المشروع الوطني للإصلاح الشامل في اليمن

شارك في إعـداده ومراجـعته نخـبة من القيادات

والمتخصصين

(مايو- ديسمبر2004م)

دعوة إلى:

اتحاد  وطني ديموقراطي (دوا)     National Democratic Union “DAWA” لتبنّي وإحداث الإصلاحات المنشودة

 المـحـتـويــات

- تـوطـئة:

- التوجهات:

- الجزء الأول: تشخيص أولي لواقع يستوجب الإصلاح

- الفصل الأول: حيثيات وقواعد ومنطلقات.

   - مدخل.

 - قواعد ومنطلقات للتوجهات الإصلاحية الإيجابية:

- أولاً:  الموقف من المبادرات الدولية.

- ثانياً:  الثوابت.

- ثالثاً:  الخصوصيات والخصائص والقيم والتجارب الإنسانية والموروث الحضاري.

- الفصل الثاني: العوامل الموجبة للإصلاحات:

  1.  مكامن ونواحي الخراب والاختلالات.

  2. أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها.

  3. طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب

  4. استراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها في مسيرتنا المستقبلية والآليات والوسائل.

 -الفصل الثالث: الوجه الآخر للمنظومة السياسية:

 -              الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة ومنظومة المجتمع المدني عموماً.

 -              نواحي الضعف والخراب والاختلالات في منظومة المعارضة.

 -              العوامل التي أشاعت وعمقت الضعف والخراب والاختلالات:

أولاً: عوامل تتعلق بنشأتها وآلياتها وأدواتها.

ثانياً: عوامل ناتجة عن الأوضاع القائمة.

  -        تنويه.

            -  خلاصة

الجزء الثاني: أسس وآليات مخرجات الاصلاحات الشاملة:

الفصل الأول: محاور العملية الإصلاحية الاصلاحية:

1-           مدخل.

2-            معطيات أسس وآليات المخرجات المتوخاة من

الإصلاح السياسي الفعلي والشامل والعميق:

أولاً: نظام الدولة (لا مركزية الحكم)

ثانياً: نظام الحكم.

ثالثاً: السلطة التشريعية.

رابعاً: آليات العملية الديمقراطية.

خامساً: الخدمة المدنية.

سادساً: الإعلام.

سابعاً: القوات المسلحة والأمن.

الفصل الثاني: مجالات الإصلاح الشامل الأخرى:

-              الإصلاح القضائي.

-              الإصلاح الاقتصادي.

-              الإصلاح الاجتماعي.

-              الإصلاح التربوي والتعليمي.

-              الإصلاح الثقافي.

-              إصلاح السلطة الرابعة.

الفصل الثالث: حقوق الإنسان

الفصل الرابع :خلاصات  [قضية التطرف].

الجزء الثالث: مراحل تحقيق الإصلاحات الشاملة:

الفصل الأول: آليات الشروع والإعداد والتنفيذ للإصلاحات الشامل     

-              الخيار الأول.

-              الخيار الثاني.

الفصل الثاني:  خطوات الإصلاحات الشاملة المطلوبة.

الـخـتــام .

تطورات لاحقة.

                          بسم الله الرحمن الرحيم                           

تمهيد:

إنني في البدء أود توضيح قضيتين قبل الانتقال إلى التوطئة ومن ثم إلى التعمق في قراءة هذا المشروع الوطني للإصلاحات الشاملة..

1- إننا  عندما نذكر بعض ما سبق أن طرحناه مبكراً من رؤى تبرز حقيقة أننا المبادرين بطرح قضايا مثل الديمقراطية والحريات والتوازن  وحقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة، واستقلال القضاء والإعلام والخدمة المدنية وقضايا نظام الحكم المحلي كامل الصلاحيات والنظام البرلماني ونظام القائمة النسبية للانتخابات والحاجة الملحة لإصلاحات عميقة وشاملة لتحقيق كل ذلك.. والمصالحة  الشاملة والوئام والوحدة الوطنية والحوار كوسيلة حضارية مُثلى...إلخ فإنه  ليس في ذلك أي نوع من الإفراط في الحديث عن الذات وإنما المقصود هو تقديم أنفسنا وما نمثل من رؤى إلى الآخرين ولنوضح بأننا، ولمدة طويلة جداً، نؤمن بعمق بهذه المبادئ والآليات وأن طرحنا لهذه الرؤى أصيل في فكرنا وأدبياتنا وليس  ظرفياً أو طارئاً أو لموجة أحداث استثنائية.. ولم نكن في حاجة لذلك لولا أننا قد حُـِرمنا من وسائل الإعلام العامة لعقود طويلة ولم نُمكّن من شرح وتبيين وجهات نظرنا ورؤانا على نطاق واسع بينما اسـتُخدِمت تلك الوسائل في بلادنا، وفي أماكن أخرى، خلال تلك العقود ضدّنا وعـتَّـمت على رؤانا بل وحاولت تشويهها.

2- في بعض فقرات المشروع قد يعتقد البعض أننا قمنا بدور الناقد للأوضاع  القائمة في بلادنا وحسب.. والحقيقة أننا قمنا بتحليل لتلك الأوضاع وتفنيد للاختلالات والخراب والنواقص ومواطن الضعف ومسبِّباتها وعوامل بقائها في كل جزء أو ناحية من البنى،السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والتعليمية والثقافية والفكرية...الخ، واقترحنا ما نراه من معالجات وإصلاحات لازمة وآليات تنفيذية مناسبة. ولم نستثن حزبنا من النقد والتفنيد في هذا التحليل.

توطئة:

كان حزبنا أول تنظيم سياسي تبنى الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة منذ التأسيس قبل حوالي55 عاماً.. وأول من نادى بالإصلاحات الشاملة منذ إعلان الوحدة عام1990م. ونادينا بفصل الإعلام الرسمي والخدمة المدنية عن الحكومة وساهمنا المساهمة الأساسية في المؤتمر الوطني عام1992 وشاركنا بدور فاعل في الحوار الوطني الذي نتج عنه وثيقة العهد والاتفاق التي وقعناها جميعاً في عمَّان في فبراير1993م برعاية الملك حسين رحمه الله. ويعلم الجميع أننا من وضع أسس هذه الوثيقة وتوجهاتها. كما كنا من وضع مشروعاً لقانون الحكم المحلي كامل الصلاحيات وعرضناه في ندوة في صنعاء حضرها معظم الأحزاب الرئيسية عام1997م. كما كنا من نادى بالأخذ بنظام القائمة النسبية في الانتخابات ووضعنا مقارنة بين أنظمة الانتخابات في العالم وعقدنا ندوة حول هذا الأمر في صنعاء عام 2001 حضرتها كل الأحزاب الرئيسية وطرحنا مشروعاً للتعديلات الدستورية 1999م ورؤى للإصلاح الاقتصادي والقضائي ولدعم دور المرأة في الحياة السياسية والعامة وطرحنا رؤيتنا حول الديمقراطيات الناشئة عند انعقاد منتدى صنعاء للديمقراطيات الناشئة. كما طرحنا رؤى، حول الإصلاح القضائي والتعليمي وحول جذور الأزمة اليمنية وسبل علاجها وحول تضافر جهود المعارضة، منذ تسعينات القرن الماضي..الخ

لذلك فإن الأساس في مشروعنا هذا ،للإصلاحات الشاملة، يعكس توجهاتنا ورؤانا مع مراعاة المنطلقات التالية والخطوات العملية التنفيذية المؤدية إلى تطبيق الإصلاحات الشاملة المستهدفة:ـ

-1تقعيد منطلقات فلسفة الإصلاحات وتحليل وتبيين الذرائع التي يطرحها البعض حول رفض الرؤى والتوجهات والمشاريع الإصلاحية بدعوى ورودها من الخارج وتأصيل لحقائق تلك الذرائع ،مثل الثوابت والخصوصية والخصائص والحرص على ثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا، بما يؤكد أن تلك الذرائع لا ترتكز على منطق بل تتعارض مع حقائق التاريخ وتعيق أي تطوير أو تنمية لمجتمعاتنا.

2- تحليل لمواطن الخلل في مختلف المنظومات ،سياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية وثقافية..الخ، وأسبابها وعوامل بقائها واقتراح المعالجات اللازمة لها في كل منظومة.

3-تجميع وتأصيل رؤانا للإصلاحات الشاملة في كل منظومة بما في ذلك نظام الدولة ونظام الحكم ونظام الانتخابات وتمكين المرأة من أداء دورها الهام والمحوري في كل مجالات الحياة، واستقلال القضاء والإعلام الرسمي والخدمة المدنية ووضع الضوابط لضمان حماية الحريات وحقوق الإنسان وحماية البيئة واقتراح الآليات العملية لتحقيقها.

 4-شيء من التحليل لظواهر التطرف بغرض إيضاح أهمية الفصل بين التطرف والإسلام فنـنـتزع عامل الدين من أيدي من يستغلونه ،استغلالاً ليس للدين صلة به، فيتقوَّون به لتحقيق أهدافهم المدمرة ويسيئون إلى غيرهم من المسلمين الذين إما لا يقرونهم على فعلهم أو لا يدركون حقيقة الإسلام فينجرف بعضهم معهم. وعلينا أن ندرك أن أي دعوة  باسم أي دين ،وإن ضلَّت، قد تجد رواجاً وحماساً ،في ظل أوضاع تبدو سيئة أو استثنائية فتزرع شعوراً بظلم وإحباط، مالم تواجه بجهد يفصل بين هذه الدعوة الضالة وحقيقة الدين ويسهم في معالجة الأوضاع السيئة وعوامل الإحباط. ولن تجدي أي معالجات أمنية أو فكرية أخرى ،مضادة، أو إعلامية لاتقوم على فهم واستلهام عميق لصحيح الدين. بل إن المواجهة لهذه الدعوة ،الضالة والتخريبية، بمضادة الدين ،الذي تتلبس به، سيؤدي إلى نتائج عكسية وإلى إعطاء هذه الدعوة الأداة التي تستقطب بها اصطفاف واسع من المعتنقين لهذا الدين وأن بعض من لم تستقطبه ،هذه الدعوة الضالة المخربة المرجفة، قد لا يجرؤ على معارضتها لأنها تظهر للبعض وكأنها تصد هجمة على الدين نفسه وليس على من استغل الدين وشوَّه تعاليمه.. وهذه في نظرنا نقطة غاية في الأهمية ولم يتصد لها أحد ،بعمق وتفصيل، إلا أحياناً نادرة. وهذه القضية تستلزم فهماً ووعياً عميقين لها وفهماً للدين الذي يعاني أهله والآخرون من التطرف والإرجاف باسمه.

5-وللإنصاف فإنه بعد أحداث سبتمبر في نيويورك وواشنطن أشار الرئيس بوش في أكثر من مناسبة إلى عدم الخلط بين الإسلام كدين عظيم وبين من يقوم بأعمال كهذه باسم الإسلام.. كما أشار لذلك مسؤولون أسبان بعد أحداث مدريد ثم جاءت أحداث 7يوليو في لندن فلم تمنع رئيس الوزراء ،السيد توني بلير، ولا عمدة لندن ومسؤولي الأمن من توضيح هذا الأمر بحنكة وجلاء وإنصاف.كما نتفق مع ما جاء في كتاب توماس فريدمان الجديد (العالم مسطح ـ This world is flat ) من أن مهمة التبيين والفصل بين الإسلام وتلك الأعمال الإرهابية ،التي تُرتكب باسمه و لايقرها صحيح الدين الإسلامي، هي مسئولية المسلمين بدرجة أولى ( وهو ما يؤكد صحة رؤيتنا التي أوردناها في الفقرة 4 أعلاه وفي الجزء الأول – الفصل الأول الفقرتين ثانياً وثالثاً والجزء الثاني – الفصل الثالث (خلاصات ـ إلى نهاية الفصل)،ونضيف بأنه من الإنصاف أن يساهم العالم الغربي ،بمفكريه وإعلامه، في استيعاب هذا الأمر وتفهمه وتبيينه للرأي العام والتعامل مع المسلمين وفقاً لذلك ،وهو ما بدأت مؤشراته تظهر مؤخراً.

  6- ونحن نعتقد ،بيقين، أن الخط الصحيح والنهج الأكثر منفعة للجميع والأقل كلفة هو في "التصالح التاريخي بين المسلمين والحضارة المعاصرة"  لتحقيق التكامل والتبادل للمنافع والأمن والأمان.. وأن هذا الأمر يتحقق ،فقط، بنبذ التطرف وشيوع الاعتدال الحقيقي ورعاية تبادل المصالح .. ونعتقد أن الطريق الأسلم لتحقيق ذلك بأقل التكاليف هو بذل الجهد الواعي والصادق والمكثف لتبيين وتوضيح  الفصل بين الإسلام وحقيقة مفاهيمه السامية ،المُعَظِّمة لحرمة الحياة ولحقوق الإنسان ولصيانة كل مكونات الوجود، من جهة والتطرف والإرهاب من جهة أخرى بحيث تظهر الحقيقة بأن كل من ينتهج التطرف والإرهاب هو بمنزلة الخارج عن صحيح الدين..وهذا يمكن تحقيقه بتضافر الجهود من الجميع وعلى كل المستويات وفي كل الاتجاهات وفي إطار خطة مدروسة تواجه وتعالج كل شذوذ وعوامل فكر التطرف ومهيِّجاته ومخصِّباته وجذوره ومنابعه وسواقيه.

  7-قد يطرح البعض تساؤلاً مفاده: إن التصالح والتكامل يتم بين أنداد أو على الأقل متكافئين ولو في بعض العوامل.. فهل هذا متوفر بين العالم الإسلامي والحضارة المعاصرة التي تمتلك علوم العصر واقتصاد العصر وقوة العصر وثقافة تسير في اتجاه يبدو أنه نحو التسيُّد على باقي الثقافات وإعلام مُتسيِّد..الخ. في حين يعيش المسلمون ممزقين وعالة على منتجات الحضارة المعاصرة ؟؟ ولا شك أن هذا السؤال يحمل منطقاً في ما أورده من حقائق..غير أنه أغفل جوانب أخرى تحمل أيضاً حقائق تتعلق بالعمق الحضاري والتراث الفكري والاسهام العلمي والمعرفي للحضارة الإسلامية لقرون كثيرة من تاريخ البشرية وعوامل ومعطيات الحاضر وأهمها كثافة السكان المتنامية والمواقع الهامة التي يحتلها العالم الإسلامي ،رغم التمزق،وانتشار المسلمين في كل بلدان العالم والثروات التي تكتنزها البلدان الإسلامية والأسواق والعمق الإيماني الديني الذي إن اتجه في الاتجاه المتوافق مع صحيح الدين لأصبح عاملا إيجابياً لتوافق البشرية وأمنها وإن عُودِيَ واستُـثـير فإننا بذلك نسهِّل للتطرف والإرهاب الطريق ونحجِّم صحيح الدين القائم على الاعتدال والبناء والتعايش والمودة ونشر الخير والسلام ونبذ الإرهاب والتطرف...إن ماسبق كله يُشكل عوامل تكافؤ في الحاجة المشتركة لتصالح تاريخي وتكامل بين الحضارة المعاصرة والإسلام..ناهيك عن عوامل كثيرة أخرى يدركها الباحثون المتعمقون في تاريخ الحضارات والأديان والاجتماع والجغرافيا والتراث والفكر والثقافة. وأعتقد أننا أمام فرصة تاريخية تستحق التفكير المتعمق الموضوعي والتأمل الواعي ،بعيداً عن الضجيج غير منقطع عن الأحداث المشتعلة، ونرى أن مثل هذا التفكير وهذا التأمل يمكن أن يصبح مدخلاً لحقبة تاريخية جديدة يسود فيها الأمن والسلام والتصالح والتكامل والتبادل للمصالح والمنافع بين بني الإنسان.والتنافس أيضاً حول المصالح بل وأحياناً الصراع حولها ولكنه صراع عقول واعية ومدركة لأهمية نبذ العنف ولضرورة رعاية المصالح المشتركة ولمخاطر الصراعات العنفية على السلم والأمن والاستقرار والتنمية.

-8وبناء على ما تقدم فإن مشروعنا للإصلاحات الشاملة في بلادنا  ،وأساسها الإصلاح السياسي الشامل، يهدف - إلى جانب إصلاح الاختلالات في كل مفاصل الحياة والسيطرة على الفساد عبر التأسيس الجاد للحكم الرشيد بمفاهيمه الدولية الثلاثة (المشاركة، الشفافية والمساءلة، سيادة القانون) وإدارة البلاد نحو التحول الديمقراطي  وصيانة الحريات وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وتفعيل دورها وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا- إلى تأهيل بلادنا للمساهمة بدور فاعل وإيجابي في المصالحة التاريخية والتكامل بين الحضارات  وإزالة ومعالجة عوامل الإرهاب والتطرف باسم الدين ،خاصة وبلادنا تملك تراكماً تاريخياً لأدوارها الفاعلة في نشر قيم الاعتدال والتسامح والمحبة  والتعايش الايجابي مع الثقافات والأديان.

-9إننا في حزب رابطة أبناء اليمن ــ رأي ــ إذ نقدم هذا الجهد المتواضع لاندعي كماله ولا ندعي امتلاكاً للحقيقة.. بل نقدمه إلى أهلنا وزملائنا في الساحة اليمنية وإلى من يهمه أمن واستقرار اليمن وتنميته وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية في ربوعه وتأهليه لأداء دوره الإيجابي البناء في المنطقة والعالم.. وندرك ونقر أنه جهد يحتاج إلى تضافر جهود الجميع لإكمال ما قد يكون قد اعتوره من نقص، وتصويب ما قد يكون فيه من خطأ كما يحتاج إلى جهد مشترك لإنفاذ الإصلاحات الشاملة.

10- إن هذا الوطن المنكوب يوجب علينا جميعاً وقفة صادقة مع النفس مخلصة لله ولوطننا وأبنائه ،الذين سحقتهم كل صنوف المعاناة، وأن نتجه جميعاً للشروع في تشييد الأسس الصحيحة لبناء دولة النظام والقانون واللآمركزية من خلال الإصلاحات الشاملة والعميقة.. ونحن بذلك لا نهدف إلى "القفز على واقع" وإنما نهدف إلى تغييره بالكف عن استمرار "الوقوع فيه".. ولا ندعو إلى حرق "المراحل الموضوعية" ولكن إلى طيها برفق لا بطء فيه و إلى إحراق "المراحل الذاتية" لا حرق الذوات وطموحاتها المشروعة.. وإلى تحويل السدود والموانع المعيقة للخير والإصلاحات إلى مانعة ومعيقة  للشر عن نفسها وعن الوطن. لقد ضاعت عقود وأجيال وهي تـُطْحَن في الدوامة المفرغة لواقع يتوارث القفز عليها وتتوارث استمراء الوقوع فيه والتسليم له عبر مراحل تطوي العقود وتحرق الأجيال وطموحاتها وأمانيها..والساسة والقادة ــ في كل المجالات ــ يمضغون الشعارات البرَّاقة ،خالية المضمون، فتتخدر الأجيال الحالمة الصادقة وتندفع وتقدم التضحيات الجسام وإذا بالحلم الجميل قد أصبح  كابوساً.. وتستمر الأجيال تطحنها الدوامة في تبادل "دموي" للأحلام الوردية ولكوابيس الأشلاء.

لقد آن لبلادنا أن تغادر الدوامة وأن تغادرها الكوابيس وأن يتوقف الوقوع في واقع منتج للدوامات وللكوابيس وأن تطوي المراحل التي طوت عقوداً من حياة شعبنا وأحرقت أجيالاً وعطَّلت عجلة التقدم والتطوير والنهوض والحياة في  بلد كان يمكن له أن يكون رائداً في المنطقة ،وقد كان، وبإذن الله سيلحق بالركب .. بتضافر جهود كل أبنائه ،بلا استثناء ولا إقصاء ولا تفرد ولا تمييز ولا فساد، فتلك من آفات الواقع ،التي استشرت، والذي يجب تغييره لا الوقوع فيه  وهي أيضاً من مواصفات المرحلة التي يجب طيها.

 

                                 قلوبنا مفتوحة وأيدينا ممدودة للجميع  لنعمل على تحقيق الإصلاحات الشاملة والعميقة.

                                                                        والله من وراء القصد.                                 

 

 

                                                                                                         عبدالرحمن علي بن محمد الجفري

 رئيس حزب رابطة أبناء اليمن-رأي                                                                                                        

                                                          التوجهات

تحقيق إصلاحات شاملة دستورية وقانونية وسياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية  وثقافية وفي كافة شئون الحياة ومفاصل السلطة تؤدي إلى:-

إرساء أسس وحدة قابلة للاستمرار ، في ظل منظومة حكم متماسكة ، تحقق التوازن ، ونظام الحكم المحلي كامل الصلاحيات ، والقضاء العادل المستقل ، وتحقق الأمن والاستقرار والتنمية  والمصالحة الوطنية الشاملة لعلاج جراحات كل الصراعات السياسية والاجتماعية ، ووضع حد لدورات الصراع الدموية ، وحماية الوطن من التمزق ليؤدي دوره الهام والرائد محلياً وإقليمياً ودولياً، وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والمساهمة في صيانة الأمن والاستقرار في    المنطقة وفي تأمين المصالح العليا للوطن وتبادل المصالح مع الآخرين .

ملخص لمفاهيم التوجهات

1- وحدة قابلة للاستمرار

وحدة غير قابلة للتفكك أو الانشطار تجمع أبناءها ومناطقها حول المصالح المشتركة المتكافئة بحيث يشعر كل مواطن أن حقوقه الأساسية ومصالحه المشروعة يرتبط تحققها بترسيخ عوامل استمرار التوحد .

2- منظومة حكم متماسكة:

منظومة حكم متكاملة مستوفية لشروط التوازن والتعايش المانعة للصراع في إطارها ،من خلال الإصلاحات الشاملة الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية...إلخ ،رغم ما قد يكون من تباين في الرأي بين مكوناتها في بعض القضايا .

3- التوازن:

العلاقة المتكافئة المحققة للمصالح السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية في منظومة الحكم في المركز وبين المركز ووحدات الحكم المحلي ،المنشأة على قاعدة  اللامركزية في الحكم، وبين الوحدات وبعضها ، وبين قيم العدالة الاجتماعية وآلية السوق ، وبين الحاجة إلى التغيير والتعامل ،إيجابياً، مع العولمة وبين ضرورة المحافظة على ثوابت الهوية ، وبين الحقوق والواجبات. مع توظيف الإرادة السياسية لتحقيق التوازن التنموي بحيث يحقق النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومخرجاته وعلاقاته استقراراً شاملاً: سياسياً ، واقتصادياً، واجتماعياً.

4- الحـكـم المحلـي كـامـل الصـلاحيـات:

نظام حكم محلي يتولى تخطيط وإقرار وإدارة كافة الشؤون المحلية وتنظيم النشاطات الاقتصادية المحلية على قاعدة اللامركزية، وبآليات منتخبة محلياً مع تنظيم الرابطة العضوية الرأسية المتكاملة مع المركز والعلاقات الأفقية التكاملية بين وحدات الحكم المحلي وفي إطار الالتزامات المترتبة على هاتين العلاقتين.

5-  القضاء العادل المستقل النافذ:

تنظيم وإدارة السلطة القضائية بهياكلها ومستوياتها المختلفة ولوائحها الإجرائية والتنظيمية على قاعدة الاستقلالية النافذة المحققة للعدل والسلامين الاجتماعي والسياسي والمعززة لقوة القانون وضرورة وجود آلية فاعلة لتنفيذ الأحكام القضائية مع ضرورة رفع مستوى منسوبي السلطة القضائية مهنياً ومادياً ومعنوياً لتقليص الفساد وترسيخ قيم النـزاهة .

6   -الأمن والاستقرار:

الأمن الكامل الشامل للوطن والمواطنين وتأمين سعيهم حيثما استقروا أو تنقلوا بما يحقق حركة الحياة النافعة المزدهرة واستقرار الأوضاع ومجمل العلاقات وتُعزَّز آليات وشروط الأمن والاستقرار في اتجاه ترسيخ سيادة النظام والقانون ؛ ونقصد بالأمن الكامل كفالة حرمة الكليات الخمس ، ونقصد بالشامل أن يشمل ذلك كل المواطنين أينما وجدوا والوطن بكامله .

7-   التنمية:

تحقيق الشروط الأساسية والآليات الضرورية لبدء واستمرار التنمية الشاملة على جميع الأصعدة (التعليمية ـ والاقتصادية – والاجتماعية – والسياسية...إلخ) وانتظام مخرجاتها الإيجابية لأغراض الوفاء باحتياجات التنمية والحياة الكريمة المحترمة المزدهرة للمواطنين وبناء الاقتدار على مواكبة مقتضيات العصر ؛ والعمل على رفع الكفاءة المهنية لذوي الدخل المحدود ليرتفع إنتاجهم كماً وكيفاً وبالتالي ترتفع مداخيلهم وقابلية حراكهم الاجتماعي وإسهامهم الفاعل في التنمية .

8-   المصالحة الوطنية الشاملة:

المصالحة الوطنية الشاملة المحكومة بمنظومة معيارية فاعلة محققة لتصفية آثار وجراحات وتصدعات الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبضوابط وآليات مانعة للتصادم ولتكرار هذه الصراعات ومعززة للسلام العادل المستقر اجتماعيا واقتصادياً وسياسياً ولا تترتب عليها أية استحقاقات سلطوية حتى لا تتحول وظائف السلطة إلى حوافز للترضية ومكافآت وتعويضات لنتائج الصراعات، فوظائف السلطة تخضع لمعايير مرتبطة بالكفاءة المؤهِّلة لأداء مهام تلك الوظائف بالاقتدار المطلوب.

  9-    رعاية مصالح الوطن وتبادل المصالح مع الآخرين:

تقويم وتطوير الدستور والتشريعات والقوانين واللوائح والآليات بما يكفل تحقيق الإصلاحات الشاملة ، ورعاية مصالح الوطن والتبادل الإيجابي للمصالح مع الآخرين.

      الجزء الأول: تشخيص أولي لواقع يستوجب الإصلاح

الفصل الأول: حيثيات وقواعد ومنطلقات

مــدخــل:

أولاً:

من باب التذكير فإن حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" منذ النشأة، قبل أكثر من نصف قرن، قد كان المبادر في اختيار وطرح:

1-            الديمقراطية والتعددية السياسية كآلية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ولتسيير دفة الحكم.. والحرية كأساس للنهج الديمقراطي التعددي.

2-            استقلال القضاء ونفاذ أحكامه كأساس للعدل ولحماية مسيرة الديمقراطية ورعاية الحريات.

3-            اللامركزية كنظام يستوعب التنوع ويُفعل إيجابياته ويحقق التوازن في المصالح والمشاركة الشعبية الواسعة وبذلك تنتفي عوامل الغبن والقهر وكل أشكال التمييز ويتجذر ويترسخ الوئام.

4-            التمسك بالإسلام كعقيدة ومنهج حياة على أساس النهج الإسلامي الذي اشتهرت به بلادنا، لسماحته واعتداله ونبذه للعنف والظلم وصيانته للنفس والمال والعرض والعقل واستيعابه للعصر بتطوراته العلمية والمعرفية عموماً.

لقد استطاع حزب "رأي"  تحقيق التكامل الايجابي ،في رؤاه، بين الأصالة والمعاصرة.. وبين قيم ديننا الحنيف والتفاعل مع العصر دون تناقض أو تنافر.. انطلاقاً من أن الدين الإسلامي وقيمه الأصيلة يخاطب الإنسان أينما وُجد ،بخطاب المحبة، ويفسح الطريق لإبداعات الإنسان في كل المجالات.. ويحقق تصالحه مع ذاته ومع أخيه الإنسان ومع ما يحيط بالإنسان في هذا الكون. ويشجع بل يحث ويأمر بتحقيق تطلعات الإنسان في التطور في كافة مجالات الحياة وفي البحث عن قوانين الطبيعة والكون.. والاستفادة القصوى منها ولذلك كان حزب "رأي" منذ النشأة قد حقق تلك المعادلة المنطقية بين الإسلام والقوميات.. في مرحلة كانت الحركة القومية واليسارية نافرة من الدين باعتماد على وهم بوجود تضاد بين دعوات التحديث والتطور وبين الدين.. كما كانت كثير من الحركات الإسلامية نافرة من الدعوات القومية واليسارية باعتماد على نفس الوهم.. والحقيقة أنه كان يمكن أن لا يكون تضاد ولا تنافر.. بل توافق تام.. واستيعاب، منطقي وحقيقي، لبعضها بعضاً.. فالتعصب والتطرف في أي من الطرفين كان العامل الأساس في التنافر والتضاد وتشكيل وهم ثقافتيهما.. وكان السبب لتبديد أكثر من ثلاثة أرباع قرن في صراع فكري ودامي لا توجد أسباب حقيقية له سوى التعصب والتطرف وسوء الفهم.. وكان فهمنا ،أو بالأصح فهم روّادنا منذ مايزيد على نصف قرن، أن لا تضاد ولا تنافر بل تكامل.   

-  فالإسلام عقيدة ومنهج للإنسان بصرف النظر عن انتمائه القومي.

- والقومية وحدة انتماء ودم وتاريخ وجغرافيا ومصالح أكثر تشابكاً وتقارباً. وقد تضم أرض أي قومية انتماءات ديانية أخرى إما كأقليات ،لديانات أخرى، لها احترامها وحرية اعتقادها وحرية ممارساتها لشعائرها ونهجها أو كأكثرية يجب على الأقلية المسلمة فيها أن تحترم أنظمتها وقوانينها ويجب عليها هي أن تحترم معتقدات المسلمين ونهج حياتهم.

تلك كانت –ولاتزال– أسساً في نهجنا منذ النشأة.

 ثانيـاً:

ومنذ الاستقلال في الشطر الجنوبي سابقاً عام 1967م.. ومنذ الوحدة عام 1990م طرح حزب "رأي"رؤى ومنطلقات كان من أهمها:-

1)            الوحدة الوطنية...والوحدة اليمنية القابلة للاستمرار

2)            الديمقراطية والحريات.

3)            المصالحة الوطنية الشاملة.

4)            نظام الحكم اللامركزي

5)            الإصلاح الشامل .

6)            التوازن.

7)            استقلال القضاء والإعلام الرسمي والخدمة المدنية.

وتم التركيز منذ العام 1990م على توجهات الإصلاح الشامل الجذري والمصالحة الوطنية الشاملة في إطار كل المجتمع ومكوناته بما في ذلك منظومتي الحكم والمعارضة. وقدمنا رؤى ومشاريع حول الإصلاح السياسي في مجالات نظام الحكم وسير العملية الديمقراطية ونظم الانتخابات والحكم المحلي الواسع والكامل الصلاحيات والمصالحة الوطنية الشاملة ورؤى عن الإصلاح القضائي.. والإصلاح الاقتصادي.. واستقلال الخدمة المدنية والإعلام وإعادة النظر في مناهج التعليم الديني والعلوم الإنسانية والتطبيقية وتنقية مناهج التعليم الديني مما طرأ عليها من نهج تطرف لم نعهده في تاريخنا.. وإصلاح إداري.. واجتماعي بما في ذلك رؤى لمعالجة آثار تأميمات ومصادرات العقارات والأراضي "المنتفع والمالك عينان في رأس".. وكلها رؤى ومشاريع منشورة وتحويها أدبياتنا. www.ray-party.org

كما يحوي برنامج الحزب الذي أعلنه في 1993م على كثير من ذلك..

وأوضحنا أن بلادنا لِمَا تمتلك من مقومات جغرافية وتاريخية وثقافية وثروات طبيعية وبشرية ينتظرها دور هام ومحوري في المنطقة العربية والقرن الأفريقي بل والعالم.. وأنها لكي تستطيع أن تضطلع بدورها وتحقق المردود الأقصى لشعبها فإن عليها أن تؤهل نفسها لهذا الدور بإجراء الإصلاحات الشاملة والجذرية.

وكل ذلك مثبت في أدبياتنا.. بل إننا بعد نشر (التوجهات) لهذه الإصلاحات الشاملة.. جعلنا أسس التوجهات "كترويسة" ثابتة في الصفحة الأخيرة لصحيفة الحزب"رأي" منذ حوالي سبع سنوات..

ولأن "مُطْرب الحي لا يُـطْرِب".. فقد وقف كثيرون موقفاً سلبياً من تلك التوجهات والرؤى . وما أن جاء "زلزال" أحداث سبتمبر 2001م ، وبدأ العالم من حولنا يتكلم عن إصلاحات شاملة، حتى بدأت بعض الأصوات على استحياء تردد شيئاً مما نقول.. ثم جاءت دعوات أو مبادرات أمريكية للإصلاح ثم للدول الثمان الكبرى فحركت الماء الراكد وارتفعت والحمد لله كثير من الأصوات  تتبنى توجهات الإصلاحات الشاملة.. ليس في بلادنا فحسب بل في كل المنطقة العربية بل والعالم.

قواعد ومنطلقات للتوجهات الإصلاحية الإيجابية:

أولاً: الموقف من المبادرات الدولية:

    تباينت المواقف من المبادرات الدولية للإصلاحات.. وانقسم الناس في بلادنا، وغير بلادنا، إلى ثلاثة أقسام:

1-            القسم الأول: يرفض الإصلاحات بحجة أنها جاءت من الخارج وستُفرض من الخارج وأن ما يأتي من الخارج "يستهدف القضاء على قيمنا ومعتقداتنا وثوابتنا وخصوصياتنا.. وأنه شر مرفوض ويخدم مصالح الغير.. وان الإصلاحات يجب أن تنبع من حاجات وخصوصيات كل مجتمع".. وتبنَّى هذا الطرح بعض أنظمة الحكم وبعض النخب ،إما الموالية لتلك الأنظمة أو الطامحة في ما عند تلك الأنظمة، أو نخب أعلنت الرفض لمجرد الرفض، أو التي عاشت عقوداً على شعارات حماسية تخاطب بها عواطف البسطاء دون برامج أو بدائل.

 ونحن نرى أن على الرافضين ،لكل ما يأتي من الخارج، أن يقدِّموا رؤية إصلاحية نابعة من حاجات وخصوصيات مجتمعاتنا أو أن يتبنوا تلك الرؤى التي انطلقت في بلداننا ،قبل أن يطرح الخارج مشاريعه، وأن يشرعوا في تنفيذها!!!

2-            القسم الثاني: ضج فرحاً واستبشاراً وتطرف في دعوته للأخذ بكل ما يأتي من الخارج على علاته بل بالغ في تطرفه إلى درجة نبذ وذم وتشويه كل مقوماتنا وعقيدتنا وقيمنا وتاريخنا وكأننا أمة جاءت من نبت شيطاني.. وفُتِحَت لهذا القسم كل قنوات التعبير والترويج ؛ وهذا القسم في حقيقته يضم  نخباً فكرية وثقافية لا نشك في حسن نوايا ومصداقية أكثرها ونتفهم مايمكن أن يكون قد دفع البعض منها لهذا التطرف من عوامل منها:-

‌أ-     ما تعرضوا له ،كنخب، وما يعيشونه ومجتمعاتهم ،من حالة قهر وإحباط وسيطرة للأنظمة على كل مفاتيح العملية السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإعلامية والاجتماعية...الخ،.. مع افتقار بعض تلك الأنظمة لأي مشاريع حقيقية للإصلاح والتطوير ؛ ولا تسمح بأي تطور أو إصلاح طبيعي داخلي ولا تصغي لأي مشاريع تنطلق محلياً ولا تسمح بالتفعيل السلمي لحراك شعبي أو حتى نخبوي لدعم مشاريع الإصلاح المحلية مما يوصد الباب أمام أي خيارات أخرى سوى الاستقواء بالقوى والمنظمات الخارجية التي ظل التعامل معها والاستفادة من جهودها حكراً على أنظمة الحكم التي تبيح لنفسها هذا الأمر لترسيخ سلطاتها وسطوتها وتنكر على قوى المجتمع المدني ما تبيحه لنفسها ولو في حدود تحييد تلك القوى والمنظمات الخارجية لكي لا تستقوي بها الأنظمة على شعوبها ومنظمات المجتمع المدني فيها. ومعلوم أن أنظمة قد انهارت بغياب الغطاء الخارجي وأنظمة ،أصلاً، ما كان لها أن تقوم و تستمر دون ذلك الغطاء ولذلك فمثل تلك الأنظمة دائمة الاستعداد لأن تقدم أي تنازلات ،من أي نوع كان، نظير هذا الغطاء لكنها ترفض وبشدة أن تقوم بأي إصلاحات ترتقي بالأوطان والشعوب إذا ما شعرت أن ذلك قد يُقَلِّص من مصالحها الذاتية والسلطوية .

‌ب-    تتمتع بعض تلك النخب بثقافة واسعة ولكنها تعتمد اتجاهات ومنطلقات وفكر ومعايير الآخرين في قراءاتها لموروثها الثقافي والعقائدي.. إما من خلال فكرٍ يساريٍ قام في قراءته على مخاصمة الأديان وعدم محاولة قراءتها قراءة موضوعية.. أو من خلال فكرٍ نشأ كرد فعل لمقاومة الكنيسة للعلم في القرون الوسطى.. وأنزلت ،تلك الشريحة من النخب، أطروحات التنوير في أوربا على مجتمعاتها التي لا وجود في معتقدها ولا في فكرها ولا في تاريخها ولا في ممارساتها ما يتنافر أو يتضاد أو يتخاصم مع العلم وتطوره والفكر وتنوره.. فافتعلت خصاماً وتنافراً لا وجود له أصلاً في حضارتنا وتراثنا وتاريخنا.. فعندما كانت أوربا تعيش ظلام القرون الوسطى وسيطرة الكنيسة على كل مجريات الحياة واضطهادها للعلم والعلماء، كانت بلادنا تعيش مرحلة ازدهار علمي وتكريم ومكانة للعلماء في كل العلوم وانسجام كلي بين ديننا والعلم بكل مخرجاته، الطبيعية والفكرية..، فلا وجود أصلاً للتنافر والتضاد عندنا بل حث وتشجيع وتطوير لكافة العلوم الطبيعية والإنسانية، وحركة ترجمة واستفادة بلا تردد من كل إيجابيات الموروث الحضاري الإنساني الذي سبق حضارتنا، وعطاء لنتاج حضارتنا لتنتقل عبر الأندلس-صقلية حتى أن أحد الأساقفة أسس مركزاً لترجمة مخرجات الحضارة الإسلامية، من العلوم التطبيقية والإنسانية، إلى اللغة اللاتينية، في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي.

‌ج-      وصول تلك النخب إلى حالة الإحباط واليأس في إمكانية سماح الأنظمة بإصلاحات فعلية؛ وإلى حالة من الشعور بالعجز عن الضغط أو الفرض للإصلاحات بأدوات وآليات محلية ذاتياً ، خاصة ومعظم تلك النخب تأبى الانخراط في العمل السياسي المنظم وتفضل النشاط الفردي أو من خلال منظمات المجتمع المدني غير السياسية عوضاً عن المشاركة في منظمات سياسية قائمة لتصليب عودها ورفدها بالكفاءات والمساهمة في إصلاح الاختلالات التي تعاني منها؛ ربما لما تشاهده وتلمسه من تهميش الأنظمة لمنظمات العمل السياسي واستهتارها بها عبر تفريخ واستنساخ أحزاب تسيء شكلاً ومضموناً للعمل السياسي التعددي ، وهذا عامل حقيقي وهام علينا أن نسعى جميعاً لمعالجته.

3-            القسم الثالث: يرى أن "الحكمة ضالة المؤمن" وأن الرفض المتطرف أو القبول المتطرف، لِمَا يأتي من الخارج على علاته، أمر لا يقره عقل ولا منطق ولا مصلحة وأن الفكر الإنساني مشاع لبني الإنسان وعلينا أن نأخذ بمنطلقاته المحققة لحاجاتنا ومصالحنا.. وأن الإصلاح الشامل حاجة وضرورة محلية لكل دولنا وأنظمتنا ومجتمعاتنا.. وأن دعوات وتوجهات واتجاهات الإصلاح الشامل كانت قد انطلقت في بعض مجتمعاتنا قبل أن تنطلق من الخارج.. وأن ما أخّر فعلها في الواقع عوامل داخلية وأخرى خارجية:-

              داخلياً:- ضعف الآلية المحلية ،التي يمكن أن تفعِّلها ،والتي علينا أن نطورها

                  وأن نهيئ الظروف لتفعيلها، علاوة على قمع الأنظمة لأي محاولة جادة

                   لتفعيل إصلاحات جادة..

  كما أن الافتراض أن ما يأتي من الغير شر كله هو افتراض يحمل افتئات ومجازفة وانغلاق غير مقبول لا شرعاً ولا نقلاً ولا عقلاً.. فازدهار الحضارة الإسلامية منذ صدر الإسلام كان أهم عوامله ،كما أسلفنا، التفاعل مع ما تمخض عنه الفكر الإنساني والعقل البشري في كل نواحي الحياة في ما سبقنا من حضارات.. بل إن القيم الذاتية الإيجابية الراقية التي سادت جزيرة العرب في عصر الجاهلية قد أقرها الإسلام وهذّبها وقعّدها.

  خارجياً:-  تعاون بين الأنظمة ،الرافضة للإصلاحات الجادة، في إضعاف أي تحرك إيجابي نحو تلك الإصلاحات وتبادل صفقات التضييق على من يلجأ إلى بعض منها نتيجة للقمع في بلاده وتبادل المعلومات في هذا الشأن.

          كما أن العامل الأهم لغياب الإصلاحات الشاملة وبقاء هذا التخلف تمثَّل في استقواء تلك الأنظمة بالدول الكبرى ضد مواطنيها وضد قيادات المعارضة ومنح تلك الدول الكبرى مظلة الحماية لتلك الأنظمة نظير أي ثمن تحدده  ،خاصة في مرحلة الحرب الباردة  وتعدد الأقطاب.

كما أن استبعاد وجود المصلحة للغير في طرحه لتلك المبادرات هو سذاجة لا تقل عن سذاجة رفض مبدأ تبادل المصالح مع الغير وأهمية رعايتها وتنميتها.. فلا توجهات العزلة أو المبادرة بالعداء مقبولة ولا الذوبان في الغير مقبول أو مطلوب.. وإنما التعامل والتفاعل الإيجابي والتَفَهُّم والأخذ بكل ما يحقق التطور العلمي والإنساني والمصالح المشتركة، ولا تصادم ولا تنافر في ذلك مع قيمنا ومعتقداتنا.

فنحن جميعاً شركاء في هذا العالم ومسئولون عن تطوره وعلينا التعاطي مع ما يحقق تلك الشراكة التكاملية أخذاً وعطاءً ، فعلاً وتفاعلاً،.. بل إن ذلك من الواجبات ديناً ومن التكاليف الشرعية ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.. فالتنوع جُعل للتعارف وتبادل تلك المعارف وليس "للتعارك".. كما أننا جميعاً شركاء في الخلافة في هذه الأرض ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ؛ وهي مهمة الإنسان في هذا الوجود، أي الخلافة لعمران وإصلاح أمرنا في هذا الوجود وليس "الخلاف" لتدمير وإفساد هذا الوجود.. ولا تكليف مطلقاً يأمر بأن علينا أن نجبر أي إنسان أن يعتقد ما نعتقد ، وإنما تكليفنا هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. و"الحسنة" هنا عام وشامل ، قولاً وفعلاً وتعاملاً ، وحركة وسكوناً ، واختلافاً وتوافقاً.

ورسالتنا نحو العالم هي إيصال الخير وأخذه ونبذ الشر وإزالته ، والمودة ونبذ البغضاء، وزرع أواصر التآلف وقلع عوامل التخلف والتخالف، واللطف لا العنف، والحفاظ على النقاء ومنع التلوث، والصلاح والإصلاح ونبذ الفساد والخراب والتخريب، والرحمة لا القسوة.. تلك أسس وأصول رسالتنا نحو كل العالم والكون بكل موجوداته ومكوناته وبيئاته، إنسان وحيوان ونبات وجماد وماء وهواء وفراغ.. وما يطرأ من تخالف وبغضاء وعداء وتصادم هي الاستثناء لا القاعدة.. ودوافعها بالنسبة لنا يجب أن لا تتجاوز دفع ظلم أو اعتداء، أو دفع شر لجلب الخير وإزالة موانع منح الخير للجميع ونشره.. وما تبنّاه البعض من نظريات حتمية "صراع الحضارات" في منظورنا هو قراءة مبتورة لتاريخ الحضارات اعتمدت بعض مراحل الصراع "المصلحي" لا الحضاري.. فالحضارات الراسخة القيم لا تعتمد الصراع نهجاً ،بل تعتبره طارئاً ممقوتاً، فالصراع بذاته غير حضاري.. وإنما تفاعل الحضارات واستفادة كل منها من نتاج الأخرى هو القاعدة.. وتكامل الحضارات هو الهدف.. وأي صراع "مفروض" علينا يجب أن يكون منطلقنا ومنطقنا فيه السعي لتحقيق قانون "المدافعة" لدفع شرِّه  ولمنع الإفساد والاستئصال ودون إلغاء أو تغيير أو ابتعاد عن هدفنا الأساس وهو: تحقيق التكامل والتعامل المتفاعل إيجابياً مع الآخر .

