منه وتطويره.. إلا أن علينا أن نسلم ونعترف أن كل مجتمع لن يستطيع تحقيق تلك الاستفادة الإيجابية إلا بقدر كفاءته وتطور معارفه.. فتكافؤ الفرص يعني التمكين من فرصة الاستفادة المعرفية والتمكين من فرصة الحصول على الحق لا المساواة في المقدار أو في حجم الاستفادة وعمقها فمقدار وحجم وعمق إمكانية الحصول على الحق يتناسب طردياً مع القدرة والكفاءة والالتزام المسؤول.. والقدرة والكفاءة والوعي بقيمة المسؤولية إزاء الاستفادة والاستخدام الأمثل لمخرجات المعرفة تتناسب طردياً مع شمول وعمق وجدية الإصلاحات في مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم.
ومن هنا فإن شمول وعمق وجدية الإصلاحات في بلداننا هي ضرورة ملحة إن أردنا لبلداننا التمكين من الاستفادة من معطيات العصر المعرفية ونتاج التجارب والحضارة الإنسانية.. ولا عذر لنا ولا مخرج سوى الانطلاق الفوري دون أن نضيع أكثر مما أضعنا من فرص وعقود ونحن "نراوح" في مساحة من ضيق الأفق لا تتسع حتى لفرد أمي أو طفل رضيع فكيف لأمة وشعوب لها حضارتها وقيمها وتاريخها.
وإن تمادينا في ما نحن فيه وعليه فلن يمر وقت طويل إلا وزادت أوضاعنا تمزقاً وتخلفاً وتشرذماً.
الفصل الثاني:العوامل الموجبة للإصلاح
طالما الجميع ،أصبح ينادي ويدعو للإصلاحات ويقر بضرورتها،.. نظام حكم ومنظمات سياسية واجتماعية واقتصادية.. نخب مستقلة.. شعب.. دول أجنبية.. منظمات دولية.. الخ، فإن ذلك كله يؤكد أن الجميع قد أدرك أن هناك خراباً واختلالات تستوجب الإصلاحات..
• ولكي نحدد ما تشمله الإصلاحات علينا أن نتفق على مكامن ونواحي الخراب والاختلالات.
• ولكي نحدد طبيعة تلك الإصلاحات علينا أن نتفق على أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها.
• ولكي نحدد آليات وأدوات ووسائل تلك الإصلاحات ومداها علينا أن نتفق على طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب.
• ولكي نحدد أسس وآليات مخرجات تلك الإصلاحات لتأمين مسيرتنا المستقبلية علينا أن نتفق على الإستراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها من مسيرتنا المستقبلية تلك.
1] مكامن ونواحي الخراب والاختلالات:
أ ) خلل شامل في العملية السياسية داخلياً وخارجياً، في السلطة والمعارضة. أفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
بـ ) فوضى وفساد في العملية الاقتصادية وتردي لم تشهده بلادنا في مستوى المعيشة.
جـ) تدني حاد في مستوى التعليم ومخرجاته في العلوم الاجتماعية والتربوية والتطبيقية.
د ) تشظي اجتماعي ونزعات إلى الفرقة والتمزق والتناحر وتدني في القيم وانتشار مخيف للأسلحة وتحول الوطن إلى جزر كل ٌيعمل على تحقيق الحماية الذاتية أو الاجتماعية مِـن مَـن يملك مصادر القوة.
هـ) مظالم سائدة وضياع للحقوق، وعدم استقلال للقضاء جعل المواطن يهجره ويعود لتحكيم العرف القبلي.
و ) تدني مستوى الخدمات الصحية.
ز ) انهيار إداري ومعاناة في متابعة القضايا الخاصة والعامة في الدوائر الحكومية.
ح ) قلق على كل المستويات وغياب للشعور بالأمن والأمان والاطمئنان بمعانيها الواسعة والعامة.
ط ) إعلام رسمي مستلب من السلطة لم يبرع في شيء سوى تشويه الحق والحقائق والترويج الإعلامي لتحويل الأسود إلى أبيض والأبيض إلى أسود على مستوى التاريخ والحاضر وشوَّه وعي الناس وسمّى الأشياء والأحداث والممارسات بعكس مسمياتها.
ي) ارتفاع متزايد في معدلات الفقر والبطالة (يتوقع تقرير حديث للاتحاد الأوربي أن تبلغ نسبة البطالة في اليمن عام2007 حوالي17% من السكان).
ك) انفلات أمني على مستوى المدن وعجز عن ضبط الحدود البحرية والبرية مما جعلها ساحة للتهريب، بما في ذلك تهريب الأسلحة، ومرور المتطرفين.
من كل ذلك نستطيع أن نقول أن الإصلاحات يجب أن تشمل كل نواحي وأسس وهياكل الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والصحية والإعلامية.. الخ.
2] أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها:
أ- إن السبب الأول هو تراكم لثقافة مختلة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.. قامت على أساس سيادة الحاكم وتبعية المحكوم.. فالحاكم هو القائد والرائد والملهم.. أكان حزباً أو جماعة أو منطقة أو فرداً.. بصرف النظر عن الادعاء بأن ذلك يعكس تمثيلاً لإرادة الشعب والجماهير وتحقيقاً لمصالحها.. الخ من تلك الادعاءات.
ب- هذا أدى إلى نشوء سياسات الإستئصال والتصفية للآخر جسدياً أو أثراً أو فكراً.. أو الإقصاء له أو تحجيمه أو تهميشه أو إذلاله سياسياً أو اجتماعياً أو معيشياً.
جـ- هذا أدى إلى نشوء أساليب لتنفيذ تلك السياسات منها ما هو فج ومباشر بالتصفية الجسدية.. ومنها ما هو بالإقصاء عن مواضع الأثر والتأثير ومنها ما هو تحجيم للآخر وتهميشه إما بسد كل منافذ النمو للقوى السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بل والتعليمية والفكرية للآخر.. ومنها ما هو إشغال الآخر بآخر مثله إما بتمويل أو تحريك أو إحياء أو زرع لفتن قبلية أو أسرية ،في إطار الأسرة الواحدة، أو مذهبية أو تمويل انشقاقات في منظمات المجتمع المدني، حزبية أو مهنية أو اجتماعية أو إثارة واستثارة أقليات عرقية أو مذهبية .
د- السيطرة على كامل العملية الاقتصادية سواء عامة أو خاصة.. وتجذرت في العقود المتأخرة حيث تم مزج العام اقتصادياً بالخاص من حيث التسيير والسيطرة على العملية الاقتصادية والمعيشية للناس ومخرجاتها..
هـ- غياب الإستراتيجية الاقتصادية المحددة للتوجه الاقتصادي ،رؤية ونشاطاً وأهدافاً،.. ونشر وتشجيع للفساد وتصعيد للمناصب الأعلى لمن ينشر الفساد وينميه.. وإهدار ونهب وتخريب للثروات مثل النفط والثروات المعدنية وصيد الأسماك ومزارعه والثروات البحرية ،عموما،ً والآثار وغيرها لصالح المفسدين.. وتدني لمستويات الإنتاج الزراعي والسياحي وغياب لأي محاسبة حول إنتاج ومبيعات الثروة النفطية وغياب للشفافية حول ما يجري حول الدخل الحقيقي وأين يذهب.. وعن كيفية إعطاء الإمتيازات للتنقيب عن النفط..
أما المناطق الحرة فأمر يثير ألف سؤال وسؤال.. ولنأخذ مثالاً:
لقد مرت أكثر من خمسة عشر عاماً منذ إعلان "عدن" منطقة حرة.. دون نتائج.. ولا وجود لخطة حقيقية تحدد ماذا نريد أن تكون عليه "عدن" وكيف يتحقق ذلك ومتى يتحقق ذلك.. وغياب كامل للشفافية .
- إن "عدن" كانت قبل الاستقلال ثاني ميناء في العالم بعد "نيويورك" من حيث عدد السفن التي تمر به..
- إن "عدن" تبعد أربعة أميال بحرية فقط عن الخط التجاري الملاحي الدولي.
- إن "عدن" تملك من السمعة ومقومات الموقع والتاريخ ما يؤهلها لأن تصبح أهم مركز تجاري في المنطقة العربية ومن أهمها على مستوى العالم.. وأهم موقع لإعادة التصدير و"المسافنة" وللصناعات الخفيفة والتجميعية.
- لكن الفساد المستشري والأتاوات التي يطلبها المتنفذون من المستثمرين ، والشراكة التي يفرضها أصحاب النفوذ على المستثمرين، وغياب الخطة العلمية الصحيحة وسوء الإدارة، وتدني مستوى الخدمات، وبقاء قوانين التأميم والمصادرة التي لا تمت بصلة إلى المنطقة الحرة ولا لاقتصاد السوق.. وغياب قوة القانون وسيادة قانون القوة والفوضى.. كل ذلك شكل عوامل طرد للمستثمرين الذين توافدوا على "عدن" وغادروها ناقمين.
- إن أي مواطن لابد أن يعتصر قلبه ألماً وهو يرى فرصاً يهدرها أهل الفساد ويرى "درة" الموانئ في أدنى المستويات بينما غيرها الذي لا يملك ما تملكه "عدن" من فرص ومؤهلات قد حقق قفزات مذهلة ومشرفة في مناطق استطاعت أن تقدم نموذجاً مشرَّفاً للنهوض والارتقاء بفضل إخلاص قادتها وأهلها وتفانيهم وأخذهم بوسائل التقدم العلمي وإقامتهم لنظم إدارية غاية في التطور وقوانين استثمارية مرنة ونظم خدمات راقية وترفع وسمو عن الفساد والإفساد المالي والإداري ..
- إن "عدن" لولا الأسباب التي ذكرنا..لكان يمكنها أن تلحق بهذا الركب وتشكل مكملاً لتلك المناطق المتطورة التي قامت.. لكن النهج الخاطئ.. واستمرار الإصرار على رفض الإصلاحات الشاملة.. و استشراء الخراب والاختلالات ،التي دمرت كل جميل في بلدنا وشجعت إقامة كل قبيح، هي الكابح والمعيق وهي التي أضاعت من عمر عدن ،كمنطقة حرة،حوالي أربعة عقود منها حوالي 15سنة منذ أعيد إعلانها منطقة حرة وتم عِوَضاً عن ذلك وضع الكوابح وتسابق المتنفذين على الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة واستشراء الفساد والأتاوات المفروضة..ونمت كل عوامل الطرد للمستثمرين.
- إن مصادر الثروة الاقتصادية والقروض والمساعدات أياً كان حجمها وأهميتها لا يمكن أن تشكل رافداً للبناء والتطور والرخاء طالما تُدار وفق هذا الخراب والاختلالات.
- وإن بلادنا تملك كل مقومات النهوض والرخاء لكنها تتآكل بفعل صدأ الفساد والاختلالات.. فالثروة البشرية والثروة البترولية والمعدنية والسمكية والمنطقة الحرة والزراعة والسياحة والموقع الهام على شواطئ البحر العربي التي يمكن أن تصبح أهم وأأمن مواقع لتصدير النفط في العالم ،لو حققنا الإصلاحات الشاملة، كل ذلك يمكن أن يُشكِّل دخلاً كبيراً وأساساً تنموياً ومعيشياً ولكن بلادنا ابتُليت بتعاقب أنظمة لا تعرف قدرها ولا قيمتها ولا أهميتها.. وبنفوس أعماها الهلع والجشع..
و- غياب لأي استراتيجية للعملية التربوية والتعليمية ومخرجاتها في الواقع التنفيذي.. واعتماد مناهج في التعليم الرسمي على المستوى الديني والتربوي والعلوم الإنسانية عاجزة عن تنمية قيم التسامح الديني والاعتدال والتآلف الاجتماعي والإنساني والمصداقية التاريخية.. وتنمي نزعات التطرف والخلاف والتنافر والزيف بحيث أصبحت مخرجاتها مهزوزة تربوياً ومشوشة فكرياً وتاريخياً وضحلة ثقافيا ومتنافرة.. ومناهج علوم تطبيقية تعيش عصراً لم يعد له وجود ولا تعرف من الحاضر إلا الاستهلاك المشوه لنتاج العصر التقني على كل المستويات.. وأصبحت مخرجات التعليم شوهاء في كل مجال.
ز- إن انتشار الأسلحة وتدني القيم وتحول الوطن إلى "جزر" كل يحتمي بجزيرة ،إما على صورة جماعة أو قبيلة أو منطقة أو صاحب نفوذ، لتحقيق الحماية الذاتية أو الاحتماء بمن يملك أحد عوامل القوة من نفوذ أو مال أو سلاح ؛ كل ذلك لشمول القلق وعدم الشعور بالأمن والأمان والاطمئنان وغياب أي وسيلة مشروعة لحماية الإنسان وعرضه وماله وقيمه وكرامته وفكره؛ ولانتشار الفتن وتغذيتها على كل المستويات ؛ فإن بعض تلك "الجزر" ،لأصحاب النفوذ، تتحول إلى وسائل للابتزاز وفرض الأتاوات وتتحول بعضها إلى وسائل للمعيشة في غياب وسائل عيش مشروعة..
ح- وسادت المظالم.. وتفشى ضياع الحقوق.. في غياب قضاء مستقل عادل نافذة أحكامه.. وأصبح الحد الفاصل بين السلطات منهاراً فاختلطت السلطات وتسيدت السلطة التنفيذية على كل السلطات التشريعية والقضائية بل وما تسمى بالسلطة الرابعة وهي سلطة الصحافة والإعلام التي رغم إعلان حريتها وكثرة إصداراتها إلا أنها تعمل وفق خطوط حمراء ولا تتجاوزها وإلا حرمت من الإعلانات الحكومية وحتى من إعلانات القطاع الخاص الذي أصبح مذعوراً من سطوة السلطة التنفيذية.. بالإضافة إلى ما تتعرض له الصحافة والصحفيين من معاملة قاسية لا تخفف منها صيحاتهم ولا احتجاجات منظمات الصحافة المحلية والخارجية ولا منظمات حقوق الإنسان.. فلدى السلطة أيضاً وزارة لحقوق الإنسان لا تملك ،رغم محاولاتها الطيبة، سوى أن يصبح وجودها بذاته محاولة خجولة لعملية تجميل للقبح السائد.
ط- أما الخدمات وبالذات الصحية.. فأمر محزن.. فالأدوية الفاسدة لا تقل عن الفساد المالي والإداري بل أحد مخرجاته.. وما يصرفه شعبنا في الخارج على العلاج في سنة واحدة يكفي لإقامة أرقى المراكز الطبية.. ناهيك عن تفشي أمراض لم تعهدها بلادنا مثل أمراض السرطان والإيدز والقلب وارتفاع نسبة الوباء الكبدي والفشل الكلوي، وحمى الضنك...الخ.. وكل تلك الأمراض أصبحت بمستوى لم تشهده بلادنا في أكثر مراحلها تخلفاً (15ألفاً تقتلهم الملاريا سنوياً، 12ألفاً يقتلهم السرطان، وفقاً للأرقام الرسمية)،. (مؤشر نفقات الصحة العامة لايتجاوز 1.3 % من الناتج القومي الإجمالي، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
ي- إن إعلان الديمقراطية اقتصر على إنشاء هياكل لا وزن لها في القرار وبواسطة آلية ونظام للانتخابات يعيد إنتاج ما هو قائم من سوء ويمنع أي تداول سلمي للسلطة. بل أن سوء التطبيق للمظاهر الديمقراطية قد أوصل المواطن اليمني إلى مايشبه (الكفر) بالديمقراطية، وهو مايكشف عن نوايا مبيتة للتراجع حتى عن تلك الشكليات.
إننا ،بعد هذا الإيضاح لمجمل أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها، نستطيع القول –دون تردد– أن طبيعة الإصلاحات ومداها ،كما يجب أن تشمل كل نواحي وأسس وهياكل الحياة أفقياً، فإنها يجب أن تشمل مستويات كل جزئية رأسياً.. ومنها القوانين والنظم واللوائح وأسلوب الأداء وآلياته وأدواته ومهامه بما يحقق الاستراتيجيات والأهداف التي نخطها لمسيرتنا المستقبلية وبما يؤهل بلادنا لأداء دورها باقتدار في المنطقة والعالم..
3] طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب
أ- تضافرت تلك الاختلالات وذلك الخراب حتى أصبحت تشكل عجينة من خليط مركب من كل تلك الاختلالات.. مما يشكل تعاضداً بينها يشمل السياسي والاقتصادي والتعليمي والإعلامي والاجتماعي والإداري والقلق العام...الخ.. وفي كل يوم يترسخ ويتجذر هذا التضافر وتلك العجينة والخليط المركب مما يزيد الأمر صعوبة ويجعل معالجة أي جزئية بمعزل عن معالجة كل تلك الاختلالات أمراً مستحيلاً وتصبح معالجة الكل مستحيلة دون البدء بإصلاحات سياسية شاملة وعميقة.. فالعملية السياسية هي المفتاح وهي المتسيِّدة على كل نواحي الحياة ولا أثر ولا نجاح لأي إصلاحات في أي مجال آخر بمعزل عن الإصلاحات السياسية الشاملة والفعلية.
ب- وخلاصة القول.. ومجمَّع الأسباب والعوامل لطبيعة ومدى تجذر أسس العجينة للخليط المركب من ذلك الخراب وتلك الاختلالات يتضح أن منظومة الحكم تسيطر وتتحكم في كل أدوات وآليات العملية السياسية والتشريعية والاقتصادية والمعيشية والقضائية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والإعلامية والأمنية والعسكرية...الخ.. وتسخرها كلها كآليات وأدوات لترسيخ سيطرتها ولتحجيم وتهميش أي أدوار للمجتمع ومنظمات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية والمهنية والثقافية..وسنأتي على تفصيل الآليات والوسائل التي نقترحها لتحقيق الإصلاحات الشاملة بعد بسط الإستراتيجيات والأهداف التي نعمل على تحقيقها ومخرجات عملية الإصلاحات الشاملة .
4] الاستراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها في مسيرتنا المستقبلية والآليات والوسائل..
الغايـة: تحقيق سعادة الإنسان اليمني ،ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، بمعناها الشامل، جسداً وعقلاً وقلباً وروحاً ومداركاً وسلوكاً.
الإستراتيجيات: تمكينه من تلبية حاجاته لتحقيق الغاية.
أولاً: جسداً:- مستوى معيشة لائق يتدرج من خلق الظروف إلى تمكين الإنسان من مواجهة ضرورات الحياة إلى كل ما يمكن أن يصل إليه الجهد الإنساني من رخاء مادي في المأكل والمشرب والملبس والسكن والخدمات.. وهذا يتطلب تحقيق أهداف واعتماد آليات ووسائل منها:-
أ ) تأهيل الإنسان وتنمية وصقل لكفاءاته ومهاراته الإدارية والتقنية والمهنية.
ب ) ويتحقق ذلك باعتماد مناهج تعليمية، للتعليم الأساسي والتقني والمهني والأكاديمي والبحثي
تقوم على دراسة دقيقة وواعية لاحتياجات التنمية الشاملة .
جـ) العناية بالتربية الرياضية للنشء والمراكز الرياضية للشباب والأندية الرياضية .
د ) الإدارة السليمة للموارد وتنميتها لخدمة الأهداف.
هـ) إعادة تأهيل الخدمات الصحية ،إنساناً ومنشآت ومعدات، واستهداف إنشاء المزيد بما يلبي الحاجة لمواجهة الأمراض والأوبئة –كمّاً وكيفاً– .
و ) الإهتمام بالصحة البيئية ومواجهة التلوث .
ثانياً: عقلاً:-
أ- إن الهدف هو الاستثمار الفاعل والايجابي للعقل الذي تميز به الإنسان عن سائر المخلوقات.
ب- ويتحقق ذلك من أهمية احترام العقل ومنع انتهاك حرمته وإطلاق سراحه لينطلق إبداعه العلمي والفكري والقيمي.. وهو الآلة العظمى التي إن تحررت من الهوى والغرض والقيود يمكن لها أن تسهم الإسهام الواعي في تحقيق النقلة والنهضة واستمرار تنميتها وصيانتها.
ثالثاً: روحاً:- إن تنمية وصيانة القيم الروحية الأصيلة هو الهدف الذي به يسمو الإنسان ويتحقق له التوازن والاستقرار النفسي والذهني فيرتفع مستوى أدائه كماً وجودة.
رابعاً: مداركاً:-
أ- من المهم تحقيق هدف التوسيع والارتقاء بمدارك الإنسان وثقافته في بلادنا.. مما يسهم في تجاوز المعوقات والقيود التي تبقيه رهينة للصراعات.
ب- وهذا يتحقق بالانفتاح على عصر المعلومات ليعيش إنسان بلادنا عصر التقدم المعرفي والتطور المادي والتقني وبذلك يدرك حاجته للتخلص من الارتهان للصراعات ولما يبقيه خارج العصر.
جـ- تنمية المدارك العلمية والبحثية بالإرتقاء بمناهج التعليم والبحث العلمي وآلياته ومؤسساته وأساليبه والإنفتاح على علوم العصر ومعارفه والتفاعل معها أخذاً وعطاءً إستفادة وإفادة .
خامساً: سلوكاً:-
أ- إن السلوك السوي في تعامل الإنسان مع خالقه ونفسه وأخيه الإنسان والبيئة المحيطة من حيوان ونبات وجماد، وماء، وهواء...الخ، هو أهم السبل المحققة لغايته.
ب- ولتحقيق ذلك فإن التربية والثقافة الخلاقة والمحفزة للاتجاه للأخذ بهذا السلوك السوي تشكل الآلية الأساسية وهذه التربية والثقافة تتضافران لتحقيقها آليات ووسائل عدة.. بدءاً بالمنزل والأسرة مروراً بالمدرسة والمسجد والمعهد والجامعة والنادي والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية وصولاً إلى أداء الدور الفاعل البناء في المجتمع والحياة.
الأهداف: كما تقدم ،تحقيق ما يمكِّنه من تلبية حاجاته لتحقيق الاستراتيجيات وصولاً إلى الغاية.
الآليات والوسائل والأدوات:- هي كل ما يتعلق بالقوانين والنظم والهياكل والإعداد البشري والإمكانات التي تمكن الإنسان والمجتمع من الاستثمار والاستخدام السوي للطاقات والمقدرات البشرية والطبيعية، موقعاً وثروات وبيئة، علماً وروحاً ومهارة وفكراً وثقافة وتاريخاً وسياسة وعلاقات
====================================================
الفصل الثالث: الوجه الآخر للمنظومة السياسية:
إن المنظومة السياسية لا يستقيم أمرها إلا إذا استقام أمر مكوناتها.. ومكونات المنظومة السياسية هي منظومة الحكم ومنظومة المعارضة.
وإن كنا قد أسهبنا في تشخيص الخراب والاختلالات في منظومة الحكم فلأن أثر منظومة الحكم هو الطاغي ،في ظل الأوضاع الحالية، في بلادنا إلا أن ما تتطلبه الضرورة من إصلاحات في منظومة الحكم فإن الضرورة نفسها تنطبق على منظومة المعارضة ومنظمات المجتمع المدني عموماً.
الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة ومنظومة المجتمع المدني عموماً:
إن علينا أن نعترف بشجاعة وموضوعية بأن خراباً واختلالات عميقة قد طغت على أداء وحركة منظومة المعارضة خاصة ومنظومات المجتمع المدني عامة مما أدى إلى غياب، شبه كامل، لدورها الحقيقي الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتوعوية.. وبالتالي يتلاشى أثرها في أوساط الناس.. وأقتصر دورها على بيانات إعلان مواقف كرد فعل آني وأحياناًواحياناً متشنج وينتهي كل ذلك الصراخ بإصدار البيان أو كتابة المقال.. مع انعدام أي آلية لتفعيل الموقف في أوساط الناس.. بل حتى للترويج للموقف على مستوى المجتمع.. والأغرب من ذلك أن تصدر مواقف وحيثيات واشتراطات إزاء قضية معينة ثم يتم التعامل على أرض الواقع مع نفس القضية بتخل كامل عن الحيثيات والاشتراطات أو بالسكوت عنها.. ويتكرر ذلك إزاء كل قضية ويظهر بصورة أوضح في كل انتخابات على أي مستوى.. فنملأ الدنيا صراخاً وبيانات تحدد اشتراطات وأسساً و أسس لإجرائها.. ثم يذهب الجميع طوابيراً في غياب كل ما تم طرحه من أسس واشتراطات وحيثيات.. وتأتي النتيجة الطبيعية بإعادة إنتاج ما هو قائم بصورة أكثر سوءاً.. فيبدأ الصراخ لشجب النتائج التي هي نتاج طبيعي للمشاركة فيها دون تحقيق الأسس والاشتراطات التي كان يمكن لها أن تجعل النتائج مختلفة أو أقل سوءاً على الأقل.
ومع الزمن تحولت هيئات المعارضة إلى هيئات ("مراجعة)" تشتكي وتبكي من أوضاع كانت مساهمة ،إن لم يكن في صنعها ففي بقائها..
أما منظمات المجتمع المدني الأخرى ،فرغم بعض الجهود النظرية والمحاولات الفردية المحمودة إلا أنها وقعت بين مطرقة منظومة الحكم وسندان منظومة المعارضة.. تتصارع عليها وتتجاذبها لا لتمكينها من أداء مهامها هي وإنما لجرها للخراب والاختلالات التي تعيشها منظومة الحكم ومنظومة المعارضة.. ولاستخدامها كأدوات لتعميم هذا الخراب وتلك الاختلالات.. ولذلك سنتطرق لجوانب الاختلال وللعوامل التي أشاعتها وعَمَّقتها في منظومة المعارضة وللإصلاحات العميقة المطلوبة لمنظومة المعارضة ،وكثير منها ينطبق على باقي منظومة منظمات المجتمع المدني إلى جانب ما ذكرناه من ضرورة إرساء الآليات لوضع حدٍّ لتجاذب منظومتي الحكم والمعارضة لها.
نواحي الضعف والخراب والاختلالات في منظومة المعارضة:
1- غياب العمل المؤسسي الحقيقي ،وإن وجدت أشكال أو هياكل مؤسسية فإنها في حقيقتها خالية المضمون وإن وجد فعلى مستوى الهياكل الفوقية، أما على مستوى القواعد فحتى إن وجدت في حزب فلا أثر ولا وجود يذكر لها في القرار.
2- وكما أن منظومة الحكم تعيد إنتاج ذاتها أساليباً وهياكلاً ومعاييراً وشخوصاً.. فإن منظومة المعارضة لا تختلف كثيراً عنها بل قد تكون أحياناً أسوأ.
3- كما أن الشفافية غائبة في منظومة الحكم فإنها غائبة في غالب منظومة المعارضة.
4- غياب الأداء الفعلي الحركي لمنظومة المعارضة في أوساط الناس.
5- ضعف حاد في الأداء الديمقراطي الداخلي، هياكلاً وممارسة.
6- ضعف لوسائلها الإعلامية وغياب للإستراتيجيات الإعلامية المدروسة وللانتشاروللإنتشار في أوساط الناس.
7- الوجود الضعيف في المحافظات ،لمعظمها،.. ووجود في المركز يقتصر على حضور حفلات الاستقبال والمهرجانات الرسمية في المناسبات الوطنية وعلى اجتماعات للهيئات العليا للأحزاب وإصدار البيان الختامي بعد كل اجتماع والذي يكاد يكون في مضمونه نسخة عن ما سبق من بيانات يضاف إليها موقف من حدث آني وينتهي الموقف بإصدار البيان.
8- التسابق قبل أي موسم انتخابي، على أي مستوى، في طرح الرؤى الموسمية المكررة والمطالبات أو الاشتراطات والأسس لنزاهة الانتخابات وينتهي كل ذلك بالسير وفق ما هو قائم دون تحقيق شيء من تلك المطالب أو الاشتراطات أو الأسس والاكتفاء بما تحدده منظومة الحكم من "أنصبة" في الدوائر مما يساهم في إعادة إنتاج ما هو قائم وأحياناً بصورة أكثر سوءاً وعمقاً في ظل آمال وأحلام ،لا أساس موضوعي لها، في تحقيق نتائج تتجاوز الأنصبة المحددة.. فتأتي النتائج الطبيعية بما لا يتفق مع تلك الآمال والأحلام فتحدث الصدمة ،المستغربة، من أحزاب المعارضة فيعلو الصراخ من جديد والشكوى من غياب النزاهة في الانتخابات وسيطرة منظومة الحكم عليها وعلى نتائجها، وكأن أحداً لم يتوقع ذلك أو كأنه ارتهان لأمل وحلم لا أساس لهما من واقع.. وهكذا في كل موسم جديد.
9- غياب للرؤية وللإستقراء للأحداث.. وبالتالي للبرامج التفصيلية العملية وللمعالجات الموضوعية للقضايا والسلبيات القائمة بحيث تحول الطرح إلى مجرد مطالبات للسلطة بأن تفعل أو لا تفعل وتحولت القضايا المطروحة إلى مجرد عناوين أو شعارات أو موضوع إنشائي مكرر.. وحتى برامج مواسم الانتخابات لا جديد فيها لا موضوعاً ولا حتى أسلوباً.. فلم يعد يقرؤها أحد.
10- غياب مجرد التفكير في دراسة وطرح إمكانية وكيفية التنفيذ لمعالجة السلبيات ولتحقيق المطالب.. ولا وجود لتحديد الآليات والأدوات والوسائل اللازمة للتنفيذ وبالتالي تحولت معظم الأطروحات إلى مجرد أماني وتمنيات منزوعة الروح المحركة لتفعيلها على أرض الواقع.
11- يندر وجود أحد من قيادات أحزاب المعارضة مَنْ يقرأ ما يصدر عن الآخر من رؤى وأطروحات ؛ بل كلٌ انشغل بقراءة ذاته وما يصدر عن حزبه، وبوضع مرآة أمامه ليرى نفسه على الدوام، فلا يرى غيره ولا يراه غيره.. وتمر الأحداث ولا يشعر بها إلا عندما تتكسر المرايا وتصيبه شظاياها فينشغل بعلاج ما أصابه، وفي البحث عن مرآة جديدة!!.. ومن يقرأ للآخر بالصدفة فإنه يعيد صياغة ما كتبه الآخر من رؤى ويعمل على ترويجها بضجة وادعاء أنها رؤيته أو مشروعه، وينسى أنه قد يكون انتقد نفس تلك الرؤى قبل فترة..!! وينسى الناس ،أيضاً، أنهم قرأوا ما سبق وما لحق.. وهذا لا يدل على عدم وجود قدرات وعقول وكفاءات في أحزاب المعارضة ؛ بل يدل أكثر على الدوامة المعيشية والأمنية والإحباط والقلق الذي شغل الناس ومنها أحزاب المعارضة ،كجزء من الناس، بل وبعمق أكثر من باقي شرائح المجتمع ،لما عليها من مسئوليات ولما تواجه من ضغوط.
12- غياب المصادر الذاتية للتمويل لحركة وأنشطة الأحزاب كلها.. فاستعاض الحزب الحاكم بخزينة الدولة وممتلكاتها وإمكاناتها المادية ونفوذها السلطوي دون حدٍّ أو سقف فهو يمتلك المكاتب من ممتلكات الدولة ووسائل نقل الدولة ووسائل إعلام الدولة وأمن الدولة ووظائف الدولة ؛ وكلها مسخرة له ولأعضائه وقياداته.. بينما أحزاب المعارضة ،التي تستلم من الدولة، هي تحت رحمة الحزب الحاكم عطاءً ومنعاً، توسيعاً وتضييقاً، عملاً وبطالة...إلخ، فيتعطل الفعل والأداء المعارض ويضمحل الأثر.. ومن لا يستلم ،وحزبنا الوحيد الذي لايستلم، يصارع لجمع ما يبقيه على السطح.
تلك أهم جوانب ومظاهر الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة.
العوامل التي أشاعت وعمقت الضعف والخراب والاختلالات:
أولاً: عوامل تتعلق بنشأتها وآلياتها وأدواتها:
1- إن إشكالية كثير من أحزاب المعارضة ،القديمة، في بلادنا وفي معظم بلدان العالم الثالث أنها ،في معظمها، كانت حركات سرية نتيجة للأنظمة الشمولية المُعْلِنَة لشموليتها، إما باعتماد نظام الحزب الواحد القائد الرائد المسيِّر لحركة المجتمع والحياة، أو باعتماد نظام الفرد الملهم الرمز القائد والمسير لحركة المجتمع والحياة.
ومن سمات الحركات السرية والقائمين عليها:-
أ ) غياب الممارسة الديمقراطية الشفافة والحقيقية
ب ) الريبة الشديدة والشك من كل شيء وكل أحد.. خوفاً من الاختراق وتتبع حركاتها وشخوصها.
جـ ) إتقان التآمر والحيلة كضرورة للنجاح في العمل السري.
د ) إتقان المنتسب لإخفاء الميول والتوجهات والحركة والقدرة على التَلَوُّن والتأقلم في العلن.. كضرورة لبقاء الفرد المنتمي ولبقاء الحركة السرية ذاتها.
هـ ) تحمل معاناة العيش في توجس وخوف مستمرين.
و ) الهيبة والخوف من كل ما هو ومن هو ذي صلة بمنظومة الحكم ،حتى من عسكري المرور، خشية من انكشاف الإنتماء فيحدث ما لا يحمد عقباه.
ز ) الانضباط والالتزام العلني بالأنظمة والقوانين والرفض لها والمخالفة في السر.
ح ) تأصل غياب الرؤية والبرامج التفصيلية المدروسة والاقتصار على مبادئ عامة وأهداف مطاطة وشعارات لعدم توفر وسائل النشر واستحالة الطرح عبر الندوات والنقاشات العامة واقتصار الأداء الإعلامي والتوعوي على البيانات والمنشورات السرية.
ط ) التعود على إصدار تلك البيانات أو المنشورات حول مواقف مليئة بالشعارات والرفض لما هو قائم كلياً فيما تجبر طبيعة الحركة السرية منسوبيها على التعايش والتعامل مع ما هو قائم والقبول به في العلن..
ي ) تعتمد الحركة السرية في تمويل تحركاتها وأنشطتها على مصادر سرية ،إما من جهات خارجية تلتقي معها في الموقف من النظام القائم أو من أفراد محليين لهم نفس التوجه.. فتألف ويألف منسوبوها وجود ممول لها ولمنسوبيها من خارجها.. فينتفي التعود على الإعتماد على الذات وعلى اشتراكات الأعضاء.. خاصة في مجتمع لا يكاد الإنسان العادي أن يفي بتكاليف معيشته ومعيشة أسرته ،على أنه في العصر الذهبي النقي للحركة الوطنية (في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي) كان لِرُوَّدِاها دوراً في التمويل وكان لبعض رجال الأعمال والميسورين الوطنيين دوراً في التمويل أو على الأقل في الإقراض.
2- والشريحة الأخرى من أحزاب المعارضة هي تلك التي كانت متفردة السلطة.. وقد يكون وجودها في السلطة ناتجاً عن وجودها قبل ذلك كحركة سرية.. فتكتسب سمات الحركة السرية.. وتبقى آثارها مسهمة في تشكيل أساليب حركتها وتعاملها.. بالإضافة إلى سمات أخرى أكتسبتها من وجودها في السلطة.. منها:
أ ) الشعور العميق بأن السلطة كانت ملكية خاصة وحق مكتسب اغْـتُصِب منها أو ساهمت ظروف ،قد لا تشعر أنها أوجدتها أو ساهمت في وجودها هي، أو لا تريد أن تظهر مسئوليتها عن ذلك، في ضياع ما تعتقد أنه حق.. ويتأصل شعور لديها بأن تلك الظروف من صنع الغير ،حتى لو كانت من صنعها أو أسهمت فيها. كما أنها قد تكون اغـتَصبت السلطة بدءاً أو تسلمتها دون تفويض أو رأي للشعب وأقصت أو استأصلت غيرها من القوى السياسية.
ب ) تشعر باستمرار بأن لها حق أصيل في نصيب من امتيازات السلطة ومكتسباتها منها سواء كمنظمات أو قيادات.. ويغيب عنها أنها أساساً استولت على ذلك عبر وجودها في السلطة ولم يكن حقاً أصيلاً ليصبح مكتسباً.. أما كوادر الخدمة المدنية وموظفو السلطة فإن حقهم قائم وأصيل في الوظيفة والمعاش أياً كانت انتماءاتهم الحزبية.
جـ) قد تكون تعودت على ممارسة شمولية في الحكم فتعمل بصورة تلقائية على نفي سطوة العادة بالتبني النظري لكل ما يخالف هذه العادة ولكنها من الناحية العملية والممارسة في أطرها تظل أسيرة لقوة العادة رغم المحاولات الجادة من البعض للتخلص من هذا الأسر.
د ) يصعب ،على قياداتها التي مارست القيادة في الأوضاع السابقة، التأقلم مع الآخر إلا اضطراراً ما لم تكن في موقع القيادة المتْـبُوعَـة.. وكأنه حق مكتسب كونها كانت تحكم وتقود الدولة والمجتمع فاكتسبت خبرة ،مع أن خبرتها كانت مبنية على ظروف مختلفة ونهج في الحكم والحياة على نقيض ما هو قائم أو ما يجب أن يكون.
هـ) يصعب عليها التعاطي مع رؤى أو أطروحات قد بادر بها غيرها لِتعوُّدها في الحكم أنها الوحيدة صاحبة الحق في أن تقدم الرؤى وترسم الاتجاهات.. وإن تعاطت مضطرة فتعمد إلى إجهاض أو تهميش تلك الرؤى والأطروحات ثم تعيد صياغتها بنفس المضامين وتروجها كمبادرة منها.
و ) تملك بحكم تجربتها في السلطة خبرة في الترويج الدعائي التحريضي وإن غلب عليه التكرار والضعف في الابتكار لموضوعات الطرح ولأساليب الترويج الحديثة.
ز ) حزب السلطة يفتقر القدرة على استعادة تنظيماته وأطره والكفاءة في إدارتها عندما يصبح خارج السلطة لاعتماده وهو في السلطة على أوحديته كتنظيم سياسي وعلى آليات وأدوات وإمكانات السلطة ونفوذها.
ح ) هذا لا ينفي أن لديها كوادر تنفيذية مقتدرة وجيدة إلا أنها تعودت الإنقياد ولم تتم جهود جادة لتأهيلها ورفع درجة مهاراتها القيادية إلا في حدود ضيقة ومنتقاة.
فاندثرت أو ضعفت في كثير من البلدان، تلك الأحزاب التي أنشأتها السلطة أو نمت واتسع انتشارها من خلال السلطة.. على أن الأحزاب التي أنشأتها السلطة سريعة الاندثار بعد زوال الأداة المنشئة.. أما الأحزاب التي كان لها وجود ولو محدود قبل استئثارها بالسلطة وبالعمل السياسي فإنها تنمو وتتسع بآلية وأدوات السلطة.. فإن تركت السلطة لأي سبب واضطرت للعيش في مناخ تعددي فإنها تفقد آليات وأدوات الانتشار ويتقلص وجودها ،ويحسب لبعض تلك الأحزاب عندنا أنها تبذل محاولات جادة للتماسك والبقاء،.. ولكنها إن استطاعت أن تتخلص من آثار سمات نظام الحزب الواحد وان تبدع في تبني رؤى ومنهج وأساليب وآليات وأدوات وعقليات جديدة ومغايرة لما كان وأن تتعود على أن تقبل رؤى الآخرين وتدرك أن ذلك من أسس التعددية، فإنها تستطيع المواكبة خاصة إن ابتعدت عن محاولات التبرير غير المجدي لممارساتها السابقة أو إضفاء الإيجابيات على نظام الحزب الواحد.. فذلك يعيد إلى الأذهان تلك الممارسات وما يترتب على ذلك من فتن من مصلحتها ومن المصلحة العامة عدم إثارتها ،كما أن ذلك يشي بحنين إلى نظام سياسي مرفوض ويلقي ظلالاً على مصداقية تبني رؤى ومنهج وآليات وأساليب جديدة ويشكل أحد معوقات النمو والفعالية والقبول المتبادل مع الآخرين والتفاعل المشترك..ونأمل أن تثمر الجهود المتفرقة لبعض المدركين من قياداتها ،خاصة أولئك الزملاء القادرين على التعامل مع معطيات جديدة بالنسبة لهم دون انشداد للماضي أو الذين كانت أدوارهم في الماضي محدودة، في تجاوز تلك المعوِّقات الموضوعية والذاتية ،وعند ذلك يمكن أن يسهموا ،ولمرحلة طويلة وهامة، بدور إيجابي في منظومة المعارضة التي يمكن أن تشكل مستقبلاً أحد آليات الديمقراطية المطلوبة.