من هذه المنطلقات نعتقد أن علينا قراءة أي مبادرة أو رؤية تأتي من أي جهة كانت.. ومن هذه المنطلقات نرى أن علينا التفاعل والتعامل معها.. أخذاً وعطاءً.. إفادة واستفادة.. فحصاً وتحليلاً.. انتقاءً لما يُصلحنا ولا يفسدنا.. ينفعنا ولا يضرنا ،كلنا وبكلياتنا، نحن والآخر، وأيضاً دون انتقاءٍ لما يلائم ويحقق مصالح البعض ،المتنفذ، أو يرسخها أو يضاعفها على حساب الكل بذرائع الخصوصية أو المحافظة على القيم التي لم يهدرها شيء قدر ما أهدرتها بعض تلك الأنظمة وبعض من يتخذونها ذرائع لمنع الإصلاحات أو محاولة إعاقتها.

ثانيـاً: الثوابت:

 ردد الكثيرون ، في مجال الاعتراض على مبادرات الإصلاح، قضية "الثوابت".. وهي قضية هامة.. لكن أن نجعل منها حاجزاً صاداً للإصلاحات الشاملة فإننا نحول معاني "الثوابت" من معانٍ وعوامل لقضايا وقيم دافعة للحياة والتطور إلى معانٍ وعوامل نقيضة وقيم كابحة للحياة والتطور.. ونرى أن علينا أن نحدد ما نعنيه "بالثوابت".

             إن التعريف العام الفضفاض للثوابت التي يتذرع بها البعض أنها: "العقائد والقيم والتقاليد والمفاهيم والأسس والنظم ،وربما المسميات، التي اعتمدها المجتمع أو النظم السائدة"..

             ويدخل في ذلك الدين والنظم السياسية والمفاهيم التي رسختها الأنظمة بل وأحياناً الآليات المعتمدة في نظام ما.

والحقيقة أن هذا التعريف قد يشكل ،في بعض جوانب ما اشتمل عليه، عائقاً وكابحاً لأي تطور في أي اتجاه.. وهو سوط ،بغلافٍ فكريٍ قاسٍ، يستخدمه البعض لجلد ووأد أي تفكيرٍ في التغيير والإصلاح ولحماية مصالح ترسخت وتجذرت ويراد لها الديمومة المستحيلة.

             والتعريف المنطقي للثوابت "المطلقة" في نظرنا أنها تلك "التي لا تتغير بفعل التطور أو الزمان أو المكان أو الحاجة الحقيقية العامة" ، لأنها في أساسها قواعد تعاملت مع ثوابت في قوانين الحياة والكون وتركت للفضاء الفكري الإنساني المساحة الكاملة للتعامل مع سنن المتغيرات في الحياة والكون.

            والثوابت المطلقة" في مجتمعنا [اليمني] والإسلامي عموماً ،في أي زمان وأي مكان، تشمل:-

1-            الأركان [ الإسلام ـ الإيمان ـ الإحسان ].

2-            الأحكام قطعية الدلالة وقطعية الثبوت. أو ما انعقد الإجماع على ثبوته من قِبل الأئمة المعتمدين ، مما يتعلق بثوابت في الحياة والكون..

وما عدا ذلك من أحكام تتعامل مع المتغيرات والمستجدات والتطورات في الزمان والمكان والمجتمعات الإنسانية والمكتشفات والاختراعات العلمية والمعرفية.. فإنها قابلة للبحث والتجديد والاجتهاد ،بشروطه وقواعده العلمية المعتبرة، مع التفاعل والتبيين من أهل التخصصات العلمية والمعرفية المختلفة وأهل العلوم الشرعية المؤهلين والمستوعبين لعصرهم.

3-            الحرية الكاملة ،العادلة والمسؤولة، المستوعبة لأسس بناء المجتمع والتي لا سبيل لرقي وتطور تلك الأسس إلا بها.. وهي قيمة إنسانية كونية ثابتة تضبطها ،وتضبط هي، حركة الحياة واتصالها بمكوِّن الكون ومكوناته ،من إنسان وحيوان ونبات وجماد وماء وهواء وفراغ.

4-            العدل الحر.. بمعناه الشامل والواسع.. وهو قيمة كونية إنسانية.. يطبقها الإنسان على ذاته وغيره من الموجودات.

5-            الاعتدال.. وهو الميزان الدقيق النابذ لأي تطرف ،في إطار الذات وفي محيط الذات، في أي اتجاه ولأي تعدي من أيِّ كائنٍ أو اتجاهٍ على أي كائنٍ أو اتجاهٍ والمقوِّم ،"بالعدل الحر والحرية العادلة"، لأي اعوجاج والنابذ لأي قبحٍ أو سقمٍ ،في الذات –نفساً وجسداً وروحاً وعقلاً وقلباً ومداركاً- وفي المحيط الإنساني والوجودي ككل.

6-            الحقوق الكونية، حقوق الإنسان ،الفردية والجمعية للشعوب والأمم، والحيوان والنبات والجماد والبيئة وكل موجود يتعامل معه الإنسان أو يؤثر فيه أو يتأثر به.. وتشمل الحقوق المتعلقة بالحياة ،من دينٍ ونفسٍ ومالٍ وعرضٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وفكرٍ ومساواة وأكلٍ وشربٍ وصحة وصيانة وحماية ورعاية...الخ.

             تلك في نظرنا هي الثوابت العامة "المطلقة" التي لا تتغير بتغير الظروف وإن كان بعضها يتطور وتتسع مفاهيمه ومجالاته وآلياته وأدواته ووسائله بتطور مفاهيم الإنسان واتساع معارفه ومجالات حركته في الحياة والكون.

             ومن هنا.. فإن تضاد أو توافق تلك الثوابت مع ما هو قائم في حياتنا لا يشكّل تضاداً أو توافقاً مع ثوابت الحياة في حقيقة الأمر وبما يحدده المعنى اللغوي والفهم السليم لثوابت الحياة.. وإنما قد يشكّل تضاداً أو توافقاً مع آليات ووسائل لنشوء أو تفعيل أو صيانة ما اعتدنا على ثباته في حياتنا ،من إيجابيات أوسلبيات،.. وبالتالي فإن حضور وتجذير تلك الثوابت في حياة الإنسان وما يحيط به يكون بقدر إصلاح وكفاءة أداء تلك الآليات والوسائل ،لترسيخ ما هو إيجابي ونبذ ما هو سلبي منها، وبقدر إيمان والتزام واستيعاب القائمين على تلك الآليات والوسائل بهذه الثوابت واستيعابهم للآليات والوسائل لتفعيلها.

             ومع ذلك فقد اصطلحنا ،في اليمن مثلاً، على اعتبار "الديمقراطية" من الثوابت مع أنها في حقيقتها آلية العصر لتحقيق ثوابت الحرية والحقوق والعدل ..

             بل كان من الثوابت المصطلح عليها في بعض نُظم الحكم أنها أنظمة حكم طبقة من خلال الحزب الواحد القائد.. من منطلق الماركسية اللينينية والاشتراكية العلمية.. وكان من الثوابت في بعض نُظم الحكم  "تحريم" الحزبية بل إن البعض منها قد حرم ذلك دستورياً .. هذه كانت ثوابت تلك الأنظمة ولم تكن ثوابت المجتمع وفُرِضت  في ظرف زماني معين وكل منها في بلد دون آخرى من بلداننا .. وفي حقيقتها منطلقات وآليات ووسائل أهل الحكم.. أو في أحسن الأحوال "فروع" عن ثوابت نسبية كانت قائمة أو أسس لأنظمة.. فانتهت بانتهائها أو بمجاراة تلك الأنظمة  لمعطيات وشروط ظروف جديدة.

             لذلك.. فإن الثوابت النسبية أو الفرعية أو الأسس والآليات والأدوات والوسائل خاضعة ،بحكم وظائفها، للتطوير والتعديل في نظمها واتجاهات حركتها بحيث تتمتع بالمرونة والكفاءة اللازمة لأداء مهامها في تحقيق وتفعيل وصيانة الثوابت المطلقة وفي بناء الدول على أسس جديدة وبآليات ووسائل وأدوات جديدة وقابلة للتطور والتطوير والتحديث. ما لم فإنها ستظل أدوات وأد وكبح وإعاقة للثوابت وللتأهل والتعامل مع العصر والمتغيرات بل قد يتضرر بقاؤها ذاته ويضمر إن لم تشملها عملية الإصلاحات والتغييرات الشاملة والتطوير لمواجهة الحاجة لتفعيل البناء المؤسسي للدولة والمجتمع.

             وسنأتي على ذكر ذلك عندما نتطرق  إلى  الفقرة الخاصة بما يشمله أو يطاله الإصلاح والتغيير الشامل.

             لذلك فإن ما يقال من "أن عقيدتنا ومجتمعاتنا وقيمنا ومصالحنا مستهدفة من المبادرات الدولية للإصلاحات الشاملة" أمر يحتاج إلى ترو وابتعاد عن المبالغات والذرائع.. والحديث في هذا الأمر يطرحه البعض من منطلقين:-

                المنطلق الأول: أن عقيدتنا وقيمنا ستتعرض للخطر وأنها هي المستهدفة من تلك الدعوات والمبادرات.

                ونقول أن عقيدتنا وقيمنا ليست "ريشة" يمكن أن يلعب بها الهواء أو الأهواء بل تقوم على أسس راسخة وضاربة جذورها في الأرض والتاريخ والقلوب والعقول وأن استمرار رسوخها فينا من عدمه يعتمد علينا نحن.. فإن كنا بهذا الضعف بداخلنا فسنحرم نحن من تلك القيم وستبقى ليبـدِّلنا في الأخذ بها وترسيخها من يعرف قدرها وأثرها لأن نور وخير ديننا للناس أجمعين وإن حرمنا أنفسنا نحن منه فلا خوف عليه ولا نفتـئت عليه ونتخذ من ادعاء الخوف عليه ذريعة لإغلاق منافذ التنوير والتطوير والتغيير.. وتجربة جمهوريات الإتحاد السوفياتي الإسلامية ماثلة للعيان؛ حيث لم تستطع سبعون عاماً من محاولات الإستئصال والوأد أن تنال مما ترسخ في القلوب والعقول، بل إن تلك المحاولات كانت من مُوَلِّدات ما نِشأ من تطرف عند البعض، وكان يمكن لنتائجها أن تغدو أكثر تدميراً لولا جذور من مفاهيم الإسلام السمح الصافي بقيت قبساً في قلوب الغالبية من مسلمي تلك المناطق.

                المنطلق الثاني: أن الدول التي أطلقت تلك المبادرات والدعوات لم تطلقها حرصاً على تطويرنا ونمائنا وإنما أطلقتها بغرض السيطرة لتحقيق مصالحها  ولا نرى أن هناك خلاف حول هذا الأمر.. ولا نرى غرابة، بل لا ينكر عاقل على دولة أو مجتمع أن يسعى لتحقيق مصالحه إلا إن كان هو عاجزاً عن تحقيق مصالحه أو فاقداً للرؤية التي تدله على آليات وسبل تحقيق مصالحه.. كما أنه لا يتوهم عاقل أن دولة أخرى أو   مجتمعاً آخر سيكون مستهدفه أو همه تحقيق مصالح للآخرين إلا بقدر ما يسهم ذلك في تحقيق مصالحه هو؛ والتناسب طردي لتحقيق المصالح لأي مجتمع بين الوضوح في الرؤية وصواب القراءة ،لما حدث ويحدث ولما يمكن أن يحدث، وبين اكتساب ذلك المجتمع لإمكانية استفادته من المتغيرات واكتسابه للقدرة على تعظيم مقادير تبادله للمصالح مع الآخرين وتمكنه من الآليات والأدوات التي تنمي تلك القدرة والمقادير.

                والمفارقة العجيبة والغريبة أن كثيراً من الذين يتذرعون بهذين المنطلقين لرفض عملية الإصلاح الشامل والتغيير..هم أنفسهم من يقبل التعامل مع كامل برامج وشروط البنك وصندوق النقد الدوليين –وكلتاهما مؤسستان دوليتان تفرضان ماتريانه من برامج و شروط تؤدي ،في نظرها، إلى إصلاح ما أفسدته الإدارة والسياسة المالية والاقتصادية لأي دولة- مهما سببت للمواطن من معاناة وضنك معيشي في مراحل تطبيقها، وزاد عليه، عدم تبصير الشعب بالمعاناة المؤقتة المصاحبة لعملية الإصلاح المالي والاقتصادي موحين للناس أنها من فعل شروط البنك وصندوق النقد الدوليين فقط ومتجاهلين أن اختلال منظومة الحكم  وسوء الإدارة واستشراء الفساد في مفاصل منظومة الحكم تشكل العوامل الأهم والأكبر لتفاقم المعاناة والضنك والمسبِّبة لاستمرارهما ،وفي نفس الوقت تحافظ على مصالح المتنفذين في منظومة الحكم ،والمرتبطين بهم، وتنميها.

 

 كل ذلك يؤكد أن منطلقات رفضهم أو تسويفهم أو تشويههم لعملية الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الفعلي ما هي إلا معاذير واهية وأن هذا الرفض والتسويف أو تحويل الإصلاحات إلى شعارات ومسميات وهياكل ،لا وجود حقيقي لها ولا فاعلية لها في أي قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو إعلامي أو تعليمي...الخ. كل ذلك لأن تلك الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الفعلي قد يقلص من الاستئثار بالقرار، في كل شيء وأي شيء، مما قد يفقدهم لبعض مصالحهم وسلطاتهم المطلقة والمغلَّفة بأقنعة شعارات الديمقراطية وحرية الصحافة بلا أثر.. وبهياكل آليات الديمقراطية التي لا تشكل أكثر من "ديكور" مشوَّه ومشوِّه للديمقراطية.. وبطوابير الانتخابات في كل موسم ،التي لم تؤدِ ولن تؤدي ،في ظل هذه العوامل الكابحة، إلى أي تبادل سلمي لأي سلطة وعلى أي مستوى وإنما تؤدي إلى ترسيخ "سلمي" ،مؤقت، ومنح شرعية ،شكلية، لما هو قائم

  أما قبولهم لشروط القروض.. –مع تعمّد تجهيل الناس بحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد– وتوالي ما سُمّيَ بـ(الجرعات القاتلة) ،دون جهد صادق وسليم للحد من قسوتها على الناس ،في هذه المرحلة،.. فلأنها لا تمسهم ولا تمس مصالحهم ، بل تنمّيها وتضاعفها ؛ وكلها على كاهل المواطن المسحوق أصلاً بالفساد المستشري الذي لم تتوقف السلطات ذاتها عن الاعتراف به وإعلان معرفتها عن من يمارسه وإعلان حربها ،الصوتية، عليه والتي حولت الفساد ،أي الحرب الصوتية، إلى واقع معترف به تمارسه السلطات جهاراً نهاراً وتتوسع فيه وترعاه وتصرخ لتعلن ،للمواطن المسحوق، أن هناك فساداً!! وكأنها تعلن إما قبولها به أو عجزها حتى عن تقليصه.. أو حتى عن "تنظيمه"..!! [كما طالبت إحدى الشخصيات الوطنية].

  وذهب آخر إلى المطالبة بأن تعلن الدولة "قائمة" بأسماء من يمارسون الفساد وبمقادير ما يحصلون عليه وتلتزم أمام الشعب بتثبيت تلك القائمة وممارستها طبقاً للمقادير المعلنة.. ولمّا لم تستطع أن تلتزم واتضح أن العدد يتزايد والمقادير تتضاعف والمجالات تتسع طالب آخر بأن تقدم الدولة قائمة بأسماء المسؤولين الذين يتمتعون بالنزاهة والعفة وخطتها للحفاظ على نزاهتهم وعفتهم والالتزام بفعالية هذه الخطة وتنفيذها. وأيضاً لم تقم بذلك إما لأنها لم تجد أو أن الحقيقة أنه ليس من توجهاتها أن تحافظ على مسؤول نزيه عفيف أو أنها عاجزة عن ذلك!!

                ولم يكن لنا أن نورد في سياق مشروع جاد ما طرحه البعض ،ساخراً، عن ما آلت إليه حالة مجتمعاتنا ، إلا لنبيّن عمق المأساة التي يعيشها شعبنا ليقيس الإنسان ما يسمعه من ضجيج عن الديمقراطية وهياكلها وآلياتها والحريات واتساعها في بلادنا والتنمية ومعدلاتها ،التي لا وجود لها إلا على ورق السلطة، ليقيس كل ذلك على ما تقوله السلطة هي عن تفشي الفساد وسرقة المال العام.. فلو كانت هناك ديمقراطية حقيقية وحرية حقيقية وتنمية حقيقية لما كان يمكن أن يصبح الفساد حقيقياً وبهذا الاستشراء والعلنية.. إن الشفافية في بلداننا غائبة في كل تصرفات وقرارات وسياسات دولنا إلا في ممارسة الفساد.. وعلى كل المستويات وبكل أنواعه.. وبكامل الشفافية والعلنية.. ولذلك أصبحت بلداننا طاردة للاستثمار والمستثمرين عدا تلك الومضات المحدودة في بعض المناطق العربية التي تطورت موانئها ،أداءً وأنظمة وكفاءة ودخلاً، بينما منطقة ميناء عدن الحرة فإنها منذ الإعلان عن إعادة إنشائها ،قبل حوالي 14عاماً بعد وأدها لربع قرن، وهي تترنح.. وجاءت حادثة المدمرة "كول" لتصبح الشماعة التي عُلِّـقت عليها كل أسباب فشل المنطقة الحرة ،رغم مضي عدة سنوات على تلك الحادثة،  فقد تعودنا أن كل مصيبة أو فشل يحققه الحكم يعلقه على حكم الأئمة والاستعمار الذي انتهى قبل جيلين والتشطير الذي انتهى قبل أكثر من 14 عاماً والحرب التي انتهت قبل أكثر من عشر سنوات ، وإن مرت فترة هادئة فإنه يتم اختلاق أزمة أو توتر داخلي أو خارجي لتوفير شماعة جديدة يُعلَّق عليها العجز الذاتي لمنظومة الحكم عن التطور والتطوير وعن الخروج من ثقب التخلف الأكثر سواداً ولخلق تبريرٍ لما يتعرض له المواطن من معاناة على كل المستويات. إنها فلسفة إدارة الأوطان بالأزمات !!.

ثالثـاً: الخصوصيات والخصائص والقيم والتجارب الإنسانية والموروث الحضاري:

   في مجال الذرائع لسد منافذ التطوير والتغيير والإصلاحات انطلق البعض مردداً "أن لمجتمعاتنا خصوصياتها.. ولمجتمعاتنا خصائصها وقيمها التي لا تسمح بقبول واستيعاب ما يأتينا من الخارج من دعوات ومبادرات قائمة على تجارب لمجتمعات لها خصوصياتها وخصائصها وقيمها".. وهذا من حيث "المظهر" النظري التبريري له بريقه.. ولكن وجاهة منطقه "الحقيقية" لا وجود لها إلا في بعض المنطلقات الجزئية المحدودة جداً وفي بعض الأدوات والأساليب التفصيلية لإجراء الإصلاحات الحقيقية الشاملة والتغيير الحقيقي ومنها تلك المتعلقة ،في معظمها، بكيفية التغلب على عقلية الوصاية المرتكزة على رفض الإقلاع عن أساليب إدارة وطن بالأزمات وقوة العادة في الشعور الخاطئ لدى بعض المتنفذين بأن الأرض وما عليها ومن عليها حق مكتسب وعلى الآخرين أن يقبلوا بما يتفضل به هذا البعض مما يعكس وهماً وخوفاً على ضياع بعض المصالح التي يرونها حقاً دون أن يدركوا أو حتى يروا ما يجري حولهم في الوطن و خارجه فالإصرار قائم على أن الأمور مستتبة وأن الأوضاع مُثلى في الوقت الذي ينهار فيه كل حَسن ويسود كل قُبْح .

ومعالجة هذه الجزئيات لا تتأتى من رفض الإصلاحات الحقيقية أو التسويف أو التشويه لها وإنما تتأتى من معالجات لإيجاد آليات لاستيعابنا ،نحن كنظام وقوى وطنية وشعب، لها وقدرتنا على تفعيل استيعابها هي لخصوصياتنا وخصائص مجتمعاتنا وقيمها.. وقدرتنا على تغيير عقلية الوصاية وتغيير أسلوب إدارة الوطن بالأزمات.

وحتى نستطيع ذلك فلا بد من أن نعرف كل من الخصوصيات والخصائص والقيم للمجتمعات.. ونزيل الوهم التبريري المعيق للإصلاحات والكابح لحركتها.

1]    الخصوصيات: هي تلك القيم والمعايير التي يختص بها مجتمع دون سواه ولا يستطيع التخلي عنها أو لا يريد التخلي عنها.. وهي إما أنها جامدة وغير قادرة على استيعاب التطور أو ظرف الزمان أو المكان.. أو أن التطور المطلوب يشوبه نقص أو خلل في عرضه يعيق استيعابه لها ،وهو أمر ممكن الحدوث في بعض القضايا والمراحل، أو أن ظرفي الزمان والمكان لا يهيئان البيئة الصالحة لهذا الاستيعاب وهو أمر يستحيل لأن المؤثر في الظرفين هو الإنسان الذي  يملك آليات تؤهله لاستيعاب الكمال الإنساني أو النقص الإنساني.. وكلاهما ،كمالاً ونقصاً، نسبيان.

من هذا التعريف العام نستطيع أن نحدد خصوصياتنا ومدى استيعابها للتطور الإيجابي ومدى حاجة التطور لها. وسنحصر الأمر في خصوصيتين أساسيتين إحداهما من الثوابت المطلقة والأخرى فرع عنها..

الخصوصية الأولى: هي عقيدتنا الإسلامية وأحكامها المنوّه عنها في "ثانياً" فقرة 1و2 من "القواعد والمنطلقات".. وهذه الخصوصية ،في نظرنا، ليست فقط قادرة على استيعاب الإصلاحات الحقيقية والشاملة والتغيير الحقيقي.. بل يحتاجها الإصلاح الحقيقي الشامل والتغيير والتطوير في مجتمعنا ، وأكثر من ذلك فإن هذه الخصوصية آمرة وحاثة على هذا الأمر وقد سبق بسط هذا الأمر في المقدمة. ونجني على أنفسنا وعلى الإسلام إن تصورنا أن هذه الخصوصية خاصة بنا كمجتمع بل هي كونية وليست شعوبية ونحن وغيرنا نقوم بمهمة إبلاغها.. فإن أحسنّا فذلك ما يجب وإن أسأنا فالإساءة منا وفينا وعلينا. ونحسب أننا قد أسأنا في عصرنا هذا أكثر مما أحسنا.

الخصوصية الثانية: وهي الوحدة الأساسية الأولى لبناء المجتمع.. فنحن نعتبر أن الأسرة هي الوحدة الأساسية الأولى لبناء المجتمع ،مع الاهتمام بالمسؤولية الفردية حقوقاً وواجبات، وبالتالي فإن بناءها البناء الصحيح.. قيمياً ومعرفياً وعلمياً وصحياً ،جسداً وقلباً ونفساً وسلوكاً، يصنع مجتمعاً متماسكاً قوياً قادراً على التطور والإسهام في تطور الإنسان وما يحيط به.. وإن أهملناها.. وأقمنا عوامل تفككها فإننا قد نتطور في ميادين الحياة المادية ولكن الناتج مجتمع مفكك منزوع الروح يعتري بعض قيمه الضعف والتلاشي.. مثل الإيثار الحقيقي والتكافل النابع من الذات والرحمة والمودة الطبيعيتين والشعور بالطمأنينة والأمن والرضى

بينما تنطلق مجتمعات أخرى من أن الفرد هو الوحدة الأساسية لبناء المجتمع مع تدني الاهتمام ببناء الأسرة إلى درجة تقرب من التلاشي، ومع ايجابيات هذا المنطلق الذي يفسح مجالاً للفرد واسعاً وإن على حساب المجموع.. وينمي بعض نواحي الإبداع في اتجاهيه الإيجابي والسلبي، إلا أننا نعتقد أن السلبيات، معيشياً واجتماعياً وقيميا،ً تنهك الفرد ذاته والمجتمع ككل.. وتنمي الأنانية المفرطة وتطلق جماح الغرائز والرغبات والأهواء النفسية رغم القفزة الهائلة في حضارة الخدمات وثورة المعلومات التي تغلّف هذا الخواء والتفكك. وبالتالي يفقد الإنسان أي استمتاع حقيقي بالحياة وتغيب السعادة الفردية والجمعية وتنسحق إنسانية الإنسان في طاحونة الحياة لهثاً وراء امتلاك شيء مما تضخه الحياة المادية والتطور المادي من أدوات ووسائل لتتحول تلك الأدوات والوسائل إلى غايات يظل الإنسان يلهث لنيلها فينتهي عمره دون أن يدرك تمام غايته.

ونحسب أن التجارب المجتمعية أثبتت أن المجتمع الإنساني السوي هو الذي يتحقق في ظل التوازن الذي يجب أن يسود بين حقوق الفرد الذاتية وواجباته نحو ذاته وبين حقوقه وواجباته في محيطه الأسري والمجتمعي وذلك لا يتحقق إلا في المجتمع الذي يعتمد الأسرة كوحدة أساسية لبنائه ونمائه وسعادته دون أن يطغى ذلك على حقوق الفرد الأساسية وبتفاعل وتكامل يؤديان إلى تمام تحقيقه لحاجياته وحقوقه من خلال كمال تحقيق وحدات مجتمعه لحاجياتها وحقوقها وبذلك تستقيم المعادلة المعتدلة العادلة.

وفي كل الأحوال فإن هذه الخصوصية لا يمكن إلا أن تكون عاملاً داعماً للإصلاحات الحقيقية الشاملة ومؤمّنة لمسيرها.. حتى في مجال الحريات التي لا تقيدها إلا في مجالات الاعتداء على حريات وحقوق الغير المادية والمعنوية.. وفي مجالات إطلاق الغرائز والأهواء بلا ضابط أو مسؤولية.. "فالحرية العادلة" بذاتها مسؤولية فردية ومجتمعية وقيمة إنسانية وكونية كما أسلفنا.. وكل توهم لقيمة إنسانية لا تحقق سمواً للنفس البشرية ورقياً لها تصبح "لا قيمة" بل تتحول إلى عبودية لهوى الذات وتتحول إلى "حرية مستبدة" على من يمارسها أولاً ثم على ما يحيط به من مكونات الوجود.. ولا قيود على الحرية وإنما ضوابط يقرها الإنسان ذاته تقيه هو من سطوة الهوى والغرائز غير المنضبطة وتقيه  من "حرية مستبدة" قد يمارسها غيره.

 

2]الخصائص: إن الخصائص لمجتمع ما هي إلا تلك القيم والمعايير والتقاليد والعادات والصفات التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات.. والتي لا تكون خاصة به أو محصورة عليه بل قد يشترك فيها ،كلاً أو بعضاً، مع مجتمعات أخرى.. وقد تكون خصائص إيجابية أو سلبية. والخصائص قد تكون خَلْقِية أو سلوكية أو قدراتية.. وقد تكون أصيلة أو مكتسبة.. وقد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.. وقد تكون تاريخية أو بيئية.. وقد تكون ثابتة مستمرة أو نامية أو قابلة للضمور أو النضوب أو الاندثار.. وقد تكون مؤثرة في الإنسان أو متأثرة بالإنسان ،أو كلاهما معا،ً سلباً أو إيجاباً..

وبالتالي فإن الخصائص بمجملها.. وفي أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، لا يمكن أن تشكل بذاتها مانعاً للإصلاحات التي يحتاجها الإنسان لإقامة حياة سعيدة قائمة على العلاقات المتوازنة بين الإنسان وأخيه الإنسان ومجتمعه الإنساني وبين الإنسان وما يحيط به من حيوان ونبات وجماد وبيئة.. بل إن الإنسان إن أحسن التعامل مع هذه الخصائص وبهذه الخصائص، سلبية كانت أم إيجابية، فيستطيع أن يجعل منها عوامل دفع ودعم للإصلاحات الشاملة ،ولو بقصد التخلص من تلك الخصائص السلبية من خلال الإصلاحات،.. وكون الإصلاحات الشاملة تستهدف غاية صلاح الإنسان وتحقيق مصالحه وسعادته.. فإن ذلك كله لن يتحقق دون إصلاح علاقته بمكونات الوجود المحيطة به والمتعاملة معه.. من حيوان ونبات وجماد وبيئة.. الخ.

القيم الإنسانيـة:

إن القيم الإنسانية عموماً.. سواء ما جاءت بها الديانات عموماً وديننا الإسلامي خصوصاً.. أو ما كانت سائدة في المجتمعات وأقرتها وهذبتها وقعدتها الديانات السماوية عموماً وديننا الإسلامي خصوصاً... هي في صيرورتها إنسانية جُبِلَ عليها الإنسان أو تعارف عليها بنو الإنسان واكتسبتها البشرية أو جذرتها المجتمعات البشرية في ثقافتها وسلوكها بقدر ما اكتشفت ووجدت فيها من فوائد ومكاسب اجتماعية أو اقتصادية أو سلوكية.. وسواء أكانت تلك القيم مشتركة النشأة بين المجتمعات البشرية أو وجدت في مجتمعات بصورة أبرز من وجودها في أخرى.

وتلك القيم التي يجب تنميتها وترسيخها ،مثل الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والاستقامة والإتقان والجِدّية والالتزام والانضباط...إلخ.. وما هو مشترك من المستحسنات أو مرفوض من المستقبحات، هي الواقي للمجتمعات من الانزلاق والتردي، وهي المقوم الذاتي لأي اعوجاج، وهي المعيار لرقي المجتمعات والإشارات الموجهة لضمان سير الإصلاحات الحقيقية في المسار المحقق لمستهدفات تلك الإصلاحات دون عوائق أو كوابح.

التجارب الإنسانية.. والموروث الحضاري:

إن محصلات التجارب الإنسانية في كل المجتمعات.. وفي أي مجال من المجالات.. وفي كل الأزمنة هي ملك لبني الإنسان فهي نتاج مشترك لحضارات البشرية في مختلف العصور.. ومحصلة للجهد البشري بسلبياته وإيجابياته.. ولمحاسنه ومساوئه.. ولصوابه وخطئه.. ولجماله وقبحه.. وقد قامت كل حضارة على الاستثمار والاستفادة من الموروث الحضاري والتجارب الإنسانية التي سبقتها.. وبالتالي فإن الناتج في لحظة زمنية معينة هو ملك للإنسان أينما وجد.. ولا يجوز الاستئثار به واحتكاره لمجتمع دون سواه..

ومع حق كل المجتمعات في هذا الناتج.. ووجوب التسليم بهذا الحق ،الذي ساهم كل مجتمع إنساني في بناء جزء منه في مرحلة من مراحل التاريخ، ووجوب أن يكون هذا الناتج مشاعاً بفرص متكافئة للاستفادة منه وتطويره.. إلا أن علينا أن نسلم ونعترف أن كل مجتمع لن يستطيع تحقيق تلك الاستفادة الإيجابية إلا بقدر كفاءته وتطور معارفه.. فتكافؤ الفرص يعني التمكين من فرصة الاستفادة المعرفية والتمكين من فرصة الحصول على الحق لا المساواة في المقدار أو في حجم الاستفادة وعمقها فمقدار وحجم وعمق إمكانية الحصول على الحق يتناسب طردياً مع القدرة والكفاءة والالتزام المسؤول.. والقدرة والكفاءة والوعي بقيمة المسؤولية إزاء الاستفادة والاستخدام الأمثل لمخرجات المعرفة تتناسب طردياً مع شمول وعمق وجدية الإصلاحات في مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم.

ومن هنا فإن شمول وعمق وجدية الإصلاحات في بلداننا هي ضرورة ملحة إن أردنا لبلداننا التمكين من الاستفادة من معطيات العصر المعرفية ونتاج التجارب والحضارة الإنسانية.. ولا عذر لنا ولا مخرج سوى الانطلاق الفوري دون أن نضيع أكثر مما أضعنا من فرص وعقود ونحن "نراوح" في مساحة من ضيق الأفق لا تتسع حتى لفرد أمي أو طفل رضيع فكيف لأمة وشعوب لها حضارتها وقيمها وتاريخها.

وإن تمادينا في ما نحن فيه وعليه فلن يمر وقت طويل إلا وزادت أوضاعنا تمزقاً وتخلفاً وتشرذماً.

الفصل الثاني:العوامل الموجبة للإصلاح

طالما الجميع ،أصبح ينادي ويدعو للإصلاحات ويقر بضرورتها،.. نظام حكم ومنظمات     سياسية واجتماعية واقتصادية.. نخب مستقلة.. شعب.. دول أجنبية.. منظمات دولية.. الخ، فإن ذلك كله يؤكد أن الجميع قد أدرك أن هناك  خراباً واختلالات تستوجب الإصلاحات..

•               ولكي نحدد ما تشمله الإصلاحات علينا أن نتفق على مكامن ونواحي الخراب والاختلالات.

•             ولكي نحدد طبيعة تلك الإصلاحات علينا أن نتفق على أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها.

•             ولكي نحدد آليات وأدوات ووسائل تلك الإصلاحات ومداها علينا أن نتفق على طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب.

•             ولكي نحدد أسس وآليات مخرجات تلك الإصلاحات لتأمين مسيرتنا المستقبلية علينا أن نتفق على الإستراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها من مسيرتنا المستقبلية تلك.

1] مكامن ونواحي الخراب والاختلالات:

أ   )  خلل شامل في العملية السياسية داخلياً وخارجياً، في السلطة والمعارضة. أفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

بـ )    فوضى وفساد في العملية الاقتصادية وتردي لم تشهده بلادنا في مستوى المعيشة.

جـ)   تدني حاد في مستوى التعليم ومخرجاته في العلوم الاجتماعية والتربوية والتطبيقية.

د  )    تشظي اجتماعي ونزعات إلى الفرقة والتمزق والتناحر وتدني في القيم وانتشار مخيف للأسلحة وتحول الوطن إلى جزر كل ٌيعمل على تحقيق الحماية الذاتية أو الاجتماعية مِـن مَـن يملك مصادر القوة.

هـ)    مظالم سائدة وضياع للحقوق، وعدم استقلال للقضاء جعل المواطن يهجره ويعود لتحكيم العرف القبلي.

و  )   تدني مستوى الخدمات الصحية.

ز  )   انهيار إداري ومعاناة في متابعة القضايا الخاصة والعامة في الدوائر الحكومية.

ح  )   قلق على كل المستويات وغياب للشعور بالأمن والأمان والاطمئنان بمعانيها الواسعة والعامة.

ط  )  إعلام رسمي مستلب من السلطة لم يبرع في شيء سوى تشويه الحق والحقائق والترويج الإعلامي لتحويل الأسود إلى أبيض والأبيض إلى أسود على مستوى التاريخ والحاضر وشوَّه وعي الناس وسمّى الأشياء والأحداث والممارسات بعكس مسمياتها.

ي) ارتفاع متزايد في معدلات الفقر والبطالة (يتوقع تقرير حديث للاتحاد الأوربي أن تبلغ نسبة البطالة في اليمن عام2007 حوالي17% من السكان).

ك) انفلات أمني على مستوى المدن وعجز عن ضبط الحدود البحرية والبرية مما جعلها ساحة للتهريب، بما في ذلك تهريب الأسلحة، ومرور المتطرفين.

من كل ذلك نستطيع أن نقول أن الإصلاحات يجب أن تشمل كل نواحي وأسس وهياكل الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والصحية والإعلامية.. الخ.       

2] أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها:

أ-    إن السبب الأول هو تراكم لثقافة مختلة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.. قامت على أساس سيادة الحاكم وتبعية المحكوم.. فالحاكم هو القائد والرائد والملهم.. أكان حزباً أو جماعة أو منطقة أو فرداً.. بصرف النظر عن الادعاء بأن ذلك يعكس تمثيلاً لإرادة الشعب والجماهير وتحقيقاً لمصالحها.. الخ من تلك الادعاءات.

ب-    هذا أدى إلى نشوء سياسات الإستئصال والتصفية للآخر جسدياً أو أثراً أو فكراً.. أو الإقصاء له أو تحجيمه أو تهميشه أو إذلاله سياسياً أو اجتماعياً أو معيشياً.

جـ-    هذا أدى إلى نشوء أساليب لتنفيذ تلك السياسات منها ما هو فج ومباشر بالتصفية الجسدية.. ومنها ما هو بالإقصاء عن مواضع الأثر والتأثير ومنها ما هو تحجيم للآخر وتهميشه إما بسد كل منافذ النمو للقوى السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بل والتعليمية والفكرية للآخر.. ومنها ما هو إشغال الآخر بآخر مثله إما بتمويل أو تحريك أو إحياء أو زرع لفتن قبلية أو أسرية ،في إطار الأسرة الواحدة، أو مذهبية أو تمويل انشقاقات في منظمات المجتمع المدني، حزبية أو مهنية أو اجتماعية أو إثارة واستثارة أقليات عرقية أو مذهبية .

د-     السيطرة على كامل العملية الاقتصادية سواء عامة أو خاصة.. وتجذرت في العقود المتأخرة حيث تم مزج العام اقتصادياً بالخاص من حيث التسيير والسيطرة على العملية الاقتصادية والمعيشية للناس ومخرجاتها..

هـ-     غياب الإستراتيجية الاقتصادية المحددة للتوجه الاقتصادي ،رؤية ونشاطاً وأهدافاً،.. ونشر وتشجيع للفساد وتصعيد للمناصب الأعلى لمن ينشر الفساد وينميه.. وإهدار ونهب وتخريب للثروات مثل النفط والثروات المعدنية وصيد الأسماك ومزارعه والثروات البحرية ،عموما،ً والآثار وغيرها لصالح المفسدين.. وتدني لمستويات الإنتاج الزراعي والسياحي وغياب لأي محاسبة حول إنتاج ومبيعات الثروة النفطية وغياب للشفافية حول ما يجري حول الدخل الحقيقي وأين يذهب.. وعن كيفية إعطاء الإمتيازات للتنقيب عن النفط..

أما المناطق الحرة فأمر يثير ألف سؤال وسؤال.. ولنأخذ مثالاً:

لقد مرت أكثر من خمسة عشر عاماً منذ إعلان "عدن" منطقة حرة.. دون نتائج.. ولا وجود لخطة حقيقية تحدد ماذا نريد أن تكون عليه "عدن" وكيف يتحقق ذلك ومتى يتحقق ذلك.. وغياب كامل للشفافية .

-              إن "عدن" كانت قبل الاستقلال ثاني ميناء في العالم بعد "نيويورك" من حيث عدد السفن التي تمر به..

-              إن "عدن" تبعد أربعة أميال بحرية فقط عن الخط التجاري الملاحي الدولي.

-              إن "عدن" تملك من السمعة ومقومات الموقع والتاريخ ما يؤهلها لأن تصبح أهم مركز تجاري في المنطقة العربية ومن أهمها على مستوى العالم.. وأهم موقع لإعادة التصدير و"المسافنة" وللصناعات الخفيفة والتجميعية.

-              لكن الفساد المستشري والأتاوات التي يطلبها المتنفذون من المستثمرين ، والشراكة التي يفرضها أصحاب النفوذ على المستثمرين، وغياب الخطة العلمية الصحيحة وسوء الإدارة، وتدني مستوى الخدمات، وبقاء قوانين التأميم والمصادرة التي لا تمت بصلة إلى المنطقة الحرة ولا لاقتصاد السوق.. وغياب قوة القانون وسيادة قانون القوة والفوضى.. كل ذلك شكل عوامل طرد للمستثمرين الذين توافدوا على "عدن" وغادروها ناقمين.

-              إن أي مواطن لابد أن يعتصر قلبه ألماً وهو يرى فرصاً يهدرها أهل الفساد ويرى "درة" الموانئ في أدنى المستويات بينما غيرها الذي لا يملك ما تملكه "عدن" من فرص ومؤهلات قد حقق قفزات مذهلة ومشرفة في مناطق استطاعت أن تقدم نموذجاً مشرَّفاً للنهوض والارتقاء بفضل إخلاص قادتها وأهلها وتفانيهم وأخذهم بوسائل التقدم العلمي وإقامتهم لنظم إدارية غاية في التطور وقوانين استثمارية مرنة ونظم خدمات راقية وترفع وسمو عن الفساد والإفساد المالي والإداري ..

-              إن "عدن" لولا الأسباب التي ذكرنا..لكان يمكنها أن تلحق بهذا الركب وتشكل مكملاً لتلك المناطق المتطورة التي قامت.. لكن النهج الخاطئ.. واستمرار الإصرار على رفض الإصلاحات الشاملة..  و استشراء الخراب والاختلالات ،التي دمرت كل جميل في بلدنا وشجعت إقامة كل قبيح، هي الكابح والمعيق وهي التي أضاعت من عمر عدن ،كمنطقة حرة،حوالي أربعة عقود منها حوالي 15سنة منذ أعيد إعلانها منطقة حرة وتم عِوَضاً عن ذلك وضع الكوابح وتسابق المتنفذين على الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة واستشراء الفساد والأتاوات المفروضة..ونمت كل عوامل الطرد للمستثمرين.

-              إن مصادر الثروة الاقتصادية والقروض والمساعدات أياً كان حجمها وأهميتها لا يمكن أن تشكل رافداً للبناء والتطور والرخاء طالما تُدار وفق هذا الخراب والاختلالات.

-              وإن بلادنا تملك كل مقومات النهوض والرخاء لكنها تتآكل بفعل صدأ الفساد والاختلالات.. فالثروة البشرية والثروة البترولية والمعدنية والسمكية والمنطقة الحرة والزراعة  والسياحة والموقع الهام على شواطئ البحر العربي التي يمكن أن تصبح أهم وأأمن مواقع لتصدير النفط في العالم ،لو حققنا الإصلاحات الشاملة، كل ذلك يمكن أن يُشكِّل دخلاً كبيراً وأساساً تنموياً ومعيشياً ولكن بلادنا ابتُليت بتعاقب أنظمة لا تعرف قدرها ولا قيمتها ولا أهميتها.. وبنفوس أعماها الهلع والجشع..

و-     غياب لأي استراتيجية للعملية التربوية والتعليمية ومخرجاتها في الواقع التنفيذي.. واعتماد مناهج في التعليم الرسمي على المستوى الديني والتربوي والعلوم الإنسانية عاجزة عن تنمية قيم التسامح الديني والاعتدال والتآلف الاجتماعي والإنساني والمصداقية التاريخية.. وتنمي نزعات التطرف والخلاف والتنافر والزيف بحيث أصبحت مخرجاتها مهزوزة تربوياً ومشوشة فكرياً وتاريخياً وضحلة ثقافيا ومتنافرة.. ومناهج علوم تطبيقية تعيش عصراً لم يعد له وجود ولا تعرف من الحاضر إلا الاستهلاك المشوه لنتاج العصر التقني على كل المستويات.. وأصبحت مخرجات التعليم شوهاء في كل مجال.

ز-    إن انتشار الأسلحة وتدني القيم وتحول الوطن إلى "جزر" كل يحتمي بجزيرة ،إما على صورة جماعة أو قبيلة أو منطقة أو صاحب نفوذ، لتحقيق الحماية الذاتية أو الاحتماء بمن يملك أحد عوامل القوة من نفوذ أو مال أو سلاح ؛ كل ذلك لشمول القلق وعدم الشعور بالأمن والأمان والاطمئنان وغياب أي وسيلة مشروعة لحماية الإنسان وعرضه وماله وقيمه وكرامته وفكره؛ ولانتشار الفتن وتغذيتها على كل المستويات ؛ فإن بعض تلك "الجزر" ،لأصحاب النفوذ، تتحول إلى وسائل للابتزاز وفرض الأتاوات وتتحول بعضها إلى وسائل للمعيشة في غياب وسائل عيش مشروعة..

ح-    وسادت المظالم.. وتفشى ضياع الحقوق.. في غياب قضاء مستقل عادل نافذة أحكامه.. وأصبح الحد الفاصل بين السلطات منهاراً فاختلطت السلطات وتسيدت السلطة التنفيذية على كل السلطات التشريعية والقضائية بل وما تسمى بالسلطة الرابعة وهي سلطة الصحافة والإعلام التي رغم إعلان حريتها وكثرة إصداراتها إلا أنها تعمل وفق خطوط حمراء ولا تتجاوزها وإلا حرمت من الإعلانات الحكومية وحتى من إعلانات القطاع الخاص الذي أصبح مذعوراً من سطوة السلطة التنفيذية.. بالإضافة إلى ما تتعرض له الصحافة والصحفيين من معاملة قاسية لا تخفف منها صيحاتهم ولا احتجاجات منظمات الصحافة المحلية والخارجية ولا منظمات حقوق الإنسان.. فلدى السلطة أيضاً وزارة لحقوق الإنسان لا تملك ،رغم محاولاتها الطيبة، سوى أن يصبح وجودها بذاته محاولة خجولة لعملية تجميل للقبح السائد.

ط-    أما الخدمات وبالذات الصحية.. فأمر محزن.. فالأدوية الفاسدة لا تقل عن الفساد المالي والإداري بل أحد مخرجاته.. وما يصرفه شعبنا في الخارج على العلاج في سنة واحدة يكفي لإقامة أرقى المراكز الطبية.. ناهيك عن تفشي أمراض لم تعهدها بلادنا مثل أمراض السرطان والإيدز والقلب وارتفاع نسبة الوباء الكبدي والفشل الكلوي، وحمى الضنك...الخ.. وكل تلك الأمراض أصبحت بمستوى لم تشهده بلادنا في أكثر مراحلها تخلفاً (15ألفاً تقتلهم الملاريا سنوياً، 12ألفاً يقتلهم السرطان، وفقاً للأرقام الرسمية)،. (مؤشر نفقات الصحة العامة لايتجاوز 1.3 % من الناتج القومي الإجمالي، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي).

ي-     إن إعلان الديمقراطية اقتصر على إنشاء هياكل لا وزن لها في القرار وبواسطة آلية ونظام للانتخابات يعيد إنتاج ما هو قائم من سوء ويمنع أي تداول سلمي للسلطة. بل أن سوء التطبيق للمظاهر الديمقراطية قد أوصل المواطن اليمني إلى مايشبه (الكفر) بالديمقراطية، وهو مايكشف عن نوايا مبيتة للتراجع حتى عن تلك الشكليات.

إننا ،بعد هذا الإيضاح لمجمل أسباب الخراب والاختلالات وعوامل بقائها، نستطيع القول –دون تردد– أن طبيعة الإصلاحات ومداها ،كما يجب أن تشمل كل نواحي وأسس وهياكل الحياة أفقياً، فإنها يجب أن تشمل مستويات كل جزئية رأسياً.. ومنها القوانين والنظم واللوائح وأسلوب الأداء وآلياته وأدواته ومهامه بما يحقق الاستراتيجيات والأهداف التي نخطها لمسيرتنا المستقبلية وبما يؤهل بلادنا لأداء دورها باقتدار في المنطقة والعالم..

3] طبيعة ومدى تجذر تلك الاختلالات والخراب

‌أ-    تضافرت تلك الاختلالات وذلك الخراب حتى أصبحت تشكل عجينة من خليط مركب من كل تلك الاختلالات.. مما يشكل تعاضداً بينها يشمل السياسي والاقتصادي والتعليمي والإعلامي والاجتماعي والإداري والقلق العام...الخ.. وفي كل يوم يترسخ ويتجذر هذا التضافر وتلك العجينة والخليط المركب مما يزيد الأمر صعوبة ويجعل معالجة أي جزئية بمعزل عن معالجة كل تلك الاختلالات أمراً مستحيلاً وتصبح معالجة الكل مستحيلة دون البدء بإصلاحات سياسية شاملة وعميقة.. فالعملية السياسية هي المفتاح وهي المتسيِّدة على كل نواحي الحياة ولا أثر ولا نجاح لأي إصلاحات في أي مجال آخر بمعزل عن الإصلاحات السياسية الشاملة والفعلية.

‌ب-   وخلاصة القول.. ومجمَّع الأسباب والعوامل لطبيعة ومدى تجذر أسس العجينة للخليط المركب من ذلك الخراب وتلك الاختلالات يتضح أن منظومة الحكم تسيطر وتتحكم في كل أدوات وآليات العملية السياسية والتشريعية والاقتصادية والمعيشية والقضائية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والإعلامية والأمنية والعسكرية...الخ.. وتسخرها كلها كآليات وأدوات لترسيخ سيطرتها ولتحجيم وتهميش أي أدوار للمجتمع ومنظمات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية والمهنية والثقافية..وسنأتي على تفصيل الآليات والوسائل التي نقترحها لتحقيق الإصلاحات الشاملة بعد بسط الإستراتيجيات والأهداف التي نعمل على تحقيقها ومخرجات عملية الإصلاحات الشاملة .

4] الاستراتيجيات والأهداف التي نستهدف تحقيقها في مسيرتنا المستقبلية والآليات والوسائل..

 الغايـة: تحقيق سعادة الإنسان اليمني ،ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، بمعناها الشامل، جسداً وعقلاً وقلباً وروحاً ومداركاً وسلوكاً.

الإستراتيجيات: تمكينه من تلبية حاجاته لتحقيق الغاية.

أولاً: جسداً:- مستوى معيشة لائق يتدرج من خلق الظروف إلى تمكين الإنسان من مواجهة ضرورات الحياة إلى كل ما يمكن أن يصل إليه الجهد الإنساني من رخاء مادي في المأكل والمشرب والملبس والسكن والخدمات.. وهذا يتطلب تحقيق أهداف واعتماد آليات ووسائل منها:-

أ  )     تأهيل الإنسان وتنمية وصقل لكفاءاته ومهاراته الإدارية والتقنية والمهنية.

ب )    ويتحقق ذلك باعتماد مناهج تعليمية، للتعليم الأساسي والتقني والمهني والأكاديمي والبحثي

تقوم على دراسة دقيقة وواعية لاحتياجات التنمية الشاملة .

جـ)    العناية بالتربية الرياضية للنشء والمراكز الرياضية للشباب والأندية الرياضية .

د   )    الإدارة السليمة للموارد وتنميتها لخدمة الأهداف.

هـ)    إعادة تأهيل الخدمات الصحية ،إنساناً ومنشآت ومعدات، واستهداف إنشاء المزيد بما يلبي الحاجة لمواجهة الأمراض والأوبئة –كمّاً وكيفاً– .

و  )   الإهتمام بالصحة البيئية ومواجهة التلوث .

ثانياً: عقلاً:-

أ‌-    إن الهدف هو الاستثمار الفاعل والايجابي للعقل الذي تميز به الإنسان عن سائر المخلوقات.

ب‌-     ويتحقق ذلك من أهمية احترام العقل ومنع انتهاك حرمته وإطلاق سراحه لينطلق إبداعه العلمي والفكري والقيمي.. وهو الآلة العظمى التي إن تحررت من الهوى والغرض والقيود يمكن لها أن تسهم الإسهام الواعي في تحقيق النقلة والنهضة واستمرار تنميتها وصيانتها.

ثالثاً: روحاً:- إن تنمية وصيانة القيم الروحية الأصيلة هو الهدف الذي به يسمو الإنسان ويتحقق له التوازن والاستقرار النفسي والذهني فيرتفع مستوى أدائه كماً وجودة.

رابعاً: مداركاً:-

أ-     من المهم تحقيق هدف التوسيع والارتقاء بمدارك الإنسان وثقافته في بلادنا.. مما يسهم في تجاوز المعوقات والقيود التي تبقيه رهينة للصراعات.

ب-     وهذا يتحقق بالانفتاح على عصر المعلومات ليعيش إنسان بلادنا عصر التقدم المعرفي والتطور المادي والتقني وبذلك يدرك حاجته للتخلص من الارتهان للصراعات ولما يبقيه خارج العصر.

جـ-     تنمية المدارك العلمية والبحثية بالإرتقاء بمناهج التعليم والبحث العلمي وآلياته ومؤسساته وأساليبه والإنفتاح على علوم العصر ومعارفه والتفاعل معها أخذاً وعطاءً إستفادة وإفادة .

خامساً: سلوكاً:-

أ‌-     إن السلوك السوي في تعامل الإنسان مع خالقه ونفسه وأخيه الإنسان والبيئة المحيطة من حيوان ونبات وجماد، وماء، وهواء...الخ، هو أهم السبل المحققة لغايته.

ب‌-   ولتحقيق ذلك فإن التربية والثقافة الخلاقة والمحفزة للاتجاه للأخذ بهذا السلوك السوي تشكل الآلية الأساسية وهذه التربية والثقافة تتضافران لتحقيقها آليات ووسائل عدة.. بدءاً بالمنزل والأسرة مروراً بالمدرسة والمسجد والمعهد والجامعة والنادي والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية وصولاً إلى أداء الدور الفاعل البناء في المجتمع والحياة.

الأهداف:  كما تقدم ،تحقيق ما يمكِّنه من تلبية حاجاته لتحقيق الاستراتيجيات وصولاً إلى الغاية.

الآليات والوسائل والأدوات:- هي كل ما يتعلق بالقوانين والنظم والهياكل والإعداد البشري والإمكانات التي تمكن الإنسان والمجتمع من الاستثمار والاستخدام السوي للطاقات والمقدرات البشرية والطبيعية، موقعاً وثروات وبيئة، علماً وروحاً ومهارة وفكراً وثقافة وتاريخاً وسياسة وعلاقات

====================================================

الفصل الثالث: الوجه الآخر للمنظومة السياسية:

إن المنظومة السياسية لا يستقيم أمرها إلا إذا استقام أمر مكوناتها.. ومكونات المنظومة السياسية هي منظومة الحكم ومنظومة المعارضة.

وإن كنا قد أسهبنا في تشخيص الخراب والاختلالات في منظومة الحكم فلأن أثر منظومة الحكم هو الطاغي ،في ظل الأوضاع الحالية، في بلادنا إلا أن ما تتطلبه الضرورة من إصلاحات في منظومة الحكم فإن الضرورة نفسها تنطبق على منظومة المعارضة ومنظمات المجتمع المدني عموماً.

الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة ومنظومة المجتمع المدني عموماً:

إن علينا أن نعترف بشجاعة وموضوعية بأن خراباً واختلالات عميقة قد طغت على أداء وحركة منظومة المعارضة خاصة ومنظومات المجتمع المدني عامة مما أدى إلى غياب، شبه كامل، لدورها الحقيقي الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتوعوية.. وبالتالي يتلاشى أثرها في أوساط الناس.. وأقتصر دورها على بيانات إعلان مواقف كرد فعل آني وأحياناًواحياناً متشنج وينتهي كل ذلك الصراخ بإصدار البيان أو كتابة المقال.. مع انعدام أي آلية لتفعيل الموقف في أوساط الناس.. بل حتى للترويج للموقف على مستوى المجتمع.. والأغرب من ذلك أن تصدر مواقف وحيثيات واشتراطات إزاء قضية معينة ثم يتم التعامل على أرض الواقع مع نفس القضية بتخل كامل عن الحيثيات والاشتراطات أو بالسكوت عنها.. ويتكرر ذلك إزاء كل قضية ويظهر بصورة أوضح في كل انتخابات على أي مستوى.. فنملأ الدنيا صراخاً وبيانات تحدد اشتراطات وأسساً و أسس لإجرائها.. ثم يذهب الجميع طوابيراً في غياب كل ما تم طرحه من أسس واشتراطات وحيثيات.. وتأتي النتيجة الطبيعية بإعادة إنتاج ما هو قائم بصورة أكثر سوءاً.. فيبدأ الصراخ لشجب النتائج التي هي نتاج طبيعي للمشاركة فيها دون تحقيق الأسس والاشتراطات التي كان يمكن لها أن تجعل النتائج مختلفة أو أقل سوءاً على الأقل.

ومع الزمن تحولت هيئات المعارضة إلى هيئات ("مراجعة)" تشتكي وتبكي من أوضاع كانت مساهمة ،إن لم يكن في صنعها ففي بقائها..

أما منظمات المجتمع المدني الأخرى ،فرغم بعض الجهود النظرية والمحاولات الفردية المحمودة إلا أنها وقعت بين مطرقة منظومة الحكم وسندان منظومة المعارضة.. تتصارع عليها وتتجاذبها لا لتمكينها من أداء مهامها هي وإنما لجرها للخراب والاختلالات التي تعيشها منظومة الحكم ومنظومة المعارضة.. ولاستخدامها كأدوات لتعميم هذا الخراب وتلك الاختلالات.. ولذلك سنتطرق لجوانب الاختلال وللعوامل التي أشاعتها وعَمَّقتها في منظومة المعارضة وللإصلاحات العميقة المطلوبة لمنظومة المعارضة ،وكثير منها ينطبق على باقي منظومة منظمات المجتمع المدني إلى جانب ما ذكرناه من ضرورة إرساء الآليات لوضع حدٍّ لتجاذب منظومتي الحكم والمعارضة لها.

نواحي الضعف والخراب والاختلالات في منظومة المعارضة:

1-            غياب العمل المؤسسي الحقيقي ،وإن وجدت أشكال أو هياكل مؤسسية فإنها في حقيقتها خالية المضمون وإن وجد فعلى مستوى الهياكل الفوقية، أما على مستوى القواعد فحتى إن وجدت في حزب فلا أثر ولا وجود يذكر لها في القرار.

2-            وكما أن منظومة الحكم تعيد إنتاج ذاتها أساليباً وهياكلاً ومعاييراً وشخوصاً.. فإن منظومة المعارضة لا تختلف كثيراً عنها بل قد تكون أحياناً أسوأ.

3-            كما أن الشفافية غائبة في منظومة الحكم فإنها غائبة في غالب منظومة المعارضة.

4-            غياب الأداء الفعلي الحركي لمنظومة المعارضة في أوساط الناس.

5-            ضعف حاد في الأداء الديمقراطي الداخلي، هياكلاً وممارسة.

6-            ضعف لوسائلها الإعلامية وغياب للإستراتيجيات الإعلامية المدروسة وللانتشاروللإنتشار في أوساط الناس.

7-            الوجود الضعيف في المحافظات ،لمعظمها،.. ووجود في المركز يقتصر على حضور حفلات الاستقبال والمهرجانات الرسمية في المناسبات الوطنية وعلى اجتماعات للهيئات العليا للأحزاب وإصدار البيان الختامي بعد كل اجتماع والذي يكاد يكون في مضمونه نسخة عن ما سبق من بيانات يضاف إليها موقف من حدث آني وينتهي الموقف بإصدار البيان.

8-            التسابق قبل أي موسم انتخابي، على أي مستوى، في طرح الرؤى الموسمية المكررة والمطالبات أو الاشتراطات والأسس لنزاهة الانتخابات وينتهي كل ذلك بالسير وفق ما هو قائم دون تحقيق شيء من تلك المطالب أو الاشتراطات أو الأسس والاكتفاء بما تحدده منظومة الحكم من "أنصبة" في الدوائر مما يساهم في إعادة إنتاج ما هو قائم وأحياناً بصورة أكثر سوءاً وعمقاً في ظل آمال وأحلام ،لا أساس موضوعي لها، في تحقيق نتائج تتجاوز الأنصبة المحددة.. فتأتي النتائج الطبيعية بما لا يتفق مع تلك الآمال والأحلام فتحدث الصدمة ،المستغربة، من أحزاب المعارضة فيعلو الصراخ من جديد والشكوى من غياب النزاهة في الانتخابات وسيطرة منظومة الحكم عليها وعلى نتائجها، وكأن أحداً لم يتوقع ذلك أو كأنه ارتهان لأمل وحلم لا أساس لهما من واقع.. وهكذا في كل موسم جديد.

9-            غياب للرؤية وللإستقراء للأحداث.. وبالتالي للبرامج التفصيلية العملية وللمعالجات الموضوعية للقضايا والسلبيات القائمة بحيث تحول الطرح إلى مجرد مطالبات للسلطة بأن تفعل أو لا تفعل وتحولت القضايا المطروحة إلى مجرد عناوين أو شعارات أو موضوع إنشائي مكرر.. وحتى برامج مواسم الانتخابات لا جديد فيها لا موضوعاً ولا حتى أسلوباً.. فلم يعد يقرؤها أحد.

10-          غياب مجرد التفكير في دراسة وطرح إمكانية وكيفية التنفيذ لمعالجة السلبيات ولتحقيق المطالب.. ولا وجود لتحديد الآليات والأدوات والوسائل اللازمة للتنفيذ وبالتالي تحولت معظم الأطروحات إلى مجرد أماني وتمنيات منزوعة الروح المحركة لتفعيلها على أرض الواقع.

11-          يندر وجود أحد من قيادات أحزاب المعارضة مَنْ يقرأ ما يصدر عن الآخر من رؤى وأطروحات ؛ بل كلٌ انشغل بقراءة ذاته وما يصدر عن حزبه، وبوضع مرآة أمامه ليرى نفسه على الدوام، فلا يرى غيره ولا يراه غيره.. وتمر الأحداث ولا يشعر بها إلا عندما تتكسر المرايا وتصيبه شظاياها فينشغل بعلاج ما أصابه، وفي البحث عن مرآة جديدة!!.. ومن يقرأ للآخر بالصدفة فإنه يعيد صياغة ما كتبه الآخر من رؤى ويعمل على ترويجها بضجة وادعاء أنها رؤيته أو مشروعه، وينسى أنه قد يكون انتقد نفس تلك الرؤى قبل فترة..!! وينسى الناس ،أيضاً، أنهم قرأوا ما سبق وما لحق.. وهذا لا يدل على عدم وجود قدرات وعقول وكفاءات في أحزاب المعارضة ؛ بل يدل أكثر على الدوامة المعيشية والأمنية والإحباط والقلق الذي شغل الناس ومنها أحزاب المعارضة ،كجزء من الناس، بل وبعمق أكثر من باقي شرائح المجتمع ،لما عليها من مسئوليات ولما تواجه من ضغوط.

12-          غياب المصادر الذاتية للتمويل لحركة وأنشطة الأحزاب كلها.. فاستعاض الحزب الحاكم بخزينة الدولة وممتلكاتها وإمكاناتها المادية ونفوذها السلطوي دون حدٍّ أو سقف فهو يمتلك المكاتب من ممتلكات الدولة ووسائل نقل الدولة ووسائل إعلام الدولة وأمن الدولة ووظائف الدولة ؛ وكلها مسخرة له ولأعضائه وقياداته.. بينما أحزاب المعارضة ،التي تستلم من الدولة، هي تحت رحمة الحزب الحاكم عطاءً ومنعاً، توسيعاً وتضييقاً، عملاً وبطالة...إلخ، فيتعطل الفعل والأداء المعارض ويضمحل الأثر.. ومن لا يستلم ،وحزبنا الوحيد الذي لايستلم، يصارع لجمع ما يبقيه على السطح.

تلك أهم جوانب ومظاهر الخراب والاختلالات في منظومة المعارضة.

العوامل التي أشاعت وعمقت الضعف والخراب والاختلالات:

أولاً: عوامل تتعلق بنشأتها وآلياتها وأدواتها:

1-            إن إشكالية كثير من أحزاب المعارضة ،القديمة، في بلادنا وفي معظم بلدان العالم الثالث أنها ،في معظمها، كانت حركات سرية نتيجة للأنظمة الشمولية المُعْلِنَة لشموليتها، إما باعتماد نظام الحزب الواحد القائد الرائد المسيِّر لحركة المجتمع والحياة، أو باعتماد نظام الفرد الملهم الرمز القائد والمسير لحركة المجتمع والحياة.

ومن سمات الحركات السرية والقائمين عليها:-

 أ    )     غياب الممارسة الديمقراطية الشفافة والحقيقية

ب   )       الريبة الشديدة والشك من كل شيء وكل أحد.. خوفاً من الاختراق وتتبع حركاتها وشخوصها.

جـ )         إتقان التآمر والحيلة كضرورة للنجاح في العمل السري.

د    )       إتقان المنتسب لإخفاء الميول والتوجهات والحركة والقدرة على التَلَوُّن والتأقلم في العلن.. كضرورة لبقاء الفرد المنتمي ولبقاء الحركة السرية ذاتها.

هـ )          تحمل معاناة العيش في توجس وخوف مستمرين.

و   )        الهيبة والخوف من كل ما هو ومن هو ذي صلة بمنظومة الحكم ،حتى من عسكري المرور، خشية من انكشاف الإنتماء فيحدث ما لا يحمد عقباه.

ز   )        الانضباط والالتزام العلني بالأنظمة والقوانين والرفض لها والمخالفة في السر.

ح   )        تأصل غياب الرؤية والبرامج التفصيلية المدروسة والاقتصار على مبادئ عامة وأهداف مطاطة وشعارات لعدم توفر وسائل النشر واستحالة الطرح عبر الندوات والنقاشات العامة واقتصار الأداء الإعلامي والتوعوي على البيانات والمنشورات السرية.

ط   )       التعود على إصدار تلك البيانات أو المنشورات حول مواقف مليئة بالشعارات والرفض لما هو قائم كلياً فيما تجبر طبيعة الحركة السرية منسوبيها على التعايش والتعامل مع ما هو قائم والقبول به في العلن..

ي   )       تعتمد الحركة السرية في تمويل تحركاتها وأنشطتها على مصادر سرية ،إما من جهات خارجية تلتقي معها في الموقف من النظام القائم أو من أفراد محليين لهم نفس التوجه.. فتألف ويألف منسوبوها وجود ممول لها ولمنسوبيها من خارجها.. فينتفي التعود على الإعتماد على الذات وعلى اشتراكات الأعضاء.. خاصة في مجتمع لا يكاد الإنسان العادي أن يفي بتكاليف معيشته ومعيشة أسرته ،على أنه في العصر الذهبي النقي للحركة الوطنية (في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي) كان لِرُوَّدِاها دوراً في التمويل وكان لبعض رجال الأعمال والميسورين الوطنيين دوراً في التمويل أو على الأقل في الإقراض.

2-            والشريحة الأخرى من أحزاب المعارضة هي تلك التي كانت متفردة السلطة.. وقد يكون وجودها في السلطة ناتجاً عن وجودها قبل ذلك كحركة سرية.. فتكتسب سمات الحركة السرية.. وتبقى آثارها مسهمة في تشكيل أساليب حركتها وتعاملها.. بالإضافة إلى سمات أخرى أكتسبتها من وجودها في السلطة.. منها:

أ   )         الشعور العميق بأن السلطة كانت ملكية خاصة وحق مكتسب اغْـتُصِب منها أو ساهمت ظروف ،قد لا تشعر أنها أوجدتها أو ساهمت في وجودها هي، أو لا تريد أن تظهر مسئوليتها عن ذلك، في ضياع ما تعتقد أنه حق.. ويتأصل شعور لديها بأن تلك الظروف من صنع الغير ،حتى لو كانت من صنعها أو أسهمت فيها. كما أنها قد تكون اغـتَصبت السلطة بدءاً أو تسلمتها دون تفويض أو رأي للشعب وأقصت أو استأصلت غيرها من القوى السياسية.

ب  )        تشعر باستمرار بأن لها حق أصيل في نصيب من امتيازات السلطة ومكتسباتها منها سواء كمنظمات أو قيادات.. ويغيب عنها أنها أساساً استولت على ذلك عبر وجودها في السلطة ولم يكن حقاً أصيلاً ليصبح مكتسباً.. أما كوادر الخدمة المدنية وموظفو السلطة فإن حقهم قائم وأصيل في الوظيفة والمعاش أياً كانت انتماءاتهم الحزبية.

جـ)           قد تكون تعودت على ممارسة شمولية في الحكم فتعمل بصورة تلقائية على نفي سطوة العادة بالتبني النظري لكل ما يخالف هذه العادة ولكنها من الناحية العملية والممارسة في أطرها تظل أسيرة لقوة العادة رغم المحاولات الجادة من البعض للتخلص من هذا الأسر.

د   )         يصعب ،على قياداتها التي مارست القيادة في الأوضاع السابقة، التأقلم مع الآخر إلا اضطراراً ما لم تكن في موقع القيادة المتْـبُوعَـة.. وكأنه حق مكتسب كونها كانت تحكم وتقود الدولة والمجتمع فاكتسبت خبرة ،مع أن خبرتها كانت مبنية على ظروف مختلفة ونهج في الحكم والحياة على نقيض ما هو قائم أو ما يجب أن يكون.

هـ)           يصعب عليها التعاطي مع رؤى أو أطروحات قد بادر بها غيرها لِتعوُّدها في الحكم أنها الوحيدة صاحبة الحق في أن تقدم الرؤى وترسم الاتجاهات.. وإن تعاطت مضطرة فتعمد إلى إجهاض أو تهميش تلك الرؤى والأطروحات ثم تعيد صياغتها بنفس المضامين وتروجها كمبادرة منها.

و   )        تملك بحكم تجربتها في السلطة خبرة في الترويج الدعائي التحريضي وإن غلب عليه التكرار والضعف في الابتكار لموضوعات الطرح ولأساليب الترويج الحديثة.

ز   )        حزب السلطة يفتقر القدرة على استعادة تنظيماته وأطره والكفاءة في إدارتها عندما يصبح خارج السلطة لاعتماده وهو في السلطة على أوحديته كتنظيم سياسي وعلى آليات وأدوات وإمكانات السلطة ونفوذها.

ح   )        هذا لا ينفي أن لديها كوادر تنفيذية مقتدرة وجيدة إلا أنها تعودت الإنقياد ولم تتم جهود جادة لتأهيلها ورفع درجة مهاراتها القيادية إلا في حدود ضيقة ومنتقاة.

فاندثرت أو ضعفت في كثير من البلدان، تلك الأحزاب التي أنشأتها السلطة أو نمت واتسع انتشارها من خلال السلطة.. على أن الأحزاب التي أنشأتها السلطة سريعة الاندثار بعد زوال الأداة المنشئة.. أما الأحزاب التي كان لها وجود ولو محدود قبل استئثارها بالسلطة وبالعمل السياسي فإنها تنمو وتتسع بآلية وأدوات السلطة.. فإن تركت السلطة لأي سبب واضطرت للعيش في مناخ تعددي فإنها تفقد آليات وأدوات الانتشار ويتقلص وجودها ،ويحسب لبعض تلك الأحزاب عندنا أنها تبذل محاولات جادة للتماسك والبقاء،.. ولكنها إن استطاعت أن تتخلص من آثار سمات نظام الحزب الواحد وان تبدع في تبني رؤى ومنهج وأساليب وآليات وأدوات وعقليات جديدة ومغايرة لما كان وأن تتعود على أن تقبل رؤى الآخرين وتدرك أن ذلك من أسس التعددية، فإنها تستطيع المواكبة خاصة إن ابتعدت عن محاولات التبرير غير المجدي لممارساتها السابقة أو إضفاء الإيجابيات على نظام الحزب الواحد.. فذلك يعيد إلى الأذهان تلك الممارسات وما يترتب على ذلك من فتن من مصلحتها ومن المصلحة العامة عدم إثارتها ،كما أن ذلك يشي بحنين إلى نظام سياسي مرفوض ويلقي ظلالاً على مصداقية تبني رؤى ومنهج وآليات وأساليب جديدة ويشكل أحد معوقات النمو والفعالية والقبول المتبادل مع الآخرين والتفاعل المشترك..ونأمل أن تثمر الجهود المتفرقة لبعض المدركين من قياداتها ،خاصة أولئك الزملاء القادرين على التعامل مع معطيات  جديدة بالنسبة لهم دون انشداد للماضي أو الذين كانت أدوارهم في الماضي محدودة، في تجاوز تلك المعوِّقات الموضوعية والذاتية ،وعند ذلك يمكن أن يسهموا ،ولمرحلة طويلة وهامة، بدور إيجابي في منظومة المعارضة التي يمكن أن تشكل مستقبلاً أحد آليات الديمقراطية المطلوبة.

ثانياً: عوامل ناتجة عن الأوضاع القائمة:

1]            سيطرة منظومة الحكم وتسييرها لكل مناحي الحياة، سياسية وقضائية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وإعلامية...الخ.. مما جعل أحزاب المعارضة وقياداتها ومنسوبيها تحت رحمة منظومة الحكم ،معيشياً وأمنياً وحركة وسكوناً.

2]            تدخل منظومة الحكم وحزبها الحاكم في الشئون الداخلية للأحزاب واستخدام نفوذ السلطة وإمكاناتها لاختراق الأحزاب وإحداث الانشقاقات.

3]            وجود ثغرات في قانون الأحزاب مكّنت الحزب الحاكم من الإطلاع على كل صغيرة وكبيرة داخل كل حزب.. ومكّنه أيضاً من الاستخدام لتلك الثغرات تشكيل لجنة الأحزاب من الحزب الحاكم والتي يتم من خلالها الضغط على الأحزاب.

4]            اعتماد الأحزاب في تمويل حركتها على قرار السلطة التنفيذية أي على قرار الحزب الحاكم.. فيعطي ما يشاء لمن يشاء ويحرم من يشاء.. ويأخذ ما يشاء متى شاء لتمويل حركته وأنشطته دون التزام بالقانون الذي يُفترض أن ينظم هذا الأمر.

5]            تمول وتشجع منظومة الحكم وحزبها الحاكم إنشاء أحزاب تابعة لها وبعضها تمنحه أسماء مشابهة لأسماء أحزاب قائمة لإحداث البلبلة والخلط.. وكثير من الأحزاب لها نسخة أصلية ونسخة مستنسخة إسماً، وهذا أدى ويؤدي إلى استخدام مسيء للتعددية الحزبية والسياسية وتحويلها إلى مجال للعبث والتندر مما يلقي بظلال مشوهة للعملية الديمقراطية برمتها.

6]            كل ذلك أدى إلى تردي للحياة السياسية والحزبية وعمق بذور الشك والريبة بين مكوناتها وزرع شكوكاً وريباً جديدة.

تلك هي أهم عوامل الإعاقة التي تسببها الأوضاع القائمة للمعارضة.

تنويه:

إن طرحنا ،الواضح والصريح، حول الإختلالات في منظومة المعارضة لا نقصد به الإساءة لأي حزب وإنما حاولنا ،بشفافية، أن نبيّن الاختلالات في منظومة المعارضة وعواملها بغرض استجلاء سُبل معالجتها.. ولا نبرئ أنفسنا ولا الحزب الذي نتشرف بالإنتماء إليه فرغم أنه لا وجود فيه للاختلالاتللإختلالات الناتجة عن عوامل النشأة أو تولّي السلطة أو عن تغيير التوجهات والرؤى ،وذلك لنشأته العلنية.. ولرؤاه وتوجهاته القائمة ،منذ التأسيس، على التعددية والديمقراطية.. ولكونه الحزب الوحيد الذي تحرمه السلطة من الإعانة المالية..، إلا أنه يشترك ،مع غيره، في عوامل الاختلالات الناتجة عن الأوضاع القائمة بالإضافة إلى عوامل اختلالات إضافية ،يعانيها حزبنا، ناتجة عن النفي والتشريد والملاحقة لقياداته وكوادره منذ الخمسينيات حتى قبيل إعلان الوحدة والضغوط التي واجهها بعدها.. وللوجود القهري لقياداته خارج الوطن في فترات سابقة ؛ وأيضاً منذ عام 1994م والتضييق على الحزب واستهدافه والتعتيم الذي تفرضه وسائل الإعلام الرسمية والتابعة لها.

كل ذلك ،بالإضافة إلى غياب الإمكانات المادية، أدى إلىالى إضعاف القدرات التنظيمية والحركية وإلى ضعف التواصل بين القيادات والقواعد وإلى حرمان قيادات وكوادر الحزب في كل المراحل من العمل في مؤسسات الدولة ؛ ومن كان في أي مؤسسة فإنه يُحرم من حقوقه وترقياته وتُحجب عنه أي مناصب عليا في أي إدارة أو مؤسسة حكومية، مما ضيق عليهم معيشياً ومعنوياً.

كما أدى ذلك إلى ظروف قهرية أدت إلى ضعف التنمية للممارسة الديمقراطية.. التي ضرب الحزب فيها مثلاً، وأسس تقليداً، عند طلبه من المحكمة العليا للجمهورية أن تشرف وتدير انتخابات قيادته في مؤتمره الحزبي الثامن.. وتم ذلك بالفعل ووُثّق كاملاً ،كتابة وصوتاً وصورة.

وبالتالي فإننا لا نبرئ أنفسنا من كل الاختلالات التي تعاني منها منظومة المعارضة بل لدينا بالإضافة إليها ما هي خاصة بنا ونعترف بها ونعتزم بإذن الله تجاوزها حال أن تسمح الظروف الموضوعية بذلك.

ومع كل ذلك فقد تفرَّد حزبنا وتميَّز في طرح كثير من الرؤى واستطعنا أن نقدم رؤى علمية مدروسه حول معظم قضايا الوطن منها:-

1-            كنّا أول من طرح أهمية الإصلاحات الشاملة منذ الوحدة.. ثم طرحنا أسسها منذ أكثر من ست سنوات وجعلناها توجهات لحزبنا. . وهاجمها وانتقدها البعض حتى من المعارضة في ذلك الوقت.. ونحمد الله أن أصبحت الإصلاحات الشاملة التي طرحناها مطلباً للجميع بعد أحداث سبتمبر2001م ، ليس على مستوى اليمن بل على المستوى العربي والدولي.

2-            قدمنا رؤية متمثلة في مشروع قانون للحكم المحلي منذ أكثر من ست سنوات.

3-            طرحنا رؤية علمية للإصلاح الاقتصادي منذ أكثر من خمس سنوات.

4-            طرحنا رؤية للديمقراطية الناشئة إلى منتدى الديمقراطيات الناشئة في "صنعاء" منذ حوالي ست سنوات.

5-            طرحنا رؤية لأسس إجراء انتخابات نزيهة منذ حوالي ثمان سنوات.

6-            طرحنا رؤية تفصيلية للمصالحة الوطنية الشاملة، سياسياً، إقتصادياً واجتماعياً بما فيها الفتن القبلية منذ أكثر من سبع سنوات.

7-            طرحنا ،منذ أكثر من إثني عشر عاما،ً رؤية كاملة لحل مشاكل الملاك والمنتفعين تراعي أن "المالك والمنتفع عينان في رأس"..

8-            طرحنا رؤية حول الإصلاح التعليمي منذ أكثر من خمس سنوات.

9-            طرحنا رؤية حول المشاركة السياسية للمرأة وحقوقها منذ حوالي خمس سنوات.

10-          طرحنا رؤية حول جذور الأزمة في بلادنا "اليمن إلى أين؟" منذ أكثر من ست سنوات.

11-          طرحنا رؤية حول الإنتخابات الرئاسية منذ خمس سنوات.

12-          طرحنا رؤية حول الإنتخابات المحلية ،تمثَّلت في مشروع قانون للحكم المحلي، منذ أكثر من خمس سنوات.

13-          طرحنا مشروعاً للتعديلات الدستورية المطلوبة منذ حوالي ست سنوات.

14-          طرحنا عام 1992م برنامجاً تفصيلياً يشمل كثير من الإصلاحات المطلوبة ومن ضمنها استقلالية الإعلام الرسمي والخدمة المدنية والقضاء.

15-          وضعنا أسس وثيقة العهد والإتفاق ،وبنفس المسمى "أسس بناء الدولة اليمنية الحديثة"، وتبناها التكتل الوطني للمعارضة وقدمها للجنة الحوار في 18 ديسمبر1993م وبناء عليها وبعد إثرائهااثرائها من الزملاء أُعلِنت في "عدن" بالصيغة النهائية في 18 يناير1994.

16-          طرحنا رؤية حول "تضافر جهود المعارضة".

17-          أقمنا دورات وورش عمل لرفع المهارات القيادية لكثير من قيادات وكوادر الحزب.

وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لبسطه.

ورغم كل ذلك إلا أننا نعترف أن أخطاءً وقصوراً في الأداء والتفعيل قد لازم حزبنا في  السنوات القليلة الماضية نتيجة لما ذكرنا من عوامل ؛ ولعوامل أخرى بعضها موضوعي وبعضها ذاتي ونعمل قدر الإمكان على تجاوزها بإذن الله.

الخلاصة

1)            كل ذلك عمَّق الغياب للفعالية الحقيقية لأحزاب المعارضة وأورث ضعفاً في ما ينشأ من تكتلات وتحالفات ،وإن بدا على السطح في شكل "فلاشات موسمية" لمظهر إعلامي لاهث للحاق بحدث، فإن تلك العوامل الموروثة عن النشأة أو الناتجة عن الأوضاع القائمة تشكل عوائق وكوابح للعمل المشترك القائم على الثقة و الثبات على المواقف المعلنة والمتفق عليها.

2)            إن تراكم تلك العوامل الموروثة والناتجة عن الأوضاع القائمة وتضافرها قد عززه غياب الرؤية الواضحة والأهداف المحددة بدقة والمنطلقة من المصلحة العامة والتي من خلالها تتحقق باقي المصالح.. وقد شكل أحد أهم أسباب الضعف الذاتية للأحزاب وأعاق بالتالي تضافر جهودها.

3)            ومما زاد الأمر سوءاً وتخبطاً أنه حتى عند الاتفاق ،النادر أو الموسمي، على هدف مشترك مرحلي أو مطالب أو موقف فإن ذلك يتم دون وضع الآليات وتحديد الوسائل والأدوات المحققة للهدف أو للمطالب أو الموقف ودون وضع الضوابط الملزمة. فينتهي الأمر عند إصدار البيان بما اتفق عليه من أهداف أو مطالب أو موقف ويستمر استجرار ما صدر دون تفعيل لما اتفق عليه لا في أطر الأحزاب ولا في المجتمع.. وتجد منظومة الحكم في اللحظة الحاسمة فرصتها لخلخلة صف المتفقين ولاستقطاب كل على حدة وينتهي الحدث الذي أتخذ إزاءه الموقف أو طرحت بشأنه المطالب دون تحقيق مطلب أو تفعيل موقف.. وتُكرر التجربة في كل موسم وإزاء أي حدث بِمُسَمَّى مشترك جديد أو بنفس المسمى.. وأصبح أمراً مألوفاً لا تخشاه منظومة الحكم ولا يأمل الناس في تحقيقه لشيء لهم.

4)            لذلك فإن منظومة المعارضة إن استطاعت التجاوز النسبي لنواقصها المتراكمة ،الذاتيه والموضوعية، واستطاعت التخفيف من أثر المعيقات التي تضعها منظومة الحكم فإنه يمكن لها أن تستعيد أو بالأصح تنشئ تأهيلها كمنظومة معارضه. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال:-

أ   )   قراءتها الصحيحة والواقعية للمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية.

ب  )  التحديد الواضح والدقيق لرؤيتها المستقبلية ولأهدافها القريبة والبعيدة.

جـ)    التحديد الدقيق لآليات ووسائل وأدوات حركتها وأنشطتها.

د   )   دراستها المتجردة لعوامل الخراب والاختلالات فيها ،توجهات وموروثات وآليات وأساليب وأدوات، والعمل الجاد على التخلص منها أوتقليصها.

هـ )   القراءة الواعية الموضوعية لحال منظومة الحكم ومكوناتها وأساليبها "واحتياجاتها" والتي قد تفضي إلى أن منظومة الحكم أحوج من منظومة المعارضة لإجراء الإنتخابات سواء محلية أو نيابية أو رئاسية ،تعيد إنتاج ماهو قائم، ولوجود صحافة حزبية تقول ولا تفعل.. لأنها الرابح الوحيد من تجميل صورتها الخارجية ومن إعادة إنتاج ما هو قائم بصورة تأخذ بالمظهر وأشكال الشرعية دون جوهرها بينما يُفترض أن منظومة المعارضة وشعبنا يحتاجان الى انتخابات تغيّر الواقع لا ترسِّخه.. وإلى انتخابات تفضي إلى تداول سلمي للسلطة لا إلى تثبيت وترسيخ وتجذير سلمي سهل للسلطة القائمة.

وانطلاقاً من تلك المعطيات ،وبعد حوار لنا مع الأخ الفقيد جارالله عمر ،رحمه الله، فقد بادرنا بطرح رؤية لتضافر جهود المعارضة.. منذ حوالي سبع سنوات.. حددنا فيها:

الأهداف - الآليات - الوسائل والأدوات..وقدمناها للإخوة في أحزاب المعارضة ونشرناها بعد تسليمها للأخ جارالله رحمه الله. وكنا نأمل أن تتحاور حول هذا الأمر أحزاب المعارضة للوصول الى رؤية مشتركة.. ولكن للأسف فإن كثير من العوامل المذكورة قد حالت دون ذلك .. فهل لازالت حائلاً؟ 

 الجزء الثانـي:  أسس وآليات مخرجات الإصلاحات الشاملة لتأمين مسيرة المستقبل   نحو الأهداف والغاية 

إن المقصود من ذلك وضع التصور الفعلي لما يجب أن تكون عليها أوضاعنا في كل نواحي الحياة وعلى كل المستويات إن نحن حققنا الإصلاح الشامل والتغيير العميق.. والتلخيص الأمثل لمخرجات الإصلاحات الشاملة هو [التوجهات المشار إليها آنفاً، ص9]. 

الفصـل الأول: محاور العملية الإصلاحية:

1. مدخل:

ومن كل ما تقدم لا بد أنه قد اتضح أنه يستحيل القيام بأي إصلاحات فعلية في أي جانب وعلى أي مستوى دون البدء بإصلاح سياسي حقيقي وعميق.. لما تمثله الإرادة السياسية والقرار السياسي لمنظومة الحكم ،التي تشكل جزءاً من المنظومة السياسية، من دور أساس لتفعيل الإصلاحات الشاملة لكل منظومات الحياة في مجتمعنا ،اقتصادية وقضائية واجتماعية وتعليمية وثقافية وإعلامية وأمنية وعسكرية وخدمية ووظيفية...إلخ..

فالعملية السياسية لمنظومة الحكم، بمفاهيمها وآلياتها، لازالت في بلادنا، وفي الدول المتخلفة، هي المتسيِّدة على كل العمليات والمنظومات الأخرى التي تظل تابعة وخادمة للمنظومة السياسية التي تسخِّر كل آليات وإمكانات وهياكل ومخرجات تلك المنظومات لترسيخ وتجذير السيطرة والتسيِّد على كل مفاصل الحياة بما في ذلك إيقاع المعارضة ،كجزء من المنظومة السياسية، الذي أصبح في الدائرة الضيقة بعد إنهاكها بتحجيمها وتهميشها والتضييق عليها.

ونجحت معظم تلك الأنظمة في ذلك من خلال سيطرتها على كل المفاصل بصورة مباشرة في إطار الحكم وبصور مختلفة في إطار القطاع الخاص بحيث أصبحت معيشة الناس وسبل عيشهم وأعمالهم ووظائفهم وحركتهم وسكونهم وأمنهم رهناً بقبول أو رفض.. بسط أو قبض.. منظومة الحكم.

وهذا الأمر ليس خصوصية يمنية بل خاصية تشترك فيها معظم أنظمة الحكم في الدول المتخلِّفة، وإن بنسب متفاوتة.. وأخذت بلادنا النصيب الأوفر منها ومن التذاكي ،بالقيام بتغليف حقيقة الأوضاع، بالحديث المستمر عن ديمقراطية وتعددية وحرية تعبير لا تملك بلادنا منها سوى الشكل والهياكل منزوعة الروح والفعل والأثر .

وقبل أن نسترسل في عمق وتفاصيل الأسس والآليات لمخرجات الإصلاح الشامل.. فإن الإنصاف يستوجب أن نذكر أنه قد تحقق خلال مايقارب السبعة والعشرين عاماً المنصرمة ،من عمر الرئاسة الخامسة للجمهورية، الآتي:

1-            وحدة الأرض ،وهو إنجاز هام ومحوري، وإن شابه تدهور حاد وخطير في وحدة البشر، الذين يُفترض أن يُشَكِّلوا السياج الواقي لوحدة الأرض.

2-            إعلان القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية ،وذلك إنجاز هام آخر وإن لم يتحول إلى آلية حقيقية وفاعلة وواقع لتداول سلمي للسلطة ، بل استُخدم كأداة لترسيخ ما كان وظل قائماً وشكل أداة سُخرية من الديمقراطية وتشويهاً لها.

3-            نقلة لا تُنكر في شبكات الاتصال والطرق وربط معظم المحافظات ببعضها وبالجوار في الجزيرة العربية.

4-            حلٌ لمشاكل الحدود مع الجوار العربي والأفريقي.

5-            بناء سمو الشيخ زايد بن سلطان –رحمه الله– سد مأرب.

6-            تم استخراج النفط.

7-            أُعلنت مدينة "عدن" منطقة حرة ، وإن بقي التنفيذ الفعلي والمتطور لا وجود له، وإن بقيت قوانين التأميم والمصادرة قائمة وانتشرت أساليب النهب والإستيلاء على الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة بفعل أهل النفوذ وقانون القوة السائد ،وكل ذلك أسهم و يسهم في تعكير الوئام الاجتماعي وفي غياب ثقة المستثمرين.

8-            الإعلان بقبول الأخذ بنظام السلطة المحلية، وإن بقيت المجالس المحلية بلا صلاحيات قانونية فعلية وبقي اختيار المحافظين ومدراء المديريات مركزياً، وحتى وإن تمت الاستجابة لدعوتنا بانتخابهم فإن الصلاحيات الفعلية للمركز.

9-            بناء جيش وأمن فاعل.. ولكن ظل فعله مقصوراً على حماية السلطة التنفيذية لا المجتمع، حيث انتشرت الفتن والاقتتال بين مكونات المجتمع والجرائم بصورة لم تشهدها بلادنا من قبل.