ثانياً: عوامل ناتجة عن الأوضاع القائمة:
1] سيطرة منظومة الحكم وتسييرها لكل مناحي الحياة، سياسية وقضائية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وإعلامية...الخ.. مما جعل أحزاب المعارضة وقياداتها ومنسوبيها تحت رحمة منظومة الحكم ،معيشياً وأمنياً وحركة وسكوناً.
2] تدخل منظومة الحكم وحزبها الحاكم في الشئون الداخلية للأحزاب واستخدام نفوذ السلطة وإمكاناتها لاختراق الأحزاب وإحداث الانشقاقات.
3] وجود ثغرات في قانون الأحزاب مكّنت الحزب الحاكم من الإطلاع على كل صغيرة وكبيرة داخل كل حزب.. ومكّنه أيضاً من الاستخدام لتلك الثغرات تشكيل لجنة الأحزاب من الحزب الحاكم والتي يتم من خلالها الضغط على الأحزاب.
4] اعتماد الأحزاب في تمويل حركتها على قرار السلطة التنفيذية أي على قرار الحزب الحاكم.. فيعطي ما يشاء لمن يشاء ويحرم من يشاء.. ويأخذ ما يشاء متى شاء لتمويل حركته وأنشطته دون التزام بالقانون الذي يُفترض أن ينظم هذا الأمر.
5] تمول وتشجع منظومة الحكم وحزبها الحاكم إنشاء أحزاب تابعة لها وبعضها تمنحه أسماء مشابهة لأسماء أحزاب قائمة لإحداث البلبلة والخلط.. وكثير من الأحزاب لها نسخة أصلية ونسخة مستنسخة إسماً، وهذا أدى ويؤدي إلى استخدام مسيء للتعددية الحزبية والسياسية وتحويلها إلى مجال للعبث والتندر مما يلقي بظلال مشوهة للعملية الديمقراطية برمتها.
6] كل ذلك أدى إلى تردي للحياة السياسية والحزبية وعمق بذور الشك والريبة بين مكوناتها وزرع شكوكاً وريباً جديدة.
تلك هي أهم عوامل الإعاقة التي تسببها الأوضاع القائمة للمعارضة.
تنويه:
إن طرحنا ،الواضح والصريح، حول الإختلالات في منظومة المعارضة لا نقصد به الإساءة لأي حزب وإنما حاولنا ،بشفافية، أن نبيّن الاختلالات في منظومة المعارضة وعواملها بغرض استجلاء سُبل معالجتها.. ولا نبرئ أنفسنا ولا الحزب الذي نتشرف بالإنتماء إليه فرغم أنه لا وجود فيه للاختلالاتللإختلالات الناتجة عن عوامل النشأة أو تولّي السلطة أو عن تغيير التوجهات والرؤى ،وذلك لنشأته العلنية.. ولرؤاه وتوجهاته القائمة ،منذ التأسيس، على التعددية والديمقراطية.. ولكونه الحزب الوحيد الذي تحرمه السلطة من الإعانة المالية..، إلا أنه يشترك ،مع غيره، في عوامل الاختلالات الناتجة عن الأوضاع القائمة بالإضافة إلى عوامل اختلالات إضافية ،يعانيها حزبنا، ناتجة عن النفي والتشريد والملاحقة لقياداته وكوادره منذ الخمسينيات حتى قبيل إعلان الوحدة والضغوط التي واجهها بعدها.. وللوجود القهري لقياداته خارج الوطن في فترات سابقة ؛ وأيضاً منذ عام 1994م والتضييق على الحزب واستهدافه والتعتيم الذي تفرضه وسائل الإعلام الرسمية والتابعة لها.
كل ذلك ،بالإضافة إلى غياب الإمكانات المادية، أدى إلىالى إضعاف القدرات التنظيمية والحركية وإلى ضعف التواصل بين القيادات والقواعد وإلى حرمان قيادات وكوادر الحزب في كل المراحل من العمل في مؤسسات الدولة ؛ ومن كان في أي مؤسسة فإنه يُحرم من حقوقه وترقياته وتُحجب عنه أي مناصب عليا في أي إدارة أو مؤسسة حكومية، مما ضيق عليهم معيشياً ومعنوياً.
كما أدى ذلك إلى ظروف قهرية أدت إلى ضعف التنمية للممارسة الديمقراطية.. التي ضرب الحزب فيها مثلاً، وأسس تقليداً، عند طلبه من المحكمة العليا للجمهورية أن تشرف وتدير انتخابات قيادته في مؤتمره الحزبي الثامن.. وتم ذلك بالفعل ووُثّق كاملاً ،كتابة وصوتاً وصورة.
وبالتالي فإننا لا نبرئ أنفسنا من كل الاختلالات التي تعاني منها منظومة المعارضة بل لدينا بالإضافة إليها ما هي خاصة بنا ونعترف بها ونعتزم بإذن الله تجاوزها حال أن تسمح الظروف الموضوعية بذلك.
ومع كل ذلك فقد تفرَّد حزبنا وتميَّز في طرح كثير من الرؤى واستطعنا أن نقدم رؤى علمية مدروسه حول معظم قضايا الوطن منها:-
1- كنّا أول من طرح أهمية الإصلاحات الشاملة منذ الوحدة.. ثم طرحنا أسسها منذ أكثر من ست سنوات وجعلناها توجهات لحزبنا. . وهاجمها وانتقدها البعض حتى من المعارضة في ذلك الوقت.. ونحمد الله أن أصبحت الإصلاحات الشاملة التي طرحناها مطلباً للجميع بعد أحداث سبتمبر2001م ، ليس على مستوى اليمن بل على المستوى العربي والدولي.
2- قدمنا رؤية متمثلة في مشروع قانون للحكم المحلي منذ أكثر من ست سنوات.
3- طرحنا رؤية علمية للإصلاح الاقتصادي منذ أكثر من خمس سنوات.
4- طرحنا رؤية للديمقراطية الناشئة إلى منتدى الديمقراطيات الناشئة في "صنعاء" منذ حوالي ست سنوات.
5- طرحنا رؤية لأسس إجراء انتخابات نزيهة منذ حوالي ثمان سنوات.
6- طرحنا رؤية تفصيلية للمصالحة الوطنية الشاملة، سياسياً، إقتصادياً واجتماعياً بما فيها الفتن القبلية منذ أكثر من سبع سنوات.
7- طرحنا ،منذ أكثر من إثني عشر عاما،ً رؤية كاملة لحل مشاكل الملاك والمنتفعين تراعي أن "المالك والمنتفع عينان في رأس"..
8- طرحنا رؤية حول الإصلاح التعليمي منذ أكثر من خمس سنوات.
9- طرحنا رؤية حول المشاركة السياسية للمرأة وحقوقها منذ حوالي خمس سنوات.
10- طرحنا رؤية حول جذور الأزمة في بلادنا "اليمن إلى أين؟" منذ أكثر من ست سنوات.
11- طرحنا رؤية حول الإنتخابات الرئاسية منذ خمس سنوات.
12- طرحنا رؤية حول الإنتخابات المحلية ،تمثَّلت في مشروع قانون للحكم المحلي، منذ أكثر من خمس سنوات.
13- طرحنا مشروعاً للتعديلات الدستورية المطلوبة منذ حوالي ست سنوات.
14- طرحنا عام 1992م برنامجاً تفصيلياً يشمل كثير من الإصلاحات المطلوبة ومن ضمنها استقلالية الإعلام الرسمي والخدمة المدنية والقضاء.
15- وضعنا أسس وثيقة العهد والإتفاق ،وبنفس المسمى "أسس بناء الدولة اليمنية الحديثة"، وتبناها التكتل الوطني للمعارضة وقدمها للجنة الحوار في 18 ديسمبر1993م وبناء عليها وبعد إثرائهااثرائها من الزملاء أُعلِنت في "عدن" بالصيغة النهائية في 18 يناير1994.
16- طرحنا رؤية حول "تضافر جهود المعارضة".
17- أقمنا دورات وورش عمل لرفع المهارات القيادية لكثير من قيادات وكوادر الحزب.
وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لبسطه.
ورغم كل ذلك إلا أننا نعترف أن أخطاءً وقصوراً في الأداء والتفعيل قد لازم حزبنا في السنوات القليلة الماضية نتيجة لما ذكرنا من عوامل ؛ ولعوامل أخرى بعضها موضوعي وبعضها ذاتي ونعمل قدر الإمكان على تجاوزها بإذن الله.
الخلاصة
1) كل ذلك عمَّق الغياب للفعالية الحقيقية لأحزاب المعارضة وأورث ضعفاً في ما ينشأ من تكتلات وتحالفات ،وإن بدا على السطح في شكل "فلاشات موسمية" لمظهر إعلامي لاهث للحاق بحدث، فإن تلك العوامل الموروثة عن النشأة أو الناتجة عن الأوضاع القائمة تشكل عوائق وكوابح للعمل المشترك القائم على الثقة و الثبات على المواقف المعلنة والمتفق عليها.
2) إن تراكم تلك العوامل الموروثة والناتجة عن الأوضاع القائمة وتضافرها قد عززه غياب الرؤية الواضحة والأهداف المحددة بدقة والمنطلقة من المصلحة العامة والتي من خلالها تتحقق باقي المصالح.. وقد شكل أحد أهم أسباب الضعف الذاتية للأحزاب وأعاق بالتالي تضافر جهودها.
3) ومما زاد الأمر سوءاً وتخبطاً أنه حتى عند الاتفاق ،النادر أو الموسمي، على هدف مشترك مرحلي أو مطالب أو موقف فإن ذلك يتم دون وضع الآليات وتحديد الوسائل والأدوات المحققة للهدف أو للمطالب أو الموقف ودون وضع الضوابط الملزمة. فينتهي الأمر عند إصدار البيان بما اتفق عليه من أهداف أو مطالب أو موقف ويستمر استجرار ما صدر دون تفعيل لما اتفق عليه لا في أطر الأحزاب ولا في المجتمع.. وتجد منظومة الحكم في اللحظة الحاسمة فرصتها لخلخلة صف المتفقين ولاستقطاب كل على حدة وينتهي الحدث الذي أتخذ إزاءه الموقف أو طرحت بشأنه المطالب دون تحقيق مطلب أو تفعيل موقف.. وتُكرر التجربة في كل موسم وإزاء أي حدث بِمُسَمَّى مشترك جديد أو بنفس المسمى.. وأصبح أمراً مألوفاً لا تخشاه منظومة الحكم ولا يأمل الناس في تحقيقه لشيء لهم.
4) لذلك فإن منظومة المعارضة إن استطاعت التجاوز النسبي لنواقصها المتراكمة ،الذاتيه والموضوعية، واستطاعت التخفيف من أثر المعيقات التي تضعها منظومة الحكم فإنه يمكن لها أن تستعيد أو بالأصح تنشئ تأهيلها كمنظومة معارضه. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال:-
أ ) قراءتها الصحيحة والواقعية للمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية.
ب ) التحديد الواضح والدقيق لرؤيتها المستقبلية ولأهدافها القريبة والبعيدة.
جـ) التحديد الدقيق لآليات ووسائل وأدوات حركتها وأنشطتها.
د ) دراستها المتجردة لعوامل الخراب والاختلالات فيها ،توجهات وموروثات وآليات وأساليب وأدوات، والعمل الجاد على التخلص منها أوتقليصها.
هـ ) القراءة الواعية الموضوعية لحال منظومة الحكم ومكوناتها وأساليبها "واحتياجاتها" والتي قد تفضي إلى أن منظومة الحكم أحوج من منظومة المعارضة لإجراء الإنتخابات سواء محلية أو نيابية أو رئاسية ،تعيد إنتاج ماهو قائم، ولوجود صحافة حزبية تقول ولا تفعل.. لأنها الرابح الوحيد من تجميل صورتها الخارجية ومن إعادة إنتاج ما هو قائم بصورة تأخذ بالمظهر وأشكال الشرعية دون جوهرها بينما يُفترض أن منظومة المعارضة وشعبنا يحتاجان الى انتخابات تغيّر الواقع لا ترسِّخه.. وإلى انتخابات تفضي إلى تداول سلمي للسلطة لا إلى تثبيت وترسيخ وتجذير سلمي سهل للسلطة القائمة.
وانطلاقاً من تلك المعطيات ،وبعد حوار لنا مع الأخ الفقيد جارالله عمر ،رحمه الله، فقد بادرنا بطرح رؤية لتضافر جهود المعارضة.. منذ حوالي سبع سنوات.. حددنا فيها:
الأهداف - الآليات - الوسائل والأدوات..وقدمناها للإخوة في أحزاب المعارضة ونشرناها بعد تسليمها للأخ جارالله رحمه الله. وكنا نأمل أن تتحاور حول هذا الأمر أحزاب المعارضة للوصول الى رؤية مشتركة.. ولكن للأسف فإن كثير من العوامل المذكورة قد حالت دون ذلك .. فهل لازالت حائلاً؟
الجزء الثانـي: أسس وآليات مخرجات الإصلاحات الشاملة لتأمين مسيرة المستقبل نحو الأهداف والغاية
إن المقصود من ذلك وضع التصور الفعلي لما يجب أن تكون عليها أوضاعنا في كل نواحي الحياة وعلى كل المستويات إن نحن حققنا الإصلاح الشامل والتغيير العميق.. والتلخيص الأمثل لمخرجات الإصلاحات الشاملة هو [التوجهات المشار إليها آنفاً، ص9].
الفصـل الأول: محاور العملية الإصلاحية:
1. مدخل:
ومن كل ما تقدم لا بد أنه قد اتضح أنه يستحيل القيام بأي إصلاحات فعلية في أي جانب وعلى أي مستوى دون البدء بإصلاح سياسي حقيقي وعميق.. لما تمثله الإرادة السياسية والقرار السياسي لمنظومة الحكم ،التي تشكل جزءاً من المنظومة السياسية، من دور أساس لتفعيل الإصلاحات الشاملة لكل منظومات الحياة في مجتمعنا ،اقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية وثقافية وإعلامية وأمنية وعسكرية وخدمية ووظيفية...إلخ..
فالعملية السياسية لمنظومة الحكم، بمفاهيمها وآلياتها، لازالت في بلادنا، وفي الدول المتخلفة، هي المتسيِّدة على كل العمليات والمنظومات الأخرى التي تظل تابعة وخادمة للمنظومة السياسية التي تسخِّر كل آليات وإمكانات وهياكل ومخرجات تلك المنظومات لترسيخ وتجذير السيطرة والتسيِّد على كل مفاصل الحياة بما في ذلك إيقاع المعارضة ،كجزء من المنظومة السياسية، الذي أصبح في الدائرة الضيقة بعد إنهاكها بتحجيمها وتهميشها والتضييق عليها.
ونجحت معظم تلك الأنظمة في ذلك من خلال سيطرتها على كل المفاصل بصورة مباشرة في إطار الحكم وبصور مختلفة في إطار القطاع الخاص بحيث أصبحت معيشة الناس وسبل عيشهم وأعمالهم ووظائفهم وحركتهم وسكونهم وأمنهم رهناً بقبول أو رفض.. بسط أو قبض.. منظومة الحكم.
وهذا الأمر ليس خصوصية يمنية بل خاصية تشترك فيها معظم أنظمة الحكم في الدول المتخلِّفة، وإن بنسب متفاوتة.. وأخذت بلادنا النصيب الأوفر منها ومن التذاكي ،بالقيام بتغليف حقيقة الأوضاع، بالحديث المستمر عن ديمقراطية وتعددية وحرية تعبير لا تملك بلادنا منها سوى الشكل والهياكل منزوعة الروح والفعل والأثر .
وقبل أن نسترسل في عمق وتفاصيل الأسس والآليات لمخرجات الإصلاح الشامل.. فإن الإنصاف يستوجب أن نذكر أنه قد تحقق خلال مايقارب السبعة والعشرين عاماً المنصرمة ،من عمر الرئاسة الخامسة للجمهورية، الآتي:
1- وحدة الأرض ،وهو إنجاز هام ومحوري، وإن شابه تدهور حاد وخطير في وحدة البشر، الذين يُفترض أن يُشَكِّلوا السياج الواقي لوحدة الأرض.
2- إعلان القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية ،وذلك إنجاز هام آخر وإن لم يتحول إلى آلية حقيقية وفاعلة وواقع لتداول سلمي للسلطة ، بل استُخدم كأداة لترسيخ ما كان وظل قائماً وشكل أداة سُخرية من الديمقراطية وتشويهاً لها.
3- نقلة لا تُنكر في شبكات الاتصال والطرق وربط معظم المحافظات ببعضها وبالجوار في الجزيرة العربية.
4- حلٌ لمشاكل الحدود مع الجوار العربي والأفريقي.
5- بناء سمو الشيخ زايد بن سلطان –رحمه الله– سد مأرب.
6- تم استخراج النفط.
7- أُعلنت مدينة "عدن" منطقة حرة ، وإن بقي التنفيذ الفعلي والمتطور لا وجود له، وإن بقيت قوانين التأميم والمصادرة قائمة وانتشرت أساليب النهب والإستيلاء على الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة بفعل أهل النفوذ وقانون القوة السائد ،وكل ذلك أسهم و يسهم في تعكير الوئام الاجتماعي وفي غياب ثقة المستثمرين.
8- الإعلان بقبول الأخذ بنظام السلطة المحلية، وإن بقيت المجالس المحلية بلا صلاحيات قانونية فعلية وبقي اختيار المحافظين ومدراء المديريات مركزياً، وحتى وإن تمت الاستجابة لدعوتنا بانتخابهم فإن الصلاحيات الفعلية للمركز.
9- بناء جيش وأمن فاعل.. ولكن ظل فعله مقصوراً على حماية السلطة التنفيذية لا المجتمع، حيث انتشرت الفتن والاقتتال بين مكونات المجتمع والجرائم بصورة لم تشهدها بلادنا من قبل.
كما أنه من الإنصاف أن نذكر أن الأخ الرئيس يتمتع بقدر طيب من المرونة النسبية والذكاء التكتيكي الحاد والخبرة ،لأكثر من 26 عاماً في الحكم، والكرم والتسامح ،فيما لا يشكل مساساً بالصلاحيات المطلقة والمتسيِّدة للسلطة التنفيذية،.. ويعكر كل ذلك أنه يتجه أو يُدفع إلى أقصى درجات القسوة والبطش ،داخلياً، إن تصوَّر أو صُوِّر له أن ذلك يُرسِّخ السطوة ويحافظ على بقاء الأوضاع والمصالح القائمة و/أو يوسعها.
كثير من ذلك كفيل بأن يسجل صفحات ناصعة في التاريخ اليمني.. ونرى ،بأمانة وصدق، أنه لو وُجِّهت القدرات وتم التوجه بإرادة سياسية حازمة وحاسمة إلى الشروع العاجل في الإصلاحات الشاملة الحقيقية بجدية ومصداقية وتجرد ،وبعيداً عن الأساليب المعتادة، ووفق خطة واضحة المعالم وبشفافية كاملة والتخلَّص من العوائق المحيطة، لكانت كل قوى الخير وكافة فئات وشرائح الشعب موالية ومعينة على ذلك ولسُجِّلت أنصع صفحات التاريخ اليمني.. ولما كان هناك وجود لتلك الصراعات الموسمية المتكررة بين النظام والآخرين أو بين الآخرين وبعضهم بعضاً.
وإن تلكأ النظام وسوّف وانتظر ظروفاً اعتقاداً بأنها قد تساعد على تجاوز تلك الإصلاحات، أو زيَّن أحد له ذلك فإنه إنما يخدع نفسه أو يخدعه من يزيِّن له ذلك..
ومن هنا يبدأ صرف وتبديد، الرصيد الذي تحقق، وللأسف ذلك الذي يجري.. وإن كان بعض من هذا الرصيد جزئياً وشكلياً، فقد أصبح يُتخذ منه تكية يُكرر ذكرها في كل مناسبة حتى استُهلك جُلّ ذلك الرصيد أو كاد..
كما أن الحملات الخطابية ،لسنوات طويلة، على تفَشِّي فساد الدولة ووزرائها ومحافظيها وضباطها ومسئوليها قد أثارت وتثير الدهشة والاستغراب.. فمن الذي أتى بهم وبوأهم تلك المراكز؟.. ومن الذي يستمر في التجديد لهم وفي الترقية لمن يُفصل منهم إلى مركز أعلى يمكِّنه من فساد أعلى!!؟ وكيف يُسمح لفساد يعرفه الجميع بل ويعرفه الذين يعلنون الحرب عليه خطابياً من أعلى منابر السلطة بل ويعلنون معرفتهم بالذين يزاولونه؟!.. إن هذا لا يتأتى إلا إن كان الفساد وأهله من القوة بحيث لا يستطيع أحد وضع حد له ولهم..