     كما أنه من الإنصاف أن نذكر أن الأخ الرئيس يتمتع بقدر طيب من المرونة النسبية والذكاء التكتيكي الحاد والخبرة ،لأكثر من 26 عاماً في الحكم، والكرم والتسامح ،فيما لا يشكل مساساً بالصلاحيات المطلقة والمتسيِّدة للسلطة التنفيذية،.. ويعكر كل ذلك أنه يتجه أو يُدفع إلى أقصى درجات القسوة والبطش ،داخلياً، إن تصوَّر أو صُوِّر له أن ذلك يُرسِّخ السطوة ويحافظ على بقاء الأوضاع والمصالح القائمة و/أو يوسعها.

   كثير من ذلك كفيل بأن يسجل صفحات ناصعة في التاريخ اليمني.. ونرى ،بأمانة وصدق، أنه لو وُجِّهت القدرات وتم التوجه بإرادة سياسية حازمة وحاسمة إلى الشروع العاجل في الإصلاحات الشاملة الحقيقية بجدية ومصداقية وتجرد ،وبعيداً عن الأساليب المعتادة، ووفق خطة واضحة المعالم وبشفافية كاملة والتخلَّص من العوائق المحيطة، لكانت كل قوى الخير وكافة فئات وشرائح الشعب موالية ومعينة على ذلك ولسُجِّلت أنصع صفحات التاريخ اليمني.. ولما كان هناك وجود لتلك الصراعات الموسمية المتكررة بين النظام والآخرين أو بين الآخرين وبعضهم بعضاً.

وإن تلكأ النظام وسوّف وانتظر ظروفاً اعتقاداً بأنها قد تساعد على تجاوز تلك الإصلاحات، أو زيَّن أحد له ذلك فإنه إنما يخدع نفسه أو يخدعه من يزيِّن له ذلك..

ومن هنا يبدأ صرف وتبديد، الرصيد الذي تحقق، وللأسف ذلك الذي يجري.. وإن كان بعض من هذا الرصيد جزئياً وشكلياً، فقد أصبح يُتخذ منه تكية يُكرر ذكرها في كل مناسبة حتى استُهلك جُلّ ذلك الرصيد أو كاد..

كما أن الحملات الخطابية ،لسنوات طويلة، على تفَشِّي فساد الدولة ووزرائها ومحافظيها وضباطها ومسئوليها قد أثارت وتثير الدهشة والاستغراب.. فمن الذي أتى بهم وبوأهم تلك المراكز؟.. ومن الذي يستمر في التجديد لهم وفي الترقية لمن يُفصل منهم إلى مركز أعلى يمكِّنه من فساد أعلى!!؟ وكيف يُسمح لفساد يعرفه الجميع بل ويعرفه الذين يعلنون الحرب عليه خطابياً من أعلى منابر السلطة بل ويعلنون معرفتهم بالذين يزاولونه؟!.. إن هذا لا يتأتى إلا إن كان الفساد وأهله من القوة بحيث لا يستطيع أحد وضع حد له ولهم..

ولا نقول أن كل مَنْ في السلطة راض بالفساد ويشجع عليه، ولكن إن كانت القدرة على تقليص الفساد وأهله قد فُقدت، فما الذي يستطيعه المواطن المسحوق الذي تتم مخاطبته وتشكو إليه السلطة العليا من الفساد والفاسدين؟!.. إن ذلك استهلاك للرصيد الذي يمكن أن يكون قد تحقق وهو قليل..

وإنه ،والحال هذه، لم يعد هناك خيار إلا الاتجاه إلى الإصلاحات الشاملة الفعلية والجادة قبل أن يُستهلك ما تبقى من رصيد..

ففي كل الأحوال فالإصلاحات الشاملة قادمة لا محالة.. وإن كانت قد تمت إعاقتها في المرحلة السابقة فلا يتأتى لنظام ،يصل الحد بأعلى سلطاته إلى وصفه ووصف كبار القائمين عليه بالفساد، أن يمنع عجلة الإصلاحات والتغيير من الدوران.

نقول ذلك من منطلق الحرص على الوطن ومستقبله وأيضاً من منطلق الحرص على الجميع وفي مقدمتهم فخامة الأخ الرئيس –فلا نضمر لأحد من الناحية الشخصية أي سوء– الذي قد يكون لايزال يمتلك القدرة على تجنيب الوطن ونفسه والجميع تكاليف أكبر ،وقتاً ومالاً وفرصاً ومعاناةً وصراعات يستمر تكرارها..الخ، لتحقيق الإصلاحات الشاملة والجذرية التي أصبح تحقيقها حتمي وضروري ولا سبيل لمنعها أو لوهم المراهنة على ظروف قد تأتي مستقبلاً و تمكّن المراهنين عليها من تجاوز عملية الإصلاحات الشاملة.!!.فقضية الإصلاحات مطلب وضرورة داخلية وطنية ملحة قبل وأثناء وبعد مرحلة القطب الواحد ،كما أن بلادنا قدأنهكتها سياسات المراهنات على التوازنات الخارجية بغرض المحافظة على الحالة اليمنية بعيداَ عن إصلاحات شاملة حقيقية وعميقة.

2. معطيات أسس وآليات المخرجات المتوخاة من الإصلاح السياسي الفعلي والشامل والعميق:-

أولاً:  نظام الدولة (لا مركزية الحكم)

   لقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن مركزية الحكم ،وفق نظام الدولة البسيطة، هي العامل الأساس:

-              للترهل والفساد والبيروقراطية في منظومة الحكم.

-              والعائق للتنمية.

-              والمولَّد للغبن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

-              ومن ثم للتباغض والتنافر.

-              والقادح لشرر النزعات الانفصالية والتصادم.

-              والحاضن والمحفز لكل فكر سلبي وافد أو راكد .

ويبرز ذلك بصورة أكثر عمقاً وعنفاً في البلدان والدول:

-              حديثة النشأة.

-              وطرية الاندماج.

-              ومتنوعة الخصوصيات.

-              ومتراكمة الصراعات.

-              وانقسامية التاريخ.

إن تجارب الشعوب ومعطيات العصر وحركته السريعة وأهمية الوقت للتنمية الشاملة قد أفرزت وأبرزت حقائق ،لا مراء فيها، تؤكد أن نظام الدولة المركبة هو النظام الأمثل:

-              لتحقيق العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

-              ولإزالة أسباب الغبن.

-              ووأد النزعات الانقسامية والانفصالية والتصادمية.

-              وترسيخ وحدة الوطن أرضاً وبناء.

-              وحدة البشر وتوادهم إنسانياً.

-              ولتقليص الفساد.

-              ومنع الترهل والبيروقراطية.

-              ولتسريع حركة بناء وتنمية المجتمع.

-              وتجذير الشعور المجتمعي بالمواطنة.

-              وتحقيق الأمن والاستقرار.

-              ولرفع وتيرة العوامل المحفزة للتنمية.

-              وتنمية ورعاية المصالح المشتركة مع الغير.

وفي هذا السياق علينا أن ندرك حقيقة مسلمة ،أيضاً لا مراء فيها، أن ترسيخ وحدة اليمن أساس للأمن والاستقرار والتنمية محلياً ومفتاح للأمن والاستقرار إقليمياً.. وأساس لتأهيل بلادنا لدورها الهام والمحوري في المنطقة والعالم ،بصرف النظر عن ممارسات البعض المنفرة أو المهيجة للنزعات الانقسامية محلياً،.. وأنه لا تراجع عن هذا الأساس ،الوحدة اليمنية، ولا مساس به بل ترسيخ له من خلال التحول إلى نظام الدولة المركبة الذي يعتبر اليوم أرقى وأثبت وأصلب أشكال الوحدة والتوحد. وهو العلاج الوحيد للتدهور الحاد الذي يشوب وحدة العنصر البشري في بلادنا والناتج عن المركزية واعتماد نظام الدولة البسيطة في بلد عاش القرون الكثيرة دون دولة مركزية واحدة وعاش قروناً من التمزق والصراعات المناطقية والقبلية والشطرية وأحياناً الأيديولوجية والمذهبية.. مما أورث جذوراً وبذوراً للانقسامات والتمزق غطتها العواطف الصادقة والجياشة بإعلان الوحدة.. واستحثت نموها الصراعات وتغذي هذا النمو الممارسات ويهيِّجه الغبن وتشعل ناره المركزية..

وأي مثقف أو مطلع أو مدرك أو متابع لا بد أن يتيقَّن أن نظام الدولة المركبة هو أرقى وأصلب نظام توحيدي بطبيعته وإن دول العالم المتقدمة أو دول العالم الثالث التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال التقدم والتنمية تقوم على نظام الدولة المركبة.. ابتداءً من الولايات المتحدة الأمريكية.. مروراً بأكثر الدول الأوربية تقدماً.. ووصولاً إلى كوريا الجنوبية وماليزيا والهند...الخ.. وجميعها دول موحدة لا انفصال في أي منها ولا تفكير فيه ولا خوف مستقبلي منه.. ولا تنافر أو غبن في إطار أي منها.. بل أزالوا في دولهم كل عوامل الانقسام والتمزق وكل كوابح ومعوقات الاندماج المجتمعي وكل موانع الانفصال وتجاوزت شعوبهم حتى مجرد التفكير فيه أو حتى احتماله.. فهي دول لكل منها علم واحد وجيش واحد ورئيس واحد وحكومة مركزية واحدة وبرلمان بنظام مجلسين أو مجلس موحد وسيادة واحدة ونشيد واحد واستراتيجية اقتصادية واحدة وسياسة خارجية واحدة وقضاء أعلى واحد.. وفي كل مقاطعة أو إقليم أو ولاية أو محافظة (بالمسميات المختلفة) لها حكمها المحلي الكامل الصلاحيات وتسهم في المجرى العام لتنمية الدولة وفقاً للقوانين والأنظمة العامة والمحلية ،دون تعارض أو تضاد أو إعاقة أو كوابح،.. وتتم انتخابات المجالس المحلية ورؤساء وحدات الحكم المحلي.. وينص القانون على الصلاحيات الكاملة محلياً.

لذلك فإن أول أسس المخرجات المتوخاة من الإصلاح السياسي هو نظام الدولة المركبة القائم على نظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات والمنتخبة مجالسه ورؤساء وحداته انتخاباً ديمقراطياً حراً بإتباع نظام القائمة النسبية.. وقد طرحنا مشروعاً لقانون الحكم المحلي منذ أكثر من ست سنوات ودراسة لنظام الانتخاب وفق نظام القائمة النسبية. ( مرفقان ص 134 و177).

ثانيـاً:   نظام الحكم:

                يوجد في العالم المتقدم أو الذي قطع شوطاً نحو التقدم ثلاثة أنظمة للحكم.. كما توجد أنظمة خارج هذا السياق في كثير من دول العالم الثالث..

1]            النظام الرئاسي الكامل.. وهو القائم على أن رئيس الدولة هو رأس السلطة التنفيذية ولا وجود لرئيس وزراء.. فمهام الرئيس تشمل رئاسته للحكومة أو للإدارة كما تسمى في الولايات المتحدة الأمريكية.. وبالتالي فإن الرئيس عرضة للنقد والمحاسبة والمحاكمة بصفته المسؤول الأول عن إدارة الحكومة.. وأشهر دولة تعتمد هذا النظام هي الولايات المتحدة الأمريكية.

2]            نظام برلماني كامل.. وهو الذي يتولى الحكم فيه حزب الأغلبية المطلقة في البرلمان أو ائتلاف من حزب الأغلبية النسبية مع من يتفق معه من الأحزاب بحيث يشكلان /أو يشكلون معاً الأغلبية المطلقة في البرلمان (السلطة التشريعية) ويرأس الدولة إما ملك في البلدان الملكية أو رئيس يتم انتخابه من السلطة التشريعية في الغالب..

ورئيس الدولة يمثل سيادة الدولة ولا يزاول المهام التنفيذية.. وبالتالي فإن رئيس الوزراء و/أو أعضاء حكومته هم الذين تتم محاسبتهم ومراقبتهم برلمانياً.. وأشهر الدول المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وبلجيكا وتركيا وماليزيا وأسبانيا وإسرائيل.

3]            نظام مختلط رئاسي ـ برلماني.. وهو الذي يتقاسم السلطة التنفيذية فيه رئيس الدولة المنتخب من الشعب ،بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مع رئيس الوزراء الممثل لحزب الأغلبية البرلمانية.. ويحدد الدستور والقوانين صلاحيات كل منهما.. وفي الغالب فإن رئيس الدولة يتولى مسئولية النواحي السيادية.. مثل العسكرية.. والسياسة الخارجية.. وينسق في ذلك مع الحكومة.. كما تتولى الحكومة النواحي التنفيذية الأخرى وفي أحيان كثيرة يأتي الرئيسان من حزبين مختلفين.. وأشهر الدول التي تعتمد هذا النظام فرنسا.

4]            النظام الرابع.. ،في دول العالم الثالث،.. وهو الذي يتولى فيه الرئيس رئاسة الدولة بصفته الرأس الأعلى للسلطة التنفيذية.. وفي نفس الوقت يعين رئيس وزراء أو رئيس مجلس وزراء يتولى رئاسة الحكومة.. ولرئيس الدولة سلطات تنفيذية واسعة تفوق ،في الغالب، سلطات رئيس الوزراء وكلاهما من حزب واحد إلا إذا رأى الرئيس أن يعيّن شخصاً من خارج حزبه ويعمل وفق برنامج حزبه مع وجود سلطة تشريعية لا فعل أو أثر حقيقي لها.

والغريب أن الذي يراقبه ويحاسبه البرلمان (السلطة التشريعية) هو رئيس الوزراء الذي لا يقوم بشيء أصلاً إلا بتوجيه رئيس الدولة.

5]            النظام الخامس.. ،في دول العالم الثالث،.. قد يتولى رأس الدولة رئاسة الحكومة أو يعين رئيساً لها يعطيه بعض الصلاحيات ولا محاسب لأي منها.. وهذه أنظمة بالذات تجري مراجعات وتتجه إلى إنشاء مجالس شورى أو برلمانات معينة أو منتخبة ،جزئياً أو كلياً، ولا فعل حقيقي لها وهي إما أن تملك صلاحيات استشارية أو تملك شيء من الصلاحيات التشريعية وفق توازنات يمسك بخيوطها رأس الدولة .

ما هو النظام الملائم لبلادنا ؟..

تلك أنظمة الحكم السائدة في العالم.. ونرى أن علينا أن ندرس بعناية ما يلائم بلادنا من الأنظمة الثلاثة الأولى القائمة على أسس ديمقراطية حقيقية..

أ) نرى أن النظام المختلط لا يناسب بلادنا.. فحدود رسم الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والعمل بها متعذرة في مثل بلداننا.. والمحاسبة ثبت غيابها.. وتم تهميش السلطة التشريعية.. فلا أثر لها في أي قضية ولا قدرة لها حتى على إلزام الحكومة بتنفيذ ما تلتزم به أمامها.

ب) أما النظام الرئاسي الكامل فسينجح في بلادنا إن تم في إطار فصل حقيقي وجاد للسلطات.. واعتماد إقامة نظام الدولة المركبة وفصل الخدمة المدنية عن الحكومة ومنع أي تأثير أو نفوذ لها عليها.. وإلغاء الإعلام الرسمي.. وإقامة نظام قضائي مستقل وقوي ونافذة أحكامه وله مكانته واحترامه التي لا تقل عن رأس الدولة وسلطتها التنفيذية.. عند ذلك يمكن الأخذ بالنظام الرئاسي القائم في الولايات المتحدة عندما نقوم في نفس الوقت باعتماد نظام الدولة المركبة وفصل السلطات الأخرى فيها من قضائية وتشريعية...الخ.. وهو نظام مرن ومتقدم ويعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة، محكومة بالالتزام بالقانون وبمعايير العملية الديمقراطية والشفافية ويخضع للنقد والمحاسبة.

جـ) أما النظام البرلماني فهو يهيئ نظاماً رقابياً ومحاسبة حازمة للحكومة ويعطيها صلاحيات تنفيذية كاملة.. وهو أيضاً ملائم إن أخذنا بنظام الحكم اللامركزي وفق نظام الدولة المركبة.

وجميع تلك الأنظمة تعتمد الفصل الحقيقي بين السلطات.. وفصل الخدمة المدنية والإعلام عن الحكومة، واعتماد نظام الدولة المركبة في الغالب منه.

 في غياب التوازن الفعلي بين فئات ومناطق الوطن ،سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، فإن أي حديث ،عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والشفافية ونبذ التطرف ،بأشكاله المختلفة، وعن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والدور الإيجابي لبلادنا في المنطقة والعالم ورعاية وتبادل المصالح مع الآخرين...الخ، هو حديث لا جدوى منه ولا فعل ولا أثر له، بل مضيعة للجهد والوقت وارتهان للتخلف وإذكاء للتطرف والعنف والإرهاب والصراعات وتهييج لعوامل التمزق والتشظي.

وإن هذا التوازن المطلوب لا يمكن مطلقاً أن يكون له وجود إيجابي إلاَّ بالتحديد الدستوري الواضح الذي يعتمد "نظام الدولة المركبة"-لامركزية الحكم- و"نظام الحكم -الرئاسي أو البرلماني-".

وقد ينبري من يقول أن الأنظمة التي قامت على هذه الأسس قد قطعت أشواطاً كبيرة واستغرقها ذلك قروناً.. ونقول أنهم ما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من امتلاك عوامل التقدم والنهوض المادي والعلمي إلا لأخذهم بتلك الآليات واعتمادهم لتلك الأسس التي اعتمدوها كأسس منذ النشأة الأولى لديمقراطياتهم ثم استمروا ،ولازالوا، في تطوير الأدوات والوسائل التي تمكن آلياتهم من مواكبة النهوض والتقدم في المجالات المختلفة . وليس صحيحاً ،مطلقاً، أنهم استغرقوا قروناً لتحديد الأسس والمنطلقات . كما إن آليات ووسائل وأدوات الديمقراطية تلك وافدة منهم وليس علينا أن نعيد تجاربهم السابقة بل أن نبدأ من حيث انتهوا ونُكًـيِّف الأدوات والوسائل بما يتلاءم مع قدراتنا وإمكاناتنا.

وقد يأتي من يقول أن الديمقراطية ثقافة وتربية وسلوك ولا بد من أن نربي أنفسنا وأجيالنا عليها؟!.. ونقول إن الديمقراطية آلية لتنظيم علاقات سوية بين الناس وأن أسسها قائمة على أمور فطرية ،فطر الله الناس على تعشقها، مثل الحرية والعدل والمساواة والانتماء والحقوق والواجبات.. وأن ماليزيا لم يستغرقها استيعاب أسسها والأخذ بها سوى بضع سنين ثم انطلقت في بضع سنين لتحقق تقدماً مذهلاً بينما نحن ننادي بها منذ أكثر من نصف قرن.. وأعلنت السلطة قبولها بها منذ (14)عاماً، وكانت كافية لإقامة نموذج.. كما أن الهند التي أصبحت أكبر ديمقراطيات العالم ليست بأحسن حال منّا ،من حيث وعي وثقافة شعبها ومستواه المعيشي،  بل أن تنوّع مجتمعها ،أدياناً ولغات وانقسامات وأعراقاً، وجهلاً وفقراً، لم يحل دون إقامة تجربة ديمقراطية.. ونهضة تقنية.

والعجيب أننا نأخذ بكل ما يفد علينا من غث وسمين مما يحتاج إلى تربية وتدريب ،لإتقانه ولاستخدامه الاستخدام السليم، ونأخذ بما يفد علينا من وسائل تقنية حديثة ،لا نتقن إلا الاستهلاك البدائي لها بلا جدية في فهمها وإتقانها، ولم نرشِّد هذا الاستهلاك ،ريثما نتجه أولاً لإتقان وصيانة ما نستخدم من وسائل وأدوات، بل نستورد أحدث منتجات العصر ،ولا ضير في ذلك، لكن إن أخذنا بمنطق أن الآخرين قد سبقونا بقرون فلماذا لانستورد منتجاتهم القديمة ونتدرج في الاستيراد للأحدث على مدى زمني؟!! .. ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق فطرية للناس استحوذ عليها المتنفذون وأقاموا أنفسهم أوصياء على أناس ليس منهم من هو أقل أهلية منهم نجد من ينبري ليحكم بأننا غير مؤهلين لرعاية أمورنا وأن شعوبنا تحتاج إلى تربية وثقافة "ديمقراطية" قبل أن يمارسوا حقهم الفطري في الحرية والديمقراطية!! فكيف سيتقنون قبل أن يُمكنوا من الممارسة؟! ومن الذي أقام أصحاب هذا المنطق كأوصياء على الشعوب يحكمون بعدم أهليتها؟! ومن أين لهم تلك الأهلية لإصدار هذه الأحكام؟! وكيف لا تستطيع شعوبنا ما استطاعته شعوب أخرى كانت ،إلى وقت قريب، أكثر تخلفاً وأقل ثقافة وأكثر فقراً وتمزقاً من شعوبنا؟؟! ثم يقفز سؤال أهم: ألا يحتاج من يُسَـيِّر شؤون الناس ،بعيداً عن شروط الحرية والديمقراطية الحقيقية والمحاسبة، إلى ثقافة وتربية وسلوك تؤهله لأن يحقق شروط إقامة الحكم السليم الصالح العادل..وتؤهله لأن يحدد ويقيس هذا التدرج المزعوم؟!! إن الجواب المنطقي: أن من يتولَّون شؤون الحكم بهذه الأساليب هم الأكثر حاجة لثقافة وتربية في شؤون الحكم السوي الرشيد، التـي لا بد أن تقودهم ،إن وُجِدت، إلى سرعة القبول بالإصلاحات الشاملة والعميقة المطروحة.

و قد ينبري قائل آخر بأنهم قد اكتسبوا خبرة طويلة أهَّلتهم وصقلتهم.. وهنا لا بد من الاعتراف بذلك ،إن قادتهم تلك الخبرة إلى استيعاب الضرورات الملحة للإصلاحات الفعلية، بل إنهم بذلك سيجعلون كُلْفة تلك الإصلاحات قليلة وعملية تنفيذها أيسر وأسرع.

أما إن رفضوا وسوَّفوا فإن ذلك سيضع علامات استفهام كبيرة على ما اكتسبوه من خبرة طويلة، وسيلقي بظلال كثيفة على ماهية تلك الخبرة، وعلى ماهية ثقافة الحكم التي اكتسبوها، وهل تشكِّل عاملاً إيجابياً ليساهموا في إصلاحات أم أنها عامل إعاقة للإصلاحات؟.. فإن شكَّلَت تلك الخبرة الطويلة عامل إعاقة لنجاح شراكة في الإصلاحات ،فهل تؤهلهم للاستمرار في التفَرُّد في هذه المرحلة الحاسمة من مسيرة التطور الكونية أم أنها خبرة سنة تكررت هي نفسها لسنوات كثيرة ستقودهم وتقود الوطن بهم إلى كارثة التمزق والصراعات؟.. من جهتنا فإننا سنكون الأكثر سعادة إن قادتهم خبرتهم تلك إلى استيعاب الضرورة الملحة والحتمية للإصلاحات.

ثالثـاً:  السلطة التشريعية:

- لقد كنا منذ السنة الأولى لإعلان الوحدة، عام1990م، قد طرحنا نظام المجلسين ،مجلس نواب ومجلس شورى..، ثم أقمنا ندوة حول هذا النظام وملاءمته لأوضاع بلادنا، في العاصمة صنعاء، شارك فيها سياسيون ،من السلطة وخارجها، وأكاديميون.. قدّم فيها الدكتور محمد عبدالملك المتوكل ورقة حول هذا الأمر.

- كما كان حزبنا هو الحزب الوحيد الذي أورد ذلك في برنامجه الانتخابي عام 1993م.

- وتابعنا طرحه في مناسبات مختلفة وفي أدبياتنا.

وللأسف تم الأخذ بنظام المجلسين بطريقة مبتسرة وبآلية وأدوات وتركيبة وصلاحيات لا تحقق أي إضافة ايجابية حقيقية، وتم بناء على ذلك، إنشاء مجلس شورى إلى جانب مجلس النواب، وسنورد باختصار رؤيتنا حول هذا النظام ،أهدافاً وأسساً ومعاييراً وصلاحيات وآليات، وما تم من ابتسار وإجهاض للمستهدفات الحقيقية لهذا النظام.

1-  أهداف وأسس إنشاء مجلس شورى ( أو أي مسمى يطلق عليه):

               أ- يشكل إحدى آليات التمثيل الشعبي ،للوحدات المحلية، في هيئات صنع القرار في المركز.  

               ب- يشكل إحدى آليات التوازن في المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى المركز.

              ج- يشكل آلية للاستفادة المثلى من مستويات أعلى من الكفاءة العلمية والخبراتية في السلطة التشريعية.. فهو جزء من السلطة التشريعية.

2- معايير العضوية:

‌أ-       تحديد حد أدنى من المؤهلات العلمية (المعيار العلمي لعضوية مجلس النواب   أن لا يكون العضو أمياً).

‌ب-   أو حد أدنى لسنوات الخبرة اتضحت خلاله كفاءته ونزاهته.

‌ج-    أو أن يكون العضو من أصحاب الأثر الإيجابي المعروف فكرياً أو علمياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

‌د-    أن لا يقل عمره عن ثلاثين عاماً.

هـ-    التمثيل المتساوي للمستوى الأعلى من وحدات الحكم المحلي.. مع إعادة النظر في تقسيم الوحدات المحلية بحيث لا يعتمد المعيار السكاني وحده، وإنما يعتمد إلى جانبه المعايير الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية.

3- الصلاحيات:

‌أ-     يشكل جزءاً هاماً من السلطة التشريعية.

‌ب-   تحديد صلاحيات لكل من المجلسين في مجالات التشريع والمتابعة والرقابة والمحاسبة..

‌ج-   تحديد صلاحيات مشتركة للمجلسين بآلية مشتركة لإتخاذ القرار في بعض القضايا الرئيسية.. ويرأس الجلسة المشتركة نائب رئيس الجمهورية.

‌د-   في مشروعنا للتعديلات الدستورية أوردنا الخطوط العامة للصلاحيات المطلوبة..(مرفقة ص209).

4- آلية اختيار مجلس الشورى:

‌أ-    قوام المجلس لا يقل عن 111 عضواً وتُمثَّل كل وحدة حكم محلي ،من المستوى الأعلى، بالتساوي.

‌ب-   يقوم المواطنون في كل وحدة حكم محلي بانتخاب ممثليهم لعضوية مجلس الشورى باتباع نظام القائمة النسبية..، وقد طرحنا دراسة مقارنة حول هذا النظام تُثبت أنها الأنسب لبلادنا.(مرفقة ص177)

‌ج-   يعين رئيس الجمهورية في أول مجلس عشرة أعضاء وفق نفس معايير العضوية وبما يعزز الأهداف والأسس من إنشاء المجلس.

وللمقارنة نورد باختصار الأهداف والأسس والمعايير والصلاحيات وآلية الاختيار التي تم بناء عليها إنشاء مجلس الشورى القائم.. مع الاحترام والتقدير لأعضائه كأفراد.

1)الأهداف والأسس:

‌أ-    استيعاب وترضية أعضاء مجلس النواب السابقين الذين فقدوا مقاعدهم لسبب أو آخر.. وكذلك الوزراء والمحافظين والسفراء الذين لم يشملهم التعيين في السلطة التنفيذية عند كل تغيير أو تعديل وزاري أو حركة تغيير المحافظين والسفراء.

‌ب-   استيعاب وترضية لبعض القيادات الحزبية في المعارضة الذين قبلوا بذلك.

‌ج-   استيعاب وترضية لبعض الشخصيات الاجتماعية أو لكبار موظفي الدولة، مدنيين وعسكريين، الذين أحيلوا للتقاعد.

2]            معايير العضوية:

لا تحديد واضح للمعايير.. وإن كان إعلامياً يقال "للاستفادة من الخبرات".. وإن صح القول إن منهم من اكتسب خبرة في الحكم لكنها خبرة لم تؤدِ لنجاح السلطات التنفيذية أو التشريعية التي كانوا يتولونها.. وقد يكون ذلك لأن النظام العام والآلية العامة للدولة لم تمكن أحداً منهم من تحقيق نجاح.

3]            الصلاحيات:

لا صلاحيات مطلقاً في أي قرار. ومهام المجلس لا تزيد عن مهام المستشارين في رئاسة الدولة بل أن بعض المستشارين في رئاسة الدولة لهم أثر أكبر لأنهم يزاولون مهاماً بصفة يومية ويملكون منافذ مستمرة يومية تقريباً لإبلاغ مشورتهم وتسريب تأثيرهم.

أما مجلس الشورى فمهمته إسداء المشورة لرئاسة الدولة في القضايا التي تطلب الرئاسة المشورة فيها ولا قرار للمجلس أو إلزام في شيء مطلقاً.. إلا في لوائح إدارته لجلساته.

4]            آلية اختيار المجلس:

أ‌)      تم تحديد قوام المجلس ولكن لم يتم الالتزام به وظل مفتوحاً لتعيينات جديدة من الوزراء والمحافظين وكبار موظفي الدولة وقيادات الحزب الحاكم كلما أصبحوا وزراء أو محافظين أو موظفين أو قادة سابقين.

ب‌)   يقوم رئيس الجمهورية بالتعيين لكل أعضاء المجلس والإضافة إليهم كلما ارتأى ذلك.

خلاصة القول.. إن مجلس الشورى ،الحالي، يمثل صورة مُجسَّـمة ومُجسَّـدة لكامل العملية الديمقراطية.. التي تقيم الهياكل والأشكال.. بلا مضمون أو أثر أو تأثير في شيء.

رابعاً:   آليات العملية الديمقراطية

                إن إصلاح آليات العملية الديمقراطية يشكل أحد أهم أسس الإصلاحات السياسية.. أهدافاً ونظماً ودستورياً وقانونياً.

1]            الأهداف:

أ   (    تحقيق المشاركة الشعبية الواسعة في القرار وفي إدارة شؤون الوطن.

ب  )   تحقيق التوازن الفعلي في المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية...الخ بين كل مناطق الوطن وفئاته وشرائحه.

جـ)   إشاعة قيم الحرية والعدالة بين الجميع.

د   )   إشاعة المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص وإلغاء أي تمييز فيها على أساس مناطقي أو فئوي أو مذهبي أو حزبي أو على أساس الجنس.. الخ.

هـ)  تحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.

و  )    المراقبة والمحاسبة الفاعلة للسلطة التنفيذية.. ومنح الثقة وحجبها.

ز )   وضع ومناقشة وإقرار القوانين والتشريعات والدراسة والمناقشة والمصادقة على الاتفاقيات التي تبرمها السلطة التنفيذية مع الغير وتعديل أو رفض ما ترتئي تعديله أو رفضه منها.

ح )   مناقشة برامج وخطط السلطة التنفيذية وإقرارها بما يحقق المصالح العليا للوطن، أرضاً وإنساناً.

2]            نظماً:

أ  -    كما ذكرنا آنفاً يتم اعتماد نظام الدولة المركبة كأرقى وأمثل نظام لأوضاع بلادنا ،مانعاً للتمزق والاختلال ومحققاً للتوازن والأمن  والاستقرار والتنمية، وسبق لحزبنا أن طرح مبكراً مشروع قانون للحكم المحلي.(مرفق ص133).

ب -    يتم الأخذ بنظام الحكم البرلماني أو الرئاسي وفق ما تم بسطه آنفاً.

جـ-     كما ذكرنا آنفاً يتم اعتماد نظام المجلسين طبقاً للأهداف والمعايير والصلاحيات المشار إليها.

د   -   لقد ثبت أن نظام الانتخابات الفردية لا يتلاءم مع أوضاع بلادنا ولا يؤدي إلى توسعة المشاركة ولا يسهم في تحقيق التوازن الذي يشكل أهم المحاور للأمن والاستقرار والتنمية.. ولا يحقق هذا النظام التطوير المنشود للديمقراطية الناشئة ولا تعكس نتائجه التمثيل الحقيقي للمواطنين. ومن دراستنا للتجارب الإنسانية لنظم الانتخابات ولرؤى مفكرين بارزين ،أمثال د.سعد الدين إبراهيم..، وجدنا أن ما طرحناه منذ أكثر من 12 عاماً من مطالبة بالأخذ بنظام الانتخابات بالقائمة النسبية هو الأمثل لتحقيق أهداف العملية الديمقراطية في بلادنا والذي يمكن أن يسهم في تطويرها. (وقد قدم حزبنا دراسته العلمية ورؤيته حول هذا الأمر في الندوة التي عقدت في صنعاء قبل حوالي ثلاثة أعوام" مرفقة" ص177".

هـ-     إن قوائم تسجيل الناخبين قد اعتراها كثير من التجاوزات المخلة بالعملية الانتخابية.. وحتى بعد إعادة النظر فيها قبل الانتخابات الأخيرة ،نتيجة لارتفاع الأصوات المطالبة بإزالة التزوير والتشوهات والتجاوزات التي شملتها، فإن إعادة النظر تلك لم تزل شيئاً يذكر من كل ذلك بل إن ما أزالته أضافت ما يعوضه ويزيد. لذلك لا بد من إعادة التسجيل وضبط وتصحيح سجلات الناخبين وفق آليات وأدوات مانعة لتكراره.

و   -     إن حرمان ملايين المغتربين ،في دول الخليج العربية وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا وأوروبا وأمريكا وغيرها، من حقهم الانتخابي الدستوري والإصرار على هذا الحرمان لم يعد مقبولاً ولا مبرراً.. ولا بد من التسجيل الدقيق لقوائم الناخبين في دول الاغتراب وفق آلية لا تسمح بتدخل السفارات لممارسة الإخلال والتجاوزات مع ملاحظة أن المواطن اليمني قد أجاز له القانون أن يحمل جنسية أخرى.. وبالتالي فإن حمله لجنسية أخرى لا يحرمه لا من جنسيته الأصلية ولا من حقه الانتخابي.

3]            دستورياً وقانونياً:

إن الدستور والقوانين بحاجة إلى التعديلات اللازمة لاستيعاب تلك الإصلاحات السياسية المطلوبة فلا بد من إجراء التعديلات اللازمة وأهمها:-

‌أ)     ما يتعلق بنظام الدولة.( اللامركزية).

‌ب)  ما يتعلق بنظام الحكم.

‌ج)    ما يتعلق بنظام الانتخابات.

‌د)    أهمية النص على التداول السلمي للسلطة .

هـ)  أهمية النص على أن حزب الأغلبية المطلقة في السلطة التشريعية يتولى تشكيل الحكومة واختيار أعضائها وأنه عندما لا توجد أغلبية مطلقة لحزب فإن حزب الأغلبية النسبية يشكل حكومة ائتلافية مع حزب آخر أو أحزاب أو مستقلين بحيث يشكل الائتلاف أغلبية مطلقة يتولى بناء عليها تشكيل الحكومة.. وعند عجز حزب الأغلبية النسبية عن تشكيل حكومة الائتلاف فإن الحزب التالي في عدد المقاعد في السلطة التشريعية  يشكل حكومة الائتلاف.

و‌)   ما يتعلق باستقلالية القضاء والفصل بين السلطات.

ز‌)  ما يتعلق بقضايا الاقتصاد ،والتعليم ،واستقلالية الإعلام والخدمة المدنية، والتطرف

       الفكري أو باسم الدين، والثروات الطبيعية ،وصيانة الممتلكات الخاصة والعامة..الخ

مرفق مشروعنا للتعديلات الدستورية ص209)

خامساً:   الخدمة المدنيـة:

1-            إن السلطة التنفيذية تسيطر على الخدمة المدنية أنظمة ولوائحا وتعييناً وترقية ومكافآت وتنقلات وعقاباً وفصلاً وتقاعداً من خلال وزارة للخدمة المدنية خاضعة لحكومة الحزب الحاكم مما حول الوظيفة الرسمية، في مؤسسات وهيئات السلطة التنفيذية وفي مؤسسات القطاع العام والمختلط، إلى أداة لسيطرة الحكومة والحزب الحاكم على حياة ومعيشة الناس وتسخير كل ذلك لمصالح الحزب الحاكم والمنتمين إليه وأداة ترغيب وترهيب وتوجيه واستغلال في العمليات الانتخابية على مستوى الدولة أو المحليات وابتكرت أساليب يتم بها تسخير الأصوات الانتخابية وتزوير سجلات القيد للناخبين وتجييرها للحزب الحاكم.. ويتم تطوير تلك الأساليب في كل انتخابات جديدة لضمان إعادة إنتاج نفس محصلة الانتخابات في كل دورة انتخابية.

2-            وقد أدرك حزبنا منذ بداية الوحدة أهمية الأخذ بفصل الخدمة المدنية عن سيطرة وتسيير أي حزب حاكم، وطرح ضرورة فصل الخدمة المدنية عن الحكومة وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للخدمة المدنية يحكمها القانون وتخضع لرقابة السلطة التشريعية ويحاسبها القضاء ولا علاقة لها بتداول السلطة ولا سيطرة على أدائها أو توجيه للحكومة.. ولا بد من النص على ذلك دستورياً وصياغة قانون جديد للخدمة المدنية بموجب ذلك. (وسنعد مشروعاً لقانون الخدمة المدنية يتوافق مع مشروع الإصلاحات هذا).

سادساً:  الإعـلام:

2]            إن وجود إعلام رسمي وسيطرة السلطة التنفيذية على وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة والمكتوبة يشكل أحد أهم عوامل تغييب تكافؤ الفرص.. فالحزب الحاكم يملك ويسير وسائل الإعلام ،الوحيدة المؤثرة، طوال أيام السنة ولا يعطي لغيره من الأحزاب إلا مساحة محدودة جداً ولا تتجاوز الساعة المرئية والمسموعة والصفحة المقروءة ولمرة واحدة قبل الانتخابات بينما الترويج المستمر للحزب الحاكم ورموزه هو الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الرسمية طوال أيام السنين.. وهذا الأمر يشكل العامل الأساس في تشكيل وتشويه وعي المواطنين في كل محافظة ومدينة وقرية.. وتسخير ذلك للحزب الحاكم ورموزه ومرشحيه. أما الإعلام الحزبي فيقتصر على الصحف الأسبوعية التي لا تملك الأحزاب إمكانيات تطويرها ولا توزيعها على مستوى الساحة وبالتالي لا أثر لها يذكر.

3]            لذلك.. فقد طرحنا منذ أكثر من 12 عاماً.. وفي برنامجنا عام 1993م أهمية إلغاء الإعلام الرسمي والبدء كخطوة أولى بفصله عن سيطرة وتسخير الحزب الحاكم وإنشاء هيئة مستقلة للإذاعة والتلفزيون يحكمها القانون وتراقبها السلطة التشريعية ويحاسبها القضاء، تمهيداً لتحويلها إلى قطاع خاص يتم تمليك العاملين فيها 50% من الأسهم ويتم بيع باقي الأسهم، وإفساح المجال لإنشاء قنوات تلفزيون ومحطات إذاعة خاصة وتحويل الصحف الرسمية إلى شركات خاصة مساهمة يُمنح العاملون فيها 50% من أسهمها وتُقسم عليهم بنسب يحددها القانون.

4]            النص على ذلك دستورياً وصياغة القوانين المنظمة لهذا الأمر. (ويعالج هذا الأمر دستورياً مشروعنا للتعديلات الدستورية. وسنعد مشروع قانون يتوافق مع ذلك).

سابعاً:   القوات المسلحة والأمن:

1]            ما يجري هو تجاوز للأنظمة والقوانين المنظمة لها.. وتخضع التعيينات والترقيات والمكافآت والتنقلات والإحالة إلى التقاعد والفصل لإرادة الحزب الحاكم وتسخيره لهذه المؤسسات الهامة والمؤثرة.. واستخدامها في الانتخابات ونقلها وتموضعها لتشكل العامل المرجح في الدوائر الانتخابية ونقلها من مركز انتخابي إلى آخر ومن دائرة انتخابية لأخرى في يوم الانتخابات ليدلي كثير من منسوبيها بالأصوات لمرات متعددة في المراكز الانتخابية في الدائرة الواحدة وفي الدوائر الانتخابية المختلفة في المحافظة الواحدة ،بل وفي المحافظات المختلفة، باستخدام بطاقات انتخابية متعددة للفرد الواحد. كما يتم استغلال نفوذها وسلطتها للترغيب والترهيب لبسطاء المواطنين الذين يشكلون غالبية شعبنا. كل ذلك يرسخ إعادة إنتاج مخرجات الانتخابات في كل دورة انتخابية. والمسؤول عن تلك التجاوزات هي السلطة التنفيذية التي تستغل منسوبي تلك القطاعات بالترغيب والترهيب وتستغل الحالة المعيشية المتردية التي يقاسيها شعبنا والتي تشكل تلك القطاعات جزءاً من نسيجه وتقاسي ما يقاسيه.

2]            ومن هذا المنطلق فقد قدمنا معالجات عملية لهذا الأمر في برنامجنا عام1993م.. تتلخص في أن يدلي منسوبو تلك المؤسسات بأصواتهم في مواقعهم ومعسكراتهم بإشراف لجان انتخابية من خارج تلك المؤسسات.. وكل فرد يدلي بصوته في صناديق خاصة بدوائرهم الأصلية لمحافظاتهم ومديرياتهم التي ينتمون إليها أصلاً على أن يتاح للمرشحين زيارة تلك المواقع والمعسكرات للتعريف بأنفسهم وبرامجهم ولتوعية منسوبي تلك المؤسسات بطرق وأساليب إدلائهم بأصواتهم ولطمأنتهم بأن كل فرد حر في إدلائه بصوته وأن سرية ذلك مكفولة.

3]            من المهم جداً أن تتحول تلك المؤسسات بكامل فروعها ووحداتها إلى مؤسسات احترافية بعيدة عن الزج بها في معتركات التنافس الحزبي.. فهي الحامي للوطن والمواطن والحارس للدستور والقوانين وللعملية الديمقراطية . لذلك لابد من وضع الضوابط والأنظمة والآليات لمنع استغلالها واستخدامها كطرف أو كسند لطرف في العملية السياسية التنافسية لأن ذلك يشكل خطراً على الديمقراطية وكابحاً لتطويرها.

4]            العناية بمنسوبيها ،علماً ومعرفة وسلوكاً وتدريباً ومادياً ومعنوياً.

5]            الحرص على أن تكون ممثلة للطيف الوطني دون تمييز أو غبن ؛ وأن تتم مراعاة هذا الأمر في إعطاء الفرص المتكافئة في كلياتها ومعاهدها وبعثاتها الخارجية ومهامها واختصاصاتها وصلاحياتها وترقياتها وتنقلاتها.

الفصل الثاني : مجالات الإصلاح الشامل الأخرى:

 الإصلاح القضائي:

إن القضاء هو السلطة الضابطة والمؤمِّنة لإيقاع الحركة والحياة في أي مجتمع.. وعندما كان للقضاء والقضاة الهيبة والمكانة ولأحكام القضاء المضي والنفاذ على الحاكم والمحكوم والكبير والصغير والقوي والضعيف والغني والفقير.. أمن الإنسان والمجتمع على دينهم ودياناتهم وأموالهم وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم فتحقق الأمن والاستقرار والرخاء والنهوض المعرفي، فكرياً وتجريبياً.. ونشاهد في عصرنا أن المجتمعات بقدر ما للقضاء فيها من الهيبة والمكانة والكلمة هي المجتمعات التي بنفس القدر تصان فيها الحقوق وتُؤدَى فيها الواجبات وتسود فيها قوة القانون ويتقلص فيها قانون القوة.. فيستتب فيها الأمن ويتحقق الإستقرار وتدور عجلة التنمية والنهوض.. لذلك فإن استباحة الحقوق في بلادنا وتدني القيم وامتهان إنسانية الإنسان وغياب الأمن والإستقرار وتدهور معيشة الناس وغياب التنمية الحقيقية.. كل ذلك مؤشر ودليل على ضياع لهيبة القضاء وغياب لمكانته واستباحة لقيمته وإلغاء لدوره وإذلال لرجاله.

إن الضمان للحفاظ على مخرجات الإصلاحات السياسية ولسلامة سير حركة الحياة، في كل مجالاتها، لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة الإعتبار للقضاء ورجاله، ليس مادياً فقط، ولكن معنوياً وهيبة وسلطة، كاملة الاستقلال، ونفاذاً حازماً وحاسماً لأحكامه وبتراً لكل من يحاول المساس به أو بأحكامه..

وعندما يتحقق ذلك:

أ   )         يستقيم الإصلاح السياسي وتستقر الحياة السياسية.

ب  )        يتحقق نجاح للإصلاح الاقتصادي ويأمن المستثمرون على أموالهم وممتلكاتهم وحقوقهم.

جـ)           يتقلص الفساد ويرتدع المفسدون والفاسدون في كل مجال.

د   )         تتقلص الجريمة.

هـ)           تصان الحقوق العامة والخاصة وتتقلص الفتن الاجتماعية.(قبلية وغير قبلية).

و  )         تصان الحريات وحقوق المرأة وحقوق الإنسان المستباحة.

ز  )         تصان الأعراض.

ح  )         بصفة عامة يتحقق ما نسمية "العدل الحر" و "الحرية العادلة".

لذلك لا مخرج إلا بإجراء إصلاح قضائي عميق وشامل يستهدف:-

  الفصل بين السلطات:

أهمية مبدأ الفصل بين السلطات ودستور الجمهورية اليمنية:

1-            يعتبر الشعب في مجتمعات النظم الديمقراطية الحديثة مصدر السلطات وصاحب السيادة. ويتولى الشعب مباشرة السلطة بذاته ومن خلال الهيئات الدستورية. ولقد أثبتت وثـبَّتت دساتير الدول الديمقراطية مبدأ الفصل بين السلطات بعيداً عن المزاجية والازدواجية ودون تشويه لذات المبدأ وذلك للحيلولة دون اجتماع السلطة في يد واحدة أو هيئة واحدة.

ويظهر التاريخ الحديث والمعاصر مدى الظلم والاستبداد الذي لحق الشعوب ومن بينها الشعب في اليمن – شماله وغربه شرقه وجنوبه – من جراء تركيز السلطة في يد واحدة.  ودفع ، ومازال، استبداد وظلم الحكام إلى اندلاع انتفاضات وثورات الشعوب ضد المستبدين من الحكام وأعوانهم.  وقد أشار الفقيه الفرنسي مونتسكيو في كتابه "روح القوانين" [The Spirit of Laws]  (1748م) إلى أنه:

"إذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في يد شخص واحد، أو تركزت في هيئة واحدة فستنتهي الحرية there can be no liberty ..." ؛ واستطرد قائلاً: "أن الحرية السياسية لا يمكن أن توجد إلا في ظل حكومات معتدلة  moderate governments  غير أنها لا توجد دائماً، إذ أنها لا تتحقق إلا عند عدم إساءة استعمال السلطة. ولكن التجربة الأبدية:  constant experience   أثبتت أن كل إنسان يتمتع بسلطة لا بد أن يسيء استعمالها إلى أن يجد الحدود التي توقفه. وليس من الغريب، لكنها الحقيقة، القول أن الفضيلة ذاتها في حاجة إلى حدود (يوزع بالسلطان ما لا يوزع بالقرآن). ولكي لا يمكن إساءة استعمال السلطة، فإنه يجب أن يكون الأساس أن السلطة توقـف السلطة  “that power should be a check to power” 

والفصل بين السلطات هو أحد أهم المبادئ الراسخة في النظم الديمقراطية. وهو الضمانة الأساسية ،دون شك، في توزيع السلطة بين الهيئات الدستورية الثلاث:

الهيئة التشريعية.

الهيئة التنفيذية.

الهيئة القضائية.

ومبدأ الفصل بين السلطات لا يقبل تركيز السلطة في يد شخص واحد أو هيئة واحدة. ومن ثم فإنه يقف موقف النقيض من فكرة الجمع أو المزج بين السلطات. ( عبد الحميد متولي. الحريات العامة. نظرات في تطورها وضمانات مستقبلها. الإسكندرية. منشأة المعارف 1975م,ص83) .

ويقول المفكر الإسلامي الدكتور كمال أبو المجد "إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".

وبتثبيت مبدأ الفصل بين السلطات في الدستور سيكون التأكيد على رفض استبداد أي فرد أو قوة سياسية بالسلطة واضحاً وصريحاً. وستكون في نفس الوقت الضمان الدستوري ضد مخاطر  استبداد الحاكم. ومن هنا يجب أن يفهم بمبدأ الفصل بين السلطات أن نشاط كل هيئة من الهيئات الدستورية الثلاث لا يجري في جزر معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض بل بالعكس فان عملها يتم في إطار من التعاون والتوازن فيما بينها ،بعيدا عن الازدواجية والخلط، وبالتالي يؤدي إلى ترسيخ وتطوير البناء المؤسسي للدولة.

وحيث أن دستور الجمهورية اليمنية المعدل الصادر بعيد توقف الأعمال الحربية صيف 1994م لم ينص على مبدأ الفصل بين السلطات.. كما لم ينص عليه التعديل الذي تلاه في  فبراير2001م..

فمن الأهمية بمكان أن يثبت هذا المبدأ دستورياَ بصراحة وبوضوح لا لبس فيهما وذلك لضمان الفصل الحقيقي بين السلطات القائمة بصورة عامة ولتمكين القضاء من آليات سلطة تمكّنه من القيام بوظائفه السامية بعيداً عن هيمنة وسيطرة السلطة التنفيذية كما هو الحال في الماضي والحاضر علماً بان هناك العديد من الدول تنص دساتيرها صراحة على ذلك.

2-            أن السلطة القضائية هي إحدى الهيئات الدستورية الرئيسية في الدولة.. وهي ليست سلطة فوق الهيئات الدستورية الأخرى – التشريعية والتنفيذية - بل هي سلطة دستورية مستقلة ومتساوية مع الهيئات الدستورية التشريعية والتنفيذية ، ولها وظائفها الخاصة بها التي هي من الوظائف العامة في الدولة.. وتقوم بين هذه الهيئة والهيئات الأخرى علاقة من التعاون في إطار مقتضيات السلطة التي تباشرها كل منها والوظيفة التي تؤديها.

وجدير بالإشارة أن الطريقة التي كانت ومازالت تدار بها شئون القضاء في بلادنا أثبتت فشلها الكامل.. وقد عبّر كتابة عن ذلك الأستاذ إسماعيل أحمد الوزير – وزير العدل الأسبق – حول إصلاح القضاء في الجمهورية اليمنية قائلا: "أن الوضع الحالي –للقضاء– سيء للغاية ويتطلب عملية عاجلة...". (إسماعيل أحمد الوزير، المعالم الرئيسية لخطة الإصلاح القضائي، مجلة الثوابت، العدد (11) يناير – مارس 1998م، ص 98). ومن الملاحظ بان ما طرحه الأستاذ الوزير كان في بداية عام 1998م.. ومنذ ذلك الحين لم يطرأ على القضاء ووضعه أي تحسن يذكر،سوى تحسين نسبي لمداخيل الكادر القضائي، بل بالعكس ازداد سوءاً. ويعبَر هذا بكل تأكيد عن العجز الذاتي في المنظومة السياسية.. ومن ثم الفشل في إجراء إصلاحات في مجال القضاء تؤدي إلى رفع المعاناة عن كاهل أفراد المجتمع ومؤسساته.

والغريب في الأمر إصرار المنظومة السياسية في المضي على الجمع بين السلطتين – التنفيذية والقضائية -.. والأغرب من ذلك أن النصوص الدستورية التي تتناول القضاء - السلطة القضائية -  (انظر الفصل الثالث من الدستور الحالي) تحيل المسائل الأساسية إلى القانون.. وقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1990م الذي بدوره ينظم شئون القضاء وكأنه جهاز من الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية وليس سلطة قائمة بذاتها.. وهذا بحد ذاته يجرد القضاء من مكانته واستقلاليته.

ونبرز هنا فقط بعض الأحكام الدستورية المنظمة "للسلطة القضائية" ، وتلك النصوص التي يوردها قانون "السلطة القضائية" رقم (1) لسنة 1990م ، والمخالفة للدستور وأحكامه ، وذلك على النحو التالي:

تنص المادة (149) من الفصل الثالث الخاص بالسلطة القضائية من الدستور المعدل (2001م) على أن "القضاء سلطة مستقلة قضائيا...". ويأتي قانون السلطة القضائية المشار إليه لينص في المادة (1) على أن "القضاء سلطة مستقلة في أداء مهامه". وهنا يبرز السؤال التالي – ما هو المقصود ب "أداء مهامه"؟  وهل يقتصر دور هذه السلطة – القضاء – في "أداء المهام" فقط؟  أي تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها؟ أم أن المسألة يراد بها ،كما جاء في هذا النص، وبصفة عامة تحجيم هذه "السلطة" إلى أقصى درجة وجعلها جهاز من ضمن الأجهزة  الخاضعة للسلطة التنفيذية؟!!..

وتنص المادة (152) من الدستور على أن "يكون للقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبين اختصاصاته وطريقة ترشيح وتعيين أعضائه". ويحدد القانون في المادة (104) تشكيلة مجلس القضاء الأعلى حيث يشير بان يرأس رئيس الجمهورية – هو في نفس الوقت  رئيس السلطة التنفيذية -  مجلس القضاء الأعلى بالإضافة إلى عضوية وزير العدل ونائبه ورئيس هيئة التفتيش القضائي في وزارة العدل [المادة (92) من القانون]. وهؤلاء هم أعضاء [أشخاص] السلطة التنفيذية.  [أنظر كتاب القسطاس(2). تقرير العدالة 1998م. التقرير السنوي عن حالة استقلال السلطة القضائية ومهنة المحاماة (اليمن  1998 م , ص24].  وكما تشير هذه المادة إلى أن يعين رئيس السلطة التنفيذية - رئيس الجمهورية -  ثلاثة أشخاص آخرين إلى عضوية هذا المجلس أيضا. فقانون السلطة القضائية رقم (1) جعل من مجلس القضاء الأعلى أحد أجهزة السلطة التنفيذية وذلك خلافا لما ينص عليه الفصل الثالث من الدستور باعتباره من المكونات الأساسية للسلطة القضائية.

تبرز المادة (153) من الدستور النافذ بأن المحكمة العليا للجمهورية هي أعلى هيئة قضائية ويحدد القانون كيفية تشكيلها ويبين اختصاصاتها والإجراءات التي تتبع أمامها.  وتأتي المادة (11) من القانون لتنص على: " تؤلف المحكمة العليا من رئيس ونائب أو أكثر وعدد كاف من القضاة يصدر بتحديد عددهم عند التشكيل وعند اللزوم قرار من وزير العدل بالتشاور مع رئيس المحكمة بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى".  وهنا يبرز السؤال التالي: لماذا لم يتم تحديد عدد قضاة هذه المحكمة في القانون طالما وأن الدستور  قد حدد موقفه من ذلك؟ وتقرر المادة (59) من نفس القانون بان " يكون تعيين رئيس المحكمة العليا ونائبيه وقضاة المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية بناء على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى وذلك من بين قائمة أسماء تتولى هيئة التفتيش القضائي إعدادها للعرض على المجلس ...".  والواضح بأن القانون بمادتيه (11و59) يؤكد من دون شك سيطرة السلطة التنفيذية الكاملة على القضاء.  وهنا يمكن القول بأن هذه السيطرة أدت وما زالت إلى انتفاء حيادية واستقلالية ونزاهة القضاء..ومن الملاحظ أن المادة(104) من القانون كما هو حال المادة (59) منه تنصان على: "يكون لرئيس المحكمة العليا نائبين" ، اثنين ولكن تنص المادة (11) من نفس القانون على: "تؤلف المحكمة العليا من رئيس ونائب أو أكثر وعدد كاف من القضاة..."..  وهنا نضع السؤال التالي: لماذا لم يتم تحديد عدد نواب رئيس المحكمة العليا بدقة وما هي الحكمة من ذلك ، إن كانت هنالك حكمة؟!!.

تنص المادة (149) من الدستور على: "القضاء سلطة مستقلة...مالياً وإدارياً...".. وتقرر المادة (89) من القانون "... يكون لوزير العدل حق الإشراف الإداري والمالي والتنظيمي على جميع المحاكم والقضاة...". [ أنظر المواد (11) و (39) و (45) و (54) و (65-66) و (91-92) و (95) و (111) و (118) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1990م].. فهذا النص القانوني  جاء مخالفا للدستور إذ يثبت تبعية القضاء لوزير العدل.. ومن ثم للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

وجدير بالذكر أن هيمنة وسيطرة السلطة التنفيذية على القضاء لم تعد خافية على المواطنين  وغير المواطنين.. والقضاء لم يعد سوى واحداً من الأجهزة التي تخضع للسلطة التنفيذية.. ومن هنا، دون شك، انتقلت جميع سلبيات السلطة التنفيذية وفي مقدمتها الفساد والإفساد واللامبالاة والفوضى والإهمال إلى "القضاء" مما أدى إلى عدم تحقيق العدالة.. ومن ثم فقد القضاء هيبته ولم يبقَ له سوى الشعار الذي ترفعه السلطة التنفيذية .

والسؤال الهام الذي يقلق الجميع: كيف يمكن للقضاء استعادة عافيـته وهيبتـه في غياب استقلاليته الكاملة وغياب آلية فاعلة لتنفيذ أحكامه؟ إن ذلك لا يمكن مطلقاً في غياب إصلاحات شاملة وعميقة وفي مقدمتها الإصلاح السياسي الفعلي.

الإصلاح الاقتصادي:

         لقد سبق وطرحنا رؤيتنا حول هذه القضية الهامة.. وباختصار شديد فإن مقومات النمو والنهضة الاقتصادية موجودة في بلادنا بما يفوق وجودها وتنوعها في بلدان قد استطاع أهلها تحقيق النهوض الاقتصادي والتنمية المضطردة وسبقونا بمراحل كبيرة.. ومنها سنغافورة وهونج كونج وماليزيا وكوريا ودبي وغيرها.. إن أيّاً من هذه المواقع لا يملك ما نملكه من تنوع لمقومات النهوض.. والشئ الوحيد الذي امتلكوه ولم نمتلكه بعد هو أنظمة الحكم والتعليم وأنظمة الإدارة التي عملت لخدمة أوطانها وحققت لشعوبها مناخات التطور والإبداع وسخرت عقولها ومداركها وكفاءتها لبناء أوطانها.

أهم المقومات التي نملكها:-

1-            الثروة البشرية العاملة والقابلة للتأهل علميا وتقنيا ومهاريا.

2-            المناخ المتنوع.

3-            المساحة الزراعية التي تستوعب زراعتها منتجات زراعية متعددة.

4-            الثروة السمكية الهائلة، التي يتم العبث بها ونهبها وتدميرها.

5-            الموقع الذي لا مثيل له تجاريا في المنطقة بل والعالم.

6-            الثروة النفطية والمعدنية المهدرة عوائدها والتي تُنهب و تتآكل بفعل الفساد.

7-            رؤوس الأموال الكبيرة التي يملكها مواطنونا في الخارج والتي يمكن أن تؤدي دوراً هاماً في التنمية لو وجدت مناخاً جاذباً.

8-            الكفاءات والخبرات الإدارية والعلمية العالية التي يمكن أن تشكل عنصراً دافعاً للتنمية لولا المناخ الطارد في بلادنا.

9-            تحويلات المغتربين من العملة الصعبة التي تشكل ما لا يقل عن 25% من الدخل من العملة الصعبة.

10-          الدور الهام لبلادنا –بحكم موقعها الإستراتيجي– في المنطقة والعالم والذي يمكن أن يشكِّل عاملاً هاماً للأمن والاستقرار وجاذباً للاستثمارات ولتبادل المصالح مع الآخرين.

وللأسف ضاعت عقود من عمر شعبنا وأنظمة حكمه إما لا تدرك مقومات النهوض الاقتصادي أو أنها انشغلت وأشْغَلَت بالصراعات على السلطة و بتأمين البقاء في السلطة.. وبإفقار مواطنيها لينشغل الناس بتأمين معيشتهم.. فيما تنهب مؤسسات الفساد والإفساد ورموزه ثروات البر والبحر والشجر والحجر وتذل البشر.

الإصلاح الاقتصادي (الجاري) الخارب

بدأت ما سميت بعملية الإصلاح الاقتصادي منذ حوالي ثمان سنوات.. واقتصرت على:-

1-            خطط على الورق لم ينفذ منها إلا جزئيا ماهو شكلي رغم أهميته وهو محاولات التصحيح الهيكلي.

2-            أرقام عن معدلات تنمية على الورق يدحضها استمرار انهيار مستوى المعيشة.

3-            مظلة اجتماعية للفقر والفقراء تم تخصيص مئات الملايين من الدولارات لها ، من مساعدات الدول المانحة، ويذهب معظمها إلى بالوعات الفساد منذ العام1997م ولم يذهب منها لما خُصص له إلا 30-40%.. ويظل الفقير يعاني بصورة أشد.

4-            إعلان مناطق حرة نتيجته تزاحم المستثمرين ،الراغبين في الإسهام في بناء المناطق الحرة والاستفادة والإفادة، ثم تزاحمهم للهروب بجلودهم بعد أن عذبتهم الإجراءات الإدارية المتخلفة والأتاوات المفروضة وفرض الشراكة ،للرموز المتنفذة وأبنائهم، في شركات المستثمرين.. وبناء عليه انخفض عدد السفن التي تزور موانئنا.. وجاءت أحداث المدمرة "كول" والناقلة الفرنسية ليجد النظام المُبرِّر والشماعة بينما حدث عند غيرنا حوادث أسوأ ومع ذلك كان تاثيرها محدوداً حجماً وزمناً.. أما نحن فقد أصبحت "كول" مثل آل حميد الدين والسلاطين والاستعمار والتشطير وحرب1994م، وأضيف إلى القائمة "مرَّان" والحوثي، ذرائع وهمية إضافية لما نحن فيه نتيجة لسوء إدارة بلادنا ،بالأزمات والفساد.

5-            مشاريع كثيرة منها ما هو وهمي ،عدا بعض الطرق والاتصالات الهاتفية التي كلفت بلادنا أضعاف ما كلَّفت غيرنا مثيلاتها.

6-            من نتائج التصحيح الهيكلي.. انتشار لم تشهده بلادنا للفساد في كل الهياكل وبصورة علنية شبه رسمية حتى أن الشركات تتندر به وبرموزه الذين يطلبون ذلك علنا ويتابعون الدفع عبر التلفون مع بنوكهم في الخارج ومع مسئولي الشركات.. بل إنه أصبح من الطبيعي أن يقضي كبار رجال الدولة إجازاتهم على حساب الشركات في أوروبا وشرق آسيا وبصورة علنية يعلمها الجميع..وممارسة الشفافية في بلادنا لا وجود لها إلا في الفساد والإفساد ونشر الفتن وتمويلها.

7-            تفشي للبطالة بلا معالجات.

وما يجري باختصار هو تخريب اقتصادي شامل ونهب علني.. وما يفيض من دخول نتيجة لعوائد النفط التي تضاعفت بارتفاع الأسعار يبتكر لها الفساد وأهله منافذ لنهبها عبر ملحقات يتم تقديمها إلى مجلس النواب مباشرة بعد إقرار الميزانية تحت مسمى "مواجهة حاجات ملحة" - قد تم صرفها في الأشهر السابقة لإقرار كل ميزانية- بمخالفة صريحة للقانون وبشفافية نهب علني وبقانون!! والعجيب أن تلك اإضافات بلغت قيمتها حوالي 30%من مبلغ نفقات الدولة لميزانية 2005م و25% من مبلغ نفقات الدولة لميزانية 2004م  و20% منها لميزانية2003م..وهو أمر وابتكار لم تسبقنا إليه أكثر بلدان الدنيا فساداً..والغريب أن من تلك "الحاجات الملحة" ،التي تم صرفها، قطع غيار لمحطة كهرباء لم يتم استلامها وتشغيلها بعد!!.

وما نحن بحاجة إليه هو إصلاح اقتصادي وإداري ومالي ونقدي شامل يشمل الهياكل والتصحيح للأنظمة الإدارية والضبط والإصلاح المالي والنقدي.. كما يشمل نظام دقيق للمتابعة والمحاسبة..

إننا في عهد الشباك الواحد لإنهاء المعاملات وفي عهد المعلومات والتقنيات الحديثة.. ولن نستطيع أن ندخل بوابة هذا العصر بمفاتيح العملية الاقتصادية القائمة في بلادنا اليوم التي لا تصلح إلا لأبواب الفساد والإفساد..

وكل هذا لا يمكن أن يتم في ظل غياب إصلاح سياسي شامل وعميق.

     مؤشـرات الاخــتلالات الاقتصادية وأثرها والتي تعكسها الحقائق والأرقام

مايلي مؤشرات لبعض الاختلالات الموثقة والبحوث والدراسات المنشورة. على أن ما لا ينشر وما يتم التستر عليه هو المتعلق بالجوانب الأكثر قتامة وفسادأ وتسيباً. وآثرنا أن نقدم بعض المؤشرات لبعض آثارها على الاقتصاد وعلى معيشة الإنسان في بلادنا.     

   البطالة:

بطالة مقنعة في كافة مؤسسات الدولة ومرافقها  تتزامن معها ظاهرة الازدواج الوظيفي المريع وكمثال ما قاله العميد ركن علي محمد الكحلاني مدير عام المؤسسة الاقتصادية اليمنية رئيس مجلس إدارة الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية (يدكو) للجنة من مجلس النواب إلتقته يوم الأحد 4/7/2004م:" إنه يوجد حوالي ستمائة موظف في الشركة وما تحتاجه الشركة حوالي مائتين فقط ومعنى هذا أن الباقي حوالي أربعمائة موظف هم فائض (هذا العدد يشمل الموظفين الثابتين والمتعاقدين) وهذا بناءً على تقرير لجنة مشكلة من كلاً من وزارة الخدمة المدنية والهيئة العامة للمعاشات."( ويقاس على هذه الحقيقة مايجري في باقي المؤسسات).

أرقام رسمـــية:

-              نسبة السكان الذين يقل دخلهم عن 2دولار في اليوم تبلغ 47% .

-              معدل الالتحاق الصافي للأطفال في الفئة العمرية 6-14سنة لايتجاوز60% أي أن 2مليون طفل خارج نظام التعليم.

-              معدل التغطية الصحية للسكان لا تتجاوز 50% ونسبة الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية تصل إلى 46% وكما أن معدل وفيات الأطفال تبلغ 97 لكل 1000مولود.

-              نسبة السكان الذين لايحصلون على مياه مأمونة للشرب تصل إلى 64%.

-              تغطية الكهرباء في الريف لاتتجاوز 30% ومن يحصلون على مياه مأمونة للشرب حوالي20% وتشكل الطرق الإسفلتية حوالي9% من إجمالي الطرق.

من حديث  (باجمال للاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى  في  2004م..)

 

مقتطفات من (التقرير الاستراتيجي اليمني عن عام 2003 ) الصادر عن المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية (يرأسه أ.د. محمد أحمد الأفندي):

-              مرت أكثر من ثمان سنوات على بدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري.. إلا أن الملاحظ أنه وبعد مرور هذه السنوات الصعبة من عمر اليمن الاقتصادي فإن الإنجازات الاقتصادية المتحققة من البرامج الاقتصادية والسياسات والإجراءات المتبعة لم تأت ثمارها، بعد بالصورة التي كان يتوقعها المواطنون، فالحرمان والفاقة تزداد يوماً بعد آخر، والموازين الاقتصادية المختلة لاتزال في وضع متدهور لايشجع على التفاؤل بمستقبل اقتصادي جيد لليمن.

-              تضاؤل فرصة اليمن في الحصول على عضوية مجلس التعاون الخليجي ، ومن ثم تدني فرصة اندماج الاقتصاد اليمني في إطار تكتل اقتصادي يساعده على الخروج من مشاكله الاقتصادية ويساعده على النهوض والتقدم.

-              ومن خلال متابعة المؤشرات الاقتصادية الخاصة بمستويات الاستهلاك والادخار والاستثمار بلاحظ أن:

[أ]            وصول معدلات الاستهلاك إلى مستويات مرتفعة جداً من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث بلغت نسبة الاستهلاك الكلي إلى الناتج المحلي خلال العام 2003م حوالي 83.3% و 84% عام 2002م مقارنة بـ72% فقط من الناتج المحلي عام2000م.

[ب]         تراجع الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 19.2% عام 2000م إلى 16.9% عام 2003م.

[جـ]         تراجع نسبة الادخار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 2.43% عام 2001م إلى 2.7% عام 2003م.

ومن خلال قراءة المؤشرات السابقة المتضمنة نسبة كل من الاستهلاك والاستثمار والادخار القومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، يمكن القول أن هناك مشكلة حقيقية يواجهها الاقتصاد اليمني تتمثل في إخفاقه في حشد الموارد المحلية وتسخيرها لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، حيث تشير البيانات إلى ارتفاع معدلات الاستهلاك داخل الاقتصاد الوطني على حساب معدلات الادخار والاستثمار.

 [د]          بلغ الناتج المحلي الإجمالي في العام 2003  بالأسعار الجارية حوالي 1959 مليار ريال (مابعادل10,6 مليار دولار) وبذلك يكون الناتج المحلي الإجمالي قد سجل معدل نمو يصل إلى , 8,3% وهو معدل متدن مقارنة بمعدلات النمو المتحققة خلال السنوات الأخيرة من عقد التسعينات وبالأخص بعد سلسلة طويلة من الإصلاحات الاقتصادي التي امتدت لثمان سنوات.

[هـ]          يلاحظ أن الفائض في الميزان التجاري لليمني يتراجع حيث كان في العام 2000م حوالي 284مليار ريال تراجع إلى 153مليار ريال عام 2001م ثم 73مليار ريال عام2002م.

[و]           النفط الخام يهيمن على صادرات اليمن وبنسبة تفوق 92% من إجمالي الصادرات باستمرار.

[ز]           لاتزال اليمن غير قادرة على الوفاء بالشروط اللازمة لإنجاح الاستفادة من المنح والمساعدات وعلى رأسها عدم وجود مجتمع مدني نشيط وفعال يسهم في تحسين الأداء الحكومي، فضلاً عن حسن إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية الاستغلال الأمثل حتى يمكن الوصول بالاقتصاد اليمني إلى مرحلة النمو الذاتي. إضافة إلى ذلك تشير المؤشرات إلى سوء استخدام القروض ممايزيد العبء الاقتصادي للقروض ويقلل من آثارها المرجوة بصورة إيجابية.

[ح]          عند دراسة مؤشرات التبادل التجاري بين اليمن والدول الخليجية، ومن خلال تتبع الإحصاءات الرسمية، يلاحظ غلبة الواردات اليمنية من الدول الخليجية على حجم صادراتها وبالتالي اختلال الميزان التجاري وبصورة كبيرة لصالح الدول الخليجية الأمر الذي يؤكد أن اليمن تعتبر امتداداً للسوق المحلية الخليجية.

بحوث ودراسات أكاديمية:

1- قيود على الاستثمار في الجمهورية اليمنية:

تناولت دراسة القيود البديلة على الاستثمار: قيد المدخرات المحلية وقيد النقد الأجنبي، موضوعها الدقيق من خلال أربعة فصول، عالج الفصل الأول الإطار النظري للدراسة، وعالج الفصل الثاني تطور هيكل الاستثمار الإجمالي في الجمهورية اليمنية، وخصص الفصل الثالث لدراسة تطور هيكل المدخرات الإجمالية فيما تم تركيز الفصلين الثاني والثالث على مكونات الاختلال الداخلي باعتبارها السبب في وجود اختلالات أخرى، وتطرق الفصل الرابع إلى تحديد القيد الفعال على الاستثمار والنمو: قيد المدخرات أو قيد النقد الأجنبي أو القيد المالي. وتوضح الدراسة التي هي أطروحة دكتوراه للباحث/ أمين محمد محي الدين ـ جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية: أن أسباب وجود مدخرات محلية سالبة في الاقتصاد اليمني هي انخفاض متوسط دخل الفرد، وارتفاع معدل الإعالة، وارتفاع الميل الحدي لاستهلاك الأسر الريفية بسبب زيادة التحويلات الخاصة إليهم، وارتفاع نسبة مساهمة القطاعات غير السلعية بالنسبة للقطاعات السلعية في الناتج المحلي الإجمالي، ووجود طاقات إنتاجية عاطلة في القطاع الصناعي، واتباع سياسة الإحلال محل الواردات بما تتضمنه من عوامل كامنة تؤدي إلى رفع معدل الاستهلاك وزيادة حيازة الأصول العينية في شكل عقارات وأراضي وتحسينات نوعية في إصلاح الأراضي.. وأظهرت الدراسة أن فجوة التجارة كانت هي القيد الحاكم للاستثمار والنمو.

2-            تقييم استراتيجيات وبرامج التسويق السياحي:

تناقش الدراسة المؤشرات التي تدل على القصور الشديد في مجال السياحة والتسويق السياحي في اليمن ومن أهمها: قلة عدد السائحين القادمين إلى اليمن بالمقارنة بعدد السائحين القادمين إلى الدول العربية والانخفاض الشديد في نصيب اليمن من إجمالي عدد السائحين القادمين إلى المنطقة وتقول الدراسة المقدمة من الباحث عبد الكريم محمد الدعيس المدرس المساعد بقسم إدارة الأعمال كلية التجارة والاقتصاد جامعة صنعاء للحصول على درجة العالمية (دكتوراه الفلسفة) في إدارة الأعمال جامعة الأزهر.

إن نصيب اليمن بالمقارنة بنصيب الدول العربية لم يتجاوز في أحسن حالاته نسبة 0.6%. ومن المؤشرات أيضاً قلة الدخل السياحي للبلاد وتذبذب معدل نموه السنوي وضآلة نسبته من الدخل القومي ومن إجمالي صادرات البلاد، وكذا انخفاض مستوى الخدمات السياحية في البلاد وتدهورها وافتقار بعض المناطق ذات الجذب السياحي لتلك الخدمات مثل خدمات الإيواء والمطاعم ووسائل النقل والإرشاد بالإضافة إلى قلة عدد المنشآت السياحية في اليمن عموماً بحيث لا يزيد عدد فنادق الدرجة الأولى عن (6) وفنادق الدرجة الثانية عن (15) فندقاً فقط في جميع أنحاء البلاد.

 وتمضي الدراسة للقول: يعاني الواقع السياحي اليمني من قلة عدد الليالي السياحية وانخفاض مدة بقاء السائح ومتوسط إنفاقه، أيضاً قلة عدد العاملين في النشاط السياحي بحيث لا يزيد إجمالي العاملين في القطاع السياحي عن (12136) عاملاً، أضف إلى ذلك تواضع الاستثمار في المجال السياحي، وعدم وجود مكاتب للترويج.

3- تسويق الأسماك في الجمهورية اليمنية:

ترى الدراسة تبايناً واضحاً في مستوى الصيد تبعاً لاختلاف وسائل الصيد المستعملة ومناطق الصيد وبالعوامل الإنتاجية الأخرى (تكنولوجية، إدارية، اقتصادية) والتي تستعمل بمقادير غير اقتصادية وتؤدي إلى هدر في استعمال الموارد. وعدم كفاءته في الإنتاج وارتفاع تكاليفه، ومن ثم انخفاض صافي الربح أو حدوث خسارة في بعض الأحيان. وباستفاضة تدرس هذه الأطروحة المقدمة إلى مجلس كلية الزراعة ـ جامعة بغداد من الباحث علي مهيوب ناجي الفقيه ـ وهي جزء من متطلبات درجة دكتوراه "فلسفة في الاقتصاد الزراعي": ضعف المعلومات التسويقية عن الأسواق المحلية والخارجية لدى الصيادين والوسطاء مما يعطي بعض الجهات قوة احتكارية في مواسم الذروة في الصيد والتسويق بسبب زيادة العرض وحدوث الاختناقات التسويقية وانخفاض الأسعار وارتفاع الهوامش التسويقية وانخفاض نصيب الصيادين من ريال المستهلك النهائي. ولاحظت الدراسة ضعف دور القطاع العام والتعاوني في العملية التسويقية فضلاً عن انخفاض كفاءة أداء الوظائف التسويقية المختلفة كالنقل والتخزين والتعبئة.

ملحوظة هامة:

في التقرير الصادر مؤخراً عن الجهاز المركزي للإحصاء يذكر أن صادرات الأسماك والأحياء المائية لعام 2003 بلغت 228116 طن بقيمة قدرها 6.380506 ريال!!(أقل من 28ريال للطن) وهذا رقم إما أن فيه خطأ أو نُقل خطأ أو أن خللاً فادحاً في إدارة تسويق ورعاية الثروة السمكية الضخمة والهامة في بلادنا. بل حتى لو كان الرقم بالدولار فإنه زهيد جداً ويساوي أقل من 28 دولاراً للطن أو أقل من 3 سنت للكيلوجراما في حين أن سعر أرخص الأنواع يساوي أكثرمن مئة ضعف هذا السعر إن افترضنا أن قيمة الصادر بالدولار أما إن كان ،كما نُشر، بالريال اليمني فإنه يساوي أكثر من 18 ألف ضعف(ثمانية عشر ألف ضعف)!! كيف ومعظم ما يتم تصديره من أسماك يعتبر من أجود وأغلى الأنواع عالمياً. بل لو كان الرقم المنشور ستين مليون دولاراً بدلاً عن ستة مليون لبقي الفرق مهولاً.!!

عقدان من الزمن على إنتاج النفط في اليمن: الثروة النفطية.. مغالطات ومستقبل يكتنفه الغموض

15/10/2004     الصحوة نت - خاص - تقرير: مصطفى نصر

"مرور عقدين من الزمن على إنتاج أول شحنة نفطية يمنية كان فرصة لاحتفال الحكومة ومعها شركة هنت في حوض مأرب الجوف الأربعاء الماضي ، إلا أن مشاعر المواطنين تختلف في النظر لهذه النقلة التي كانوا ينظرون إليها بتفاؤل. النفط في اليمن يشكل حوالي 70% من موازنة الدولة السنوية، ومع ذلك لا يزال الأكثر حظا من الإشاعات سواء في الكميات التي تقتطع لذوي النفوذ أو الفضائح النفطية التي ظهرت إلى السطح مؤخرا وبقوة .

إن عقدين نفطيين لليمن يستحقان منا أن نتوقف لحظة لنتساءل هل استغلت اليمن ثروتها النفطية كما ينبغي؟ وماهي الأسرار التي تكتنف هذه الثرة الجوفية.                    

" من حيث المبدأ لا نستطيع القول أن النفط لم ينعكس بشكل إيجابي على أوضاع البلاد " يقول ذلك النائب البرلماني على عشال عضو لجنة التنمية والنفط في مجلس النواب لكنه يتساءل هل تمت الاستفادة الحقيقية فعلاً بما يوحي أننا استخدمناه استخداما أمثل؟ إنها فكرة قابلة للنقاش . النائب عشال يقول لـ «الصحوة نت »: رغم أن النفط يشكل 68-70% من حجم الإيراد العام لموازنة الدولة إلا انه إلى حد كبير لا يدار هذا المورد إدارة صحيحة لاعتبارات عدة ومنطلق هذا القول مبني على عدة حقائق أصبحت معلومة للجميع، فالاتفاقيات مع الشركات توصم بأنها سيئة ومن أردأ الاتفاقيات المتعارف عليها دولياً لأنها في الحقيقة لا تتمتع بشفافية. كما أن التسويق للقطاعات النفطية مسألة يكتنفها الكثير من الغموض، فعرض القطاعات النفطية لا يتم من خلال منافسة للحصول على أكبر مردود وإنما بالاتفاق المباشر مع طرف دون آخر.                                                            

ويضيف عضو لجنة التنمية والنفط: للأسف لا توجد إدارة رشيدة في متابعة ومراقبة العمليات النفطية للشركات التي تتمتع بالامتيازات النفطية وإنما تهدر الكثير من الموارد من قبل هذه الشركات وتحمل على نفط الكلفة الذي يستقطع بدرجة أساسية من عوائد البلاد وللأسف الشديد أن هذا العبث يحدث بتواطؤ من أطراف داخلية، ولك أن تتصور أننا ونحن بعد عقدين من إنتاج النفط لا نمتلك شركة وطنية يمكن أن تصبح هي المشغل الوطني لقطاعاتنا النفطية وتؤول إليها إدارة هذه القطاعات بعد انتهاء فترة الامتياز للمقاولين، بينما في دولة مثل ماليزيا تنتج كمية متقاربة مع ما ننتجه من النفط. أصبحت شركة بتروناس الوطنية من كبرى الشركات العالمية التي تشتغل في بلدان كثيرة في العالم حتى نحن في اليمن جاءت إلينا.                                 

أرقام وهمية:

تتهم وزارة النفط  بأنها ليست شفافة، ويؤكد على عشال: أن القطاع النفطي يكتنفه كثير من الغموض حتى مسألة تسويق النفط تثار حولها علامات الاستفهام، كيف يشحن النفط؟ وما هي الأسعار التي يقدر بها؟، وهل نفطنا يقارب في أسعاره عند البيع خام برنت؟ هذه مسائل بحاجة إلى إجابات تزيل اللبس؟! ويضيف: إن ما أثير من فضائح نفطية مؤخراً كان أبرزها صفقة بيع النفط في القطاع 53 في حضرموت غيض من فيض، و الحقيقة أن حجم غياب الرقابة على هذا القطاع تعكس غياب العمل المؤسسي في البلد، لا يوجد تراكم  لعمل مؤسسي منضبط وأجواء مفتوحة لممارسة الدور الرقابي وبالتالي نحن في بداية إرسائنا لأعراف في الحياة السياسية لتنمية تتبع لمؤسسة مثل مجلس النواب أن تضطلع بدور رقابي. يعتقد العديد من المتابعين لشؤون النفط انه إذا تمت إدارة قطاع النفط سنحصل على زيادة بمقدار 50% مما نتحصل عليه سنوياً. بمعنى أن 50% من حجم النفط تهدر بسبب الفساد المتفشي في هذا القطاع. يتهم عشال وزارة النفط بالمغالطة ويقول: كل هذه الحسابات التي تقدمها مبنية على جملة من المغالطات، ومن خلال اطلاعنا نجد أرقاما متناقضة توحي أننا أمام سياسات نهجها المغالطة، وبالتالي تشكك في كثير من الأرقام حتى وان سلمنا بها لعدم امتلاكنا بديل لها، وهذا ليس تجنيا وإنما هو جزء من التناقض والتلاعب بالأرقام.                                          

ويدلل على ذلك بالقول إن فوارق أسعار النفط كان قد أوصى مجلس النواب أكثر من مرة أن تورد إلى حساب خاص لمراقبة هذا المورد، لكن للأسف تأتي الحكومة باعتمادات إضافية لا تعكس فوارق الأسعار، إذا لماذا ترمي الحكومة بهذه التوصية عرض الحائط ونفاجأ باعتمادات إضافية لموازنات تحقق وفور.                             

نفتقر للإدارة الرشيدة:                                                

الخبير الاقتصادي الدكتور سعد الدين بن طالب يستعيد في ذكرى إنتاج النفط مراحل تاريخية معينة، يقول في تصريح لـ «الصحوة»: اليمن تعيش في الجزيرة العربية التي تنتج معظم دولها كميات نفط كبيرة مع عدد قليل من السكان، و كان الحلم يراود اليمنيين قبل الوحدة باكتشاف النفط حتى تلحق بالدول المجاورة، وفعلاً كانت الآمال كبيرة معلقة على اكتشاف النفط في حوض مأرب في بداية الثمانينيات وفي نهاية الثمانينيات في حوض المسيلة في الجنوب.                                     

ويعتقد بن طالب انه ربما يكون اكتشاف النفط له دور أساسي في تحقيق الوحدة اليمنية، ويضيف: بعد الوحدة كانت حكومة العطاس تصرح بأنها عند منتصف التسعينيات ستصدر اليمن 2 مليون برميل، فتبع ذلك تصاعد كبير في الآمال لأن تكون اليمن دولة نفطية وتحل بذلك مشاكلها الاقتصادية وتحقق طموحات الدولة الموحدة الجديدة. ومع مرور السنوات اتضح أن كميات النفط التي أمكن اكتشافها قليلة ولا تتجاوز احتياطها 3 مليار برميل، وكان ذلك واضحاً منذ منتصف التسعينيات. ونفس الانتكاسة في الطموح حدثت لعدم قدرة اليمن مع شركائها في استغلال الغاز المكتشف وتلازم مع ذلك آثار حرب الخليج الأولى التي بسببها عاد كثير من المغتربين من دول الجوار وهم مصدر كبير للعملة الأجنبية في اليمن.ومنذ منتصف التسعينيات تعاقدت اليمن مع المانحين الدوليين على برنامج إصلاح اقتصادي كان يفترض أن يؤدي إلى تحرر الاقتصاد اليمني وجلب استثمارات خاصة كبيرة، وللأسف اتضح بعد ما يقرب من عشر سنوات أن ذلك لم يتحقق.                                                                        

وفي ظل هذه الانتكاسات الاقتصادية هناك معدل نمو سكاني مرتفع جداً يتجاوز 3.5% سنوياً واليوم يتضح لنا بأنه لم يتبق من ذلك الاحتياط النفطي إلا مليار و 300 مليون برميل فقط، مما يعني أنه بمعدلات الإنتاج الحالية سينضب النفط اليمني بحلول عام 2012م، أي بعد ثمان سنوات إذا لم يكن هناك اكتشافات جديدة كبيرة الحجم" .                                               

النائب البرلماني السابق سعد الدين بن طالب يقول: إن اليمن يواجه في الظروف الاقتصادية الحالية تحديات كبيرة جداً مما يشير بأن اليمن دخلت الحقبة النفطية وستخرج منها دون أن تحقق للشعب اليمني أي استفادة حقيقية من هذه الثروة حتى الآن لم نستغل الثروة استغلالا حقيقيا لأننا لم نحقق بها أي نسبة تحفيز تجلب الاستثمار وإن وجود الثروة النفطية مهما بلغت في حجمها بدون إدارة رشيدة في مردودها لا تؤدي إلى تراكم الثروة بيد الشعب، فالثروة الحقيقية هي أن يتحول الشعب إلى شعب منتج وكان يجب على الدولة أن توفر ما يسهل هذا التحول كالبنية التحتية والكفاءة البشرية والبنية التشريعية والإدارية". ويؤكد بن طالب: لا توجد إدارة رشيدة، ويدلل على ذلك بالحالة الاقتصادية التي نحن عليها اليوم وعدم وجود قوة إنتاجية حقيقية خارج النفط .                      

وحول الأسرار التي تكتنف هذا القطاع قال: الشعب في عمومه ليس لديه معلومات واضحة عن كميات الإنتاج، بل لا تزال قطاعات واسعة تعلق آمالا كبيرة على مستقبلنا النفطي، ويقابل ذلك من الحكومة بعدم الوضوح بكميات الإنتاج أو بأسعار البيع حتى أن هناك تحايلا كبيرا في موازنة الدولة لتسعيرة النفط بأقل من سعره الحقيقي في السوق، مما يؤدي إلى تراكم أموال لم يكن معمول حسابها في ميزانية الدولة ويتم التصرف بها خارج الموازنة أو بالاعتماد الإضافي.                            

أما فيما يخص الغاز فكان أقل ما يمكن عمله منذ سنوات طويلة هو أن تستغل في توليد طاقة كهربائية رخيصة يستفيد منها قطاع الزراعة والصناعة وتخفف من معانات المواطن من التكلفة العالية للكهرباء.                                                          

نضوب النفط:                                                               

يلخص الدكتور سعد الدين رؤيته بالقول: إن احتياط النفط في بلادنا والذي يمثل الإيراد الرئيسي لموازنة الدولة في طريقه إلى التقلص والنضوب، خلال ثمان سنوات وفقاً لأحدث تقرير للبنك الدولي، وللأسف لم يظهر لنا حتى الآن أن الدولة قد فكرت وخططت للبديل، وهذا أمر يصيب بالفزع لدى العارفين بالأمر. وإني أرى أنه لا حل لهذه الكارثة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلا بوجود حكم رشيد بكل ما يحمل من ذلك جوانب. ويؤسفني أن اقول ان هناك تراجعا في تحقيق شروط الحكم الرشيد وبالذات في مسألة غياب المساءلة مما أدى إلى تفشي الفساد بصورة كبيرة. وتمني ان تؤخذ هذه المسألة مأخذ الجد وأن تناقش على كافة المستويات مناقشة جادة وعلمية لأنه لم يبق لدينا وقت طويل   للتحايل على إصلاح أنفسنا".

 البنك الدولي يحذر من فشل تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية

Tuesday, October 12/2004                                            

الموضوع: اقتصاد

رأي نيوز- متابعات/ حذر البنك الدولي الحكومة اليمنية من فشل تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية اذا لم تلتزم السلطات بتنفيذ البرنامج وفق ما اتفق عليه وترفع من مستوى ادائها. وأشار تقرير أعده البنك الشهر الماضي سلم لليمن أن اقتصاد البلاد يواجه تهديدات حقيقية ولا أمل للحكومة اليمنية في استمرار الدعم في ظل غياب الإصلاحات الأمر الذي جعل الحكومة تقدم على طرح إصلاحات جديدة أمام البرلمان بغرض رفع أسعار المشتقات النفطية تم رفضها بإجماع النواب ليعززوا موقف البنك الدولي في قوله إن الحكومة لم تنجح في تنفيذ برنامج الإصلاحات. ورصد البنك الدولي ما أسماه إخفاقات خطيرة في تحقيق الإصلاحات إذ عجزت الحكومة عن انتهاز فرصة ارتفاع أسعار النفط العالمية للمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والتمهيد لتأمينات تنموية تقوم على موارد غير نفطية.وأعاد التقرير أسباب ذلك العجز إلى الحرب على الإرهاب والانخفاض غير المتوقع في إنتاج النفط حيث شهد هذا الجانب تدهوراً كبيراً منذ فبراير الماضي الأمر الذي فجر مخاوف من استنفاد الاحتياطي النفطي الذي سيستمر لقرابة العقد. وقال التقرير الذي جاء بعد أيام من انتقادات حادة وجهها مدير مكتب البنك الدولي في اليمن إن التطور الذي كان متوقع الحدوث قد افسد في الستة أشهر الماضية بسبب الإدارة الاقتصادية الضعيفة والإصلاحات المنهارة والمردود النفطي السلبي. ووصف التقرير السياسة الحكومية بأنها اقل من معدل النمو السكاني وأنها ترافقت مع هبوط إنتاج النفط وتضاعف التضخم المالي حتى بلغ التضخم نسبة 13% وكان العجز المالي 0,6% في الأشهر الماضية من العام الجاري.وأظهر التقرير أن التباطؤ في النمو بدأ منذ عام 2001 أي الفترة التي تولى خلالها رئيس الوزراء الحالي عبدالقادر باجمال مسئولية الحكومة وان معدل مستوى دخل الفرد تأثر بفعل ذلك ويستمر ذلك خلال السنوات التسع المقبلة. وأضاف إن الصادرات اليمنية من غير المنتجات النفطية انخفضت في العام الماضي بنسبة 13% وفي العام الحالي وصلت الى 19%، وفيما يخص الإصلاحات في قطاع الخدمة المدنية قال إنها غير مرضية أبداً لأن الحكومة أقرت زيادة مرتبات الموظفين وأهملت الجوانب الأخرى خصوصاً الاستثمارات، إذ لا يتجاوز معدل الاستثمارات في القطاع الخاص 13%.