ولا نقول أن كل مَنْ في السلطة راض بالفساد ويشجع عليه، ولكن إن كانت القدرة على تقليص الفساد وأهله قد فُقدت، فما الذي يستطيعه المواطن المسحوق الذي تتم مخاطبته وتشكو إليه السلطة العليا من الفساد والفاسدين؟!.. إن ذلك استهلاك للرصيد الذي يمكن أن يكون قد تحقق وهو قليل..
وإنه ،والحال هذه، لم يعد هناك خيار إلا الاتجاه إلى الإصلاحات الشاملة الفعلية والجادة قبل أن يُستهلك ما تبقى من رصيد..
ففي كل الأحوال فالإصلاحات الشاملة قادمة لا محالة.. وإن كانت قد تمت إعاقتها في المرحلة السابقة فلا يتأتى لنظام ،يصل الحد بأعلى سلطاته إلى وصفه ووصف كبار القائمين عليه بالفساد، أن يمنع عجلة الإصلاحات والتغيير من الدوران.
نقول ذلك من منطلق الحرص على الوطن ومستقبله وأيضاً من منطلق الحرص على الجميع وفي مقدمتهم فخامة الأخ الرئيس –فلا نضمر لأحد من الناحية الشخصية أي سوء– الذي قد يكون لايزال يمتلك القدرة على تجنيب الوطن ونفسه والجميع تكاليف أكبر ،وقتاً ومالاً وفرصاً ومعاناةً وصراعات يستمر تكرارها..الخ، لتحقيق الإصلاحات الشاملة والجذرية التي أصبح تحقيقها حتمي وضروري ولا سبيل لمنعها أو لوهم المراهنة على ظروف قد تأتي مستقبلاً و تمكّن المراهنين عليها من تجاوز عملية الإصلاحات الشاملة.!!.فقضية الإصلاحات مطلب وضرورة داخلية وطنية ملحة قبل وأثناء وبعد مرحلة القطب الواحد ،كما أن بلادنا قدأنهكتها سياسات المراهنات على التوازنات الخارجية بغرض المحافظة على الحالة اليمنية بعيداَ عن إصلاحات شاملة حقيقية وعميقة.
2. معطيات أسس وآليات المخرجات المتوخاة من الإصلاح السياسي الفعلي والشامل والعميق:-
أولاً: نظام الدولة (لا مركزية الحكم)
لقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن مركزية الحكم ،وفق نظام الدولة البسيطة، هي العامل الأساس:
- للترهل والفساد والبيروقراطية في منظومة الحكم.
- والعائق للتنمية.
- والمولَّد للغبن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
- ومن ثم للتباغض والتنافر.
- والقادح لشرر النزعات الانفصالية والتصادم.
- والحاضن والمحفز لكل فكر سلبي وافد أو راكد .
ويبرز ذلك بصورة أكثر عمقاً وعنفاً في البلدان والدول:
- حديثة النشأة.
- وطرية الاندماج.
- ومتنوعة الخصوصيات.
- ومتراكمة الصراعات.
- وانقسامية التاريخ.
إن تجارب الشعوب ومعطيات العصر وحركته السريعة وأهمية الوقت للتنمية الشاملة قد أفرزت وأبرزت حقائق ،لا مراء فيها، تؤكد أن نظام الدولة المركبة هو النظام الأمثل:
- لتحقيق العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
- ولإزالة أسباب الغبن.
- ووأد النزعات الانقسامية والانفصالية والتصادمية.
- وترسيخ وحدة الوطن أرضاً وبناء.
- وحدة البشر وتوادهم إنسانياً.
- ولتقليص الفساد.
- ومنع الترهل والبيروقراطية.
- ولتسريع حركة بناء وتنمية المجتمع.
- وتجذير الشعور المجتمعي بالمواطنة.
- وتحقيق الأمن والاستقرار.
- ولرفع وتيرة العوامل المحفزة للتنمية.
- وتنمية ورعاية المصالح المشتركة مع الغير.
وفي هذا السياق علينا أن ندرك حقيقة مسلمة ،أيضاً لا مراء فيها، أن ترسيخ وحدة اليمن أساس للأمن والاستقرار والتنمية محلياً ومفتاح للأمن والاستقرار إقليمياً.. وأساس لتأهيل بلادنا لدورها الهام والمحوري في المنطقة والعالم ،بصرف النظر عن ممارسات البعض المنفرة أو المهيجة للنزعات الانقسامية محلياً،.. وأنه لا تراجع عن هذا الأساس ،الوحدة اليمنية، ولا مساس به بل ترسيخ له من خلال التحول إلى نظام الدولة المركبة الذي يعتبر اليوم أرقى وأثبت وأصلب أشكال الوحدة والتوحد. وهو العلاج الوحيد للتدهور الحاد الذي يشوب وحدة العنصر البشري في بلادنا والناتج عن المركزية واعتماد نظام الدولة البسيطة في بلد عاش القرون الكثيرة دون دولة مركزية واحدة وعاش قروناً من التمزق والصراعات المناطقية والقبلية والشطرية وأحياناً الأيديولوجية والمذهبية.. مما أورث جذوراً وبذوراً للانقسامات والتمزق غطتها العواطف الصادقة والجياشة بإعلان الوحدة.. واستحثت نموها الصراعات وتغذي هذا النمو الممارسات ويهيِّجه الغبن وتشعل ناره المركزية..
وأي مثقف أو مطلع أو مدرك أو متابع لا بد أن يتيقَّن أن نظام الدولة المركبة هو أرقى وأصلب نظام توحيدي بطبيعته وإن دول العالم المتقدمة أو دول العالم الثالث التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال التقدم والتنمية تقوم على نظام الدولة المركبة.. ابتداءً من الولايات المتحدة الأمريكية.. مروراً بأكثر الدول الأوربية تقدماً.. ووصولاً إلى كوريا الجنوبية وماليزيا والهند...الخ.. وجميعها دول موحدة لا انفصال في أي منها ولا تفكير فيه ولا خوف مستقبلي منه.. ولا تنافر أو غبن في إطار أي منها.. بل أزالوا في دولهم كل عوامل الانقسام والتمزق وكل كوابح ومعوقات الاندماج المجتمعي وكل موانع الانفصال وتجاوزت شعوبهم حتى مجرد التفكير فيه أو حتى احتماله.. فهي دول لكل منها علم واحد وجيش واحد ورئيس واحد وحكومة مركزية واحدة وبرلمان بنظام مجلسين أو مجلس موحد وسيادة واحدة ونشيد واحد واستراتيجية اقتصادية واحدة وسياسة خارجية واحدة وقضاء أعلى واحد.. وفي كل مقاطعة أو إقليم أو ولاية أو محافظة (بالمسميات المختلفة) لها حكمها المحلي الكامل الصلاحيات وتسهم في المجرى العام لتنمية الدولة وفقاً للقوانين والأنظمة العامة والمحلية ،دون تعارض أو تضاد أو إعاقة أو كوابح،.. وتتم انتخابات المجالس المحلية ورؤساء وحدات الحكم المحلي.. وينص القانون على الصلاحيات الكاملة محلياً.
لذلك فإن أول أسس المخرجات المتوخاة من الإصلاح السياسي هو نظام الدولة المركبة القائم على نظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات والمنتخبة مجالسه ورؤساء وحداته انتخاباً ديمقراطياً حراً بإتباع نظام القائمة النسبية.. وقد طرحنا مشروعاً لقانون الحكم المحلي منذ أكثر من ست سنوات ودراسة لنظام الانتخاب وفق نظام القائمة النسبية. ( مرفقان ص 134 و177).
ثانيـاً: نظام الحكم:
يوجد في العالم المتقدم أو الذي قطع شوطاً نحو التقدم ثلاثة أنظمة للحكم.. كما توجد أنظمة خارج هذا السياق في كثير من دول العالم الثالث..
1] النظام الرئاسي الكامل.. وهو القائم على أن رئيس الدولة هو رأس السلطة التنفيذية ولا وجود لرئيس وزراء.. فمهام الرئيس تشمل رئاسته للحكومة أو للإدارة كما تسمى في الولايات المتحدة الأمريكية.. وبالتالي فإن الرئيس عرضة للنقد والمحاسبة والمحاكمة بصفته المسؤول الأول عن إدارة الحكومة.. وأشهر دولة تعتمد هذا النظام هي الولايات المتحدة الأمريكية.
2] نظام برلماني كامل.. وهو الذي يتولى الحكم فيه حزب الأغلبية المطلقة في البرلمان أو ائتلاف من حزب الأغلبية النسبية مع من يتفق معه من الأحزاب بحيث يشكلان /أو يشكلون معاً الأغلبية المطلقة في البرلمان (السلطة التشريعية) ويرأس الدولة إما ملك في البلدان الملكية أو رئيس يتم انتخابه من السلطة التشريعية في الغالب..
ورئيس الدولة يمثل سيادة الدولة ولا يزاول المهام التنفيذية.. وبالتالي فإن رئيس الوزراء و/أو أعضاء حكومته هم الذين تتم محاسبتهم ومراقبتهم برلمانياً.. وأشهر الدول المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وبلجيكا وتركيا وماليزيا وأسبانيا وإسرائيل.
3] نظام مختلط رئاسي ـ برلماني.. وهو الذي يتقاسم السلطة التنفيذية فيه رئيس الدولة المنتخب من الشعب ،بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مع رئيس الوزراء الممثل لحزب الأغلبية البرلمانية.. ويحدد الدستور والقوانين صلاحيات كل منهما.. وفي الغالب فإن رئيس الدولة يتولى مسئولية النواحي السيادية.. مثل العسكرية.. والسياسة الخارجية.. وينسق في ذلك مع الحكومة.. كما تتولى الحكومة النواحي التنفيذية الأخرى وفي أحيان كثيرة يأتي الرئيسان من حزبين مختلفين.. وأشهر الدول التي تعتمد هذا النظام فرنسا.
4] النظام الرابع.. ،في دول العالم الثالث،.. وهو الذي يتولى فيه الرئيس رئاسة الدولة بصفته الرأس الأعلى للسلطة التنفيذية.. وفي نفس الوقت يعين رئيس وزراء أو رئيس مجلس وزراء يتولى رئاسة الحكومة.. ولرئيس الدولة سلطات تنفيذية واسعة تفوق ،في الغالب، سلطات رئيس الوزراء وكلاهما من حزب واحد إلا إذا رأى الرئيس أن يعيّن شخصاً من خارج حزبه ويعمل وفق برنامج حزبه مع وجود سلطة تشريعية لا فعل أو أثر حقيقي لها.
والغريب أن الذي يراقبه ويحاسبه البرلمان (السلطة التشريعية) هو رئيس الوزراء الذي لا يقوم بشيء أصلاً إلا بتوجيه رئيس الدولة.
5] النظام الخامس.. ،في دول العالم الثالث،.. قد يتولى رأس الدولة رئاسة الحكومة أو يعين رئيساً لها يعطيه بعض الصلاحيات ولا محاسب لأي منها.. وهذه أنظمة بالذات تجري مراجعات وتتجه إلى إنشاء مجالس شورى أو برلمانات معينة أو منتخبة ،جزئياً أو كلياً، ولا فعل حقيقي لها وهي إما أن تملك صلاحيات استشارية أو تملك شيء من الصلاحيات التشريعية وفق توازنات يمسك بخيوطها رأس الدولة .
ما هو النظام الملائم لبلادنا ؟..
تلك أنظمة الحكم السائدة في العالم.. ونرى أن علينا أن ندرس بعناية ما يلائم بلادنا من الأنظمة الثلاثة الأولى القائمة على أسس ديمقراطية حقيقية..
أ) نرى أن النظام المختلط لا يناسب بلادنا.. فحدود رسم الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والعمل بها متعذرة في مثل بلداننا.. والمحاسبة ثبت غيابها.. وتم تهميش السلطة التشريعية.. فلا أثر لها في أي قضية ولا قدرة لها حتى على إلزام الحكومة بتنفيذ ما تلتزم به أمامها.
ب) أما النظام الرئاسي الكامل فسينجح في بلادنا إن تم في إطار فصل حقيقي وجاد للسلطات.. واعتماد إقامة نظام الدولة المركبة وفصل الخدمة المدنية عن الحكومة ومنع أي تأثير أو نفوذ لها عليها.. وإلغاء الإعلام الرسمي.. وإقامة نظام قضائي مستقل وقوي ونافذة أحكامه وله مكانته واحترامه التي لا تقل عن رأس الدولة وسلطتها التنفيذية.. عند ذلك يمكن الأخذ بالنظام الرئاسي القائم في الولايات المتحدة عندما نقوم في نفس الوقت باعتماد نظام الدولة المركبة وفصل السلطات الأخرى فيها من قضائية وتشريعية...الخ.. وهو نظام مرن ومتقدم ويعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة، محكومة بالالتزام بالقانون وبمعايير العملية الديمقراطية والشفافية ويخضع للنقد والمحاسبة.
جـ) أما النظام البرلماني فهو يهيئ نظاماً رقابياً ومحاسبة حازمة للحكومة ويعطيها صلاحيات تنفيذية كاملة.. وهو أيضاً ملائم إن أخذنا بنظام الحكم اللامركزي وفق نظام الدولة المركبة.
وجميع تلك الأنظمة تعتمد الفصل الحقيقي بين السلطات.. وفصل الخدمة المدنية والإعلام عن الحكومة، واعتماد نظام الدولة المركبة في الغالب منه.
في غياب التوازن الفعلي بين فئات ومناطق الوطن ،سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، فإن أي حديث ،عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والشفافية ونبذ التطرف ،بأشكاله المختلفة، وعن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والدور الإيجابي لبلادنا في المنطقة والعالم ورعاية وتبادل المصالح مع الآخرين...الخ، هو حديث لا جدوى منه ولا فعل ولا أثر له، بل مضيعة للجهد والوقت وارتهان للتخلف وإذكاء للتطرف والعنف والإرهاب والصراعات وتهييج لعوامل التمزق والتشظي.
وإن هذا التوازن المطلوب لا يمكن مطلقاً أن يكون له وجود إيجابي إلاَّ بالتحديد الدستوري الواضح الذي يعتمد "نظام الدولة المركبة"-لامركزية الحكم- و"نظام الحكم -الرئاسي أو البرلماني-".
وقد ينبري من يقول أن الأنظمة التي قامت على هذه الأسس قد قطعت أشواطاً كبيرة واستغرقها ذلك قروناً.. ونقول أنهم ما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من امتلاك عوامل التقدم والنهوض المادي والعلمي إلا لأخذهم بتلك الآليات واعتمادهم لتلك الأسس التي اعتمدوها كأسس منذ النشأة الأولى لديمقراطياتهم ثم استمروا ،ولازالوا، في تطوير الأدوات والوسائل التي تمكن آلياتهم من مواكبة النهوض والتقدم في المجالات المختلفة . وليس صحيحاً ،مطلقاً، أنهم استغرقوا قروناً لتحديد الأسس والمنطلقات . كما إن آليات ووسائل وأدوات الديمقراطية تلك وافدة منهم وليس علينا أن نعيد تجاربهم السابقة بل أن نبدأ من حيث انتهوا ونُكًـيِّف الأدوات والوسائل بما يتلاءم مع قدراتنا وإمكاناتنا.
وقد يأتي من يقول أن الديمقراطية ثقافة وتربية وسلوك ولا بد من أن نربي أنفسنا وأجيالنا عليها؟!.. ونقول إن الديمقراطية آلية لتنظيم علاقات سوية بين الناس وأن أسسها قائمة على أمور فطرية ،فطر الله الناس على تعشقها، مثل الحرية والعدل والمساواة والانتماء والحقوق والواجبات.. وأن ماليزيا لم يستغرقها استيعاب أسسها والأخذ بها سوى بضع سنين ثم انطلقت في بضع سنين لتحقق تقدماً مذهلاً بينما نحن ننادي بها منذ أكثر من نصف قرن.. وأعلنت السلطة قبولها بها منذ (14)عاماً، وكانت كافية لإقامة نموذج.. كما أن الهند التي أصبحت أكبر ديمقراطيات العالم ليست بأحسن حال منّا ،من حيث وعي وثقافة شعبها ومستواه المعيشي، بل أن تنوّع مجتمعها ،أدياناً ولغات وانقسامات وأعراقاً، وجهلاً وفقراً، لم يحل دون إقامة تجربة ديمقراطية.. ونهضة تقنية.
والعجيب أننا نأخذ بكل ما يفد علينا من غث وسمين مما يحتاج إلى تربية وتدريب ،لإتقانه ولاستخدامه الاستخدام السليم، ونأخذ بما يفد علينا من وسائل تقنية حديثة ،لا نتقن إلا الاستهلاك البدائي لها بلا جدية في فهمها وإتقانها، ولم نرشِّد هذا الاستهلاك ،ريثما نتجه أولاً لإتقان وصيانة ما نستخدم من وسائل وأدوات، بل نستورد أحدث منتجات العصر ،ولا ضير في ذلك، لكن إن أخذنا بمنطق أن الآخرين قد سبقونا بقرون فلماذا لانستورد منتجاتهم القديمة ونتدرج في الاستيراد للأحدث على مدى زمني؟!! .. ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق فطرية للناس استحوذ عليها المتنفذون وأقاموا أنفسهم أوصياء على أناس ليس منهم من هو أقل أهلية منهم نجد من ينبري ليحكم بأننا غير مؤهلين لرعاية أمورنا وأن شعوبنا تحتاج إلى تربية وثقافة "ديمقراطية" قبل أن يمارسوا حقهم الفطري في الحرية والديمقراطية!! فكيف سيتقنون قبل أن يُمكنوا من الممارسة؟! ومن الذي أقام أصحاب هذا المنطق كأوصياء على الشعوب يحكمون بعدم أهليتها؟! ومن أين لهم تلك الأهلية لإصدار هذه الأحكام؟! وكيف لا تستطيع شعوبنا ما استطاعته شعوب أخرى كانت ،إلى وقت قريب، أكثر تخلفاً وأقل ثقافة وأكثر فقراً وتمزقاً من شعوبنا؟؟! ثم يقفز سؤال أهم: ألا يحتاج من يُسَـيِّر شؤون الناس ،بعيداً عن شروط الحرية والديمقراطية الحقيقية والمحاسبة، إلى ثقافة وتربية وسلوك تؤهله لأن يحقق شروط إقامة الحكم السليم الصالح العادل..وتؤهله لأن يحدد ويقيس هذا التدرج المزعوم؟!! إن الجواب المنطقي: أن من يتولَّون شؤون الحكم بهذه الأساليب هم الأكثر حاجة لثقافة وتربية في شؤون الحكم السوي الرشيد، التـي لا بد أن تقودهم ،إن وُجِدت، إلى سرعة القبول بالإصلاحات الشاملة والعميقة المطروحة.
و قد ينبري قائل آخر بأنهم قد اكتسبوا خبرة طويلة أهَّلتهم وصقلتهم.. وهنا لا بد من الاعتراف بذلك ،إن قادتهم تلك الخبرة إلى استيعاب الضرورات الملحة للإصلاحات الفعلية، بل إنهم بذلك سيجعلون كُلْفة تلك الإصلاحات قليلة وعملية تنفيذها أيسر وأسرع.
أما إن رفضوا وسوَّفوا فإن ذلك سيضع علامات استفهام كبيرة على ما اكتسبوه من خبرة طويلة، وسيلقي بظلال كثيفة على ماهية تلك الخبرة، وعلى ماهية ثقافة الحكم التي اكتسبوها، وهل تشكِّل عاملاً إيجابياً ليساهموا في إصلاحات أم أنها عامل إعاقة للإصلاحات؟.. فإن شكَّلَت تلك الخبرة الطويلة عامل إعاقة لنجاح شراكة في الإصلاحات ،فهل تؤهلهم للاستمرار في التفَرُّد في هذه المرحلة الحاسمة من مسيرة التطور الكونية أم أنها خبرة سنة تكررت هي نفسها لسنوات كثيرة ستقودهم وتقود الوطن بهم إلى كارثة التمزق والصراعات؟.. من جهتنا فإننا سنكون الأكثر سعادة إن قادتهم خبرتهم تلك إلى استيعاب الضرورة الملحة والحتمية للإصلاحات.
ثالثـاً: السلطة التشريعية:
- لقد كنا منذ السنة الأولى لإعلان الوحدة، عام1990م، قد طرحنا نظام المجلسين ،مجلس نواب ومجلس شورى..، ثم أقمنا ندوة حول هذا النظام وملاءمته لأوضاع بلادنا، في العاصمة صنعاء، شارك فيها سياسيون ،من السلطة وخارجها، وأكاديميون.. قدّم فيها الدكتور محمد عبدالملك المتوكل ورقة حول هذا الأمر.
- كما كان حزبنا هو الحزب الوحيد الذي أورد ذلك في برنامجه الانتخابي عام 1993م.
- وتابعنا طرحه في مناسبات مختلفة وفي أدبياتنا.
وللأسف تم الأخذ بنظام المجلسين بطريقة مبتسرة وبآلية وأدوات وتركيبة وصلاحيات لا تحقق أي إضافة ايجابية حقيقية، وتم بناء على ذلك، إنشاء مجلس شورى إلى جانب مجلس النواب، وسنورد باختصار رؤيتنا حول هذا النظام ،أهدافاً وأسساً ومعاييراً وصلاحيات وآليات، وما تم من ابتسار وإجهاض للمستهدفات الحقيقية لهذا النظام.
1- أهداف وأسس إنشاء مجلس شورى ( أو أي مسمى يطلق عليه):
أ- يشكل إحدى آليات التمثيل الشعبي ،للوحدات المحلية، في هيئات صنع القرار في المركز.
ب- يشكل إحدى آليات التوازن في المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى المركز.
ج- يشكل آلية للاستفادة المثلى من مستويات أعلى من الكفاءة العلمية والخبراتية في السلطة التشريعية.. فهو جزء من السلطة التشريعية.
2- معايير العضوية:
أ- تحديد حد أدنى من المؤهلات العلمية (المعيار العلمي لعضوية مجلس النواب أن لا يكون العضو أمياً).
ب- أو حد أدنى لسنوات الخبرة اتضحت خلاله كفاءته ونزاهته.
ج- أو أن يكون العضو من أصحاب الأثر الإيجابي المعروف فكرياً أو علمياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.
د- أن لا يقل عمره عن ثلاثين عاماً.
هـ- التمثيل المتساوي للمستوى الأعلى من وحدات الحكم المحلي.. مع إعادة النظر في تقسيم الوحدات المحلية بحيث لا يعتمد المعيار السكاني وحده، وإنما يعتمد إلى جانبه المعايير الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
3- الصلاحيات:
أ- يشكل جزءاً هاماً من السلطة التشريعية.
ب- تحديد صلاحيات لكل من المجلسين في مجالات التشريع والمتابعة والرقابة والمحاسبة..
ج- تحديد صلاحيات مشتركة للمجلسين بآلية مشتركة لإتخاذ القرار في بعض القضايا الرئيسية.. ويرأس الجلسة المشتركة نائب رئيس الجمهورية.
د- في مشروعنا للتعديلات الدستورية أوردنا الخطوط العامة للصلاحيات المطلوبة..(مرفقة ص209).
4- آلية اختيار مجلس الشورى:
أ- قوام المجلس لا يقل عن 111 عضواً وتُمثَّل كل وحدة حكم محلي ،من المستوى الأعلى، بالتساوي.
ب- يقوم المواطنون في كل وحدة حكم محلي بانتخاب ممثليهم لعضوية مجلس الشورى باتباع نظام القائمة النسبية..، وقد طرحنا دراسة مقارنة حول هذا النظام تُثبت أنها الأنسب لبلادنا.(مرفقة ص177)
ج- يعين رئيس الجمهورية في أول مجلس عشرة أعضاء وفق نفس معايير العضوية وبما يعزز الأهداف والأسس من إنشاء المجلس.
وللمقارنة نورد باختصار الأهداف والأسس والمعايير والصلاحيات وآلية الاختيار التي تم بناء عليها إنشاء مجلس الشورى القائم.. مع الاحترام والتقدير لأعضائه كأفراد.
1)الأهداف والأسس:
أ- استيعاب وترضية أعضاء مجلس النواب السابقين الذين فقدوا مقاعدهم لسبب أو آخر.. وكذلك الوزراء والمحافظين والسفراء الذين لم يشملهم التعيين في السلطة التنفيذية عند كل تغيير أو تعديل وزاري أو حركة تغيير المحافظين والسفراء.
ب- استيعاب وترضية لبعض القيادات الحزبية في المعارضة الذين قبلوا بذلك.
ج- استيعاب وترضية لبعض الشخصيات الاجتماعية أو لكبار موظفي الدولة، مدنيين وعسكريين، الذين أحيلوا للتقاعد.
2] معايير العضوية:
لا تحديد واضح للمعايير.. وإن كان إعلامياً يقال "للاستفادة من الخبرات".. وإن صح القول إن منهم من اكتسب خبرة في الحكم لكنها خبرة لم تؤدِ لنجاح السلطات التنفيذية أو التشريعية التي كانوا يتولونها.. وقد يكون ذلك لأن النظام العام والآلية العامة للدولة لم تمكن أحداً منهم من تحقيق نجاح.
3] الصلاحيات:
لا صلاحيات مطلقاً في أي قرار. ومهام المجلس لا تزيد عن مهام المستشارين في رئاسة الدولة بل أن بعض المستشارين في رئاسة الدولة لهم أثر أكبر لأنهم يزاولون مهاماً بصفة يومية ويملكون منافذ مستمرة يومية تقريباً لإبلاغ مشورتهم وتسريب تأثيرهم.
أما مجلس الشورى فمهمته إسداء المشورة لرئاسة الدولة في القضايا التي تطلب الرئاسة المشورة فيها ولا قرار للمجلس أو إلزام في شيء مطلقاً.. إلا في لوائح إدارته لجلساته.
4] آلية اختيار المجلس:
أ) تم تحديد قوام المجلس ولكن لم يتم الالتزام به وظل مفتوحاً لتعيينات جديدة من الوزراء والمحافظين وكبار موظفي الدولة وقيادات الحزب الحاكم كلما أصبحوا وزراء أو محافظين أو موظفين أو قادة سابقين.
ب) يقوم رئيس الجمهورية بالتعيين لكل أعضاء المجلس والإضافة إليهم كلما ارتأى ذلك.
خلاصة القول.. إن مجلس الشورى ،الحالي، يمثل صورة مُجسَّـمة ومُجسَّـدة لكامل العملية الديمقراطية.. التي تقيم الهياكل والأشكال.. بلا مضمون أو أثر أو تأثير في شيء.
رابعاً: آليات العملية الديمقراطية
إن إصلاح آليات العملية الديمقراطية يشكل أحد أهم أسس الإصلاحات السياسية.. أهدافاً ونظماً ودستورياً وقانونياً.
1] الأهداف:
أ ( تحقيق المشاركة الشعبية الواسعة في القرار وفي إدارة شؤون الوطن.
ب ) تحقيق التوازن الفعلي في المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية...الخ بين كل مناطق الوطن وفئاته وشرائحه.
جـ) إشاعة قيم الحرية والعدالة بين الجميع.
د ) إشاعة المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص وإلغاء أي تمييز فيها على أساس مناطقي أو فئوي أو مذهبي أو حزبي أو على أساس الجنس.. الخ.
هـ) تحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.
و ) المراقبة والمحاسبة الفاعلة للسلطة التنفيذية.. ومنح الثقة وحجبها.
ز ) وضع ومناقشة وإقرار القوانين والتشريعات والدراسة والمناقشة والمصادقة على الاتفاقيات التي تبرمها السلطة التنفيذية مع الغير وتعديل أو رفض ما ترتئي تعديله أو رفضه منها.
ح ) مناقشة برامج وخطط السلطة التنفيذية وإقرارها بما يحقق المصالح العليا للوطن، أرضاً وإنساناً.
2] نظماً:
أ - كما ذكرنا آنفاً يتم اعتماد نظام الدولة المركبة كأرقى وأمثل نظام لأوضاع بلادنا ،مانعاً للتمزق والاختلال ومحققاً للتوازن والأمن والاستقرار والتنمية، وسبق لحزبنا أن طرح مبكراً مشروع قانون للحكم المحلي.(مرفق ص133).
ب - يتم الأخذ بنظام الحكم البرلماني أو الرئاسي وفق ما تم بسطه آنفاً.
جـ- كما ذكرنا آنفاً يتم اعتماد نظام المجلسين طبقاً للأهداف والمعايير والصلاحيات المشار إليها.
د - لقد ثبت أن نظام الانتخابات الفردية لا يتلاءم مع أوضاع بلادنا ولا يؤدي إلى توسعة المشاركة ولا يسهم في تحقيق التوازن الذي يشكل أهم المحاور للأمن والاستقرار والتنمية.. ولا يحقق هذا النظام التطوير المنشود للديمقراطية الناشئة ولا تعكس نتائجه التمثيل الحقيقي للمواطنين. ومن دراستنا للتجارب الإنسانية لنظم الانتخابات ولرؤى مفكرين بارزين ،أمثال د.سعد الدين إبراهيم..، وجدنا أن ما طرحناه منذ أكثر من 12 عاماً من مطالبة بالأخذ بنظام الانتخابات بالقائمة النسبية هو الأمثل لتحقيق أهداف العملية الديمقراطية في بلادنا والذي يمكن أن يسهم في تطويرها. (وقد قدم حزبنا دراسته العلمية ورؤيته حول هذا الأمر في الندوة التي عقدت في صنعاء قبل حوالي ثلاثة أعوام" مرفقة" ص177".
هـ- إن قوائم تسجيل الناخبين قد اعتراها كثير من التجاوزات المخلة بالعملية الانتخابية.. وحتى بعد إعادة النظر فيها قبل الانتخابات الأخيرة ،نتيجة لارتفاع الأصوات المطالبة بإزالة التزوير والتشوهات والتجاوزات التي شملتها، فإن إعادة النظر تلك لم تزل شيئاً يذكر من كل ذلك بل إن ما أزالته أضافت ما يعوضه ويزيد. لذلك لا بد من إعادة التسجيل وضبط وتصحيح سجلات الناخبين وفق آليات وأدوات مانعة لتكراره.
و - إن حرمان ملايين المغتربين ،في دول الخليج العربية وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا وأوروبا وأمريكا وغيرها، من حقهم الانتخابي الدستوري والإصرار على هذا الحرمان لم يعد مقبولاً ولا مبرراً.. ولا بد من التسجيل الدقيق لقوائم الناخبين في دول الاغتراب وفق آلية لا تسمح بتدخل السفارات لممارسة الإخلال والتجاوزات مع ملاحظة أن المواطن اليمني قد أجاز له القانون أن يحمل جنسية أخرى.. وبالتالي فإن حمله لجنسية أخرى لا يحرمه لا من جنسيته الأصلية ولا من حقه الانتخابي.
3] دستورياً وقانونياً:
إن الدستور والقوانين بحاجة إلى التعديلات اللازمة لاستيعاب تلك الإصلاحات السياسية المطلوبة فلا بد من إجراء التعديلات اللازمة وأهمها:-
أ) ما يتعلق بنظام الدولة.( اللامركزية).
ب) ما يتعلق بنظام الحكم.
ج) ما يتعلق بنظام الانتخابات.
د) أهمية النص على التداول السلمي للسلطة .
هـ) أهمية النص على أن حزب الأغلبية المطلقة في السلطة التشريعية يتولى تشكيل الحكومة واختيار أعضائها وأنه عندما لا توجد أغلبية مطلقة لحزب فإن حزب الأغلبية النسبية يشكل حكومة ائتلافية مع حزب آخر أو أحزاب أو مستقلين بحيث يشكل الائتلاف أغلبية مطلقة يتولى بناء عليها تشكيل الحكومة.. وعند عجز حزب الأغلبية النسبية عن تشكيل حكومة الائتلاف فإن الحزب التالي في عدد المقاعد في السلطة التشريعية يشكل حكومة الائتلاف.
و) ما يتعلق باستقلالية القضاء والفصل بين السلطات.
ز) ما يتعلق بقضايا الاقتصاد ،والتعليم ،واستقلالية الإعلام والخدمة المدنية، والتطرف
الفكري أو باسم الدين، والثروات الطبيعية ،وصيانة الممتلكات الخاصة والعامة..الخ
مرفق مشروعنا للتعديلات الدستورية ص209)
خامساً: الخدمة المدنيـة:
1- إن السلطة التنفيذية تسيطر على الخدمة المدنية أنظمة ولوائحا وتعييناً وترقية ومكافآت وتنقلات وعقاباً وفصلاً وتقاعداً من خلال وزارة للخدمة المدنية خاضعة لحكومة الحزب الحاكم مما حول الوظيفة الرسمية، في مؤسسات وهيئات السلطة التنفيذية وفي مؤسسات القطاع العام والمختلط، إلى أداة لسيطرة الحكومة والحزب الحاكم على حياة ومعيشة الناس وتسخير كل ذلك لمصالح الحزب الحاكم والمنتمين إليه وأداة ترغيب وترهيب وتوجيه واستغلال في العمليات الانتخابية على مستوى الدولة أو المحليات وابتكرت أساليب يتم بها تسخير الأصوات الانتخابية وتزوير سجلات القيد للناخبين وتجييرها للحزب الحاكم.. ويتم تطوير تلك الأساليب في كل انتخابات جديدة لضمان إعادة إنتاج نفس محصلة الانتخابات في كل دورة انتخابية.
2- وقد أدرك حزبنا منذ بداية الوحدة أهمية الأخذ بفصل الخدمة المدنية عن سيطرة وتسيير أي حزب حاكم، وطرح ضرورة فصل الخدمة المدنية عن الحكومة وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للخدمة المدنية يحكمها القانون وتخضع لرقابة السلطة التشريعية ويحاسبها القضاء ولا علاقة لها بتداول السلطة ولا سيطرة على أدائها أو توجيه للحكومة.. ولا بد من النص على ذلك دستورياً وصياغة قانون جديد للخدمة المدنية بموجب ذلك. (وسنعد مشروعاً لقانون الخدمة المدنية يتوافق مع مشروع الإصلاحات هذا).
سادساً: الإعـلام:
2] إن وجود إعلام رسمي وسيطرة السلطة التنفيذية على وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة والمكتوبة يشكل أحد أهم عوامل تغييب تكافؤ الفرص.. فالحزب الحاكم يملك ويسير وسائل الإعلام ،الوحيدة المؤثرة، طوال أيام السنة ولا يعطي لغيره من الأحزاب إلا مساحة محدودة جداً ولا تتجاوز الساعة المرئية والمسموعة والصفحة المقروءة ولمرة واحدة قبل الانتخابات بينما الترويج المستمر للحزب الحاكم ورموزه هو الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الرسمية طوال أيام السنين.. وهذا الأمر يشكل العامل الأساس في تشكيل وتشويه وعي المواطنين في كل محافظة ومدينة وقرية.. وتسخير ذلك للحزب الحاكم ورموزه ومرشحيه. أما الإعلام الحزبي فيقتصر على الصحف الأسبوعية التي لا تملك الأحزاب إمكانيات تطويرها ولا توزيعها على مستوى الساحة وبالتالي لا أثر لها يذكر.
3] لذلك.. فقد طرحنا منذ أكثر من 12 عاماً.. وفي برنامجنا عام 1993م أهمية إلغاء الإعلام الرسمي والبدء كخطوة أولى بفصله عن سيطرة وتسخير الحزب الحاكم وإنشاء هيئة مستقلة للإذاعة والتلفزيون يحكمها القانون وتراقبها السلطة التشريعية ويحاسبها القضاء، تمهيداً لتحويلها إلى قطاع خاص يتم تمليك العاملين فيها 50% من الأسهم ويتم بيع باقي الأسهم، وإفساح المجال لإنشاء قنوات تلفزيون ومحطات إذاعة خاصة وتحويل الصحف الرسمية إلى شركات خاصة مساهمة يُمنح العاملون فيها 50% من أسهمها وتُقسم عليهم بنسب يحددها القانون.
4] النص على ذلك دستورياً وصياغة القوانين المنظمة لهذا الأمر. (ويعالج هذا الأمر دستورياً مشروعنا للتعديلات الدستورية. وسنعد مشروع قانون يتوافق مع ذلك).
سابعاً: القوات المسلحة والأمن:
1] ما يجري هو تجاوز للأنظمة والقوانين المنظمة لها.. وتخضع التعيينات والترقيات والمكافآت والتنقلات والإحالة إلى التقاعد والفصل لإرادة الحزب الحاكم وتسخيره لهذه المؤسسات الهامة والمؤثرة.. واستخدامها في الانتخابات ونقلها وتموضعها لتشكل العامل المرجح في الدوائر الانتخابية ونقلها من مركز انتخابي إلى آخر ومن دائرة انتخابية لأخرى في يوم الانتخابات ليدلي كثير من منسوبيها بالأصوات لمرات متعددة في المراكز الانتخابية في الدائرة الواحدة وفي الدوائر الانتخابية المختلفة في المحافظة الواحدة ،بل وفي المحافظات المختلفة، باستخدام بطاقات انتخابية متعددة للفرد الواحد. كما يتم استغلال نفوذها وسلطتها للترغيب والترهيب لبسطاء المواطنين الذين يشكلون غالبية شعبنا. كل ذلك يرسخ إعادة إنتاج مخرجات الانتخابات في كل دورة انتخابية. والمسؤول عن تلك التجاوزات هي السلطة التنفيذية التي تستغل منسوبي تلك القطاعات بالترغيب والترهيب وتستغل الحالة المعيشية المتردية التي يقاسيها شعبنا والتي تشكل تلك القطاعات جزءاً من نسيجه وتقاسي ما يقاسيه.
2] ومن هذا المنطلق فقد قدمنا معالجات عملية لهذا الأمر في برنامجنا عام1993م.. تتلخص في أن يدلي منسوبو تلك المؤسسات بأصواتهم في مواقعهم ومعسكراتهم بإشراف لجان انتخابية من خارج تلك المؤسسات.. وكل فرد يدلي بصوته في صناديق خاصة بدوائرهم الأصلية لمحافظاتهم ومديرياتهم التي ينتمون إليها أصلاً على أن يتاح للمرشحين زيارة تلك المواقع والمعسكرات للتعريف بأنفسهم وبرامجهم ولتوعية منسوبي تلك المؤسسات بطرق وأساليب إدلائهم بأصواتهم ولطمأنتهم بأن كل فرد حر في إدلائه بصوته وأن سرية ذلك مكفولة.
3] من المهم جداً أن تتحول تلك المؤسسات بكامل فروعها ووحداتها إلى مؤسسات احترافية بعيدة عن الزج بها في معتركات التنافس الحزبي.. فهي الحامي للوطن والمواطن والحارس للدستور والقوانين وللعملية الديمقراطية . لذلك لابد من وضع الضوابط والأنظمة والآليات لمنع استغلالها واستخدامها كطرف أو كسند لطرف في العملية السياسية التنافسية لأن ذلك يشكل خطراً على الديمقراطية وكابحاً لتطويرها.
4] العناية بمنسوبيها ،علماً ومعرفة وسلوكاً وتدريباً ومادياً ومعنوياً.
5] الحرص على أن تكون ممثلة للطيف الوطني دون تمييز أو غبن ؛ وأن تتم مراعاة هذا الأمر في إعطاء الفرص المتكافئة في كلياتها ومعاهدها وبعثاتها الخارجية ومهامها واختصاصاتها وصلاحياتها وترقياتها وتنقلاتها.
الفصل الثاني : مجالات الإصلاح الشامل الأخرى:
الإصلاح القضائي:
إن القضاء هو السلطة الضابطة والمؤمِّنة لإيقاع الحركة والحياة في أي مجتمع.. وعندما كان للقضاء والقضاة الهيبة والمكانة ولأحكام القضاء المضي والنفاذ على الحاكم والمحكوم والكبير والصغير والقوي والضعيف والغني والفقير.. أمن الإنسان والمجتمع على دينهم ودياناتهم وأموالهم وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم فتحقق الأمن والاستقرار والرخاء والنهوض المعرفي، فكرياً وتجريبياً.. ونشاهد في عصرنا أن المجتمعات بقدر ما للقضاء فيها من الهيبة والمكانة والكلمة هي المجتمعات التي بنفس القدر تصان فيها الحقوق وتُؤدَى فيها الواجبات وتسود فيها قوة القانون ويتقلص فيها قانون القوة.. فيستتب فيها الأمن ويتحقق الإستقرار وتدور عجلة التنمية والنهوض.. لذلك فإن استباحة الحقوق في بلادنا وتدني القيم وامتهان إنسانية الإنسان وغياب الأمن والإستقرار وتدهور معيشة الناس وغياب التنمية الحقيقية.. كل ذلك مؤشر ودليل على ضياع لهيبة القضاء وغياب لمكانته واستباحة لقيمته وإلغاء لدوره وإذلال لرجاله.