الفاو: أكثر من 9 ملايين يمني يعيشون غير آمنين غذائياً وشبوة تحتل الصدارة

Wednesday, October 13/2004                                              

الموضوع : اقتصاد 

 كشفت منظمة الأغذية والزراعة الفاو أن ما يقارب من 48%  من الأسر المعيشية في اليمن تعاني من حالة انعدام الأمن الغذائي وهي غير آمنة غذائياً بصورة عامة فيما يقع 21.7% من اليمنيين في صورة مؤكدة داخل خانة الغير آمنين غذائياً.

وبحسب النتائج الأولية لمسح مشروع الأمن الغذائي (FIVIMS) الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء على عينة شملت 112413 أسرة معيشية خلال شهر يونيو 2003 ضمن أنشطة التعداد الزراعي الأول من خلال أخذ بيانات 84944 أسرة معيشية وزراعية و27469 أسرة غير زراعية من كافة محافظات الجمهورية بما فيها أمانة العاصمة، وجد أن ما يقارب من تسعة ملايين يمني يعيشون ضمن أسر معيشية يمنية كانوا غير قادرين على تناول غذائهم المعتاد في أحد الأوقات خلال السنة السابقة للمسح أي عام 2002م كما أن نسبة انعدام الأمن الغذائي كانت أعلى في محافظة شبوة وبنسبة 85.6% يليها صعده بنسبة 69.8% وحجه بنسبة 66.2% ثم إب بنسبة 60.2% فالحديدة45.5%والمهرة50.4%.

وأشارت النتائج إلى أن هناك ما يقارب من 3.9 مليون فرد في حوالي 527 ألف أسرة وبنسبة 21.7% من الأسر اليمنية باتوا يعيشون في حالة أسمتها غير الآمنة غذائياً إذ وجد أن 13.8% من تلك النسبة للأسر أصبحت تفوت أحدى الوجبات في أحد الأيام خلال العام السابق للمسح وتندرج تحت الوصف غير آمنة غذائياً مع جوع معتدل بينما 7.9% من الأسر المعيشية يمكن وصفها بأنه غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع الشديد أي أنها لا تتناول الطعام ليوم كامل أحياناً لعدم توفره وبلغة الأرقام قالت النتائج الأولية أن 335.500 أسرة معيشية تعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع المعتدل مقابل 91.700 أسرة معيشية غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع الشديد وبالنسبة للأفراد فهناك 205 مليون يمني يعيشون ضمن أسر معيشية غير آمنة غذائياً وتعاني من الجوع مشيرة إلى أن انعدام الأمن الغذائي والجوع المعتدل ظهر في محافظة شبوة عند أكثر من ثلث السكان ما يعادل 33.4% إذ قام بعض أعضاء الأسر البالغين بتفويت وجبة معتادة لعدم توفر الطعام ومن المحافظات الأخرى التي ظهر فيها انعدام الأمن الغذائي مع الجوع المعتدل بنسب كبيرة محافظة صعده بنسبة 20.9% من الأسر المعيشية وحجة بنسبة 15.5%  من الأسر المعيشية والحديدة بنسبة 18.9% من الأسر المعيشية والمحويت بنسبة 18.6% أما في حالة انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد فقد ظهرت هذه الحالة بشكل واضح في محافظات صعده بنسبة 19% وحجه 16.5% والجوف 15% في حين تميزت محافظة شبوة التي تعاني من أعلى نسبة انعدام الأمن الغذائي في الجمهورية وبنسبة 43.5% بأن معظم الأسر المعيشية غير الآمنة غذائياً تعاني من الجوع المعتدل وليس الجوع الشديد.

وأضافت: أن أكثر من نصف من يعانون من انعدام الأمن الغذائي موجودون في أربع محافظات هي إب والحديدة وتعز وحجة وجمعت هذه المحافظات 54.1% من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن و 85.1% من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن والجوع المعتدل. فيما شكلت محافظات إب والحديدة وحجة وصعدة المحافظات ذات النسب الأعلى من الأسر المعيشية التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد إذ جمعت 51.6% من الأسر المعيشية التي تعاني الجوع الشديد.

ويعد مشروع الدعم لإنشاء نظام وطني معلوماتي حول انعدام الأمن وعدم الاستقرار الغذائيين في اليمن (FIVIMS) أحد المشاريع الممولة من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ويهدف بشكل رئيسي إلى زيادة الاهتمام على المستوى الوطني وتوجيه الأولوية نحو مشاكل وقضايا انعدام الأمن الغذائي لضمان إدخال تلك القضايا ضمن البرامج والسياسات الوطنية ولتحسين نوعية وكمية ووقتية وإمكانية الاعتماد على البيانات ونتائج التحليل المتعلق بالأمن الغذائي على المستوى الوطني وعلى مستوى المناطق ويمثل مسح انعدام الأمن الغذائي في اليمن خطوة مهمة نحو بناء قاعدة معلوماتية تستطيع من خلالها الحكومة تبني برامج الرقابة على سياسات تخفيف انعدام الأمن الغذائي ومستوى التغذية على المدى الطويل كما تعد اليمن الدولة الأولى على مستوى العالم التي تقوم بتطوير وتنفيذ مسح أسرة حول الأمن الغذائي ضمن برنامج المعلومات حول انعدام وعدم الاستقرار الغذائي (FIVIMS) مما يجعل الفرصة سانحة أمام اليمن للاستفادة من تلك القاعدة لمعلوماتية في توفير قاعدة لقياس أهداف التنمية الألفية (MDGS) فيما يخص محاربة الجوع المزيد من التفاصيل في التقرير الكامل إذا ما أجادت السلطات استثمارها.

وكنا قد طرحنا قبل نهاية عام 2000م الخطوط العريضة لرؤيتنا الاقتصادية.. (مرفقة ص233) الذي جاء في ختامها:

الإصلاح السياسي:

""إن مما لا شك فيه أن تحقيق الأمور سابقة الذكر يتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً من قبل الجميع.  فهو يتعلق بشتى مجالات الاقتصاد ومن خلال ذلك بشتى أفراد المجتمع ومؤسساته.  ولا يمكن لمثل هذه الجهود أن توتي ولو جزءاً من ثمارها ما لم يتوفر لها الإطار العام المناسب والمحفز.

وعليه، فإن أساس هذه الجهود ومحورها الأساسي يتمثل في إصلاح الإطار العام الذي تعمل من خلاله.  ذلك أن هذه الإصلاحات لا يمكن القيام بها بصورة انتقائية، كما أشرنا سابقاً.  كما انه لا يمكن تنفيذها بصورة آلية دون وجود نظرة عامة واستراتيجية تحدد أولوياتها وطبيعتها المرحلية حسب مقتضيات كل مرحلة والإمكانات المحلية والدولية المتوفرة.  كذلك، فإنه لا يمكن تنفيذها بفعالية ما لم تتوفر الشروط البيئية اللازمة لها.

وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات لا تتطلب مجرد تعديل في السياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة في القطاعات المختلفة للاقتصاد، بل تتطلب، كما أوضحنا سابقاً، إدخال تعديل جوهري في التوجه والفكر وأسلوب الإدارة ليمكن معه التكيف مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة والاستفادة منها في معالجة الصعوبات الاقتصادية الكبيرة والمتعددة التي يجابهها اليمن حالياً.

وبناء عليه، فإنه لا يمكن القول بأن الإصلاحات الهيكلية في صورها الضيقة المعمول بها حالياً، أو في أي صور أخرى، ستقود إلى التنمية الحقيقية في اليمن، وخاصة في ضوء أوضاعه الحالية.  فمن ناحية، فإن الإصلاحات المطلوبة هي تلك الإصلاحات الهيكلية الشاملة والمترابطة التي تعالج جميع جوانب الاقتصاد بصورة متسقة.  ومن ناحية أخرى، فإنه ومن أجل تنفيذ هذه الإصلاحات بالصورة اللازمة والمطلوبة، يتعين القيام بداية وقبل كل شيء بالإصلاح السياسي الذي يعتبر شرطاً مسبقاً لنجاح هذه الإصلاحات الهيكلية.

ذلك، أن نجاح هذه الإصلاحيات الهيكلية اللازمة يستدعي إيجاد الإطار العام الذي يتصف بالاستقرار السياسي وهو الأمر الذي يعد، كما أشرنا، من أهم المتطلبات في الدول النامية من أجل ضمان تكاتف جميع أفراد المجتمع ومؤسساته وإيجاد المشاركة الجماعية اللازمة لتحقيق التنمية والاستفادة من فرص النمو الذي يتيحه الإنفتاح في إطار البيئة الدولية الجديدة.  كذلك، فإن الإصلاح السياسي هو الوسيلة الوحيدة لتأسيس البيئة اللازمة المتصفة بالمصداقية والشفافية الكاملة والتي تربط بين جميع الأبعاد سابقة الذكر على أرضية سليمة ومتينة في ظل نظام إداري كفؤ وخال من الفساد ونظام قضائي نزيه وفعال يوفر العدالة والحماية للجميع، وأسلوب إدارة يسمح بالمشاركة الواسعة في صنع القرار.""

ونشير في هذا الصدد إلى ما ورد في إحدى دراسات البنك الدولي من أن "من شأن السماح لجميع أفراد المجتمع بالمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم أن يؤدي إلى زيادة في الشفافية وإلى حسن تصميم السياسات وتوفير الحماية والموانع ضد الفساد وسوء الإدارة".  وفي الواقع، فإن سعي منظومة الحكم إلى إيجاد التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع، من جانب، والقائمين على الإصلاحات في الأجهزة التنفيذية والتشريعة والتشريعية والقضائية والقطاع الخاص، من جانب آخر، في إطار من الشفافية العالية، يمثل الفارق بين المجتمع النشط الساعي إلى تحقيق التنمية والمجتمع الراكد المتصف بالتخلف والفقر.) .

الإصلاح الاجتماعي:

                إن الاختلالات في الشأن الاجتماعي قد شملت كل مفاصله:-

1-            الشأن القبلي.

2-            المرأة وتهميشها.

3-            الفقر ونتائجه السلبية على الجريمة والقيم والأخلاق.

4-            البطالة المرتفعة.. والعمال وضياع حقوقهم والمزارعون والاختلالات في شروط عملهم.

5-            الانتقال من الريف إلى المدن لأسباب معيشية وخدماتية وأمنية.

6-            تدني حاد في الخدمات الصحية وتفشي الوباء الكبدي والفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب وحالات الإيدز.

7-            عدم مواكبة الخدمات الكهربائية ومياه الشرب النقية للاحتياجات في المدن واعتماد معظم الريف على التبرعات للحصول على الخدمات الكهربائية والمائية بلا تنقية.

8-            البيئة وتلوثها، سواحلا، ومجاري طافحة ومزابل.. وغياب لسياسة بيئية حازمة.

9-            تم إنشاء بعض الطرق الهامة ويتم إنشاء الطرق الأخرى بصورة انتقائية.. وفتح المجال لشركات خاصة ،وهذا أمر إيجابي، لإنشاء شبكة اتصال الجوال، وكانت الدولة من وقت مبكر عام 1991م-1992م قد أنشأت تلك الاتصالات في بعض المناطق.

10-          الرعاية المتدنية للمكفوفين والمعاقين من ضحايا الصراعات والأيتام.

11-          ضياع حقوق الأطفال الذين يضطرون للعمل في سن الطفولة مما يعد مخالفاً للشريعة وللمواثيق الدولية لحقوق الطفل.

1- الشأن القبلي:

‌أ)      لقد طغى على كل ما يُطرح حول الشأن القبلي جانب واحد.. وهو جانب الفتن القبلية (الثأر وانتشار الأسلحة).. وهذا تسطيح وتعام؛ بل وإلغاء لكل الجوانب الأخرى مما شكل ظلماً وتشويهاً للشريحة الأكبر من شعبنا، بل وإظهارها وكأنها العائق للتطور والكابح للممارسة الديمقراطية والمسبب لاستمرار التخلف ولتصبح الشماعة الأكبر التي يتذرع بها الرافضون الحقيقيون للتطور والديمقراطية والإصلاحات الشاملة والذين يتكئون في تسويفهم على الصعوبات ،الوهمية، التي يدعون أن الشأن القبلي يشكلها.

‌ب)     وعن معرفة حقيقية وخبرة بهذا الشأن نستطيع أن نجزم بأنه لا يشكل العائق أو الكابح الفعلي للتطور والديمقراطية والإصلاحات الشاملة.. بل إن الذين يتذرعون به هم الذين يشكلون العائق والكابح ويعملون على خلق وعلى تنمية وتشجيع بعض السلبيات لتبدو وكأنها العائق والكابح.

‌ج)    إن الشأن القبلي يتعلق بأكبر شرائح مجتمعنا التي لها ،كباقي الشرائح، سماتها الايجابية والسلبية.. والتي بالإمكان دون  كثير مشقة، تنمية السمات الإيجابية ومعالجة تلك النتوءات السلبية.. وأهمها التالي:-

أولا: الفتن القبلية والثأر

إن أساس نشاة هذه، السمة السلبية الأبرز، هو غياب فعل الدولة الإيجابي أو غياب أدائها لواجباتها في إقامة العدل بين الناس وحماية الحقوق المادية والمعنوية لأفراد وشرائح المجتمع.. وقد مرت بلادنا بمراحل طويلة غابت فيها الدولة وفي تلك المراحل كانت الفتن أقل وكانت تحكمها أعراف وقيم مجتمعية تحد إلى أدنى الحدود من استفحالها واتساعها.. وكان الالتزام بتلك الأعراف والقيم ،التي كانت تقوم مقام القانون في الدول التي تحكم بالقانون، في درجة أعلى من الالتزام  بالقانون في دول كثيرة.. وهذا الالتزام بتلك الأعراف والقيم نابع عن وعي بأنها:

-              الضابط لحركة الحياة وتوازناتها.

-              المؤمّن لحركة الإنسان في الحياة، زراعة ورعياً للماشية، وتنقلاً وتجارة، وتكويناً للأسرة وحفظاً لمكوناتها.

-              المؤمّن لأطفال القبيلة في الدراسة في ما كان متوفراً من كتاتيب.

-              المحقق للعدل بموجب تلك الأعراف والقيم.

                إن هذا الالتزام والانضباط يشكل أحد أهم الأدلة بأن شريحة القبيلة ستكون أول وأكثر المتحمسين للالتزام بالقانون والانضباط للنظام إن وجدت فيه وفي القائمين عليه ما يحقق ما كانت تحققه الأعراف والقيم ،التي كانت قائمة عليها منظومة العلاقات القبلية، من:

- عوامل أمن واستقرار..

- بالإضافة إلى تنمية مناطقهم علماً وثقافة وخدمات.

- تمكيناً لمنسوبي هذه الشريحة من أداء أدوارهم ضمن مكونات ومنظمات وهياكل المجتمع الحديث..

- ووضع حد نهائي لدائرة الثأر وقيام الدولة بملاحقة من يخرق هذا الحد بذاته كفرد وتقديمه إلى العدالة.

لقد أثبتت التجارب ،التي عشناها وعاشها غيرنا من قبلنا، أنه عند قيام الدولة بواجبها بإنزال العقاب العادل بالمعتدي فإن المُعتدَى عليه تَسْكن نفسه ولا يحتاج إلى أن يبادل العدوان بعدوان.

وفي الشطر الجنوبي سابقاً توقف الثأر القبلي في بعض المناطق منذ الثلاثينات وبعضها منذ الخمسينات من القرن الماضي وألغيت جميع المطالبات الثأرية السابقة نتيجة لقيام الأنظمة آنذاك بواجباتها.. وأستمر ذلك الى عام 1990م.. وتم إحياؤه بل وتشجيعه وتمويله سلاحاً ومالاً من متنفذين في السلطة بحيث أصبح أسوأ من أي فترة سادها النظام القبلي وحده.. فقد غا بت الأعراف والقيم السابقة وغا بت الدولة كأداء لواجبها وتحولت إلىإشغال الناس ببعضهم لتثبيت السلطة ولتعميم ذريعة التجاوزات والتسويف في تحقيق ديمقراطية سليمة وإصلاحات شاملة وإلقاء تبعتها ،ظلماً، على القبائل في كل الوطن اليمني

ثانيا: انتشار وتكديس الأسلحة، الخفيفة والمتوسطة وأحيانا الثقيلة، لدى الأفراد والجماعات: لماذا.. ومن أين؟:-

أ‌)   انتشار الفتن القبلية وتشجيعها وتنميتها وتمويلها، سلاحاً ومالاً، من مخازن السلطة والمال العام.. فأصبحت حياة الإنسان معرضة للخطر حتى في العاصمة؛ بل إنها معرضة للخطر في العاصمة بشكل أكبر.. فيتم القتل والتقاتل في وسط العاصمة بجانب معسكراتها الكثيرة وأجهزة أمنها دون أي تدخل منها.. فأصبح كل إنسان يعتقد أنه إن لم يحمِ نفسه ويمتلك أدوات الحماية فإن أحداً لن يحميه.. فأجهزة الدولة العسكرية والأمنية لا تقوم إلا بحماية السلطة وأهلها.

ب‌)   انتشار الفساد الذي شمل كل شيء.. وبالتالي انتشرت المظالم والاعتداءات على الحقوق، المادية والمعنوية، من ممتلكات وأعراض فاضطر الناس إلى الحرص على اقتناء السلاح لحماية أنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم.

ت‌)    تصرف الدولة ،من خلال متنفِّذين، تصاريح استيراد أسلحة بأسماء بعض المتعاملين في تجارة السلاح مقابل مشاركة أهل النفوذ للتجار.. وإن صدرت التصاريح باستيراد السلاح الشخصي إلا أنه يتم ضمنها استيراد أسلحة متوسطة ومتفجرات وألغام وقنابل يدوية وقاذفات...الخ.

ث‌)  البيع العلني لكل أنواع الأسلحة تلك وفي محلات مفتوحة في بعض المناطق.. تحت حماية ورعاية الشركاء من أهل النفوذ.

ج‌)   استيلاء أفراد وجماعات ومتنفذين في السلطة على أسلحة متنوعة خفيفة ومتوسطة وثقيلة في مراحل الصراعات المختلفة خلال عقود من الصراعات وترك السلطة المجال لنهب تلك الأسلحة والمعدات من المخازن والمعسكرات للطرف المُنتَصَرِِ عليه بحيث تصبح غنائم "فيد" لأفراد وجماعات متنفذة في السلطة وخارجها.

ح‌)    عزز هذا الأمر غياب القضاء العادل المستقل النافذة أحكامه مما أدى إلى غياب لقوة القانون وحضور طاغي لقانون القوة.. بحيث أصبح كل فرد أو جماعة يبحثون عن عناصر القوة لحماية حقوقهم وأنفسهم وأعراضهم.. فكدسوا الأسلحة إن كانوا من القادرين على القتال.. وإن كانوا من أصحاب المال دفعوا مالاً أو أشركوا في أعمالهم وممتلكاتهم من يقوم بحمايتهم سواء من المتنفذين في السلطة أو من القادرين من القبائل.

خ‌)      كل ذلك حول المجتمع، بما في ذلك منظومة الحكم، إلى "جزر" مسلحة كل جزيرة تعمل على حماية ذاتها أو حماية من يدفع لها لحمايته.. وكل جزيرة تحاول أن تحقق، بالحق أو الباطل، أكبر الأرباح الممكنة كل حسب قوة تسليحه وإمكاناته ومكانته ونفوذه..وتشكل منظومة الحكم ومتنفِّذيها أكبر تلك الجزر وأكثرها ربحاً من هذا الوضع وبالتالي تعمل على بقائه وتكريسه.

د‌)   وهناك عامل آخر أدى إلى انتشار الأسلحة وتكدسها وتنوعها.. وهو الفساد الذي نوّع مصادر دخل أصحابه بطرق مبتكرة ،لا أعلم بلداً آخر نُكِب بهذا التنوع وحجمه وانتشاره..، فمن ذلك أن وظائف الدولة التي تشكل موقعاً للتعامل مع الناس ومع التجار والمهربين أصبح الحصول عليها والتعيين فيها مجالاً خصباً للفساد.. فيتم شراؤها من الذين يملكون قرار التعيين أو النقل بمبالغ أحياناً خيالية.. بالإضافة إلى تنازل، الراغب في التعيين أو النقل، عن راتبه الحكومي للمسؤلين التنفيذيين الذين يسهلون مرور القرار..والصورة الأوضح لهذا الأمر والمعروفة للجميع هي مناصب المنافذ الجمركية أو مراقبة السواحل والقيادات العسكرية والأمنية للمناطق التي تقع على السواحل أو على الحدود المجاورة مما شكل بؤرة خطيرة للفساد تمر من خلالها كل الممنوعات استيراداً وتصديراً، بما في ذلك المخدرات والأسلحة.

ذ‌)     كل ذلك أدى إلى أن تصبح بلادنا مركزاً للحصول على تلك الممنوعات سواء للاستخدام المحلي أو لإعادة التصدير إلى غيرها.. بل ومخبأ وملجأ ومعبراً للخارجين والمطلوبين في جنايات عادية أو إرهابية.. وكل ذلك يتم تحميل وزره للقبيلة.. ولا ينكر أحد أن البعض من القبائل قد يكون ضالعاً في بعض تلك الأمور لكن ذلك ما هو إلا نتيجة للعوامل الأخرى التي لا شأن لهم بها ، بل هم أحد ضحاياها.

ونورد تقريراً صدر هذا العام عن تهريب الأسلحة وأيضاُ المخدرات إلى دول الجوار مما يسيء إلى بلادنا وأمنها وعلاقاتها الإقليمية والدولية(وما حادث السفينة المحملة بالأسلحة المهربة التي احتُجِزت في المياه الإقليمية السعودية مؤخراً ببعيد عن الأذهان):

في تقرير لسلاح الحدود السعودي حصلت (الوفاق ) على نسخة منه

في ثلاث أشهر فقط القبض على أكثر من 150 ألف متسلل

وأسلحة تفجير وأحزمة ناسفه استخدمت في العمليات الإرهابية في المملكة.

 عسير (الوفاق) تركي الطلحى:_

تواجه السلطات الأمنية السعودية واليمنية مشكلة تهريب الأسلحة والممنوعات عبر الحدود إلى داخل المملكة وقد سهلت المعاهدة التي وقعتها حكومة المملكة والحكومة اليمنية فيما يخص التعاون الأمني كثيرا فى التصدي لاختراقات تهريب الأسلحة وفى تقرير حديث للمديرية العامة لسلاح الحدود حصلت (الوفاق) على نسخة منها أشارت إلا انه وفى خلال 3 أشهر من غرة شهر رجب إلى نهاية شهر رمضان من العام الماضي 1424هـ تم القبض على ما لا يقل عن 150 ألف متسلل للأراضي السعودية عبر الحدود مع اليمن والقي القبض على ما يقارب من 1243مهربا للمواشي والمخدرات   وقبض على كمية مخدرات تصل إلى  (1685،25)كيلو جراما من الحشيش و(13724)حبة مخدرة و (1019126،25)كيلو وقبض على كمية من الخمور تحتوى على جالون واحد و (1219) زجاجة و(1441)علبة.

 وأما عدد المواشي المهربة التي القي القبض عليها( 4250) رأسا وتم ضبط (630570)كجم من المواد الغذائية.

أما اخطر أنواع التهريبات فهي الأسلحة فأشار التقرير إلى انه تم القبض على    ( 1800)إصبعا من الديناميت  و(131) سلاحا متنوعا و(2325) ربطة سلك تفجير(24485) من الذخائر المتنوعة وخمس قنابل.

كما تمكن سلاح الحدود من القبض على كمية من المواد التفجيرية المتنوعة بلغت زنتها ما يقارب "23.893.002" كيلو جرام ووفقا لتقرير صحفي أن الكمية التفجيرية التي استخدمت في مجمع المحيا السكني تتراوح بين 300 إلى 500 كيلو جرام منها. بالإضافة إلى "301 قذيفة آر بي جي" مع دوافعها وهي سلاح يطلق عن بعد لتدمير أهداف مختلفة.

"431" قنبلة يدوية منها ما تم صنعه محليا بعد تعبئتها بقطع معدنية لضمان إحداث أكبر قدر من الإصابات البشرية ومنها ما هو مصنوع بدول أخرى.

"304" أحزمة ناسفة جاهزة للتفجير بما يكفي لثلاثمائة انتحاري.

"674" كبسولة ناسفة لإشعال المواد المتفجرة لاستخدامها في 350 تفجيراً.

"1020" قطعة سلاح منوعة بين رشاشات كلاشنكوف ومسدسات وبنادق آلية.

" 352 " ألفاً و 308 طلقات ذخيرة حية لأسلحة متنوعة

مجموعة كبيرة ومتنوعة من أجهزة الاتصال والحاسبات والساعات والهواتف المجهزة لتوقيت عمليات التفجير وأدوات مختلفة لتركيب وإعداد الشحنات المتفجرة وفي تقرير آخر وزعته إدارة مكافحة المخدرات أعلنت فيه أن الأجهزة المختصة في مكافحة المخدرات ضبطت 12204 قضية شملت 17199 متهما خلال عام 1421هـ بزيادة 14% في عدد القضايا و13% في عدد المتهمين عن العام السابق ويمثل 5251 متهما من المضبوطين 30% منهم من العاطلين عن العمل.

وأفاد التقرير أن المخدرات الموزونة التي ضبطت خلال عام 1421هـ بلغت(254547) كيلو جرام بالإضافة (270)جراما وتشمل هذه المخدرات الحشيش والأفيون والهيروين والقات والكوكايين وتمثل نسبة القات 99% من مجموع المخدرات الموزونة.

وبلغ عدد المخدرات المقدرة بالحبة(9703665) حبه وتشمل هذه المخدرات الامفيتايمين والسيكونال والكبتاجون وكانت أعلى منطقة في المضبوطات مكة المكرمة29% تلتها الرياض 22% وشاركتها جازان 22% وكان عدد المضبوطين من المستعملين 11693متهما ومن المروجين4356 متهما ومن المهربين 116متهما، فيما بلغ عدد السعوديين من مجموع المتهمين 13571 متهما من الذكور و41 من الإناث وغير السعوديين من المتهمين 3457 متهما و 130متهمة فيما كان عدد المتهمين من العزاب 10428 ومن المتزوجين6679 متهما من مجموع المتهمين وعدد المتعلمين 14260 متهما و2939 من الأميين.

ومن الناحية المهنية كان الموظفون من مجموع المتهمين 1652 متهما ومن العمال2674 متهما ومن الطلبة1299 ومن المتسببين3516 متهما ومن العاطلين عن العمل 5251 متهما و2807 من مهن أخرى.

ويسلك مهربو الأسلحة الطرق الجبلية عن طريق جبال فيفا وبني مالك وعبر جبال عسير وذلك لأسباب منها أنها الطريق الأمثل لتهريب الأسلحة التي تكشف لو سلكوا بها دروبا اعتيادية والشيء الآخر هو قرب سوق الأسلحة ووجوده في مناطق جبلية مجاورة وطبيعتها وعرة.

ويدخل ضمن هذا النوع من المهربات الألعاب النارية التي تتخذ أشكالا مختلفة أسوة بالأسلحة التي ترد لليمن من كل بلاد العالم

   تاريخ النشر: 22/4/1425 هـ .

ثالثا: العلاج

1-            إن العلاج يتمثل في إزالة العوامل المغذية للفتن القبلية ولتكدس الأسلحة.. وفصّلنا ذلك في مشروعنا للمصالحة الوطنية ، قبل حوالي سبع سنوات،(مرفق ص289).

2-            إن المعالجات، الوهمية، مثل شراء السلاح بتمويل بعض الدول أصبحت موضع تَنَدُّر.. فإنها قد روَّجت لتجارة السلاح وفتحت باباً آخر ،للفساد، لأصحاب النفوذ بيعاً وشراءً وتسهيلاً وتهريباً.. فمخازن الدولة يوجد منها التي لا سجل لدى وزارة الدفاع لها والتي تخضع لجهات نافذة أخرى وهي مليئة وتشكل أحد المراكزالرئيسية لتمويل سوق السلاح.كما أن مايتم جمعه بواسطة الشراء يعاد بيعه للناس من جديد أو تسريب مثله أو أكثر للبيع إما من مخازن الدولة التي لاسِجِل رسمي لها أو باستجلابه تهريباً من الشواطئ التي يدير عمليات التهريب فيها أهل النفوذ ،وفي أحيان كثيرة يُدْخِلون ويُخرِجُون مَن وما يشاءون ،من بشر أومُهَرَّبات من أي نوع، من خلال المنافذ الرسمية ،براً أوبحراً أوجواً.        

3-            إن المنظومة القبلية هي أكثر الشرائح إكتواءً بنار الفتن وتكدس السلاح.. فالقاتل والمقتول منها.. والتخلف تقاسي الجزء الأكبر منه.. والحرمان من المشاريع والخدمات يطال مناطقها أكثر مما يطال غيرها وتَعَطُّل حركة الحياة السوية هي التي تعاني منه..وتدني مستوى التعليم يَطال أبناءها.. والخوف الدائم يعيش فيه أفرادها.. وتثبت التجارب أنها إن وجدت قانوناً نافذاً يؤمِّن أفرادها وممتلكاتهم وحقوقهم وعدلاً يزيل المظالم ويرفع الغبن والإجحاف فإنها ستكون أول من يلتزم به ويدعمه لأنها ستكون أكثر المستفيدين منه.وعند ذلك لن تحتاج القبائل ولا غيرها لحمل السلاح وتكديسه.

المرأة وتهميشها:

ملحوظة: رغم ازدياد عدد المسجلات من النساء في سجلات الناخبين إلاً أن المشاركة السياسية للمرأة كمرشحة في الانتخابات تراجعت بشكل ملحوظ. المرشحات لانتخابات 1993 (42امرأة)، المرشحات لانتخابات 1997م (19امرأة)، المرشحات لانتخابات 2003 (11امرأة) والوضع ذاته في عدد الفائزات بمقاعد حيث لم   تفز في الانتخابات الأخيرة سوى امرأة واحدة أثير لغط كبير حول طريقة فوزها. وفي المجالس المحلية يوجد 36 عضوة فقط من بين 7315 عضو.

(أ)    إن قضية المرأة قد وقعت ضحية إما:

1-            لتخلف في النظرة إلى المرأة ،قد يُلَبَّس أحياناً بثوب الدين في أمور لم يُحَرِّمها الدين وإنما درج عليها الناس وأصبحت جزءاً من ثقافتهم أوعاداتهم..وحولت المرأة إلى مجرد "شيء" لا يمت للإنسان بصلة.. وهو أمر لا يختلف عن فكر الوأد الجاهلي إلا في الأسلوب أما في القسوة فلعله أحياناً أقسى.. وإن كان الفكر الجاهلي يئِـدُ جسم الأنثى فإن التخلف العصري يئِـد إنسانيتها وعقلها وروحها ،رغم أن الإسلام جاء لَيُطلق سراح العقول وأسر الأرواح وفقه القلوب وليئِـد النفس الأمَّارة بالسوء بتنقيتها وتطهيرها ومن ثَمّ تصبح مهيَّأة لاستقبال أرقى معاني السمو الإنساني.

2-            أو لتطرف في النظرة إلى المرأة قد يلبس ثوب التحديث أو التطور في نواحي لا علاقة لها بالتحديث أو بالتطور وإنما استنساخ أعمى لإفرازات فكر الحداثة من مجتمعات أخرى أوصلت المرأة ،في تلك النواحي، إلى سلعة للغرائز تعرض في المجلات والأفلام ، بل في واجهات "فترينات" المحلات المخصصة لهذا الأمر في شوارع بعض البلدان.. وتلك المجتمعات أصبحت اليوم تشكو وتئن من تلك الأوضاع المهينة لإنسانية الإنسان، امرأة أو رجل.

(ب)         كما تحولت قضية المرأة إلى تجاذب بل ،أحياناً، إلى صراع بينها وبين الرجل وتنازع لا مبرر له ولا يجب أن يكون.فلا الرجل إنسان بدون المرأة، الأم والزوجة والابنة والأخت والزميلة، ولا المرأة إنسانة بدون الرجـل، الأب والزوج والابن والأخ والزميل، فالعلاقة علاقة مودة وتراحم وتكامل ووجود مشترك وشراكة في بناء الحياة ،لاتستمر إلا بهما معاً ولاتنجح إلا بالمـودة والتراحم والاحترام.

(جـ)         وفي الوقت الذي تشكو وتئن تلك المجتمعات ،وبالذات الجانب النسائي منها، والتي قامت على هذا النهج ،التصادمي، من الحالة التي وصلت إليها في بعض النواحي التي أنهكت المرأة إما بتحويلها إلى سلعة أو إلى آلـة بشرية تكد وتلهث للقمة العيش في أعمال مرهقة جسدياً وجارحة لخصائصها؛ في هذا الوقت نجد أننا نريد أن نبدأ تجربتهم كاملة بعلاتها بينما المنطق يقول أن نبدأ من حيث انتهوا ونتجنب تلك النواحي التي أثبتت تجربتهم سلبياتها والتي يشكون هم منها. ولذلك علينا أن نقرأ بحوثهم الاجتماعية والتربوية ،العلمية المتخصصة، البعيدة عن ضوضاء الإعلام والترويج، لنستفيد مما هو إيجابي في تجربتهم.. فتمسكنا بقيمنا ومعتقداتنا يحثنا على الأخذ بما في التجارب الإنسانية من إيجابيات بل نؤمن أنه لا يوجد أي أمر إيجابي ،حقيقةً، يمكن أن يتصادم مع معتقداتنا أو يمكن أن يمنعه ديننا.

(د)           إننا مع تمتع المرأة بكامل حقوقها ،بل نحتاج إلى ذلك لتحقيق التكامل والتنمية في مجتمعاتنا،.. ومع أداء المرأة لكامل واجباتها ، لتستقيم الحياة،.. وفي نفس الوقت لا بد للرجل أن يؤدي كل واجباته نحو المرأة وبأن يسهم في تمكينها من حقوقها ومن أدائها لواجباتها.. وعلى المرأة أن تؤدي كل واجباتها نحو الرجل بأن تقوم بالإسهام في تمكينه من حقوقه ومن أدائه لواجباته.. وعليهما معاً أن يؤديا واجباتهما نحو المجتمع والحياة والأجيال.

(هـ)         إن تنقية مفاهيمنا نحو المرأة.. والفصل بين ما هو شرعي وما هو تقاليد سلبية أمر لا بد أن نتجه نحوه بتجرد وأن يقوم به المؤهلون له علماً وفهماُ للعصر ،رجالاً ونساءً، من علماء الدين المؤهلين، سنداً ودراية وفهماً للعصر وتسامحاً واعتدالاً، وعلماء الاجتماع والتربية المؤهلين.. ولا يمكن أن نجد تناقضاً أو تضاداً.. فالتناقض والتضاد لا يوجده إلا:-

1-الجهل والإنغلاق والتعصب وضيق الأفق والفهم المُبْتَسَر لمقاصد   الشريعة.  

2- أوالإنسياق ،دون تدبر،وراء وهم مسلمات لا أساس لها من علم أو دين.

3- أو الإنسياق والاستتباع لما ينتقص من قيمنا ومعتقداتنا وإنسانيتنا ويحولنا إلى "شيءٍ" مُـذَابٍ أو إلى مسخٍ بلا معالم و بلاقِيَمٍ ولاقيمة ،وكأن القِيَم تبلى وتُبدَّل كالملابس والأحذية، بل يريد البعض أن أن نخلع قيمنا وكل موروثنا ونتعرَّى أونلبس ما بَلِيَ وعافه أصحابه ممالا يستر ولا يدفئ ولا يقي.

(و)   لقد بدأنا خوض تجربة في حزبنا حالت الأحداث دون إكمالها. فكنّا أول حزب تصل فيه المرأة إلى المناصب العليا، كمساعدة للرئيس ومساعدة للأمين العام،.. وكنّا بصدد إصدار صحيفة جميع طاقمها من النساء وذلك لنثبت أن المرأة قادرة على أداء مهامها بمفردها وبكفاءة عالية ،كما هي قادرة على أداء دورها المشترك مع أخيها الرجل.

(ز)    إن أحد نواحي العلاج هو ما جاء في صُلب الفقرة "هـ" ،أعلاه، فالقوانين السارية يمكن أن  تكون قد عالجت هذه القضية من الناحية القانونية ولكن علينا بذل الجهد في التوعية الدينية والاجتماعية.

(ح)  إن على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني دوراً كبيراً في هذا الشأن.. وفي ابتكار الوسائل لتأهيل وتمكين المرأة من أداء دورها الفاعل والبناء.. وقد يكون أحد الوسائل المناسبة إعطاء نسبة بين 15-20% من المناصب القيادية فيها ومن دوائر الانتخابات حصراً على المرأة مع افساح المجال لها للمنافسة في المناصب والدوائر الأخرى.وهو ما سبق و طرحه بعض الزملاء في بعض أحزاب المعارضة.

(ط)   لقد أمتلأ تاريخنا العربي والإسلامي بنماذج مشرفة من النساء اللاتي شاركن الرجل بكفاءة عالية في عديد من مجالات الحياة.. فمنهن ، الطبيبة ، والممرضة للجرحى ، والتاجرة، والمعلمة ، والمربية ، والأم العظيمة التي أنجبت وربّت خيرة الرجال ، والممولة للدعوة، والزوجة التي كان إسهامها أساساً في النجاح لها ولزوجها ، والمقاتلة ، بل والعالمة المتبحرة التي تُشَد إليها الرحال للأخذ والتلقي عنها ، والعابدة الناسكة والمحتسبة والمتولية لمناصب عليا؛ دون أن يكون في ذلك كله مخالفة لشرع أو قيم بل بالعكس كان في ذلك أداءً لدور بنَّاء يحث عليه صحيح الدين ولا ينكره أو يستنكره كثير ممن عرف أو تلقى أو علم.

(ي) فلنساهم في تمكين وتأهيل المرأة لأداء أدوارها البنّاءة ولا نخشى على مجتمعنا وقيمه وعقيدته الصحيحة ؛ فنساؤنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا وبناتنا وزميلاتنا لسن "ريشة" في مهب الريح، ولسن أقل من الرجال ديناً وقيماً وسلوكاً، وليست عقولهن وقلوبهن خاوية يمكن ملؤها بكل غث وسمين،ولا بصائرهن وأبصارهن عمياء ليتحولن إلى حاطبات ليل، ولكنهن ظُلِمْن وسُلِبت الكثير من حقوقهن ؛ والمظلوم عندما يُمنع حقه قد يشتط ويغضب ، والغاضب للحق قد يُعذر إن تجاوز غضبه الحد أوالحق.. وإن خشينا فلنخشَ أيضاً على الرجل ومن الرجل فهو الأكثر عرضة وقدرة على الإنحراف والإنسلاخ والأضعف أمام مغرياتهما.. ولا وجود ،ولا يجب أن يكون، لمعركة بين الرجل والمرأة.. وإلا لضاقت الحياة بهما لأنها تصبح معارك بين زوج وزوجة وأب وأم وأم وإبن وأب وإبنة وأخ وأخت وزميل وزميلة.. وإن وجدت مثل تلك المعارك، غير المبررة لا شرعاً ولا تحديثاً، فهي بين شريحتين صغيرتين جداً من عدد محدود جداً يشكلان طرفين من المعقدين والمتخلفين وأدعياء العلم وأدعياء التحديث من الجنسين المشترِكين في كل من الطرفين المصارِعين والمتصارِعَين.

        وسبق وطرحنا عام1999م ورقة حول مشاركة وشراكة المرأة.(مرفقة ص309).

3- الفقر ونتائجه السلبية على السلام الاجتماعي والقيم والأخلاق:

                إن الحالة المعيشية وحالة الفقر التي وصلت اليها بلادنا، في ظل البذخ الذي يعيشه

        المتنفذون، قد أدت إلى انهيار حاد في القيم والأخلاق.. وإلى كثير من حالات الإنتحار

        والقتل في إطار الأقرباء.. وانتشار متسارع للجريمة..

ولا مخرج لبلادنا من هذه الحالة إلا بـ:-

‌أ)    محاربة الفساد والإفساد الذي أصبح مُولِّداً لكل الكبائروالجرائر.

‌ب) أهمية الأخذ بنظام الضمان الاجتماعي والضمان الصحي.

‌ج)  ضبط توزيع الأموال المخصصة لمظلة الفقر لتصل إلى مستحقيها من خلال هيئة مستقلة ،لها فروع في المحافظات، ولا تخضع لحكومة الحزب الحاكم، الذي يستخدمها ويستغلها سياسياً وحزبياً، وإنما من خلال إشراف المجالس المحلية ومراقبة القضاء.

‌د)   ضبط واردات الزكاة ،الواجبات، وتشكيل هيئة مستقلة عن حكومة الحزب الواحد مشكلة من علماء وأخصائيين اجتماعيين واقتصاديين.. لإستثمارها والتوزيع على المستحقين وإقامة المشاريع المنتجة والمربحة لتشغيل القادرين على العمل من الشرائح الفقيرة ولرعاية غير القادرين وللإنفاق منها في باقي مصارف الزكاة المحددة شرعاً.

4- البطالة المرتفعة.. والعمال والمزارعون وضياع حقوقهم:

       أ) إن التوجه نحو الإصلاحات الشاملة سيخلق فرص عمل كثيرة ،بما سيؤدي إليه من استقطاب للاستثمارات والتوجيه الصحيح للموارد العامة وتحقيق للأمن والاستقرار مما سيفسح المجال لتبادل المصالح مع الآخرين وكل ذلك سيؤدي إلى تنمية محلية في مجالات حركة الحياة المختلفة.

      ب) إن وجود حد أدنى للأجور للموظفين والعمال بما في ذلك العمال الزراعيين سيرفع من المستوى المعيشي.

      ج) إن تمكين العمال من مؤسساتهم النقابية ،بعيداً عن تدخل السلطة، وفق قوانين وأنظمة  تنظم العلاقة والحقوق والواجبات بين العمال وأصحاب العمل بحيث لا يُظلم العامل وفي نفس الوقت لا تتحول النقابات وقياداتها إلى أداة لتنفير أصحاب العمل وهروب المستثمرين ،الذي ينتج عنه ضياع لفرص العمل،.. كل ذلك سيساهم في تحقيق توازن ،مطلوب، بين أداء العامل لواجباته في رفع مستوى الإنتاج ووتيرته وبين حصوله على حقه في دخل ورعاية يحققان حياة كريمة.

     د) بالنسبة للزراعة فإنه من المهم وجود القوانين النافذة المنظمة للعلاقة ،والحقوق والواجبات، بين المالك والمستأجر وبين المستأجر وعمال الزراعة.. وسيكون من المفيد دراسة التجارب التي كانت قائمة في لحج وأبين وأحور والأخذ بأفضلها.. والتي أدت في حينها إلى قيام نهضة زراعية أدت الى طفرة في الدخول للمالك والمستأجر والعامل الزراعي.

    هـ) إنه من المهم أن نتجه إلى إعطاء العناية الكبيرة للمعاهد الفنية والمهنية كأساس لا غنى عنه لرفع الكفاءة الفنية والمهارة ، وهذا هو المحور الضروري لرفع الدخول ومحاربة البطالة.. فالمستقبل لن يعطي إلا مجالاً ضيقاً للأعمال العضلية واليدوية ،بل ولا لأصحاب الشهادات الجامعية التي لا يكتسب أصحابها الكفاءة العالية والمهارة، وسيفسح المجال واسعاً لأصحاب التقنية والحرف والمهن والمهارات.

5- الانتقال من الريف إلى المدن:

إن دواعي هذا الانتقال الذي أدى إلى التكدس والزحام في المدن الرئيسية وشكل ضغطا على الخدمات فيها .. ناتج عن:-

‌أ)   تدني المداخيل في الريف وغياب المشاريع التي يمكن أن تستوعب موظفين وعمالة.