إن الضمان للحفاظ على مخرجات الإصلاحات السياسية ولسلامة سير حركة الحياة، في كل مجالاتها، لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة الإعتبار للقضاء ورجاله، ليس مادياً فقط، ولكن معنوياً وهيبة وسلطة، كاملة الاستقلال، ونفاذاً حازماً وحاسماً لأحكامه وبتراً لكل من يحاول المساس به أو بأحكامه..
وعندما يتحقق ذلك:
أ ) يستقيم الإصلاح السياسي وتستقر الحياة السياسية.
ب ) يتحقق نجاح للإصلاح الاقتصادي ويأمن المستثمرون على أموالهم وممتلكاتهم وحقوقهم.
جـ) يتقلص الفساد ويرتدع المفسدون والفاسدون في كل مجال.
د ) تتقلص الجريمة.
هـ) تصان الحقوق العامة والخاصة وتتقلص الفتن الاجتماعية.(قبلية وغير قبلية).
و ) تصان الحريات وحقوق المرأة وحقوق الإنسان المستباحة.
ز ) تصان الأعراض.
ح ) بصفة عامة يتحقق ما نسمية "العدل الحر" و "الحرية العادلة".
لذلك لا مخرج إلا بإجراء إصلاح قضائي عميق وشامل يستهدف:-
الفصل بين السلطات:
أهمية مبدأ الفصل بين السلطات ودستور الجمهورية اليمنية:
1- يعتبر الشعب في مجتمعات النظم الديمقراطية الحديثة مصدر السلطات وصاحب السيادة. ويتولى الشعب مباشرة السلطة بذاته ومن خلال الهيئات الدستورية. ولقد أثبتت وثـبَّتت دساتير الدول الديمقراطية مبدأ الفصل بين السلطات بعيداً عن المزاجية والازدواجية ودون تشويه لذات المبدأ وذلك للحيلولة دون اجتماع السلطة في يد واحدة أو هيئة واحدة.
ويظهر التاريخ الحديث والمعاصر مدى الظلم والاستبداد الذي لحق الشعوب ومن بينها الشعب في اليمن – شماله وغربه شرقه وجنوبه – من جراء تركيز السلطة في يد واحدة. ودفع ، ومازال، استبداد وظلم الحكام إلى اندلاع انتفاضات وثورات الشعوب ضد المستبدين من الحكام وأعوانهم. وقد أشار الفقيه الفرنسي مونتسكيو في كتابه "روح القوانين" [The Spirit of Laws] (1748م) إلى أنه:
"إذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في يد شخص واحد، أو تركزت في هيئة واحدة فستنتهي الحرية there can be no liberty ..." ؛ واستطرد قائلاً: "أن الحرية السياسية لا يمكن أن توجد إلا في ظل حكومات معتدلة moderate governments غير أنها لا توجد دائماً، إذ أنها لا تتحقق إلا عند عدم إساءة استعمال السلطة. ولكن التجربة الأبدية: constant experience أثبتت أن كل إنسان يتمتع بسلطة لا بد أن يسيء استعمالها إلى أن يجد الحدود التي توقفه. وليس من الغريب، لكنها الحقيقة، القول أن الفضيلة ذاتها في حاجة إلى حدود (يوزع بالسلطان ما لا يوزع بالقرآن). ولكي لا يمكن إساءة استعمال السلطة، فإنه يجب أن يكون الأساس أن السلطة توقـف السلطة “that power should be a check to power”
والفصل بين السلطات هو أحد أهم المبادئ الراسخة في النظم الديمقراطية. وهو الضمانة الأساسية ،دون شك، في توزيع السلطة بين الهيئات الدستورية الثلاث:
الهيئة التشريعية.
الهيئة التنفيذية.
الهيئة القضائية.
ومبدأ الفصل بين السلطات لا يقبل تركيز السلطة في يد شخص واحد أو هيئة واحدة. ومن ثم فإنه يقف موقف النقيض من فكرة الجمع أو المزج بين السلطات. ( عبد الحميد متولي. الحريات العامة. نظرات في تطورها وضمانات مستقبلها. الإسكندرية. منشأة المعارف 1975م,ص83) .
ويقول المفكر الإسلامي الدكتور كمال أبو المجد "إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".
وبتثبيت مبدأ الفصل بين السلطات في الدستور سيكون التأكيد على رفض استبداد أي فرد أو قوة سياسية بالسلطة واضحاً وصريحاً. وستكون في نفس الوقت الضمان الدستوري ضد مخاطر استبداد الحاكم. ومن هنا يجب أن يفهم بمبدأ الفصل بين السلطات أن نشاط كل هيئة من الهيئات الدستورية الثلاث لا يجري في جزر معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض بل بالعكس فان عملها يتم في إطار من التعاون والتوازن فيما بينها ،بعيدا عن الازدواجية والخلط، وبالتالي يؤدي إلى ترسيخ وتطوير البناء المؤسسي للدولة.
وحيث أن دستور الجمهورية اليمنية المعدل الصادر بعيد توقف الأعمال الحربية صيف 1994م لم ينص على مبدأ الفصل بين السلطات.. كما لم ينص عليه التعديل الذي تلاه في فبراير2001م..
فمن الأهمية بمكان أن يثبت هذا المبدأ دستورياَ بصراحة وبوضوح لا لبس فيهما وذلك لضمان الفصل الحقيقي بين السلطات القائمة بصورة عامة ولتمكين القضاء من آليات سلطة تمكّنه من القيام بوظائفه السامية بعيداً عن هيمنة وسيطرة السلطة التنفيذية كما هو الحال في الماضي والحاضر علماً بان هناك العديد من الدول تنص دساتيرها صراحة على ذلك.
2- أن السلطة القضائية هي إحدى الهيئات الدستورية الرئيسية في الدولة.. وهي ليست سلطة فوق الهيئات الدستورية الأخرى – التشريعية والتنفيذية - بل هي سلطة دستورية مستقلة ومتساوية مع الهيئات الدستورية التشريعية والتنفيذية ، ولها وظائفها الخاصة بها التي هي من الوظائف العامة في الدولة.. وتقوم بين هذه الهيئة والهيئات الأخرى علاقة من التعاون في إطار مقتضيات السلطة التي تباشرها كل منها والوظيفة التي تؤديها.
وجدير بالإشارة أن الطريقة التي كانت ومازالت تدار بها شئون القضاء في بلادنا أثبتت فشلها الكامل.. وقد عبّر كتابة عن ذلك الأستاذ إسماعيل أحمد الوزير – وزير العدل الأسبق – حول إصلاح القضاء في الجمهورية اليمنية قائلا: "أن الوضع الحالي –للقضاء– سيء للغاية ويتطلب عملية عاجلة...". (إسماعيل أحمد الوزير، المعالم الرئيسية لخطة الإصلاح القضائي، مجلة الثوابت، العدد (11) يناير – مارس 1998م، ص 98). ومن الملاحظ بان ما طرحه الأستاذ الوزير كان في بداية عام 1998م.. ومنذ ذلك الحين لم يطرأ على القضاء ووضعه أي تحسن يذكر،سوى تحسين نسبي لمداخيل الكادر القضائي، بل بالعكس ازداد سوءاً. ويعبَر هذا بكل تأكيد عن العجز الذاتي في المنظومة السياسية.. ومن ثم الفشل في إجراء إصلاحات في مجال القضاء تؤدي إلى رفع المعاناة عن كاهل أفراد المجتمع ومؤسساته.
والغريب في الأمر إصرار المنظومة السياسية في المضي على الجمع بين السلطتين – التنفيذية والقضائية -.. والأغرب من ذلك أن النصوص الدستورية التي تتناول القضاء - السلطة القضائية - (انظر الفصل الثالث من الدستور الحالي) تحيل المسائل الأساسية إلى القانون.. وقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1990م الذي بدوره ينظم شئون القضاء وكأنه جهاز من الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية وليس سلطة قائمة بذاتها.. وهذا بحد ذاته يجرد القضاء من مكانته واستقلاليته.
ونبرز هنا فقط بعض الأحكام الدستورية المنظمة "للسلطة القضائية" ، وتلك النصوص التي يوردها قانون "السلطة القضائية" رقم (1) لسنة 1990م ، والمخالفة للدستور وأحكامه ، وذلك على النحو التالي:
تنص المادة (149) من الفصل الثالث الخاص بالسلطة القضائية من الدستور المعدل (2001م) على أن "القضاء سلطة مستقلة قضائيا...". ويأتي قانون السلطة القضائية المشار إليه لينص في المادة (1) على أن "القضاء سلطة مستقلة في أداء مهامه". وهنا يبرز السؤال التالي – ما هو المقصود ب "أداء مهامه"؟ وهل يقتصر دور هذه السلطة – القضاء – في "أداء المهام" فقط؟ أي تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها؟ أم أن المسألة يراد بها ،كما جاء في هذا النص، وبصفة عامة تحجيم هذه "السلطة" إلى أقصى درجة وجعلها جهاز من ضمن الأجهزة الخاضعة للسلطة التنفيذية؟!!..
وتنص المادة (152) من الدستور على أن "يكون للقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبين اختصاصاته وطريقة ترشيح وتعيين أعضائه". ويحدد القانون في المادة (104) تشكيلة مجلس القضاء الأعلى حيث يشير بان يرأس رئيس الجمهورية – هو في نفس الوقت رئيس السلطة التنفيذية - مجلس القضاء الأعلى بالإضافة إلى عضوية وزير العدل ونائبه ورئيس هيئة التفتيش القضائي في وزارة العدل [المادة (92) من القانون]. وهؤلاء هم أعضاء [أشخاص] السلطة التنفيذية. [أنظر كتاب القسطاس(2). تقرير العدالة 1998م. التقرير السنوي عن حالة استقلال السلطة القضائية ومهنة المحاماة (اليمن 1998 م , ص24]. وكما تشير هذه المادة إلى أن يعين رئيس السلطة التنفيذية - رئيس الجمهورية - ثلاثة أشخاص آخرين إلى عضوية هذا المجلس أيضا. فقانون السلطة القضائية رقم (1) جعل من مجلس القضاء الأعلى أحد أجهزة السلطة التنفيذية وذلك خلافا لما ينص عليه الفصل الثالث من الدستور باعتباره من المكونات الأساسية للسلطة القضائية.
تبرز المادة (153) من الدستور النافذ بأن المحكمة العليا للجمهورية هي أعلى هيئة قضائية ويحدد القانون كيفية تشكيلها ويبين اختصاصاتها والإجراءات التي تتبع أمامها. وتأتي المادة (11) من القانون لتنص على: " تؤلف المحكمة العليا من رئيس ونائب أو أكثر وعدد كاف من القضاة يصدر بتحديد عددهم عند التشكيل وعند اللزوم قرار من وزير العدل بالتشاور مع رئيس المحكمة بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى". وهنا يبرز السؤال التالي: لماذا لم يتم تحديد عدد قضاة هذه المحكمة في القانون طالما وأن الدستور قد حدد موقفه من ذلك؟ وتقرر المادة (59) من نفس القانون بان " يكون تعيين رئيس المحكمة العليا ونائبيه وقضاة المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية بناء على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى وذلك من بين قائمة أسماء تتولى هيئة التفتيش القضائي إعدادها للعرض على المجلس ...". والواضح بأن القانون بمادتيه (11و59) يؤكد من دون شك سيطرة السلطة التنفيذية الكاملة على القضاء. وهنا يمكن القول بأن هذه السيطرة أدت وما زالت إلى انتفاء حيادية واستقلالية ونزاهة القضاء..ومن الملاحظ أن المادة(104) من القانون كما هو حال المادة (59) منه تنصان على: "يكون لرئيس المحكمة العليا نائبين" ، اثنين ولكن تنص المادة (11) من نفس القانون على: "تؤلف المحكمة العليا من رئيس ونائب أو أكثر وعدد كاف من القضاة...".. وهنا نضع السؤال التالي: لماذا لم يتم تحديد عدد نواب رئيس المحكمة العليا بدقة وما هي الحكمة من ذلك ، إن كانت هنالك حكمة؟!!.
تنص المادة (149) من الدستور على: "القضاء سلطة مستقلة...مالياً وإدارياً...".. وتقرر المادة (89) من القانون "... يكون لوزير العدل حق الإشراف الإداري والمالي والتنظيمي على جميع المحاكم والقضاة...". [ أنظر المواد (11) و (39) و (45) و (54) و (65-66) و (91-92) و (95) و (111) و (118) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1990م].. فهذا النص القانوني جاء مخالفا للدستور إذ يثبت تبعية القضاء لوزير العدل.. ومن ثم للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
وجدير بالذكر أن هيمنة وسيطرة السلطة التنفيذية على القضاء لم تعد خافية على المواطنين وغير المواطنين.. والقضاء لم يعد سوى واحداً من الأجهزة التي تخضع للسلطة التنفيذية.. ومن هنا، دون شك، انتقلت جميع سلبيات السلطة التنفيذية وفي مقدمتها الفساد والإفساد واللامبالاة والفوضى والإهمال إلى "القضاء" مما أدى إلى عدم تحقيق العدالة.. ومن ثم فقد القضاء هيبته ولم يبقَ له سوى الشعار الذي ترفعه السلطة التنفيذية .
والسؤال الهام الذي يقلق الجميع: كيف يمكن للقضاء استعادة عافيـته وهيبتـه في غياب استقلاليته الكاملة وغياب آلية فاعلة لتنفيذ أحكامه؟ إن ذلك لا يمكن مطلقاً في غياب إصلاحات شاملة وعميقة وفي مقدمتها الإصلاح السياسي الفعلي.
الإصلاح الاقتصادي:
لقد سبق وطرحنا رؤيتنا حول هذه القضية الهامة.. وباختصار شديد فإن مقومات النمو والنهضة الاقتصادية موجودة في بلادنا بما يفوق وجودها وتنوعها في بلدان قد استطاع أهلها تحقيق النهوض الاقتصادي والتنمية المضطردة وسبقونا بمراحل كبيرة.. ومنها سنغافورة وهونج كونج وماليزيا وكوريا ودبي وغيرها.. إن أيّاً من هذه المواقع لا يملك ما نملكه من تنوع لمقومات النهوض.. والشئ الوحيد الذي امتلكوه ولم نمتلكه بعد هو أنظمة الحكم والتعليم وأنظمة الإدارة التي عملت لخدمة أوطانها وحققت لشعوبها مناخات التطور والإبداع وسخرت عقولها ومداركها وكفاءتها لبناء أوطانها.
أهم المقومات التي نملكها:-
1- الثروة البشرية العاملة والقابلة للتأهل علميا وتقنيا ومهاريا.
2- المناخ المتنوع.
3- المساحة الزراعية التي تستوعب زراعتها منتجات زراعية متعددة.
4- الثروة السمكية الهائلة، التي يتم العبث بها ونهبها وتدميرها.
5- الموقع الذي لا مثيل له تجاريا في المنطقة بل والعالم.
6- الثروة النفطية والمعدنية المهدرة عوائدها والتي تُنهب و تتآكل بفعل الفساد.
7- رؤوس الأموال الكبيرة التي يملكها مواطنونا في الخارج والتي يمكن أن تؤدي دوراً هاماً في التنمية لو وجدت مناخاً جاذباً.
8- الكفاءات والخبرات الإدارية والعلمية العالية التي يمكن أن تشكل عنصراً دافعاً للتنمية لولا المناخ الطارد في بلادنا.
9- تحويلات المغتربين من العملة الصعبة التي تشكل ما لا يقل عن 25% من الدخل من العملة الصعبة.
10- الدور الهام لبلادنا –بحكم موقعها الإستراتيجي– في المنطقة والعالم والذي يمكن أن يشكِّل عاملاً هاماً للأمن والاستقرار وجاذباً للاستثمارات ولتبادل المصالح مع الآخرين.
وللأسف ضاعت عقود من عمر شعبنا وأنظمة حكمه إما لا تدرك مقومات النهوض الاقتصادي أو أنها انشغلت وأشْغَلَت بالصراعات على السلطة و بتأمين البقاء في السلطة.. وبإفقار مواطنيها لينشغل الناس بتأمين معيشتهم.. فيما تنهب مؤسسات الفساد والإفساد ورموزه ثروات البر والبحر والشجر والحجر وتذل البشر.
الإصلاح الاقتصادي (الجاري) الخارب
بدأت ما سميت بعملية الإصلاح الاقتصادي منذ حوالي ثمان سنوات.. واقتصرت على:-
1- خطط على الورق لم ينفذ منها إلا جزئيا ماهو شكلي رغم أهميته وهو محاولات التصحيح الهيكلي.
2- أرقام عن معدلات تنمية على الورق يدحضها استمرار انهيار مستوى المعيشة.
3- مظلة اجتماعية للفقر والفقراء تم تخصيص مئات الملايين من الدولارات لها ، من مساعدات الدول المانحة، ويذهب معظمها إلى بالوعات الفساد منذ العام1997م ولم يذهب منها لما خُصص له إلا 30-40%.. ويظل الفقير يعاني بصورة أشد.
4- إعلان مناطق حرة نتيجته تزاحم المستثمرين ،الراغبين في الإسهام في بناء المناطق الحرة والاستفادة والإفادة، ثم تزاحمهم للهروب بجلودهم بعد أن عذبتهم الإجراءات الإدارية المتخلفة والأتاوات المفروضة وفرض الشراكة ،للرموز المتنفذة وأبنائهم، في شركات المستثمرين.. وبناء عليه انخفض عدد السفن التي تزور موانئنا.. وجاءت أحداث المدمرة "كول" والناقلة الفرنسية ليجد النظام المُبرِّر والشماعة بينما حدث عند غيرنا حوادث أسوأ ومع ذلك كان تاثيرها محدوداً حجماً وزمناً.. أما نحن فقد أصبحت "كول" مثل آل حميد الدين والسلاطين والاستعمار والتشطير وحرب1994م، وأضيف إلى القائمة "مرَّان" والحوثي، ذرائع وهمية إضافية لما نحن فيه نتيجة لسوء إدارة بلادنا ،بالأزمات والفساد.
5- مشاريع كثيرة منها ما هو وهمي ،عدا بعض الطرق والاتصالات الهاتفية التي كلفت بلادنا أضعاف ما كلَّفت غيرنا مثيلاتها.
6- من نتائج التصحيح الهيكلي.. انتشار لم تشهده بلادنا للفساد في كل الهياكل وبصورة علنية شبه رسمية حتى أن الشركات تتندر به وبرموزه الذين يطلبون ذلك علنا ويتابعون الدفع عبر التلفون مع بنوكهم في الخارج ومع مسئولي الشركات.. بل إنه أصبح من الطبيعي أن يقضي كبار رجال الدولة إجازاتهم على حساب الشركات في أوروبا وشرق آسيا وبصورة علنية يعلمها الجميع..وممارسة الشفافية في بلادنا لا وجود لها إلا في الفساد والإفساد ونشر الفتن وتمويلها.
7- تفشي للبطالة بلا معالجات.
وما يجري باختصار هو تخريب اقتصادي شامل ونهب علني.. وما يفيض من دخول نتيجة لعوائد النفط التي تضاعفت بارتفاع الأسعار يبتكر لها الفساد وأهله منافذ لنهبها عبر ملحقات يتم تقديمها إلى مجلس النواب مباشرة بعد إقرار الميزانية تحت مسمى "مواجهة حاجات ملحة" - قد تم صرفها في الأشهر السابقة لإقرار كل ميزانية- بمخالفة صريحة للقانون وبشفافية نهب علني وبقانون!! والعجيب أن تلك اإضافات بلغت قيمتها حوالي 30%من مبلغ نفقات الدولة لميزانية 2005م و25% من مبلغ نفقات الدولة لميزانية 2004م و20% منها لميزانية2003م..وهو أمر وابتكار لم تسبقنا إليه أكثر بلدان الدنيا فساداً..والغريب أن من تلك "الحاجات الملحة" ،التي تم صرفها، قطع غيار لمحطة كهرباء لم يتم استلامها وتشغيلها بعد!!.