‌ب)  تدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية والكهربائية والماء النقي...إلخ في الريف.

‌ج)   دواعي أمنية، ليس لأن المدينة أكثر أمناً، ولكن أكثر ازدحاماً فتهئ ملجأ للهروب والاختباء.. وعندما اشتدت ملاحقات الطالبين للثأر للمطلوبين وبالذات في المدن الرئيسية وخاصة العاصمة اضطر المطلوبون إلى الانتقال إلى مدن أخرى أو العودة إلى قراهم للاحتماء بجماعاتهم.

‌د)  القرب من مركز القرار لعجزهم عن حل مشاكلهم محليا لغياب الحكم المحلي الكامل الصلاحيات.

ومعالجة الأسباب ستخفف من هذا التكدس.

         6 - تدني الخدمات الصحية:

نورد بعض تقارير تقدم مؤشرات فقط عن بعض جوانب الاختلالات في هذا الجانب وما خفي أعظم مما يعرفه ويعيشه شعبنا على المستوى الصحي ..ونوردها لأنها رسمية في بلدتكاد الشفافية أن تكون معدومة فيه وبالتالي فإن ما تعلنه الجهات الرسمية ما هو إلا النزر اليسير عندما تصل الأمور إلى مرحلة يصبح إخفاء كل شيئ فيها مستحيلاً فيتم الإعلان عن ما يفيض عن الحد:

7/9/2004

(في تقرير برلماني عن الأوضاع الصحية في ثلاث محافظات: ما يقارب من 80 ألف حالة إصابة بالملاريا وسرير لكل 6 ألف نسمة !.

الصحوة نت-خاص: أحمد الزكري

أكد تقرير برلماني عن الوضع الصحي في محافظات (صنعاء، عمران، وصعده) أن هناك تناسباً عكسياً في العلاقة بين عدد السكان والخدمات الطبية المقدمة لهم يتمثل ذلك في ارتفاع عدد السكان المقيمين في المناطق الريفية حيث يشكلون حوالي 95% من إجمالي عدد السكان في المحافظات الثلاث مع تدني مستوى الخدمات الصحية المقدمة لهم، وأورد التقرير الذي قدمته لجنة الصحة العامة والسكان بمجلس النواب أن إجمالي عدد السكان في محافظة صنعاء (مليون و439 ألف و 459 نسمة) في الوقت الذي يوجد فيه مستشفى واحد و( 9) مراكز صحية بـ( 210 أسرة) و (85) مركزاً صحياً بدون أسرة و( 24) وحدة حماية صحية أولية، مشيراً إلى أن إجمالي عدد الأسرة (270) سريراً بنسبة سرير واحد لكل (5.330) نسمة تقريباً.

وذكر التقرير البرلماني أن هناك أمراضاً شائعة ومعدية في المحافظة وصلت في عام 2003م إلى عدد (14.447) حالة إصابة بالملاريا و( 519)حالة إصابة بفيروس الكبد و(16.180) حالة مصابة بالإسهالات و( 178) حالة مصابة بالسل، كما أشارت اللجنة البرلمانية إلى أن عدد السكان في محافظة عمران يصل إلى( مليون و 33 ألف و 264 نسمة)، وفيها ما يقارب( 143) منشأة صحية تتوزع في عموم المحافظة بحوالي (310) أسرة بنسبة سرير واحد لكل (3.333) نسمة من عدد السكان فيما تصل عدد الحالات الإصابة بالملاريا في المحافظة إلى (13.095) حالة عام 2003م و (25.057)حالة إصابة بالإسهالات و (398) حالةإصابة بفيروس الكبد.

أما سكان محافظة صعده حسب التقرير فيصلون إلى( 633 ألف و 872 نسمة ), وتوجد في المحافظة حوالي (114) منشأة صحية منها مستشفى واحد، ويصل إجمالي الأسرة في المحافظة إلى( 259) سرير بنسبة سرير واحد لكل (2.447) نسمة، من عدد السكان , في الوقت الذي تنتشر فيه عدد من الأمراض الشائعة والمزمنة والمعدية وتصل عدد حالات الإصابة بهذه الأمراض إلى (332) إصابة بالسعال الديكي و (482) حالة إصابة بالملاريا و (10.752) حالة إصابة بالدسنتاريا و (30.628) حالة إصابة بالإسهالات و (969) حالة إصابة بالتهاب الكبد و (660) حالة إصابة بالدرن.

وأوضح التقرير البرلماني أن الجهات المسؤولة في الحكومة والمعنية باستلام المشاريع الصحية المنجزة وكذلك الأجهزة والمعدات الطبية الموردة لم تكترث ولم تتوخ الحرص في مراعاة المواصفات المتفق عليها مسبقاً مع الجهات المنفذة عند استلام مستشفى جحانة الريفي في محافظة صنعاء وكما لاحظت اللجنة البرلمانية أن مستوى النظافة والتعقيم في المستشفيات التي قامت بزيارتها لا يرتقي إلى المستوى الملائم لمنع حدوث عدوى أثناء وعقب العمليات الجراحية.

وانعدام الرقابة والمتابعة والتقييم الدوري من قبل وزارة الصحة والجهاز المركزي للرقابة المحاسبة لمراقبة نشاط صندوق الدواء ونظام مشاركة المجتمع في الخدمات الصحية والعلاجية.

وكشف تقرير لجنة الصحة العامة والسكان وجود قصور وعشوائية في التخطيط وعدم كفاية التخصصات وعدم التقرير المركزي بالمخصصات اللازمة إضافة إلى غياب التنسيق مع الجهات الحكومية بالنسبة للمشاريع الخيرية ما أدى إلى تعثر الكثير من المشاريع الصحية.

وأوصت اللجنة البرلمانية وزارة الصحة بإعادة النظر فيما يتعلق بتنظيم مشاركة المجتمع لدعم الخدمات الصحية والعلاجية ونظام استعادة كلفة الدواء لما من شأنه تصحيح الاختلالات القانونية المزمنة المصاحبة لهذين المجالين والعمل الجاد والسريع لمعالجة أوضاع المشاريع الصحية المتعثرة في كل من محافظة عمران وصعده وصنعاء ورفع مخصصات وزارة الصحة في الميزانية السنوية ورفع سقف الميزانيات التشغيلية للمؤسسات الصحية.

كما طالبت اللجنة البرلمانية من الحكومة اعتماد وظائف جديدة لقطاع الصحة في المحافظات الثلاث لتغطية النقص الحاصل والكادر الطبي والصحي والفني.(إذا كانت هذه الأوضاع في العاصمة وما جاورها فكيف الحال في باقي المحافظات؟؟!!)

     فضيحة المحاليل الوريدية التي ثبت تلوثها وكانت تنتج محلياً عبر الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية (يدكو) وضخ منها إلى السوق مليوني قربة..  في السابق كان يتم استيراد قرب المحاليل الوريدية من الدانمارك وكانت مستوفيه للمواصفات القياسية الدولية بناء على مواصفات التصنيع الجيد (GMP) وكانت تستورد بأسعار مرتفعة نسبياً ثم جرى تغيير بلد المنشأ لاستيراد القرب من الصين وكانت مستوفية للمواصفات القياسية ولكن بسعر أقل نسبياً ثم جرى أخيراً استيراد قر ب المحاليل الوريدية من شركة هندية وعلى دفعات وكانت رخيصة وللأسف معيوبة.________________________________________

في ورشة عمل أقامها البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز للصحفيين خلال يومي السبت والأحد 19-20/6/2004م قدمت مديرة البرنامج د. فوزية عبد الله غرامه ورقة عمل اشتملت على إحصائيات دولية وإقليمية ومحلية للمرض وأشارت الورقة إلى أن (1379) حالة في اليمن منذ عام 1987م وحتى العام 2003م وتبلغ نسبة المصابين اليمنيين إلى الأجانب 50% كما يبلغ عدد الأطفال المصابين بالإيدز (HIV) حوالي (21) طفل.

وحسب الإحصائية خلال تلك الأعوام يلاحظ أن نسبة المصابين بالإيدز يزداد بشكل كبير فبينما كانت الحالات في 1987 حالة واحدة بلغت عدد الحالات المكتشفة خلال العام 1997م حوالي (204) حالة ، وفي عام 2003م اكتشفت 247 حالة. ويؤكد متخصصون في مجال الإيدز أن وراء كل حالة يجب أن توضع (100) حالة. ________________________________________

رسمياً أعلن البرنامج الوطني لمكافحة ودحرالملاري أن المرض يفتك سنوياً بأكثر من خمسة عشر ألف ضحية في اليمن. ________________________________________

لجنة المياه والبيئة في مجلس النواب كشفت في تقرير لها قدمته منتصف شهر مايو2004  أن 75% من السكان يعانون من إصابات تتعلق بتلوث المياه أو بالأمراض ذات العلاقة بالمياه وبما يقارب من 12 مليون من السكان.

وأن 60% من السكان يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا وبما يقارب 9.5مليون مواطن, وأشار إلى أن 10% من السكان مصابون بالبلهارسيا , وكانت النسبة  4.6% عام 85م الى 12.5% وبما يقارب من 6.3مليون مصاب عام 96م.

وأكد أن حوالى ثلاثة ملايين مواطن مصاب بإلتهاب الكبد الوبائي, و أن 50% من وفيات الأطفال سببها الأمراض ذات العلاقة بتلوث المياه منها 30% بسبب الإسهالات و 30% بسبب الملاريا والتيفوئيد, ويتوفي 55 ألف طفل سنوياً في اليمن بسبب هذه الأمراض وبمعدل 151 طفل يوميا.ً

وتصل وفيات الأطفال - حسب التقرير البرلماني إلى أعلى معدلاتها في اليمن المقدرة بحوالي 11.7% من المواليد الأحياء وبمعدل 117 حالة في كل ألف حالة ولادة.

وأكد تقرير اللجنة إلى أن استمرار الوضع البيئي المتردي دون مكافحة فاعلة من الناحيتين العلاجية والوقائية سيسفر عن حدوث كوارث صحية وبيئية وهو أمر بالغ الخطورة والسكوت عنه جريمة لا تغتفر.)

إن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة تفصيلية.. فقد وصل الأمر بأن ما نصرفه في سنة واحدة على العلاج في الخارج ،كدولة (لمن يشاء متنفذوها) وكأفراد، يكفي لإقامة أحدث المستشفيات المجهزة بأحدث التقنيات.. والأرقام المتداولة تتجاوز الثلاثمائة مليون دولار سنويا!!.

والعوامل المسببة لهذا التدني تتلخص في:-

أ  )    تدني القدرة الاستيعابية للمستشفيات.

ب ) غياب الإدارات الحازمة في المستشفيات فلا صيانة لمباني أو لمعدات ولا إدارة ولا نظافة ولا محاسبة لمن يتجاوز.

جـ)    تدني مداخيل الكادر الطبي والكادر العامل في المستشفيات.

د  )    الفساد المستشري الذي طال الأدوية وسرقتها واستيراد أدوية قد تجاوزت تاريخ السماح باستخدامها.. بل لقد طالت أيادي الفساد المعدات الطبية الحديثة التي أهدتها بعض البلدان لبلادنا فتم بيعها لدول ومستشفيات يسافر مرضانا للعلاج فيها!! وكانت فضيحة أدت إلى عزوف كثير من الدول على تقديم مثل هذه المساعدات لبلادنا.

هـ)  تعبئة الأدوية محلياً دون إشراف حقيقي.. من هنا تم اكتشاف مليوني عبوة فاسدة في شهر يوليه 2004.

و  )   عدم القدرة الفردية ،للكادر الطبي، على مواكبة التطورات العلمية في مجال الطب ؛ ولا وجود لآلية لهذا الأمر الهام ، فلازلنا نستخدم أدوية قد توقفت كثير من الدول عن استخدامها.. بل لازالت عندنا أوبئة قد انتهى وجودها في كثير من بلاد العالم.

ز  )     يضطر المريض إلى شراء أدويته والأدوات اللازمة لإجراء عملية له، من ضمادات وحقن وخياط وخلافه .

ح  )     تأهيل متخلف في جامعاتنا وتدريس مناهج قد تجاوزها الزمن وبآليات وأدوات لم يعد لها وجود في كليات الطب في العالم.

ط  )       ينتج عن ذلك تشخيص خاطئ للأمراض حتى أن مستشفيات الخارج لا تعتمد على أي تشخيص يأتي من مستشفياتنا ولا حتى صور الأشعة.

ي  )      كثير من الأمراض لا زالت تعتبر مستعصية عندنا بينما العالم قد اكتشف علاجات لها، مثل كثير من حالات الأورام السرطانية أو القلب أو أنواع الفيروس الكبدي المنتشر في بلادنا أو الحميات أو الكوليرا .

ك  )    انتشار لأمراض لم تعهدها بلادنا نتيجة للاستخدام لمواد كيماوية تضر بالمنتجات الزراعية دون رقيب أو حسيب.ونتيجة لتلوث البيئة.

ل  )                         كل ذلك وغيره يستدعي دراسة علمية ووضع معالجات وإصلاحات جذرية في إطار الإصلاحات الشاملة.. [في برنامجنا عام 1992/1993م أشرنا إلى كثير من المعالجات].

7- عجز الخدمات الكهربائية وخدمات مياه الشرب النقية عن مواكبة الاحتياجات المتزايدة:-

أ)    هذا العجز المستمر ناتج عن المعالجات الجزئية المؤقتة دون دراسة للاحتياجات     المستقبلية الحقيقية لغياب التصور الاستراتيجي العام للمستقبل.. وإن وجد شئ من ذلك فهو على الورق ولا يجد طريق للقراءة والاستيعاب والأخذ في الاعتبار من القائمين على القرار ومن هذه المرافق.

ب) عندما يتم اعتماد مشروع يمكن أن يغطي جانبا من هذا العجز فإن الفساد يجهض قدراته الحقيقية إما بتجاوز المواصفات أو بالبطء في التنفيذ.ولا يتم إلا وقد تجاوزت الحاجة طاقته وقدرته.

جـ)           اعتماد أغلب المناطق الريفية على التبرعات والاشتراكات الذاتية لإنشاء مشاريع صغيرة  للكهرباء أو لمد المياه من الآبار وبالطبع لا يملكون إمكانيات الدراسة العلمية للاحتياجات المستقبلية.. فما أن تمر فترة قصيرة حتى تعجز عن الوفاء بكامل الاحتياجات رغم الاقتصار على التشغيل لساعات محدودة في اليوم الواحد.

                    غني عن القول أن الإصلاحات لا بد أن تشمل كل شيء .

8- التلوث البيئي:

إن البيئة تشكل المحيط الذي نعيش فيه ونتنفس هواءه وينمو فيه ما نأكل، حيواناً ونباتاً، ونأتي منه بما نشرب أو نغتسل به أو تراه العين.. وتلوثها يؤدي إلى تلوث الإنسان ونشوء الميكروبات وتكاثر الجراثيم.. وبالتالي انتشار الأمراض.. ويؤذي التلوث العين ويحرمها من التمتع بالنظر إلى جمال الطبيعة الذي لوثته الأقذار والمزابل والمخلفات وتزكم الأنوف الروائح الكريهة ناهيك عن أثر كل ذلك على الحيوان والنبات..

إن البيئة ،باختصار، هي المحيط الذي تنشأ وتنمو فيه الحياة بكل أنواعها.. وقد أصبحت بلادنا مرتعاً ينمو فيه التلوث البيئي.. بكل تفرعاته.. ومن أسباب ذلك:-

أ  ]           الفساد الذي هيأ مدافن لمخلفات لا يعلم شعبنا عنها شيء.. وقد أثارت الصحافة هذا الأمر منذ أكثر من اثني عشر عاماً ونشرت وقائع لم تملك السلطة أن تنكرها.

ب ]          سوء حالة المجاري ي المدن الرئيسية وعدم شمولها لأي مدينة بما في ذلك العاصمة التي تعاني ويعاني القادم إليها من الروائح الكريهة ناهيك عن الأمراض التي تسببها.(مناقشات مجلس النواب للأحوال المتردية في مناطق بني الحارث وغيرها شمال العاصمة- ديسمبر2004م).

جـ]           خلو معظم مناطق الريف من أنظمة المجاري.

د  ]          حيث توجد مجاري في المدن فإن نظام معالجة تراكمها وإعادة تنقيتها غائب.

هـ]           لا نظام لجمع المزابل والمخلفات الأخرى ومعالجتها بل توجد بالقرب من المدن مع ما يسببه ذلك من تكاثر للحشرات والجراثيم أو تلوث بالأدخنة عند إحراقها.

و  ]          تلوث سواحل البحر بمخلَّفات السفن العابرة في مياهنا أو المحاذية لها.. أو الراسية في موانئنا دون رقيب أو حسيب.يلعب الفساد الدور الرئيس في التغاضي عن ذلك والتستر عليه.

ز  ]          اكتشاف براميل مليئة بمواد كيميائية غريبة ومجهولة المصدر على بعض السواحل مما أثار استغراباً وشكوكاً (يوليه 2004 صحيفة الأيام) ولم يحرك أحد ساكناً ولم تتم متابعة أي إجراء لمعرفة المصدر ومحاسبته.. وهو أمر خطير يؤدي إلى زيادة التدمير للثروة السمكية المستباحة أصلاً.

كل ذلك.. يستدعي إنشاء هيئة فاعلة أو وزارة للبيئة تقوم بدراسة كل جوانب تلوث البيئة وأسبابها وتضع برنامجاً علمياً مدروساً لمعالجة التلوث والحفاظ على البيئة.. وتنفذه بالتعاون والتنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة. [طرحنا بعض المعالجات في برنامجنا 92/1993م ؛ بل وتعرضنا لموضوع هام وهو "الكوارث"، واقترحنا تشكيل هيئة للكوارث يتم تجهيزها بكل ما تحتاجه مواجهة الكوارث من إمكانات وأدوات ووسائل] .

9- إنشاء الطرق وشبكات الاتصال:

لا شك أن ماتم في هذا المجال ،حتى الآن، أمر إيجابي.. وإن شابته بعض السلبيات من حيث التكاليف والمواصفات –الناتجين عن الفساد– أو الانتقاء لأغراض سياسية لبعض المنشآت الفرعية.. إلا أنها تخدم شرائح من شعبنا.. ويمكن استيفاء الطرق وشبكات الاتصال في المناطق المحرومة أو المهملة وبالأخص تلك التي تمر بقرى..

وفي كل الأحوال فما تم حتى الآن هو إنجاز إيجابي.

الإصلاح التربوي والتعليمي (وهو أساس للتطور الفعلي والتنمية)

 الاختلالات وأسبابها ومعالجاتها:

[1]          ضعف القدرة الاستيعابية في التعليم الأساسي والجامعي والمعاهد المهنية والفنية وسوء المنشآت ناتج عن:-

-              ضعف الموارد المالية المخصصة للتربية والتعليم، أو بالأصح ما يُصرف بالفعل في هذا المجال.

-              سوء التوزيع في بناء المنشآت التعليمية فمنها ما يبنى في مواقع لا وجود لطلبة فيها إما لوجود مدارس أخرى أقرب إلى الكثافة السكانية أو لتأثير أهل النفوذ أو كمورد مالي للفساد بينما في مواقع أخرى لا يجد التلميذ أو الطالب مكاناً في الفصل.

-              استشراء الفساد.

ويمكن معالجة هذا الأمر بـ:-

-              رفع ميزانية التربية والتعليم (الأساسي والجامعي والمهني والفني).

-              التخطيط العلمي السليم للمنشئات توزيعاً وإنشاءً .. والإشراف الحازم على الإنشاء.

-              تقليص الفساد.     

[2]          غياب إستراتيجية تربوية وتعليمية تحدد المخرجات بناءً على الاحتياجات المستقبلية ويرجع ذلك إلى:-

-              غياب إستراتيجية تنموية عامة، للدولة معمول بها، محددة الأهداف.

-              انشغال الهيئات التعليمية بمشاكل استيعاب الطلبة ومشاغلهم الوظيفية من نقل وترقية وخلافه وغياب رؤية مستقبلية يمكن أن تقوم على أساسها أي إستراتيجية

والحل الذي لا غنى عنه:-

(أ)     أنه لا بد من وضوح للرؤية المستقبلية .

(ب)   وضع إستراتيجية تعليمية واضحة ومحددة الأهداف والآليات.. وقابلة للتنفيذ.

(جـ)   أن تؤدي هذه الإستراتيجية إلى مخرجات للعملية التعليمية تواجه الاحتياجات المستقبلية في كل علم من العلوم وتقنية ومهنة..

(د)   أن يبدأ التوجيه والإعداد للطلبة من التعليم الأساسي ،وفق قدراتهم وميولهم، للدراسة في التخصصات التي تلبي الاحتياجات المستقبلية للتنمية وذلك بعد إجراء اختبارات ودراسات لميول وقدرات الطلبة والعمل على تنمية الميول والقدرات بما يلبي الاحتياجات.

[3]          ضعف المناهج وتخلفها وحشوها بما يثقل كاهل التلميذ والطالب وغياب مناهج التربية السليمة والتنمية للملكات والميول منذ الصغر.. كما أن المناهج الدينية قد تشربت اتجاهات ومفاهيم متطرفة ومخالفة للتوجهات والمفاهيم الدينية المعتدلة والسمحة والبنَّاءة التي سارت عليها بلادنا طوال القرون، كما أن مناهج التاريخ والاجتماع والتربية الوطنية  يتم تفصيلها على هوى كل نظام حاكم مما أدى إلى مسخ وتزييف لتاريخنا ومجتمعنا وتسييسه وهذا أوجد ارتباكاً وتناقضات في ذهنية الطالب وأفقد المتلقي أي ثقة في تلك المناهج لما يجده في محيط أسرته ومحيطه الاجتماعي من حقائق أو روايات تخالف ما يدرسه.

كل ذلك يرجع إلى:-

أ  )     عدم بذل الجهد الجاد في صياغة المناهج.

ب )     الاعتماد على النقل الآلي أو الموجه لكثير من مناهجنا العلمية والدينية من مناهج أخرى لم تتطور بعد أو لها توجهات مختلفة عنّا.

جـ)    تسييس التعليم وتسخيره لكل نظام يأتي.

                ويكمن الحل في:-

‌أ)     إنشاء هيئة متخصصة تضم علماء على درجة عالية من الكفاءة والتأهيل في كل علم من العلوم تقوم بوضع المناهج الحديثة للتعليم في كل المستويات بما يتلائم مع العصر.. على أن تتابع كل تطور جديد في مجال العلوم التجريبية والعصرية والقيام بالمراجعة السنوية للمناهج في تلك العلوم.

‌ب)   بالنسبة للتربية والعلوم الدينية يتم إنشاء هيئة من العلماء الذين تلقوا العلوم الدينية من منابعها الأساسية والأصيلة (السند المتصل) ومن المشهود لهم بالعلم والسماحة والاعتدال ويشاركهم متخصصون في صياغة المناهج وعلماء اجتماع وتربية وقانون.. وتتولى هذه الهيئة إعادة صياغة المناهج الدينية والتربوية في التعليم الأساسي والجامعي وتضع الاتجاهات والضوابط للمناهج الدينية في المعاهد والكليات المتخصصة الحديثة الإنشاء، رسمية أو أهلية.

‌ج)  تشكيل هيئة مؤهلة لإعادة صياغة التاريخ المعاصر ،من المشهود لهم بالحيدة والنزاهة..، وأن يأخذوا بروايات الثقات من المعاصرين للأحداث والتطورات أو المشاركين في صنعها وبالوثائق الصحيحة ويستعينوا بما كتب عنها من جهات أخرى طالما تلك الكتابات موثقة وقائمة على أساس علمي وغير متحيز. وكذلك الشأن بالنسبة للتربية الوطنية التي يجب أن توضع لها أسسا ومستهدفات لرفع روح المواطنة ولترسيخ الانتماء الوطني والعقائدي بعيدة عن أساليب التمجيد للأشخاص أو الهيئات أو الأحداث.

[4]                          الأمية:  فشل محاولات القضاء على الأمية، لماذا؟

-              غياب السياسات والخطط المدروسة والهادفة إلى القضاء على الأمية.

-              استخدام هذه المحاولات كعملية دعائية وشكلية.

-              غياب المتابعة ودراسة النتائج بطريقة علمية صحيحة.

-              معالجة هذا الأمر كقضية ثانوية رغم أنها أحد أهم عوامل الإعاقة للتنمية الشاملة.

والعلاج: يتلخص في وضع السياسات والخطط والاهتمام بالمتابعة والدراسة للنتائج وإعطاء هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام وتخصيص موارد مالية كافية والمحاسبة الجادة للقائمين عليه.

ومن المهم أن ندرس بعناية تجربة ماليزيا في مجال التعليم التطبيقي والعصري الذي كان أحد أهم أسس نهضتها.

وفي إطار الإصلاح التعليمي فقد سبق وطرحنا قبل عدة سنوات وجهة نظرنا التي تناولت ما أثير حول التعليم آنذاك (مرفقة ص318).

الإصلاح الثقافي: (  الذي يشكل مرآة نضج ورقي المجتمع)

أولاً:

     إن وهم الهوة الثقافية الذي يسيطر على أذهاننا يستحق العناية والاهتمام والدراسة المعمقة لعوامله وأسبابه.  فلا نستطيع أن نعبر إلى العصر إلا بردم هذه الهوة في النفوس وإزالتها. إن لدينا عدد لا بأس به من المؤهلين ثقافياً وفكرياً ومنهم من يُطلب ليحاضر في أرقى جامعات العالم: ولكن وجود الآليات الطاردة لكل حسن في بلادنا قد شملت الثقافة.  إن الاكتساب للمعرفة في بلادنا شأن "فردي" وجهد ذاتي لا يقوم على جهود جمعية مبنية على سياسات ثقافية محددة ومعروفة. وحتى مع وجود وزارات للثقافة في كل حكومة إلا أن أداءها يتم من خلال تقليد الغير أو "حاطب ليل" دون دراسة منهجية تحدد اتجاهات إزالة الصدأ عن الثقافة في بلادنا وذلك يعمق "وهم" الهوة الثقافية. ونعتقد أن تلك الاتجاهات لابد أن تقوم على:-

1-            المعرفة والدراسة العميقة لموروثنا الثقافي وقيمنا الدينية والاجتماعية والحضارية من مصادرنا العربية الإسلامية والاعتزاز بذلك والافتخار به.

2-            الانفتاح المعرفي على ثقافات الحضارات الأخرى القديمة والحديثة.

3-            تشجيع الدراسات والبحوث في مجالات ثقافتنا وثقافات الغير.

رغم إيماننا واعتزازنا بعقيدتنا وثقافتنا الإسلامية والعربية إلا أننا لا بد أن نعي أن الموروث والحاضر الثقافي والحضاري وكذا العلمي الطبيعي والتقني هو موروث إنساني لا بد أن يستفيد كل بني الإنسان من كل ما هو إيجابي فيه.

إن خوف البعض على قيمنا وعقيدتنا وموروثنا الثقافي من الانفتاح الثقافي على العالم هو خوف لا مبرر له إلا الشعور بوهم الهوة الثقافية بين ثقافتنا والثقافات الأخرى والحقيقة أن الهوة موجودة ولكن فينا لا في ثقافتنا ولا في موروثنا، فبلدان مثل اليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية   وماليزيا التي كانت فقيرة ولا  تملك بذاتها إلاموروثاً ثقافياً محلياً وإقليمياً لم يكن له أثر في تاريخ وحاضر العالم ،إلا ما اكتسبته وساهمت فيه كبلد مسلم، مثل تلك البلدان، لم تستحوذ عليها عقدة النقص هذه.. ولا وهم الهوة الثقافية فتفاعلت مع الثقافات الأخرى دون أن تفرط في أسس قيمها وموروثها الثقافي الذاتي  فانتهضت، وكذلك الهند التي اعتزت  بموروثها الثقافي والقيمي المعروف وحافظت عليه وتفاعلت مع ما يسهم إيجابياً في ثقافتها دون أن يشكل ذلك إعاقة لها عن الأخذ بعلوم العصر وتقنياته التي حققت فيها طفرة وضعتها في مكان مرموق تقنياً ،وكذا كوريا الجنوبية.. وهاهي الصين بموروثها الثقافي ،الذي تعتزبه، تشق طريقها وتتفاعل مع الحضارة المعاصرة وتأخذ منها وعنها   دون تخوف أو شعور بمخاوف لا مبررلها أو أوهام بهوة لايجب أن يكون لها وجود إزاء أي جهد أو حتى تفوق إنساني في علوم طبيعية أو في وسائل عصرية أو في معارف إنسانية فوهم الهوة هذا لم يراود أسلافنا فبنوا حضارة إسلامية إنسانية أخذت وأعطت وأفادت واستفادت من الحضارات المعاصرة ومن تلك التي سبقتها دون شعور بنقص أو توهم لهوة.                                                                                                                        

ثانـياً:

والجدير بالقول أن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات البشرية لا تستقيم إلا بتقدم الثقافة وتطورها.. وفي الوقت نفسه لا يمكن ، بأي حال من الأحوال ، الارتقاء بالعلوم والآداب والفنون والذوق العام إلا بالتعمق الثقافي. وتبرز هنا أهمية انتشال الثقافة في بلادنا من الوضع المتردي الذي تعاني منه منذ سنوات  طويلة.

ولقد تناولت وثيقة الإسكندرية الصادرة عن مؤتمر " قضايا الإصلاح في الوطن العربي "  المنعقد في الفترة من 12-14مارس 2004م  قضية الإصلاح الثقافي حيث أبرزت مجموعة من الأولويات الثقافية وفي مقدمتها:

1.            تهيئة المناخ الثقافي لتحقيق التطوير الديمقراطي وتداول السلطة سلميا ، وذلك بالعمل على مواجهة الرواسب والعادات السلبية الجامدة والآثار المتراكمة  لأوضاع وأساليب سياسية فاسدة من شأنها أن تحول دون فاعلية المشاركة السياسية ، وشأن هذه المواجهة تغيير النظرة السياسية والاجتماعية ،السلبية،إلى المرأة ، وتأكيد إسهامها الثقافي وإنجازها العلمي، ودورها اللازم في عملية التنمية، انطلاقا من أن التنمية الثقافية هي أساس أي تنمية ، والخطوة الأولى لأي إصلاح جذري  لا يمكن نجاحها إلا بإشاعة ثقافة الديمقراطية في مناهج التعليم والإعلام.

2.            العمل على إلغاء أشكال الرقابة على النشاط الفكري والثقافي بما يدعم الحرية المسئولة للفكر، ويحرك عملية الإبداع ، بعيدا عن وصاية أي جهة أو فئة باسم الدين أو التقاليد أو الخصوصية أو السياسة ، أو ما يطلق عليه تجاوزاً اسم المصلحة العامة.( مالم يكن متعارضا مع الثوابت المطلقة،  فتقدم الأمم مرهون  بكفالة "الحرية العادلة" الكاملة لمبدعيها ومفكريها في مجالات أنشطتهم المختلفة.)

3.            تأكيد العلم بوصفه مكوناً أساسياً من مكونات الثقافة ، وبوصفه مساراً راسخاً للنظرة المستقبلية التي تؤسس في الوعي الثقافي العام ضرورة مجتمع المعرفة الذي هو السبيل الأمثل للتقدم في كل مجال.

وتعتبر الإصلاحات في ميدان الثقافة ،دون شك، عملية متشعبة وذلك لتعدد معاني الثقافة.  ومن هنا.. فإن هذه العملية تفرض على مجتمعنا بكل مؤسساته القائمة وضع ضمانات حقيقية وفي المقام الأول دستورية وتشريعية للنهوض بالثقافة وتطويرها وحمايتها ورعاية القائمين بالشأن الثقافي من مفكرين ومبدعين.

ومن هذه الضمانات:

-              كفالة الدولة لرعاية الخدمات الثقافية والعمل بجدية على تحقيقها على أرض الواقع في عموم مناطق الجمهورية مع الاهتمام وبصفة خاصة بالمناطق الحدودية والنائية والمحرومة.

-              إنشاء مسارح ومكتبات عامة ثابتة في المدن وغير ثابتة [متنقلة] في الأرياف وفق خطط وبرامج مدروسة.

-              واجب محو الأمية.. وتقع على الدولة مسئولية القضاء على هذه الآفة من حياة المجتمع على أن يبين القانون الخطة اللازمة للقضاء عليها.

-              تشجيع التعليم الراقي في مجالات الفنون وتطوير القائم منها وذلك من خلال تسهيل التجهيز بكامل الأدوات والمعدات والأساتذة والخبراء المتخصصين، وعند الضرورة الاستعانة بالأساتذة المتخصصين من الخارج.

-              الاهتمام بالمناطق ذات الآثار التاريخية وذلك بالصيانة أو الترميم وفي كل الأحوال الحماية من العبث والاعتداء.. ووضع  تشريعات للحفاظ عليها.

-              الاهتمام بالمتاحف.. والعمل على صيانتها وتوفير الحماية اللازمة لها وتوثيق جميع محتوياتها.

وجدير بالذكر أن المبادئ التي يجب أن ترتكز عليها السياسة الثقافية هي:

1.            حرية الإبداع.. وإلغاء الرقابة العامة.

2.            اللامركزية في الإدارة والتمويل للمشروعات والأنشطة الثقافية.

ومن الأهمية إنشاء إطار دائم للثقافة يسمى [ مجلس أو هيئة أو لجنة ] يتألف من 13عضواً من المتخصصين في مجالات الثقافة [ الآداب، الفنون، الآثار، الخ] يختارون لمرة واحدة مدتها ثلاث سنوات فقط.

ويصدر وزير الثقافة قراره بشأن التعيين لعضوية [ المجلس ، الهيئة ، اللجنة ] مع الأخذ في الحسبان التمثيل العادل لجميع المحافظات والاتجاهات والتخصصات الثقافية عند التعيين.

ويجوز لوزير الثقافة ، رئيس [ المجلس ، الهيئة ، اللجنة ]  ، إعفاء أي عضو خلال فترة عضويته بناءً على طلب العضو أو في حالة إخلال العضو بالتزاماته أو عدم قدرة العضو على أداء واجباته. هذا وتصرف وزارة الثقافة مكافأة مجزية للأعضاء ،  لقاء خدماتهم ، خلال فترة العضوية.

ويجتمع [ المجلس ، الهيئة ، اللجنة ]  ثلاث مرات في العام  وعلى النحو المبين أدناه:

أبريل   /    أغسطس  /   ديسمبر   /  من كل عام

ويجوز لوزير الثقافة ، عند الضرورة ، أن يدعو هذا الإطار للانعقاد في اجتماع طارئ.

ويناط بهذا الإطار [ المجلس ، الهيئة ، اللجنة ]  المهام التالية:

[1]          وضع دراسات وتقارير وخطط وبرامج [ قصيرة المدى / متوسطة المدى / طويلة المدى ] ومقترحات وتوصيات بشأن:

-              تطوير الثقافة والخدمات الثقافية للفترة  2005 – 2030 م.

-              نظم ولوائح بشأن دعم الثقافة والإبداع الثقافي والخدمات الثقافية والحفاظ على التراث اليمني الشعبي وإحياؤه والآثار والجمعيات الثقافية.

-              رعاية ثقافة الطفل وتنمية مواهبه والاهتمام بتربية النشىء من خلال التثقيف التربوي السليم.. وتشجيع الشباب المبدع ، من الجنسين  في مجال الثقافة.

-              نشر الوعي الثقافي  والتذوق الراقي الفني في المجتمع

-              رعاية الإبداع الفكري والفني  وحماية حقوق التأليف والأداء  ونشر التذوق في مجالات الفنون التشكيلية .. وتشجيع المواهب في هذه المجالات.

-              تشجيع ودعم الإنتاج الأدبي والفني والتأليف والترجمة

-              نشر خدمات المكتبات والمتاحف .. وتوفير الدعم اللازم لها.

-              تنظيم المهرجانات والندوات والمؤتمرات الثقافية

-              توثيق الروابط الثقافية مع اليمنيين في المهجر وتطويرها.

-              تشجيع التعاون في كافة مجالات الثقافة مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات العربية والأجنبية العاملة في هذا الميدان.

[2]          لوزير الثقافة أن يطلب من [المجلس ، الهيئة ، اللجنة ] إبداء الرأي في أية مسألة ثقافية و(للمجلس،الهيئة،اللجنة) أن تقوم  بتقويم أداء الأجهزة الثقافية القائمة وتطويرها.

إصلاح السلطة الرابعة:                                                                        مدخل: عندما كان الإعلام مرتكزاً بصفة أساسية على الصحافة.. وعندما كانت الصحافة في بعض بلداننا العربية لها قوتها ونفوذها ومصداقيتها لدى الرأي العام.. فقد كانت

بحق "سلطة رابعة" وكانت تسقط حكومات وتقيم أخرى.

واليوم قد اتسعت وتنوعت وسائل الإعلام ولم تعد الصحافة وحدها المتسيدة بل أصبح الإعلام بكل أنواعه ووسائله ،المقروءة والمسموعة والمرئية، وبكل وسائلة الناقلة للخبر والمعلومة والرأي والتحليل والمعرفة ،ابتداءً بالصحافة ووصولاً لما أنتجته ثورة المعلومات بأقمارها الصناعية وشبكات "الإنترنت"..، وأصبحت كلها تشكل بحق سلطة نافذة الفعل والتأثير، ليس فقط في الشأن السياسي، بل في كل شئون الحياة التربوية والثقافية والفكرية والتقنية والعلمية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. فاتسع الأثر والتأثير ليشمل كل المجتمعات بكل تنوعاتها وشرائحها وليشمل كل المجالات.. وتعمق فعل هذه الوسائل معرفة ومعلومات وتأثيراً.. وكل ذلك في نظرنا إنجاز عظيم وإيجابي كآليات وأدوات ووسائل.. وعلينا أن لا نخشى ،من السلبيات التي قد تنقلها تلك الوسائل، إلى الدرجة المعيقة والمعطلة لها.. فأي سلبية أو إيجابية لا يمكن أن تكون نابعة من تلك الوسائل وإنما من الإنسان المستخدم لها، مرسلاً ومستقبلاً مُلْقِياً ومُتَلقِّياً..، كما أنه علينا أن ننأى عن المبالغات والوهم بأننا مقصودون بكل تلك السلبيات ،لتدمير قيمنا ومعتقداتنا، لأنه لا يتم بثها لنا وحدنا بل لستة بلايين من البشر ،نحن جزء منهم،.. كما أن مجتمعات جهات البث أيضاً جزء منهم.. وحتى تلك الأمور، التي قد نكون مقصودين بها، فإننا أمة يجب أن تكون لديها القدرة على الاستيعاب والاستفادة مما هو إيجابي والتحصين والرفض الذاتي لما هو سلبي أو متعارض مع قيمنا ومعتقداتنا.. فالقضية لها مُلقِي ومُتَلقِّي فإن كان هناك سوءاً أو خللاً فهو حتماً ليس في وسائل الإعلام والمعرفة والمعلوماتية .. وهو حتما ليس في المُلْقِي وحده وإنما في المُتلقِّي أيضاً ،بنفس القدر أو أكثر، وعلاجه في أنفسنا نحن بأنفسنا ،تربية وقيماً وثقافة وانفتاحاً على العصر، لا في إلقاء التبعة على الغير أو على الوسائل.. وإن عجزنا عن ذلك فلا نحوِّل عجزنا غضباً على الغير وعلى الوسائل متذرعين بالمحافظة على عقيدتنا وقيمنا بدلاً من محاولة علاج العجز وسوء الفهم فينا.. فالعقيدة والقيم الراسخة باقية ومحفوظة بالحافظ لدى المجتمعات التي تستطيع ذاتياً أن تقيم لتلك القي م قيمة ومكاناً ،في العقول والنفوس والقلوب، والتي بدورها تستطيع أن تعكس مفاهيم وممارسات سماحتها واعتدالها ومودتها لمخلوقات الخالق.. وحقائقها تأتي من استلهامها لها من منابعها الصافية النابذة للغلو والتطرف والكراهية.

وعلينا أن نختار.. بين استسهال أسلوب الرفض للعصر لعجزنا عن الفهم الحقيقي لعقيدتنا وقيمنا ،التي في حقيقتها قادرة على استيعاب كل الكون والإنسان بكل احتياجاته، المادية والمعنوية، وقادرة على استيعاب العصر بكل علومه ومعارفه وتطوراته.. أو أن نختار بذل الجهد لفهم عقيدتنا وقيمنا والانفتاح على العصر والشراكة في بناء الحياة فيه ،القائمة على المحبة وحب الخير والإستفادة والإفادة من علومه ومعارفه وتطوراته في كل المجالات.

ما تعانيه السلطة الرابعة في بلادنا.. ومؤشرات للمعالجة

1-            لن نفصل حول ماهو معلوم ومعلن من ممارسات السلطة ضد الصحافة والصحفيين فهي أحد مظاهر ونتائج الخلل العام.

2-            رغم كثرة الصحف في بلادنا.. ورغم الهامش ،الذي يضيق، فإنه يسمح بالكتابة والنقد ضمن خطوط خضراء دقيقة وباهتة تحيطها وتحادها وتظللها أحياناً خطوط حمراء كبيرة وقانية ، فيقع الصحفي أو الكاتب في المأزق، مع وجود قانون يحتاج إلى وضوح في حمايته للحرية المسؤولة ويحتاج الى إلغاء نيابة الصحافة وإحالة أي خروج عن القانون الى نقابة الصحفيين بدءاً ؛ ثم إلى القضاء العادي إن كان في الأمر تعد على حقوق وكرامة الغير أو إضرار مادي أو معنوي مما هو في دائرة القانون ،"فالحرية العادلة" المسؤولة يجب صيانتها وحمايتها ورعايتها وتنميتها لا محقها.

3-            إن الصحفي يقع بين نار رغبته وجنة مسؤوليته في ممارسة حريته في الكتابة المسؤولة والنشر المسؤول ويزيد الأمر التهاباً نار الحياة المعيشية النكدة والتي تتحكم منظومة الحكم فيها، تسعيراً أو إطفاءً، بطرق مباشرة وغير مباشرة. فهو بين نار وجنة ذاتية يراها ويهفو الى دخول الجنة وأحياناً يبحث عن الدفء في ناره وبين لهب نار الحياة المعيشية المشتعل الذي يحتاج الى إطفائه أو حتى الى تخفيف تسعيره.. ولا يدخله جنته تلك أو حتى نار دِفْئِه الذاتي ويحميه من لهب نار الحياة إلا رفع يد منظومة الحكم عن الإعلام.

4-            إن الصحافة الحزبية والمستقلة محكومة بعوامل تؤثر على تطورها واستمرارها.. منها عامل التمويل، وهو الأهم، في بلد لا تستطيع فيه الصحف أن تعتمد على مبيعاتها لضعف التوزيع الناتج إما عن:

أ  -     ضعف الصحيفة.

ب  - أو عن ضعف شركات التوزيع القليلة والتي يتولى غالبيتها مؤسسات إما حكومية أو صحفية تخلط بين إصدارها للصحف وتوزيعها لصحف الغير..

جـ-   أو عن تكاليف التوزيع..

د   -   أو تعمد بعض المؤسسات الحكومية ،الناقلة إلى المحافظات، أن تؤخر أو حتى عدم النقل لتلك الصحف..

هـ-  كما أن الإعلانات الحكومية وإعلانات الشركات والمؤسسات الحكومية والمختلطة لا تعطي إلا لمن ترضى عنهم منظومة الحكم.. بل إن الشركات الخاصة تخشى أن تُغْضِب السلطة إن أعطت إعلانات لصحف معارضة  .. لذلك لابد من النص في قانون الصحافة على عدالة توزيع الإعلانات الحكومية على الصحف الحزبية والمستقلة فقط .. كما يجب النص إما على منع الدعم الحكومي للصحف الحزبية والمستقلة أو على أن يشمل الجميع بالتساوي ..

5-            لا بد من كادر للصحفيين والكتاب يحدد الحد الأدنى لدخولهم وتعده نقابة الصحفيين وأن يكون ملزماً لجميع الصحف.

6-            إن على صحف المعارضة أن تفسح المجال للرأي الآخر في صحفها بحيث تسمح للآخرين ممن يخالفها الرأي والتوجه والموقف بطرح رؤاهم على صفحات صحفها ولها أن تعقب وتوضح وتثري النقاش بل وتجذب القرّاء إلى صحفها.. وتوجد بعض الإضاءات في هذا الصدد في بعض تلك الصحف والتي تستحق الإشادة.

7-            إن مهنة الصحافة في بلادنا لا تحقق لمنسوبيها الضمانات التي تمكنهم من إزالة بعض معاناتهم ليحققوا الإبداع والجهد المطلوبين ولا بد من إلزام الصحف بالمساهمة في التأمين لدى مؤسسات أو شركات للتأمين ،الصحي والاجتماعي وضد حوادث العمل أو السجن أو المنع من مزاولة الكتابة، على العاملين لديها من صحفيين وغير صحفيين..