وما نحن بحاجة إليه هو إصلاح اقتصادي وإداري ومالي ونقدي شامل يشمل الهياكل والتصحيح للأنظمة الإدارية والضبط والإصلاح المالي والنقدي.. كما يشمل نظام دقيق للمتابعة والمحاسبة..
إننا في عهد الشباك الواحد لإنهاء المعاملات وفي عهد المعلومات والتقنيات الحديثة.. ولن نستطيع أن ندخل بوابة هذا العصر بمفاتيح العملية الاقتصادية القائمة في بلادنا اليوم التي لا تصلح إلا لأبواب الفساد والإفساد..
وكل هذا لا يمكن أن يتم في ظل غياب إصلاح سياسي شامل وعميق.
مؤشـرات الاخــتلالات الاقتصادية وأثرها والتي تعكسها الحقائق والأرقام
مايلي مؤشرات لبعض الاختلالات الموثقة والبحوث والدراسات المنشورة. على أن ما لا ينشر وما يتم التستر عليه هو المتعلق بالجوانب الأكثر قتامة وفسادأ وتسيباً. وآثرنا أن نقدم بعض المؤشرات لبعض آثارها على الاقتصاد وعلى معيشة الإنسان في بلادنا.
البطالة:
بطالة مقنعة في كافة مؤسسات الدولة ومرافقها تتزامن معها ظاهرة الازدواج الوظيفي المريع وكمثال ما قاله العميد ركن علي محمد الكحلاني مدير عام المؤسسة الاقتصادية اليمنية رئيس مجلس إدارة الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية (يدكو) للجنة من مجلس النواب إلتقته يوم الأحد 4/7/2004م:" إنه يوجد حوالي ستمائة موظف في الشركة وما تحتاجه الشركة حوالي مائتين فقط ومعنى هذا أن الباقي حوالي أربعمائة موظف هم فائض (هذا العدد يشمل الموظفين الثابتين والمتعاقدين) وهذا بناءً على تقرير لجنة مشكلة من كلاً من وزارة الخدمة المدنية والهيئة العامة للمعاشات."( ويقاس على هذه الحقيقة مايجري في باقي المؤسسات).
أرقام رسمـــية:
- نسبة السكان الذين يقل دخلهم عن 2دولار في اليوم تبلغ 47% .
- معدل الالتحاق الصافي للأطفال في الفئة العمرية 6-14سنة لايتجاوز60% أي أن 2مليون طفل خارج نظام التعليم.
- معدل التغطية الصحية للسكان لا تتجاوز 50% ونسبة الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية تصل إلى 46% وكما أن معدل وفيات الأطفال تبلغ 97 لكل 1000مولود.
- نسبة السكان الذين لايحصلون على مياه مأمونة للشرب تصل إلى 64%.
- تغطية الكهرباء في الريف لاتتجاوز 30% ومن يحصلون على مياه مأمونة للشرب حوالي20% وتشكل الطرق الإسفلتية حوالي9% من إجمالي الطرق.
من حديث (باجمال للاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى في 2004م..)
مقتطفات من (التقرير الاستراتيجي اليمني عن عام 2003 ) الصادر عن المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية (يرأسه أ.د. محمد أحمد الأفندي):
- مرت أكثر من ثمان سنوات على بدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري.. إلا أن الملاحظ أنه وبعد مرور هذه السنوات الصعبة من عمر اليمن الاقتصادي فإن الإنجازات الاقتصادية المتحققة من البرامج الاقتصادية والسياسات والإجراءات المتبعة لم تأت ثمارها، بعد بالصورة التي كان يتوقعها المواطنون، فالحرمان والفاقة تزداد يوماً بعد آخر، والموازين الاقتصادية المختلة لاتزال في وضع متدهور لايشجع على التفاؤل بمستقبل اقتصادي جيد لليمن.
- تضاؤل فرصة اليمن في الحصول على عضوية مجلس التعاون الخليجي ، ومن ثم تدني فرصة اندماج الاقتصاد اليمني في إطار تكتل اقتصادي يساعده على الخروج من مشاكله الاقتصادية ويساعده على النهوض والتقدم.
- ومن خلال متابعة المؤشرات الاقتصادية الخاصة بمستويات الاستهلاك والادخار والاستثمار بلاحظ أن:
[أ] وصول معدلات الاستهلاك إلى مستويات مرتفعة جداً من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث بلغت نسبة الاستهلاك الكلي إلى الناتج المحلي خلال العام 2003م حوالي 83.3% و 84% عام 2002م مقارنة بـ72% فقط من الناتج المحلي عام2000م.
[ب] تراجع الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 19.2% عام 2000م إلى 16.9% عام 2003م.
[جـ] تراجع نسبة الادخار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 2.43% عام 2001م إلى 2.7% عام 2003م.
ومن خلال قراءة المؤشرات السابقة المتضمنة نسبة كل من الاستهلاك والاستثمار والادخار القومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، يمكن القول أن هناك مشكلة حقيقية يواجهها الاقتصاد اليمني تتمثل في إخفاقه في حشد الموارد المحلية وتسخيرها لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، حيث تشير البيانات إلى ارتفاع معدلات الاستهلاك داخل الاقتصاد الوطني على حساب معدلات الادخار والاستثمار.
[د] بلغ الناتج المحلي الإجمالي في العام 2003 بالأسعار الجارية حوالي 1959 مليار ريال (مابعادل10,6 مليار دولار) وبذلك يكون الناتج المحلي الإجمالي قد سجل معدل نمو يصل إلى , 8,3% وهو معدل متدن مقارنة بمعدلات النمو المتحققة خلال السنوات الأخيرة من عقد التسعينات وبالأخص بعد سلسلة طويلة من الإصلاحات الاقتصادي التي امتدت لثمان سنوات.
[هـ] يلاحظ أن الفائض في الميزان التجاري لليمني يتراجع حيث كان في العام 2000م حوالي 284مليار ريال تراجع إلى 153مليار ريال عام 2001م ثم 73مليار ريال عام2002م.
[و] النفط الخام يهيمن على صادرات اليمن وبنسبة تفوق 92% من إجمالي الصادرات باستمرار.
[ز] لاتزال اليمن غير قادرة على الوفاء بالشروط اللازمة لإنجاح الاستفادة من المنح والمساعدات وعلى رأسها عدم وجود مجتمع مدني نشيط وفعال يسهم في تحسين الأداء الحكومي، فضلاً عن حسن إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية الاستغلال الأمثل حتى يمكن الوصول بالاقتصاد اليمني إلى مرحلة النمو الذاتي. إضافة إلى ذلك تشير المؤشرات إلى سوء استخدام القروض ممايزيد العبء الاقتصادي للقروض ويقلل من آثارها المرجوة بصورة إيجابية.
[ح] عند دراسة مؤشرات التبادل التجاري بين اليمن والدول الخليجية، ومن خلال تتبع الإحصاءات الرسمية، يلاحظ غلبة الواردات اليمنية من الدول الخليجية على حجم صادراتها وبالتالي اختلال الميزان التجاري وبصورة كبيرة لصالح الدول الخليجية الأمر الذي يؤكد أن اليمن تعتبر امتداداً للسوق المحلية الخليجية.
بحوث ودراسات أكاديمية:
1- قيود على الاستثمار في الجمهورية اليمنية:
تناولت دراسة القيود البديلة على الاستثمار: قيد المدخرات المحلية وقيد النقد الأجنبي، موضوعها الدقيق من خلال أربعة فصول، عالج الفصل الأول الإطار النظري للدراسة، وعالج الفصل الثاني تطور هيكل الاستثمار الإجمالي في الجمهورية اليمنية، وخصص الفصل الثالث لدراسة تطور هيكل المدخرات الإجمالية فيما تم تركيز الفصلين الثاني والثالث على مكونات الاختلال الداخلي باعتبارها السبب في وجود اختلالات أخرى، وتطرق الفصل الرابع إلى تحديد القيد الفعال على الاستثمار والنمو: قيد المدخرات أو قيد النقد الأجنبي أو القيد المالي. وتوضح الدراسة التي هي أطروحة دكتوراه للباحث/ أمين محمد محي الدين ـ جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية: أن أسباب وجود مدخرات محلية سالبة في الاقتصاد اليمني هي انخفاض متوسط دخل الفرد، وارتفاع معدل الإعالة، وارتفاع الميل الحدي لاستهلاك الأسر الريفية بسبب زيادة التحويلات الخاصة إليهم، وارتفاع نسبة مساهمة القطاعات غير السلعية بالنسبة للقطاعات السلعية في الناتج المحلي الإجمالي، ووجود طاقات إنتاجية عاطلة في القطاع الصناعي، واتباع سياسة الإحلال محل الواردات بما تتضمنه من عوامل كامنة تؤدي إلى رفع معدل الاستهلاك وزيادة حيازة الأصول العينية في شكل عقارات وأراضي وتحسينات نوعية في إصلاح الأراضي.. وأظهرت الدراسة أن فجوة التجارة كانت هي القيد الحاكم للاستثمار والنمو.
2- تقييم استراتيجيات وبرامج التسويق السياحي:
تناقش الدراسة المؤشرات التي تدل على القصور الشديد في مجال السياحة والتسويق السياحي في اليمن ومن أهمها: قلة عدد السائحين القادمين إلى اليمن بالمقارنة بعدد السائحين القادمين إلى الدول العربية والانخفاض الشديد في نصيب اليمن من إجمالي عدد السائحين القادمين إلى المنطقة وتقول الدراسة المقدمة من الباحث عبد الكريم محمد الدعيس المدرس المساعد بقسم إدارة الأعمال كلية التجارة والاقتصاد جامعة صنعاء للحصول على درجة العالمية (دكتوراه الفلسفة) في إدارة الأعمال جامعة الأزهر.
إن نصيب اليمن بالمقارنة بنصيب الدول العربية لم يتجاوز في أحسن حالاته نسبة 0.6%. ومن المؤشرات أيضاً قلة الدخل السياحي للبلاد وتذبذب معدل نموه السنوي وضآلة نسبته من الدخل القومي ومن إجمالي صادرات البلاد، وكذا انخفاض مستوى الخدمات السياحية في البلاد وتدهورها وافتقار بعض المناطق ذات الجذب السياحي لتلك الخدمات مثل خدمات الإيواء والمطاعم ووسائل النقل والإرشاد بالإضافة إلى قلة عدد المنشآت السياحية في اليمن عموماً بحيث لا يزيد عدد فنادق الدرجة الأولى عن (6) وفنادق الدرجة الثانية عن (15) فندقاً فقط في جميع أنحاء البلاد.
وتمضي الدراسة للقول: يعاني الواقع السياحي اليمني من قلة عدد الليالي السياحية وانخفاض مدة بقاء السائح ومتوسط إنفاقه، أيضاً قلة عدد العاملين في النشاط السياحي بحيث لا يزيد إجمالي العاملين في القطاع السياحي عن (12136) عاملاً، أضف إلى ذلك تواضع الاستثمار في المجال السياحي، وعدم وجود مكاتب للترويج.
3- تسويق الأسماك في الجمهورية اليمنية:
ترى الدراسة تبايناً واضحاً في مستوى الصيد تبعاً لاختلاف وسائل الصيد المستعملة ومناطق الصيد وبالعوامل الإنتاجية الأخرى (تكنولوجية، إدارية، اقتصادية) والتي تستعمل بمقادير غير اقتصادية وتؤدي إلى هدر في استعمال الموارد. وعدم كفاءته في الإنتاج وارتفاع تكاليفه، ومن ثم انخفاض صافي الربح أو حدوث خسارة في بعض الأحيان. وباستفاضة تدرس هذه الأطروحة المقدمة إلى مجلس كلية الزراعة ـ جامعة بغداد من الباحث علي مهيوب ناجي الفقيه ـ وهي جزء من متطلبات درجة دكتوراه "فلسفة في الاقتصاد الزراعي": ضعف المعلومات التسويقية عن الأسواق المحلية والخارجية لدى الصيادين والوسطاء مما يعطي بعض الجهات قوة احتكارية في مواسم الذروة في الصيد والتسويق بسبب زيادة العرض وحدوث الاختناقات التسويقية وانخفاض الأسعار وارتفاع الهوامش التسويقية وانخفاض نصيب الصيادين من ريال المستهلك النهائي. ولاحظت الدراسة ضعف دور القطاع العام والتعاوني في العملية التسويقية فضلاً عن انخفاض كفاءة أداء الوظائف التسويقية المختلفة كالنقل والتخزين والتعبئة.
ملحوظة هامة:
في التقرير الصادر مؤخراً عن الجهاز المركزي للإحصاء يذكر أن صادرات الأسماك والأحياء المائية لعام 2003 بلغت 228116 طن بقيمة قدرها 6.380506 ريال!!(أقل من 28ريال للطن) وهذا رقم إما أن فيه خطأ أو نُقل خطأ أو أن خللاً فادحاً في إدارة تسويق ورعاية الثروة السمكية الضخمة والهامة في بلادنا. بل حتى لو كان الرقم بالدولار فإنه زهيد جداً ويساوي أقل من 28 دولاراً للطن أو أقل من 3 سنت للكيلوجراما في حين أن سعر أرخص الأنواع يساوي أكثرمن مئة ضعف هذا السعر إن افترضنا أن قيمة الصادر بالدولار أما إن كان ،كما نُشر، بالريال اليمني فإنه يساوي أكثر من 18 ألف ضعف(ثمانية عشر ألف ضعف)!! كيف ومعظم ما يتم تصديره من أسماك يعتبر من أجود وأغلى الأنواع عالمياً. بل لو كان الرقم المنشور ستين مليون دولاراً بدلاً عن ستة مليون لبقي الفرق مهولاً.!!
عقدان من الزمن على إنتاج النفط في اليمن: الثروة النفطية.. مغالطات ومستقبل يكتنفه الغموض
15/10/2004 الصحوة نت - خاص - تقرير: مصطفى نصر
"مرور عقدين من الزمن على إنتاج أول شحنة نفطية يمنية كان فرصة لاحتفال الحكومة ومعها شركة هنت في حوض مأرب الجوف الأربعاء الماضي ، إلا أن مشاعر المواطنين تختلف في النظر لهذه النقلة التي كانوا ينظرون إليها بتفاؤل. النفط في اليمن يشكل حوالي 70% من موازنة الدولة السنوية، ومع ذلك لا يزال الأكثر حظا من الإشاعات سواء في الكميات التي تقتطع لذوي النفوذ أو الفضائح النفطية التي ظهرت إلى السطح مؤخرا وبقوة .
إن عقدين نفطيين لليمن يستحقان منا أن نتوقف لحظة لنتساءل هل استغلت اليمن ثروتها النفطية كما ينبغي؟ وماهي الأسرار التي تكتنف هذه الثرة الجوفية.
" من حيث المبدأ لا نستطيع القول أن النفط لم ينعكس بشكل إيجابي على أوضاع البلاد " يقول ذلك النائب البرلماني على عشال عضو لجنة التنمية والنفط في مجلس النواب لكنه يتساءل هل تمت الاستفادة الحقيقية فعلاً بما يوحي أننا استخدمناه استخداما أمثل؟ إنها فكرة قابلة للنقاش . النائب عشال يقول لـ «الصحوة نت »: رغم أن النفط يشكل 68-70% من حجم الإيراد العام لموازنة الدولة إلا انه إلى حد كبير لا يدار هذا المورد إدارة صحيحة لاعتبارات عدة ومنطلق هذا القول مبني على عدة حقائق أصبحت معلومة للجميع، فالاتفاقيات مع الشركات توصم بأنها سيئة ومن أردأ الاتفاقيات المتعارف عليها دولياً لأنها في الحقيقة لا تتمتع بشفافية. كما أن التسويق للقطاعات النفطية مسألة يكتنفها الكثير من الغموض، فعرض القطاعات النفطية لا يتم من خلال منافسة للحصول على أكبر مردود وإنما بالاتفاق المباشر مع طرف دون آخر.
ويضيف عضو لجنة التنمية والنفط: للأسف لا توجد إدارة رشيدة في متابعة ومراقبة العمليات النفطية للشركات التي تتمتع بالامتيازات النفطية وإنما تهدر الكثير من الموارد من قبل هذه الشركات وتحمل على نفط الكلفة الذي يستقطع بدرجة أساسية من عوائد البلاد وللأسف الشديد أن هذا العبث يحدث بتواطؤ من أطراف داخلية، ولك أن تتصور أننا ونحن بعد عقدين من إنتاج النفط لا نمتلك شركة وطنية يمكن أن تصبح هي المشغل الوطني لقطاعاتنا النفطية وتؤول إليها إدارة هذه القطاعات بعد انتهاء فترة الامتياز للمقاولين، بينما في دولة مثل ماليزيا تنتج كمية متقاربة مع ما ننتجه من النفط. أصبحت شركة بتروناس الوطنية من كبرى الشركات العالمية التي تشتغل في بلدان كثيرة في العالم حتى نحن في اليمن جاءت إلينا.
أرقام وهمية:
تتهم وزارة النفط بأنها ليست شفافة، ويؤكد على عشال: أن القطاع النفطي يكتنفه كثير من الغموض حتى مسألة تسويق النفط تثار حولها علامات الاستفهام، كيف يشحن النفط؟ وما هي الأسعار التي يقدر بها؟، وهل نفطنا يقارب في أسعاره عند البيع خام برنت؟ هذه مسائل بحاجة إلى إجابات تزيل اللبس؟! ويضيف: إن ما أثير من فضائح نفطية مؤخراً كان أبرزها صفقة بيع النفط في القطاع 53 في حضرموت غيض من فيض، و الحقيقة أن حجم غياب الرقابة على هذا القطاع تعكس غياب العمل المؤسسي في البلد، لا يوجد تراكم لعمل مؤسسي منضبط وأجواء مفتوحة لممارسة الدور الرقابي وبالتالي نحن في بداية إرسائنا لأعراف في الحياة السياسية لتنمية تتبع لمؤسسة مثل مجلس النواب أن تضطلع بدور رقابي. يعتقد العديد من المتابعين لشؤون النفط انه إذا تمت إدارة قطاع النفط سنحصل على زيادة بمقدار 50% مما نتحصل عليه سنوياً. بمعنى أن 50% من حجم النفط تهدر بسبب الفساد المتفشي في هذا القطاع. يتهم عشال وزارة النفط بالمغالطة ويقول: كل هذه الحسابات التي تقدمها مبنية على جملة من المغالطات، ومن خلال اطلاعنا نجد أرقاما متناقضة توحي أننا أمام سياسات نهجها المغالطة، وبالتالي تشكك في كثير من الأرقام حتى وان سلمنا بها لعدم امتلاكنا بديل لها، وهذا ليس تجنيا وإنما هو جزء من التناقض والتلاعب بالأرقام.
ويدلل على ذلك بالقول إن فوارق أسعار النفط كان قد أوصى مجلس النواب أكثر من مرة أن تورد إلى حساب خاص لمراقبة هذا المورد، لكن للأسف تأتي الحكومة باعتمادات إضافية لا تعكس فوارق الأسعار، إذا لماذا ترمي الحكومة بهذه التوصية عرض الحائط ونفاجأ باعتمادات إضافية لموازنات تحقق وفور.
نفتقر للإدارة الرشيدة:
الخبير الاقتصادي الدكتور سعد الدين بن طالب يستعيد في ذكرى إنتاج النفط مراحل تاريخية معينة، يقول في تصريح لـ «الصحوة»: اليمن تعيش في الجزيرة العربية التي تنتج معظم دولها كميات نفط كبيرة مع عدد قليل من السكان، و كان الحلم يراود اليمنيين قبل الوحدة باكتشاف النفط حتى تلحق بالدول المجاورة، وفعلاً كانت الآمال كبيرة معلقة على اكتشاف النفط في حوض مأرب في بداية الثمانينيات وفي نهاية الثمانينيات في حوض المسيلة في الجنوب.
ويعتقد بن طالب انه ربما يكون اكتشاف النفط له دور أساسي في تحقيق الوحدة اليمنية، ويضيف: بعد الوحدة كانت حكومة العطاس تصرح بأنها عند منتصف التسعينيات ستصدر اليمن 2 مليون برميل، فتبع ذلك تصاعد كبير في الآمال لأن تكون اليمن دولة نفطية وتحل بذلك مشاكلها الاقتصادية وتحقق طموحات الدولة الموحدة الجديدة. ومع مرور السنوات اتضح أن كميات النفط التي أمكن اكتشافها قليلة ولا تتجاوز احتياطها 3 مليار برميل، وكان ذلك واضحاً منذ منتصف التسعينيات. ونفس الانتكاسة في الطموح حدثت لعدم قدرة اليمن مع شركائها في استغلال الغاز المكتشف وتلازم مع ذلك آثار حرب الخليج الأولى التي بسببها عاد كثير من المغتربين من دول الجوار وهم مصدر كبير للعملة الأجنبية في اليمن.ومنذ منتصف التسعينيات تعاقدت اليمن مع المانحين الدوليين على برنامج إصلاح اقتصادي كان يفترض أن يؤدي إلى تحرر الاقتصاد اليمني وجلب استثمارات خاصة كبيرة، وللأسف اتضح بعد ما يقرب من عشر سنوات أن ذلك لم يتحقق.
وفي ظل هذه الانتكاسات الاقتصادية هناك معدل نمو سكاني مرتفع جداً يتجاوز 3.5% سنوياً واليوم يتضح لنا بأنه لم يتبق من ذلك الاحتياط النفطي إلا مليار و 300 مليون برميل فقط، مما يعني أنه بمعدلات الإنتاج الحالية سينضب النفط اليمني بحلول عام 2012م، أي بعد ثمان سنوات إذا لم يكن هناك اكتشافات جديدة كبيرة الحجم" .
النائب البرلماني السابق سعد الدين بن طالب يقول: إن اليمن يواجه في الظروف الاقتصادية الحالية تحديات كبيرة جداً مما يشير بأن اليمن دخلت الحقبة النفطية وستخرج منها دون أن تحقق للشعب اليمني أي استفادة حقيقية من هذه الثروة حتى الآن لم نستغل الثروة استغلالا حقيقيا لأننا لم نحقق بها أي نسبة تحفيز تجلب الاستثمار وإن وجود الثروة النفطية مهما بلغت في حجمها بدون إدارة رشيدة في مردودها لا تؤدي إلى تراكم الثروة بيد الشعب، فالثروة الحقيقية هي أن يتحول الشعب إلى شعب منتج وكان يجب على الدولة أن توفر ما يسهل هذا التحول كالبنية التحتية والكفاءة البشرية والبنية التشريعية والإدارية". ويؤكد بن طالب: لا توجد إدارة رشيدة، ويدلل على ذلك بالحالة الاقتصادية التي نحن عليها اليوم وعدم وجود قوة إنتاجية حقيقية خارج النفط .
وحول الأسرار التي تكتنف هذا القطاع قال: الشعب في عمومه ليس لديه معلومات واضحة عن كميات الإنتاج، بل لا تزال قطاعات واسعة تعلق آمالا كبيرة على مستقبلنا النفطي، ويقابل ذلك من الحكومة بعدم الوضوح بكميات الإنتاج أو بأسعار البيع حتى أن هناك تحايلا كبيرا في موازنة الدولة لتسعيرة النفط بأقل من سعره الحقيقي في السوق، مما يؤدي إلى تراكم أموال لم يكن معمول حسابها في ميزانية الدولة ويتم التصرف بها خارج الموازنة أو بالاعتماد الإضافي.
أما فيما يخص الغاز فكان أقل ما يمكن عمله منذ سنوات طويلة هو أن تستغل في توليد طاقة كهربائية رخيصة يستفيد منها قطاع الزراعة والصناعة وتخفف من معانات المواطن من التكلفة العالية للكهرباء.
نضوب النفط:
يلخص الدكتور سعد الدين رؤيته بالقول: إن احتياط النفط في بلادنا والذي يمثل الإيراد الرئيسي لموازنة الدولة في طريقه إلى التقلص والنضوب، خلال ثمان سنوات وفقاً لأحدث تقرير للبنك الدولي، وللأسف لم يظهر لنا حتى الآن أن الدولة قد فكرت وخططت للبديل، وهذا أمر يصيب بالفزع لدى العارفين بالأمر. وإني أرى أنه لا حل لهذه الكارثة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلا بوجود حكم رشيد بكل ما يحمل من ذلك جوانب. ويؤسفني أن اقول ان هناك تراجعا في تحقيق شروط الحكم الرشيد وبالذات في مسألة غياب المساءلة مما أدى إلى تفشي الفساد بصورة كبيرة. وتمني ان تؤخذ هذه المسألة مأخذ الجد وأن تناقش على كافة المستويات مناقشة جادة وعلمية لأنه لم يبق لدينا وقت طويل للتحايل على إصلاح أنفسنا".
البنك الدولي يحذر من فشل تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية
Tuesday, October 12/2004
الموضوع: اقتصاد
رأي نيوز- متابعات/ حذر البنك الدولي الحكومة اليمنية من فشل تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية اذا لم تلتزم السلطات بتنفيذ البرنامج وفق ما اتفق عليه وترفع من مستوى ادائها. وأشار تقرير أعده البنك الشهر الماضي سلم لليمن أن اقتصاد البلاد يواجه تهديدات حقيقية ولا أمل للحكومة اليمنية في استمرار الدعم في ظل غياب الإصلاحات الأمر الذي جعل الحكومة تقدم على طرح إصلاحات جديدة أمام البرلمان بغرض رفع أسعار المشتقات النفطية تم رفضها بإجماع النواب ليعززوا موقف البنك الدولي في قوله إن الحكومة لم تنجح في تنفيذ برنامج الإصلاحات. ورصد البنك الدولي ما أسماه إخفاقات خطيرة في تحقيق الإصلاحات إذ عجزت الحكومة عن انتهاز فرصة ارتفاع أسعار النفط العالمية للمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والتمهيد لتأمينات تنموية تقوم على موارد غير نفطية.وأعاد التقرير أسباب ذلك العجز إلى الحرب على الإرهاب والانخفاض غير المتوقع في إنتاج النفط حيث شهد هذا الجانب تدهوراً كبيراً منذ فبراير الماضي الأمر الذي فجر مخاوف من استنفاد الاحتياطي النفطي الذي سيستمر لقرابة العقد. وقال التقرير الذي جاء بعد أيام من انتقادات حادة وجهها مدير مكتب البنك الدولي في اليمن إن التطور الذي كان متوقع الحدوث قد افسد في الستة أشهر الماضية بسبب الإدارة الاقتصادية الضعيفة والإصلاحات المنهارة والمردود النفطي السلبي. ووصف التقرير السياسة الحكومية بأنها اقل من معدل النمو السكاني وأنها ترافقت مع هبوط إنتاج النفط وتضاعف التضخم المالي حتى بلغ التضخم نسبة 13% وكان العجز المالي 0,6% في الأشهر الماضية من العام الجاري.وأظهر التقرير أن التباطؤ في النمو بدأ منذ عام 2001 أي الفترة التي تولى خلالها رئيس الوزراء الحالي عبدالقادر باجمال مسئولية الحكومة وان معدل مستوى دخل الفرد تأثر بفعل ذلك ويستمر ذلك خلال السنوات التسع المقبلة. وأضاف إن الصادرات اليمنية من غير المنتجات النفطية انخفضت في العام الماضي بنسبة 13% وفي العام الحالي وصلت الى 19%، وفيما يخص الإصلاحات في قطاع الخدمة المدنية قال إنها غير مرضية أبداً لأن الحكومة أقرت زيادة مرتبات الموظفين وأهملت الجوانب الأخرى خصوصاً الاستثمارات، إذ لا يتجاوز معدل الاستثمارات في القطاع الخاص 13%.
الفاو: أكثر من 9 ملايين يمني يعيشون غير آمنين غذائياً وشبوة تحتل الصدارة
Wednesday, October 13/2004
الموضوع : اقتصاد
كشفت منظمة الأغذية والزراعة الفاو أن ما يقارب من 48% من الأسر المعيشية في اليمن تعاني من حالة انعدام الأمن الغذائي وهي غير آمنة غذائياً بصورة عامة فيما يقع 21.7% من اليمنيين في صورة مؤكدة داخل خانة الغير آمنين غذائياً.
وبحسب النتائج الأولية لمسح مشروع الأمن الغذائي (FIVIMS) الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء على عينة شملت 112413 أسرة معيشية خلال شهر يونيو 2003 ضمن أنشطة التعداد الزراعي الأول من خلال أخذ بيانات 84944 أسرة معيشية وزراعية و27469 أسرة غير زراعية من كافة محافظات الجمهورية بما فيها أمانة العاصمة، وجد أن ما يقارب من تسعة ملايين يمني يعيشون ضمن أسر معيشية يمنية كانوا غير قادرين على تناول غذائهم المعتاد في أحد الأوقات خلال السنة السابقة للمسح أي عام 2002م كما أن نسبة انعدام الأمن الغذائي كانت أعلى في محافظة شبوة وبنسبة 85.6% يليها صعده بنسبة 69.8% وحجه بنسبة 66.2% ثم إب بنسبة 60.2% فالحديدة45.5%والمهرة50.4%.
وأشارت النتائج إلى أن هناك ما يقارب من 3.9 مليون فرد في حوالي 527 ألف أسرة وبنسبة 21.7% من الأسر اليمنية باتوا يعيشون في حالة أسمتها غير الآمنة غذائياً إذ وجد أن 13.8% من تلك النسبة للأسر أصبحت تفوت أحدى الوجبات في أحد الأيام خلال العام السابق للمسح وتندرج تحت الوصف غير آمنة غذائياً مع جوع معتدل بينما 7.9% من الأسر المعيشية يمكن وصفها بأنه غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع الشديد أي أنها لا تتناول الطعام ليوم كامل أحياناً لعدم توفره وبلغة الأرقام قالت النتائج الأولية أن 335.500 أسرة معيشية تعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع المعتدل مقابل 91.700 أسرة معيشية غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع الشديد وبالنسبة للأفراد فهناك 205 مليون يمني يعيشون ضمن أسر معيشية غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع مشيرة إلى أن انعدام الأمن الغذائي والجوع المعتدل ظهر في محافظة شبوة عند أكثر من ثلث السكان ما يعادل 33.4% إذ قام بعض أعضاء الأسر البالغين بتفويت وجبة معتادة لعدم توفر الطعام ومن المحافظات الأخرى التي ظهر فيها انعدام الأمن الغذائي مع الجوع المعتدل بنسب كبيرة محافظة صعده بنسبة 20.9% من الأسر المعيشية وحجة بنسبة 15.5% من الأسر المعيشية والحديدة بنسبة 18.9% من الأسر المعيشية والمحويت بنسبة 18.6% أما في حالة انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد فقد ظهرت هذه الحالة بشكل واضح في محافظات صعده بنسبة 19% وحجه 16.5% والجوف 15% في حين تميزت محافظة شبوة التي تعاني من أعلى نسبة انعدام الأمن الغذائي في الجمهورية وبنسبة 43.5% بأن معظم الأسر المعيشية غير الآمنة غذائياً تعاني من الجوع المعتدل وليس الجوع الشديد.
وأضافت: أن أكثر من نصف من يعانون من انعدام الأمن الغذائي موجودون في أربع محافظات هي إب والحديدة وتعز وحجة وجمعت هذه المحافظات 54.1% من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن و 85.1% من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن والجوع المعتدل. فيما شكلت محافظات إب والحديدة وحجة وصعدة المحافظات ذات النسب الأعلى من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد إذ جمعت 51.6% من الأسر المعيشية التي تعاني الجوع الشديد.
ويعد مشروع الدعم لإنشاء نظام وطني معلوماتي حول انعدام الأمن وعدم الاستقرار الغذائيين في اليمن (FIVIMS) أحد المشاريع الممولة من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ويهدف بشكل رئيسي إلى زيادة الاهتمام على المستوى الوطني وتوجيه الأولوية نحو مشاكل وقضايا انعدام الأمن الغذائي لضمان إدخال تلك القضايا ضمن البرامج والسياسات الوطنية ولتحسين نوعية وكمية ووقتية وإمكانية الاعتماد على البيانات ونتائج التحليل المتعلق بالأمن الغذائي على المستوى الوطني وعلى مستوى المناطق ويمثل مسح انعدام الأمن الغذائي في اليمن خطوة مهمة نحو بناء قاعدة معلوماتية تستطيع من خلالها الحكومة تبني برامج الرقابة على سياسات تخفيف انعدام الأمن الغذائي ومستوى التغذية على المدى الطويل كما تعد اليمن الدولة الأولى على مستوى العالم التي تقوم بتطوير وتنفيذ مسح أسرة حول الأمن الغذائي ضمن برنامج المعلومات حول انعدام وعدم الاستقرار الغذائي (FIVIMS) مما يجعل الفرصة سانحة أمام اليمن للاستفادة من تلك القاعدة لمعلوماتية في توفير قاعدة لقياس أهداف التنمية الألفية (MDGS) فيما يخص محاربة الجوع المزيد من التفاصيل في التقرير الكامل إذا ما أجادت السلطات استثمارها.
وكنا قد طرحنا قبل نهاية عام 2000م الخطوط العريضة لرؤيتنا الاقتصادية.. (مرفقة ص233) الذي جاء في ختامها:
الإصلاح السياسي:
""إن مما لا شك فيه أن تحقيق الأمور سابقة الذكر يتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً من قبل الجميع. فهو يتعلق بشتى مجالات الاقتصاد ومن خلال ذلك بشتى أفراد المجتمع ومؤسساته. ولا يمكن لمثل هذه الجهود أن توتي ولو جزءاً من ثمارها ما لم يتوفر لها الإطار العام المناسب والمحفز.
وعليه، فإن أساس هذه الجهود ومحورها الأساسي يتمثل في إصلاح الإطار العام الذي تعمل من خلاله. ذلك أن هذه الإصلاحات لا يمكن القيام بها بصورة انتقائية، كما أشرنا سابقاً. كما انه لا يمكن تنفيذها بصورة آلية دون وجود نظرة عامة واستراتيجية تحدد أولوياتها وطبيعتها المرحلية حسب مقتضيات كل مرحلة والإمكانات المحلية والدولية المتوفرة. كذلك، فإنه لا يمكن تنفيذها بفعالية ما لم تتوفر الشروط البيئية اللازمة لها.
وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات لا تتطلب مجرد تعديل في السياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة في القطاعات المختلفة للاقتصاد، بل تتطلب، كما أوضحنا سابقاً، إدخال تعديل جوهري في التوجه والفكر وأسلوب الإدارة ليمكن معه التكيف مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة والاستفادة منها في معالجة الصعوبات الاقتصادية الكبيرة والمتعددة التي يجابهها اليمن حالياً.
وبناء عليه، فإنه لا يمكن القول بأن الإصلاحات الهيكلية في صورها الضيقة المعمول بها حالياً، أو في أي صور أخرى، ستقود إلى التنمية الحقيقية في اليمن، وخاصة في ضوء أوضاعه الحالية. فمن ناحية، فإن الإصلاحات المطلوبة هي تلك الإصلاحات الهيكلية الشاملة والمترابطة التي تعالج جميع جوانب الاقتصاد بصورة متسقة. ومن ناحية أخرى، فإنه ومن أجل تنفيذ هذه الإصلاحات بالصورة اللازمة والمطلوبة، يتعين القيام بداية وقبل كل شيء بالإصلاح السياسي الذي يعتبر شرطاً مسبقاً لنجاح هذه الإصلاحات الهيكلية.
ذلك، أن نجاح هذه الإصلاحيات الهيكلية اللازمة يستدعي إيجاد الإطار العام الذي يتصف بالاستقرار السياسي وهو الأمر الذي يعد، كما أشرنا، من أهم المتطلبات في الدول النامية من أجل ضمان تكاتف جميع أفراد المجتمع ومؤسساته وإيجاد المشاركة الجماعية اللازمة لتحقيق التنمية والاستفادة من فرص النمو الذي يتيحه الإنفتاح في إطار البيئة الدولية الجديدة. كذلك، فإن الإصلاح السياسي هو الوسيلة الوحيدة لتأسيس البيئة اللازمة المتصفة بالمصداقية والشفافية الكاملة والتي تربط بين جميع الأبعاد سابقة الذكر على أرضية سليمة ومتينة في ظل نظام إداري كفؤ وخال من الفساد ونظام قضائي نزيه وفعال يوفر العدالة والحماية للجميع، وأسلوب إدارة يسمح بالمشاركة الواسعة في صنع القرار.""
ونشير في هذا الصدد إلى ما ورد في إحدى دراسات البنك الدولي من أن "من شأن السماح لجميع أفراد المجتمع بالمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم أن يؤدي إلى زيادة في الشفافية وإلى حسن تصميم السياسات وتوفير الحماية والموانع ضد الفساد وسوء الإدارة". وفي الواقع، فإن سعي منظومة الحكم إلى إيجاد التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع، من جانب، والقائمين على الإصلاحات في الأجهزة التنفيذية والتشريعة والتشريعية والقضائية والقطاع الخاص، من جانب آخر، في إطار من الشفافية العالية، يمثل الفارق بين المجتمع النشط الساعي إلى تحقيق التنمية والمجتمع الراكد المتصف بالتخلف والفقر.) .
الإصلاح الاجتماعي:
إن الاختلالات في الشأن الاجتماعي قد شملت كل مفاصله:-
1- الشأن القبلي.
2- المرأة وتهميشها.
3- الفقر ونتائجه السلبية على الجريمة والقيم والأخلاق.
4- البطالة المرتفعة.. والعمال وضياع حقوقهم والمزارعون والاختلالات في شروط عملهم.
5- الانتقال من الريف إلى المدن لأسباب معيشية وخدماتية وأمنية.
6- تدني حاد في الخدمات الصحية وتفشي الوباء الكبدي والفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب وحالات الإيدز.
7- عدم مواكبة الخدمات الكهربائية ومياه الشرب النقية للاحتياجات في المدن واعتماد معظم الريف على التبرعات للحصول على الخدمات الكهربائية والمائية بلا تنقية.
8- البيئة وتلوثها، سواحلا، ومجاري طافحة ومزابل.. وغياب لسياسة بيئية حازمة.
9- تم إنشاء بعض الطرق الهامة ويتم إنشاء الطرق الأخرى بصورة انتقائية.. وفتح المجال لشركات خاصة ،وهذا أمر إيجابي، لإنشاء شبكة اتصال الجوال، وكانت الدولة من وقت مبكر عام 1991م-1992م قد أنشأت تلك الاتصالات في بعض المناطق.
10- الرعاية المتدنية للمكفوفين والمعاقين من ضحايا الصراعات والأيتام.
11- ضياع حقوق الأطفال الذين يضطرون للعمل في سن الطفولة مما يعد مخالفاً للشريعة وللمواثيق الدولية لحقوق الطفل.
1- الشأن القبلي:
أ) لقد طغى على كل ما يُطرح حول الشأن القبلي جانب واحد.. وهو جانب الفتن القبلية (الثأر وانتشار الأسلحة).. وهذا تسطيح وتعام؛ بل وإلغاء لكل الجوانب الأخرى مما شكل ظلماً وتشويهاً للشريحة الأكبر من شعبنا، بل وإظهارها وكأنها العائق للتطور والكابح للممارسة الديمقراطية والمسبب لاستمرار التخلف ولتصبح الشماعة الأكبر التي يتذرع بها الرافضون الحقيقيون للتطور والديمقراطية والإصلاحات الشاملة والذين يتكئون في تسويفهم على الصعوبات ،الوهمية، التي يدعون أن الشأن القبلي يشكلها.
ب) وعن معرفة حقيقية وخبرة بهذا الشأن نستطيع أن نجزم بأنه لا يشكل العائق أو الكابح الفعلي للتطور والديمقراطية والإصلاحات الشاملة.. بل إن الذين يتذرعون به هم الذين يشكلون العائق والكابح ويعملون على خلق وعلى تنمية وتشجيع بعض السلبيات لتبدو وكأنها العائق والكابح.
ج) إن الشأن القبلي يتعلق بأكبر شرائح مجتمعنا التي لها ،كباقي الشرائح، سماتها الايجابية والسلبية.. والتي بالإمكان دون كثير مشقة، تنمية السمات الإيجابية ومعالجة تلك النتوءات السلبية.. وأهمها التالي:-
أولا: الفتن القبلية والثأر:
إن أساس نشاة هذه، السمة السلبية الأبرز، هو غياب فعل الدولة الإيجابي أو غياب أدائها لواجباتها في إقامة العدل بين الناس وحماية الحقوق المادية والمعنوية لأفراد وشرائح المجتمع.. وقد مرت بلادنا بمراحل طويلة غابت فيها الدولة وفي تلك المراحل كانت الفتن أقل وكانت تحكمها أعراف وقيم مجتمعية تحد إلى أدنى الحدود من ا