8-            إن غياب الضوابط التي تمنع تعرض نقابة الصحفيين للتجاذب من منظومة الحكم ومنظومة المعارضة يؤثر سلبياً على الأداء المهني للنقابة.. ولا بد من أن توجد النقابة الضوابط المانعة بحيث تتمكن من أداء دورها الهام في حماية منسوبيها وتطوير أدائها وأدائهم

وجماع هذا الأمر يكمن في أن إصلاح الخراب والاختلالات في المنظومة السياسية (حكم ومعارضة) هو الأساس في إصلاح الاختلالات ورفع أو تخفيف المعاناة عن الصحافة والصحفيين.

الفصل الثالث: حقوق الإنسان:

-              إن طرح قضية حقوق الإنسان في هذا الموضع المتأخر من باقي القضايا ليس لضآلة أهميتها وإنما ناتج عن عظم أهميتها وارتباطها بكل ما تقدم من قضايا سياسية واقتصادية وقضائية وأمنية وشأن قبلي وحقوق المرأة والتعليم والصحة والبيئة والكهرباء والمياه والفقر والبطالة...الخ.. فالمستهدف من كل ذلك هو خدمة الإنسان الذي كرمه الله في أقدس كتبه.

-              وإن حرية وحقوق الإنسان ،بمعانيها الشاملة، وكرامته وحماية ورعاية المجتمع لدينه ونفسه وبيته وماله وعرضه وعقله ونفسيته ومعيشته وعمله وتعليمه ومعارفه وحركته وسكونه وحياته الآمنة ،بشمولها، وتنقلاته في حياته الدنيا وانتقاله إلى الدار الآخرة.. كلها حقوق تأتي في المقام الأول.. وعندما نقول إنسان فإننا نعني، ذكراً وأنثى، فكلاهما شريكان في الإنتماء الإنساني وبالتالي شريكان في الحق الإنساني.

-              وإن منظمات حقوق الإنسان لا بد أن تهتم بكل تلك الجوانب لا بالشأن السياسي والأمني فقط.. ونثمّن ما تقوم به منظمات حقوق الإنسان ،غير الحكومية، في بلادنا وما تقوم به مثيلاتها الدولية .

-              ومع احترامنا لـ"وزارة ووزيرة حقوق الإنسان" في بلادنا ،التي تحاول بظاهر جدية أن تخفف من معاناة الإنسان في بلادنا دون جدوى، وللجنة حقوق الإنسان ،وأعضائها، التي أنشأتها السلطة.. إلا أننا نتساءل هل يمكن لهما أن يؤديا دورهما بشكل مستقل عن من أنشأهما أم أنهما لن تُمكَّنا من ذلك؟.. وممن ستحميا حقوق الإنسان؟!. أو من ذا الذي ينتهك حقوق الإنسان ويعبث بها غير النظام الذي أنشأ الوزارة واللجنة؟.. فليكُف عن انتهاك وامتهان الإنسان ولن يكون في حاجة إلى مساحيق لا تجمّل شيئاً..

 

مقتطفات من تقرير منظمة العفو الدولية :

(نحت الحكومة جانباً الضمانات التي يكفلها النظام القانوني اليمني ضد الاحتجاز لأجل غير مسمى) (استمر تفشي التعذيب وسوء المعاملة مما أسفر عن وفاة شخص واحد على الأقل في الحجز. ولم يتم إجراء أية تحقيقات مستقلة في هذه الانتهاكات، على حد علم منظمة العفو الدولية.)

________________________________________

-              تقرير منظمة العفو الدولية التالي له والصادر في 24سبمتبر 2003 جاء في بعض فقراته:

(إن الخطاب السياسي الحكومي، إلى جانب تصرف قوات الأمن خارج الرقابة القضائية مع الإفلات التام من العقاب، قد خلقا مناخاً من الخوف في صفوف المجتمع المدني، الذي كان يتطور قُدماً بشكل حيوي نحو إحداث تغييرات إيجابية في مجال حقوق الإنسان. ففي البداية التزم هذا المجتمع المدني الصمت في وجه الازدراء الصارخ للإنجازات التي حققها اليمن في مجال حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة. وقد أدى هذا الصمت إلى تسهيل ظهور نمط من المضايقة المستمرة للصحفيين) .... (وإن السياسات الأمنية التي اعتمدتها الحكومة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول تمثل تراجعاً خطيراً عن تعهداتها التقدمية السابقة، وابتعاداً عن التزاماتها بمقتضى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، ومنها المادة (1) 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أن "لكل فرد الحق في الحرية  والسلامة الشخصية. ولا يجوز القبض على أحد واعتقاله بشكل تعسفي. كما لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا على أساس من القانون وطبقاً للإجراءات المقررة فيه".) ... (وفي العديد من الأماكن في شتى أنحاء البلاد، كان النمط الشائع يتمثل في قيام أفراد الأمن، بالزي الرسمي أو بملابس مدنية، باقتياد الشخص من منـزله أو مكان عمله في فترة ما بعد الظهيرة أو في وقت مبكر من المساء من دون إبداء أي سبب أو إشارة إلى الوُجهة التي سيقتادونه إليها)...  (لقد أدت القيود القانونية العديدة المفروضة على حرية الرأي والتعبير إلى تسهيل وقوع نمط من مضايقة الصحفيين ومنتقدي سياسة الدولة) ... (وقد أدت عمليات الاعتقال الجماعية والاحتجاز والإبعاد، التي يدعمها الخطاب السياسي لمسؤولين حكوميين من أرفع المستويات، والتي صوَّرت أولئك المستهدفين من قبل قوات الأمن على أنهم "إرهابيون"، إلى خلق مناخ من الخوف. وتفاقم ذلك المناخ بسبب تفشي المزيد من مشاعر الخوف على نطاق واسع في صفوف المجتمع، وتحديداً الخوف من هجوم عسكري أو عقوبات اقتصادية ضد البلد. وفي مواجهة تلك المخاوف، شعر أفراد المجتمع المدني بأنه ما من خيار أمامهم سوى التزام الصمت في وجه تلك الهجمة العنيفة على حقوق الإنسان من قِبل قوات الأمن.) ...

-              ويمكن الحصول على المزيد من المصادر التالية:

•             تقارير الخارجية الأمريكية.

•             تقارير منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch

•             منظمة هود باليمن.

•             منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان –جنيف.

•             المنظمة اليمنية للدفاع عن حقوق الإنسان.

•             منظمات حماية الصحفيين في أوربا وأميركا.

•             إتحاد الصحفيين العرب.

•             نقابة الصحفيين اليمنيين.

•             والصحف اليمنية...وغير ذلك كثير.

الفصل الرابع:خــلاصات [قضية التطرف]:-

-              إن التطرف في أي مفاهيم أو اتجاه أو مسلك لا بد أن يؤدي إلى نشوء تطرف في مفاهيم أو اتجاه أو مسلك مضاد.

-              إن التطرف الديني في أوروبا ،في القرون الوسطى وعهود التخلف، وقف حائلاً ضد العلم والعلماء معتمداً على أقاويل تخدم القائمين على الكنيسة التي احتكرت كل حركة الحياة بكل تخصصاتها واتجاهاتها وبالتالي كان لا بد من نشوء ونمو تطرف مضاد ضد الدين أدى إلى الثورة على الكنيسة والنظام السياسي الذي كان يدعمها ،من جهة، وكانت تسيطر عليه وتحركه ،من جهة أخرى..، ونتج عن ذلك نهضة علمية مادية  وتولّد عنه مجمل الفكر المادي الذي في النهاية انقسم إلى فكر علماني (ومصطلح "علمانية" ""Secularism" يعني "لاديني أو متحرر من الدين" في أصله اللاتيني وليس لهذا المصطلح علاقة "بالعلم" فكلمة "علمانية" هي تعريب مُوهِمْ لاعلاقة له بأصل المصطلح أو الفكر الذي يمثله) رأسمالي مادي وفكر مادي شيوعي.. وكلاهما ناصب الدين العداء من منطلق تجربة القرون الوسطى وتجارب الإقطاع في أوربا.. أحدهما لازال قائماً والآخر انهار وسقط .

-              في نفس تلك المرحلة، القرون الوسطى وعهود التخلف في أوروبا، كان العالم الإسلامي يعيش نهضة وازدهار حضاري وعلمي وقيمي وكان علماء ذلك الإزدهار الحضاري والعلمي والقيمي اكثرهم من المتفقهين في الدين الإسلامي وفي ظل أنظمة ترفع راية الإسلام..

-              من ذلك يتضح ان توجه الكنيسة ،في تلك الحقبة، ومفاهيمها الخاطئة واستئثارها بالقرار واستخدامها مكانتها الدينية كان هو العائق ولم يكن الدين بذاته عائقاً.. والدليل أن الناتج النهائي في القرنين الأخيرين:

1-                            أن أنظمة التوجه الرأسمالي القائمة على آليات ديمقراطية وحرية وحقوق إنسان حققت  نجاحات ،واستمراراً حتى الآن، مادياً وتقنياً واقتصادياً ورافق ذلك تحللاً قيمياً وتفككاً أسرياً ،مع الإبقاء على احترام شكلي للدين ومكانة للكنيسة والعبادة.. وقامت في أوربا حروب مذهبية دينية وحشية وطاحنة ،لازالت آثار بعضها عالقة، وبرزت في الغرب مؤخراً توجهات ودعوات دينية ،اعتبرها البعض متطرفة، أصبح لها النفوذ والقرار في أقوى دول الغرب وأكثرها تقدماً..وأصبحت تُشكِّل ،في نظرهم، الدافع القيمي والروحي والمعنوي للتماسك والتفوق.

2-                            بينما نجد التوجه الشيوعي القائم على هياكل فكر الديمقراطية المركزية وعلى ديكتاتورية الطبقة العاملة ورفض كامل ،بل وحرب على الدين، قد فشل وانهار في فترة قصيرة جداً رغم تحقيقه لنجاحات علمية وتقنية في مجال التسلح والصناعات الثقيلة وغزو الفضاء.

-              لذلك فإن التاريخ يعلمنا:

1-            إنه بقدر الارتباط بالدين وقيمه وأحكامه تنجح الحضارات ويطول عمرها (الحضارة الرأسمالية أمريكا وأوربا الغربية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الرومانية،  الحضارة اليونانية، الحضارة الفارسية، حضارة الصين القديمة، الحضارة المصرية في عهد الفراعنة، والحضارة البابلية والحضارة الهندية ...إلخ.. فجميع تلك الحضارات كان لها ارتباط بالديانات بطريقة أو أخرى).

2-            وبقدر الابتعاد عن الدين ومحاربته يقصر عمر الحضارات وإن حققت تقدماً علمياً مادياً (المنظومة الشيوعية وكثير من الحضارات القديمة التي لم يكن لها ارتباط بدين فبادت في وقت قصير جداً نسبياً).

3-            وبقدر سماحة واعتدال المفاهيم والأحكام الصحيحة للدين واستيعابها للعلوم التجريبية والكونية وللفكر الإنساني والقيم الأخلاقية فإن عمر الحضارة يكون الأطول وتفوقها وانتشارها واستيعابها للآخر وتفاعلها مع الحضارات السابقة يكون أسرع وأعمق وقدرتها على التجدُّد أكبر كلما استطاعت أن تستلهم موروثها وتتفاعل مع الآخر .(الحضارة الإسلامية).

          =  وهذه القراءة نجدها مضطردة ومتكررة في كل الحضارات التي عرفها الإنسان.

      

إن التطرف باسم الدين الإسلامي يتولد وينمو لأحد سببين رئيسيين:

1)            قراءة مبتسرة وفهم مغلوط لحقائق الدين وأحكامه والأخذ بالتشدد والغلو، في حين أن المفاهيم الصحيحة لأصول الدين قائمة أساساً على المحبة والتراحم والسماحة والاعتدال وصيانة الكليات ، الدين والنفس والعرض والمال إلا بحقه والعقل..وتقدير وتشجيع وعناية بالعلوم والعلماء ،في كل مجالات المعرفة.

2)            نشوء ونمو تطرف ضد الدين مما يدفع البعض بأن يواجهه بتطرف باسم الدين، والدين منه براء.

       أما التطرف ضد الدين فأيضاً ينشأ عن أحد سببين رئيسيين:

1)            نمو تطرف باسم الدين يتبنّى مفاهيم لا علاقة فعلية لها بأي دين.. فيحجر على العقل ويقف حائلاً ضد العلم والتطور.. [الجماعات المتطرفة التكفيرية باسم الإسلام وكنيسة القرون الوسطى باسم المسيحية].

2)            قراءة خاطئة واستنساخ لتوجهات ومفاهيم نشأت في مجتمعات أخرى كانت رد فعل إما لتطرف باسم الدين أو لمظالم اجتماعية.. [التطرف العلماني-اللاَّديني- والشيوعية].

وفي بلادنا، اليمن -مثلاً، فإن التطرف باسم الدين هو وافد وطارئ ولا توجد له أي جذور عميقة في تاريخنا.. بل إن الاعتدال في المفاهيم والسماحة والمودة والقدرة على التعامل والتعايش مع الغير هي السمات الأبرز التي تحلى بها علماؤنا عبر التاريخ وهي السمات لطبيعة شعبنا.. وبها، مع علم وورع وتواضع، فتح أبناء آسيا، وبالذات جنوب  شرقها، وسيرلانكا ومناطق في الهند وشرق أفريقيا قلوبهم وعقولهم لهذا النهج السمح الصافي.

كيف نشأ التطرف باسم الدين في بلادنا:

1-            إن النهج والمفاهيم المتطرفة والقائمة على أحكام أُجْتُزِأت من سياقها العام ، لم تنجح في الانتشار أو التجذر في بلادنا رغم المحاولات العديدة خلال القرون.. وفي فترات عنفوانها استطاعت ،في غياب النهج المعتدل السمح، أن تنتشر لفترة محدودة وفي مناطق محدودة  ..وبانتشار المنهج السمح المعتدل ،قبل أكثر من 11قرناً، والقائم على الفهم الصحيح للدين وتلقيه بالسند المتصل الصحيح انتهى نهج التطرف..

2-            في تاريخنا المعاصر ومنذ مطلع الخمسينيات بدأت مفاهيم التطرف المضادة للدين تتسرب.. حتى أصبحت قوة في أواخر الستينيات وما بعدها.. نتيجة لعوامل سياسية كثيرة ،دولية وإقليمية ومحلية، فأضعفت ثم اضطهدت وغيّبت التوجه الديني المعتدل السمح واستأصلت كثير من أهل العلم الراسخ والسلوك السوي ، مما أدى إلى تدني عام في الوعي الديني.

3-            واستفحل التطرف المعلن لرفضه للدين.. فشن حرباً إعلامية ومنهجية وتصفوية من طرف واحد وامتلك كل الآليات والأدوات وبدعم من قوى دولية عظمى.. حتى اعتقد كثيرون أنهم قد حققوا تلك الأهداف في حين كان النهج الديني السمح المعتدل، الراسخ الجذور، وعلماؤه يركزون على نشر العلم والتربية سراً في بيوتهم.. واستطاع بعضهم اللجوء إلى المهاجر وأحيوا العلم والتربية وأنشأوا جيلاً واسعاً من الرجال والشباب على اتساع في العلم ورسوخ في التربية والسلوك البعيد عن التطرف وعن ممارسة العمل السياسي أو التنافس على السلطة.

4-            في نفس تلك المرحلة كان للحركة الإسلامية في بلادنا ولدور العلم وأربطته ،القائمة على النهج السمح الصافي، دور كبير في صد تلك الهجمة ضد الدين وحماية مناطـق اليمن الشمالية ،التي لا تسيطر علـيها تلك الـتوجهات المضادة للدين، ونجحت في ذلك..

5-            إلا أن التطرف العنيف ضد الدين أفسح مجالاً واسعاً لردة فعل بوفود وبروز لمنهج وفكر التطرف باسم الدين الذي تبنّاه كثيرون كرد فعل للتطرف المعادي للدين.. وما أن جاء احتلال السوفيات لأفغانستان وإعلان الجهاد ضد هذا الاحتلال حتى وجد كثيرون في تلك القضية متنفساً ، بدأ على أسس صحيحة من الأفغان وبعض الرموز الإسلامية التي ساندتهم ثم تحولت أفغانستان إلى مركز تجمع لكثيرين من الذين تبنّوا نهج التطرف باسم الدين أو من شباب بريء وصادق ورافض لما يجري في بلدانهم فهبوا لمحاربته في أفغانستان.. فاستقطبهم أهل التطرف.

6-            بعد نهاية التطرف المضاد والمعادي للدين.. كان التطرف باسم الدين قد استفحل وقويت شوكته.. وساعد على ذلك استخدام نظام الحكم للدين في الصراعات السياسية على السلطة فتهيأ لهذا التيار كم من الإمكانات سلاحاً ومالاً واستثمارات فأصبحت بلادنا مرتعاً ومأوى ومنطقة جذب وارتكاز هام للتطرف باسم الدين ووفد إليها عدد كبير من قيادات وكوادر هذا النهج من مختلف الجنسيات.. وجاءت أحداث دولية ومحلية وإقليمية ساعدت على التنبه لهذا الأمر وعلى بذل جهود لتقليصه أوتحجيمه.

7-            إن أي تيار لنهج تطرف يصعب عليه النمو والتماسك في غياب عدو أو خصم.. فاتجه هذا التيار في بلادنا إلى خلق خصومات متعددة في كل مرحلة ومع جهات متعددة:-

أ  )      بدءاً بالمؤسسات الدينية ذات الجذور التاريخية والقائمة على الأخذ بمذاهب معتبرة ومؤسسة على علم راسخ وتراث علمي وفقهي وثقافي عميق الجذور ،المذهب الشافعي المذهب الزيدي - شريحة صغيرة من المذهب الحنفي..  وكذلك "اتباع الإسماعيلية" ،الذين لهم وجود محدود خاصة في جبال حراز، حيث شن أهل التطرف ،عليها جميعاً، حملة تصل أحياناً إلى درجة التكفير والتصفية والاتهام بالضلال والابتداع..

ب )   وخصومة وعداء مع الذين كانوا يحملون نهجاً معادياً للإسلام أو فهماً خاطئاً عن الإسلام أو سوء فهم الآخرين لهم ،من ماركسيين وعلمانيين، وتخلوا عن هذا النهج أو اتضحت الصورة لهم أو عنهم.. فاشتدت معاداتهم وتكفيرهم بدلاً من الترفق والإنصاف وتشجيع توجهاتهم الجديدة أو حسن الظن بهم. ثم خصومة مع السلطة،التي تستخدمهم أحياناً، لأسباب سياسية أو مصلحية.

8-            ومع اشتداد الحملة على التطرف والإرهاب.. فإن التيار الإسلامي الحركي بدا أنه يحاول فك ارتباطه بالجماعات والعناصر المتطرفة التي تتبنى التكفير والعنف والذين شكلوا في مراحل وظروف سابقة جزءاً من نسيج حركته وتنظيمه.

9-            ويحاول هذا التيار أن يفسح المجال لإبراز بعض رموز وكوادر ،في الواجهة، تمتلك قدرات تكتيكية سياسية وحنكة ووعي وإدراك بالمستجدات وأساليب وآليات التعامل مع المراحل، محلياً ودولياً.

10-          مع ذلك.. كان التطرف الديني الفج والمستفز قد أحدث ردات فعل عميقة وفتح مجالاً لها على الأصعدة التالية:-

‌أ)    استعادة شريحة ،لازالت صغيرة، من الذين نشأوا على معاداة الدين ورفضه لهذا النَفَس ،المعادي والرافض، في أحاديثهم وكتاباتهم مباشرةً وتوريةً ،وهو أمر طبيعي من الناحية النفسية كدفاع يحدثه العقل الباطن عن ماضٍ عند البعض ممن لا يرى في نفسه الخطأ أو تتأبى مشاعره الداخلية عن الاعتراف به.. وهذا نهج في العمل السياسي سطحي ويدل على ضعف شديد في القدرة على الابتكار والتغيير أو التطوير الذاتي كما يدل على الانحباس اللاشعوري في الزمن ،الخطأ، الذي ولَّى وعدم القدرة على فك الارتباط به بل حتى بسلبياته الشديدة الوضوح ..

‌ب)   شريحة صغيرة جداً من المثقفين والنخب الذين رأوا في نمو هذا التطرف واستفحال أثره عائقاً ومانعاً للتحديث والتطور، وهذا صحيح،.. إلا أنهم أرادوا أن يحمّلوا الإسلام كله ،في عمقه وأسسه، هذا الوزر اعتماداً وارتكازاً على ثقافة أحادية وقراءة للإسلام جانبها التدقيق إما باعتمادها على قراءة لنهج التطرف ،المدعي بالإسلام، باعتباره هو الإسلام  أو على قراءة من كتابات ودراسات معادية أصلاً للإسلام.. فسارعوا بسهولة ،وكأنهم اكتشفوا حلاً سحرياً، إلى إلباس الإسلام ثوب كنيسة القرون الوسطى وإلباس علماء الإسلام ،سلفاً وخلفاً، مسوح رهبان وكهنة كنائس القرون الوسطى.. وهو ثوب لا شأن له بالإسلام ومسوح لا رابط بينها وبين علماء الإسلام ، ولا بمسيرته وحضارته ولا بسيرتهم ونهجهم ،لا شكلاً ولا موضوعاً...

إن المنهج العلمي الصحيح أن الحكم على أي معتقد أو فكر أو ثقافة لا يمكن أن يكون دقيقاً بالاقتصار على قراءة الشذوذ والاستثناءات التي جاءت من بعض أهل هذا المعتقد والمخالفة لأسسه وأصوله وقواعده ومقاصده  ولا على قراءة أعدائه وخصومة أو قراءته من بمعايير مفاهيم ثقافات وقيم أخرى.. ففي الثقافات الأخرى لا نجد من أهلها ،إلا الشاذ من الآراء، من يحكم على موروثه بعيون ومنطلقات خصومه أولا يرى من موروثه وحضارته سوى سلبيات الآراء أو الممارسات الشاذة فيه والخارجة أصلاً على مقاصده وأصوله الصحيحة وقيمه.

‌ج)            ينمو منذ فتره رد فعل آخر باسم الدين..يرى:

1)            أن التوجهات الدينية السمحة والمعتدلة والراسخة في اليمن لا يقر منهجها العنف والصدام.

2)            أن منهج فكر التطرف ،باسم الدين، الذي وفد وانتشر باسم السلفية الجديدة ،التكفيرية المتطرفة، لم يقتصر في هجمته ،على المناهج الدينية القائمة، على الطرح الفكري بل أنه امتلك أدوات الفعل واستخدمها.

3)            أنه لم يقتصر في هجمته على تسفيه الفكر والنهج القائم بل اتجه اتجاهاً خطيراً نحو تسفيه وتجريح شرائح واسعة في المجتمع على أساس تقسيمي عنصري..وأحياناً مناطقي أو مذهبي.

4)            إن ما تقدم لا يبرر ،في نظرنا، ما أنتهجه رد الفعل الناشئ والنامي  المتبنّي نهجاً وفكراً وافداً أيضاً آخر باسم المذهب الشيعي الاثنعشري.

5)            في صراع وخلاف السلطة إما السياسي أو الأمني مع التوجه السلفي ،الجديد، شجعت وموَّلت الفكر والنهج الآخر الوافد الجديد أيضاً على بلادنا.. واستثمر هذا التشجيع فمكَّن نفسه من أدوات الفعل.. فلما أرادت السلطة تحجيمه وإعادته إلى الطاعة تم ذلك باستفزاز من بعض الذين وجدوها فرصة لتوريط أصحاب هذا التوجه وتوريط الدولة.. فما تم في "صعدة" يبدو لأي متابع أنه خارج عن السياق المرن لأسلوب فخامة الرئيس في معالجة الأزمات.. فأنهت القوة مظهر الأزمة والحدث وتركت نزفاً لجراح جديدة نرجو أن يتجه الجميع للمساهمة في علاجها..فما حدث ترك جراحاً أعمق لا بد من تضافر جهود الدولة والمجتمع لعلاجها قبل أن تتحول ،بفعل دفع البعض لإثارتها أو بفعل الترك، إلى التقيّح فتسمم جسم المجتمع وتشعل حرائق نسأل الله أن يجنّب بلادنا شررها وشرورها.. ولعل في كل ما حدث عبرة ودرساً يؤدي إلى الكف عن استخدام الدين في الصراعات السياسية أو عن استخدام صراعات الفرق المتطرفة وبعضها أو مع غيرها في لعبة التوازنات السياسية التي أرهقت الوطن ومزقت النفوس.. فالدين عقيدة ؛ ومحاولة استخدامه واستخدام فرقه المتطرفة كأحد أدوات اللعبة السياسية سيؤدي إلى إحراق الجميع في الدنيا قبل الآخرة.

11-          ماذا كان دور باقي القوى السياسية وبعض النخب والشخصيات في معالجة نشوء أو نمو التطرف باسم الدين؟!..

                ((إن ما نطرحه لا نقصد به تجريح أحد أو اتهام أحد أو تبرئة أحد.. بل نطرح بشفافية وموضوعية ما نراه ، بقصد الفهم لواقع أوضاعنا بعيداً عن الرتوش والمساحيق والمداهنة..،دون تشهير أو إساءة، ولا نحمل لأي فصيل أو جماعة أوفرد إلا المودة أياً كانت مواقفه إزاءنا.. وكما نذكر سلبيات الآخرين نذكر سلبياتنا ،التي ندركها ونعلمها، وقد تكون هناك سلبيات فينا لا نراها وسنكون مسرورين وشاكرين لفضل الآخرين  إن هم بيَّنوها ،وساعدونا على التخلص منها،  ))..

                إن دور باقي القوى السياسية وبعض النخب والشخصيات.. (ونحن منهم ) انقسم إلى قسمين:-

أ‌)             منَّا من حاول الإستفادة من الصراعات الناتجة عن التطرف بكل أشكاله بأساليب بعضها بدائي وبعضها غير مسئول .. منها:-

1-            الوقوف مع طرف ضد آخر.

2-            تشجيع وترويج أطروحات من يقف معه.

3-            الإستفادة إما معنوياً أو سياسياً أو مادياً من تلك الصراعات.

4-            استخدام بعض القضايا الملتهبة المحلية أو العربية أو الدولية لتهييج التطرف.

5-            توسيع الهوة بين المتصارعين.

6-            التنظير التبريري لبعض ممارسات التطرف.

7-            من جهة أخرى التنظير الاسنفزازي ضد التطرف ،مما يدفعه إلى تطرف أكثر، واستخدام ذلك سياسياً أو لإثبات صحة نهج متطرف آخر مضاد.

8-            تشجيع ،أو على الأقل الترويج، لأي انفلات أو انفجار للأوضاع لإرباك نظام الحكم دون إدراك للمخاطر والآثار، على الوطن، التي قد يسببها أو ينميها هذا الأمر.. لحسابات خاصة خاطئة أو كرد فعل ضدالنظام.

9-            التسرع في الحكم على أي حدث دون التيقن من خلفياته وأسبابه لتسجيل مواقف سياسية "بالونية" لحسابات سياسية ذاتية أو حزبية.

ب‌)   منَّا ،أحزاباً ونخباً وشخصيات، من لم يبذل جهداً يذكر:-

1)            للمقارعة الفكرية العلمية للتطرف.   

2)            للتواصل والتحاور مع تلك الأطراف التي تحمل نهج التطرف لإثنائها عنه أو لتخفيف غلوها أو على الأقل لمعرفة أسبابها ومبرراتها.. فأياً كان نهجهم فهم في النهاية ابناؤنا ومن أرضنا.(مع استثناء لجنة العلماء برئاسة فضيلةالقاضي حمود الهتار التي بذلت وتبذل جهداً محموداً ،وإن كان محدوداَ نتيجة لطبيعة تكوينها لمعالجات احداث طرأت ).

3)    لتحصين المجتمع من هذا الداء الخطير.

4  )   للتعاون في وضع آليات لتحجيم التطرف فكرياً تمهيداَ لاستئصاله من مجتمعنا ،فالتطرف طارئ على مجتمعنا ولا يجب أن نسمح بأن يتجذر فيه.

    5)    للتعاون بين الجميع ،وفي المقدمة العلماء المتمكنين  -دراية ورواية-

                        والمفكرين والقيادات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاعلامية    والتعليمية،  وذلك للفصل بين الإسلام السمح الصافي وبين التطرف باسم الدين والدخيل عليه ووضع حد له مع معالجة ما قد يُتخذ كمبررات أو مغذيات أو روافد أواستثارة أو مُهيِّجات أو جهل بصحيح الدين أو استغلال له من خلال مفاهيم وفهوم مختلة ومعتلَّة.

                       يحدث ذلك إما لضعف ذاتي في التكوين الحزبي والنُخبي أو الشخصي أولضعف في امتلاك آلة العلم المؤهلة للتواصل والحوار..أو لضعف موضوعي لغياب إمكانات التواصل والحركة..أو لضعف في القراءة الواعية لما قد يقود إليه هذا  التطرف من كوارث ومخاطر على الجميع..أو لاتكال على السلطة..أوالنكاية بها على اعتبار أنها أحد أسباب وعوامل وجوده أو انتشاره. أو لانشغال كلٍّ بهمه الذاتي على أننا لا يمكن أن لا نشيد ببعض الأقلام الفكرية والأدبية    والصحفية التي بذلت جهداً في الطرح الموضوعي عند تناول هذه القضايا الشائكة والخطيرة ،إلا أنها تظل جهوداً فردية وليست في إطاربرنامج لجهد وطني شامل ومدروس.

                لماذا هذا الاستطراد حول التطرف عامة والتطرف باسم الدين خاصة في سياق الحديث عن الإصلاحات الشاملة؟؟!!

                إننا لم نستطرد في هذا الأمر إلا لتسليط الضوء وبقوة على:

1-            المخاطر التي تواجهنا.

2-            وعلى الأهمية الكبيرة للإصلاحات الشاملة وأولويتها.

3-            وعلى مخاطر التطرف تحت أي مسمى كان.

4-            وعلى أهمية التأنِّي في الحكم على أي طرح نقرأ أو نسمع.

5-            وعلى ضرورة نبذ الأحكام المسبقة والدراسة الواعية والعميقة والموضوعية المتجرِّدة لما يُطرح من رؤى ، أيَّاً كان مصدرها وحول أي قضية كانت ،فالقضايا الإنسانية لا مسلَّمات مطلقة ونهائية فيها ،في نظرنا،  إلا الثوابت المطلقة التي سبق بسطها.

ولنستخلص من ذلك كله الاستخلاصات التالية:-

أولاً:

إن التطرف، من أي منهج وفي أي اتجاه وفي أي قضية ومن أي جهة، أمر خطير ومدمر ويتصادم مع الفطرة الإنسانية السليمة ومع الإنسان السوي ومكوناته، الجسدية والنفسية والعقلية والروحية، وسواء أكان التطرف سلمياً، نهجاًً وفكراً وتوجهاً وتعاملاً، أو "عنفياً"، باللسان أو اليد أو السلاح، فإنه ولو كان سلميا إلا أن منهجه القائم على الشطط أو الغلو أو الأوحدية يصل بالإنسان إلى ادعاء التفرد بملك كل الحق والحقيقة والصواب ووصم الآخر، أي آخر، بكل الباطل والزيف والخطأ.. وينتهي بالعمل على تهميش ثم إقصاء الآخر ثم استئصاله فكراً ووجوداً.

ثانياً:

إن أي محاولة لخلق أو تنمية التعصب المذهبي ،من أي طرف، هي محاولة مذمومة وتقود إلى التطرف.. فالمذاهب في الإسلام جاءت نتيجة للبحث العلمي الواسع وأنتجت موروثاً فقهياً ومعرفياً عظيماً لم يكن ممكناً إلا بهذا التنوع في الفهم للنصوص والدقة في استقصاء الصحيح وغير الصحيح منها.. كما كانت مؤشراً راقياُ على السعة في المفاهيم وإفساح المجال للمؤهلين المتخصصين علميا لأن يستنبطوا مفاهيم لمواجهة ما يستجد من شئون الحياة.. بل حتى ليصححوا ويحدِّثوا المفاهيم للمتغير من الشئون في إطار من الضوابط والقواعد ، التي أصلاً لا تشكّل إعاقة لبحث واستخلاص من يملك الآليات والأدوات والتأهيل العلمي بمعاييره العلمية المعروفة بل تدفع للتوسع والتعمق في المعرفة.

وهذا النهج في المذاهب هو المانع للتعصب والقائم على الاحترام العلمي بين الجميع مع وجود الاختلاف في المسائل الفرعية بل في فروع العقيدة.. بل إن الآراء والمفاهيم الشاذة ،والتي أجمع الجمهور على خطئها وشذوذها، فإن ذلك لم يمنع من إيرادها وذكرها في كتب التراث ،كإثبات حق لصاحبها أو أصحابها في عدم طمس ما وصلوا إليه وإثباته في هذا الموروث الذي لا وجود لمثيل له في أمة من الأمم أو حضارة من الحضارات السابقة..

وأن اعتزازنا بهذا التراث العظيم هو اعتزاز بوجودنا وبإسهامنا الحضاري ؛ وأي إساءة أو تجريح لهذه الثروة الفكرية والثقافية فلا يمكن أن تأتي إلا من خصم لوجودنا وتاريخنا وحضارتنا أو من مُستَنْسِخ لمنظور الخصم..أو،بحسن نية، من غير متعمق في الاطلاع على التراث أو من مُطَّلِعٍ عليه بعيون ومعايير الرفض المسبق. فنحن الأمة الوحيدة في التاريخ والحاضر التي تفخر بأنها أمة "سند متصل وموثَّق".. وكل ذلك لا يعني بأي حال أن لا نراجع ونحدّث المفاهيم ،المتعلِّقة بالمتغيِّرات،  في موروثنا ونضيف إليها، بل وننقد ما شذَّ فيها ؛ وتلك مهمة المتخصصين الدارسين والمؤهلين علمياً  المستوعبين للعصر.

ثالثاً:

إن أي استخدام للتطرف باسم الدين أو للتعصب المذهبي في الخلافات والصراعات السياسية أمر غاية في الخطورة على الوطن عامة وعلى من يمارس هذا الاستخدام خاصة.. والتاريخ البعيد والقريب والمعاصر مليء بما يؤكد ذلك.

رابعاً:

إن من الحقائق التي لا تقبل جدالاً أو مراءً أن أي تطرف، في أي مجال وفي أي شأن، لا بد أن ينشأ عنه، كرد فعل، تطرف مضاد قد يكون أكثر حدة.. ويستوي في ذلك التطرف باسم الدين، باتجاهاته المختلفة، أو ضد الدين.. أو في القضايا السياسية  والفكرية والاقتصادية والاجتماعيةوالأمنية.. تلك سنة كونية نشاهدها ونلمسها في كل مكونات الحياة وحركتها.

لذلك.. فإن علينا أن ندرك ونستوعب بتجرد وواقعية أن:-

-              التأخر في الأخذ بنظام الدولة الموحدة المركبة والإصرار على نظام الدولة الموحدة البسيطة في  ظل موروث لتاريخ انقسامي طويل مرت به بلادنا وصراعات حادة ومتكررة وفي ظل أوضاع كأوضاع بلادنا هو شكل من أشكال التطرف.. سيؤدي ،حتماً، إلى تعاظم تنامي التطرف المضاد الإنقسامي.. ومهما تراءى لنا ضعفه الآن فإنه كالنار تحت الرماد.. وإن العوامل الضاغطة ،تاريخياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً ومظالماً وممارسات، وفي إطار نظام الدولة البسيطة ستعمل على تخليق وتعاظم قوة متنامية لهذا التيار الإنقسامي المضاد وستمكنه عوامل كثيرة، قد تنشأ عن ظروف غير مرئية على السطح الآن، من النمو المتعاظم والفعل الفارض لإنقسام مدمر أو على الأقل لتحقيق نظام دولة موحدة مركبة بِضَعْـفٍ وبكُلْفة عالية وحاملة لمزيد من عوامل التشظي والإنشطارات.. وتجارب غيرنا خير دليل .

-              إن بعض المظاهر السطحية الخادعة أو العواطف أو المصالح أحياناً أو محاولة البعض لتهوين وتبسيط ما يجري أو سيطرة مفاهيم خاطئة عن مفهوم الدولة المركبة(اللامركزية) يجب أن لا تلهينا عن ،أو نتخذ منها عوائق تحول دون، النظرة العلمية العميقة لما يحقق مصلحة الوطن ويعمّق جذور وحدة قابلة للإستمرار والترسخ وعصية على الإنقسامات والفرقة والتمزق.فحركة الزمان لا تتوقف.

-              وإن الركون على عامل القوة ،العسكرية أو الأمنية أو المالية أو الدعائية أو العاطفية، لترسيخ وتجذير أي ثابت من الثوابت ،المطلقة أو النسبية، هو مخاطرة ومغامرة ومقامرة لايمكن إلا أن تقود إلى الخسارة الكلية على كل المستويات .فعوامل القوة هي عوامل متغيِّرة لا يمكن الركون إليها أوالإعتماد عليها لحماية دوام استمرار ما يُراد ثباته ودوامه ،حتى وإن كانت قد تنجح لتحقيق هذا الثابت ،في لحظة تاريخية معينة، فهي ذاتها-أي عوامل القوة- أكثر العوامل تسريعا لتدمير ووأد ما تُحَـقِّـقُه.

-              وبالقياس على ذلك، في كافة المجالات، يمكن تبيّن الحاجة الملحة والعاجلة للإصلاحات الجذرية الشاملة والكاملة.. وبأيدينا ،وانطلاقاً من حاجات بلادنا وشعبنا، و"بأمواسنا الخاصة خير لنا من موس أو أمواس عامة قد تجرحنا وتدمينا".

أهمية الإصلاح السياسي الشامل والعميق، كبوابة وحيدة لأي إصلاحات في المجالات الأخرى،:

""إن مما لا شك فيه أن تحقيق الأمور سابقة الذكر يتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً من قبل الجميع.  فهو يتعلق بشتى مجالات الحياة ومن خلال ذلك بشتى أفراد المجتمع ومؤسساته.  ولا يمكن لمثل هذه الجهود أن توتي ولو جزءاً من ثمارها ما لم يتوفر لها الإطار العام المناسب والمحفز.

وعليه، فإن أساس هذه الجهود ومحورها الأساسي يتمثل في إصلاح الإطار العام الذي تعمل من خلاله.  ذلك أن هذه الإصلاحات لا يمكن القيام بها بصورة انتقائية، كما أشرنا سابقاً.  كما انه لا يمكن تنفيذها بصورة آلية دون وجود نظرة عامة وإستراتيجية تحدد أولوياتها وطبيعتها المرحلية حسب مقتضيات كل مرحلة والإمكانات المحلية والدولية المتوفرة.  كذلك، فإنه لا يمكن تنفيذها بفعالية ما لم تتوفر الشروط البيئية اللازمة لها.

وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات لا تتطلب مجرد تعديل في السياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة في القطاعات المختلفة للاقتصاد مثلاًٍ، بل تتطلب، كما أوضحنا سابقاً، إدخال تغيير جوهري في التوجه والفكر وأسلوب الإدارة ليمكن معه التكيف مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة والاستفادة منها في معالجة الصعوبات الاقتصادية الكبيرة والمتعددة التي يجابهها اليمن حالياً.

وبناء عليه، فإنه لا يمكن القول بأن الإصلاحات الهيكلية في صورها الضيقة المعمول بها حالياً، أو في أي صور أخرى، ستقود إلى التنمية الحقيقية في اليمن، وخاصة في ضوء أوضاعه الحالية.  فمن ناحية، فإن الإصلاحات المطلوبة هي تلك الإصلاحات الهيكلية الشاملة والمترابطة التي تعالج جميع جوانب الاقتصاد بصورة متسقة.  ومن ناحية أخرى، فإنه ومن أجل تنفيذ هذه الإصلاحات بالصورة اللازمة والمطلوبة، يتعين القيام بداية وقبل كل شيء بالإصلاح السياسي الذي يعتبر شرطاً مسبقاً لنجاح هذه الإصلاحات الهيكلية.

ذلك، أن نجاح هذه الإصلاحيات الهيكلية اللازمة يستدعي إيجاد الإطار العام الذي يتصف بالاستقرار السياسي وهو الأمر الذي يعد، كما أشرنا، من أهم المتطلبات في الدول النامية من أجل ضمان تكاتف جميع أفراد المجتمع ومؤسساته وإيجاد المشاركة الجماعية اللازمة لتحقيق التنمية والاستفادة من فرص النمو الذي يتيحه الانفتاح في إطار البيئة الدولية الجديدة.  كذلك، فإن الإصلاح السياسي هو الوسيلة الوحيدة لتأسيس البيئة اللازمة المتصفة بالمصداقية والشفافية الكاملة والتي تربط بين جميع الأبعاد سابقة الذكر على أرضية سليمة ومتينة في ظل نظام إداري كفؤ وخال من الفساد ونظام قضائي نزيه وفعال يوفر العدالة والحماية للجميع، وأسلوب إدارة يسمح بالمشاركة الواسعة في صنع القرار.

ونشير في هذا الصدد إلى ما ورد في إحدى دراسات البنك الدولي من أن "من شأن السماح لجميع أفراد المجتمع بالمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم أن يؤدي إلى زيادة في الشفافية وإلى حسن تصميم السياسات وتوفير الحماية والموانع ضد الفساد وسوء الإدارة".  وفي الواقع، فإن سعي منظومة الحكم إلى إيجاد التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع، من جانب، والقائمين على الإصلاحات في الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية والقطاع الخاص، من جانب آخر، في إطار من الشفافية العالية، يمثل الفارق بين المجتمع النشط الساعي إلى تحقيق التنمية والمجتمع الراكد المتصف بالتخلف والفقر.                                         

    الجزء الثالث: مراحل تحقيق الإصلاحات الشاملة

-              لخطورة الأوضاع.. ولحاجة بلادنا الملحة للأمن والاستقرار والتنمية –ولضيق الوقت إن أردنا اللحاق بالتطورات وإن أردنا التوقف عن إضاعة المزيد من الوقت الذي أهدرنا منه عقوداً في الخلافات والصراعات والسياسات الخاطئة فيما العالم من حولنا يبني ويتطور ويحقق النماء والرخاء لكثير من شعوبه– فإن التذرع بعدم حرق المراحل أو عدم القفز على الواقع، مع التجمُّد في مرحلة متخلفة وواقع مزري، أصبح طرحاً مألوفاً ،أهلك واستهلك منّا عقوداً، دون أي حراك "لمرحلة" أو تطور.. وما هو مطلوب منّا اليوم هو حرق مرحلة الإنتظار والقفز على واقع وقوعنا في دوِّامة استمرار حجز بلادنا وإعاقتها عن الانطلاق في طريق الإصلاحات الشاملة.

-              ولذلك نقول انه لا بد لنا من البدء دون تردد أو تأخر في مسيرة الإصلاح الشامل.. بِطَي مراحل السير لا إحراقها وبالتعامل مع الواقع بهدف تغييره لا بالوقوع فيه وتجذيره.

وأقترح الخطوات التالية:-

أولاً:         وضع مشاريع التعديلات للدستور والقوانين والأنظمة لتستوعب هذه     الإصلاحات.. وقد قمنا ببعض ذلك.. وما قمنا به يمكن مراجعته [مشروع للتعديلات الدستورية قبل خمس سنوات وغيره مما سبق ذكره].

ثانياً:        البدء في خطوات الإصلاح السياسي الشامل في نظام الدولة ونظام الحكم وفي المنظومة السياسية (منظومة الحكم والمعارضة).. وما يتعلق بها.. من سلطات وهياكل وآليات بما فيها السلطة الرابعة.

ثالثاً :       يتم بالتزامن مع ذلك إجراء الإصلاح القضائي.

رابعاً:       يتم الشروع في وضع تفاصيل الإصلاح الاجتماعي ومن ثَمَّ البدء فيه.

خامساً:     بالتوازي يتم وضع التفاصيل الدقيقة لإصلاح المسار الاقتصادي- الإداري-المالي والنقدي.

سادساً:      يتم تشكيل الآليات والهياكل اللازمة لوضع تفاصيل الإصلاح التعليمي.

-   إن التقدير الزمني الأوَّلي أن يتم خلال سنة الانتهاء من وضع الأسس والتفاصيل والتعديلات الدستورية والقانونية وإقرارها.

أن يتم تنفيذ إقامة المؤسسات ووضع الآليات والهياكل والأدوات خلال سنة أخرى.. وإن وجدت الجدية والإرادة الحقيقية دون تسويف فإن تنفيذ إقامة بعض المؤسسات والآليات والهياكل الأساسية والأدوات يمكن أن يبدأ بعد الستة الأشهر الأولى من بدء وضع الأسس والتفاصيل والتعديلات الدستورية والقانونية وبالتالي بالإمكان الإنتها من تنفيذ إقامة مؤسسات وهياكل وآليات عملية الإصلاحات الشاملة خلال 18 شهرا.                           

الفصل الأول:

  آليات الشروع والإعداد والتنفيذ للإصلاحات الشاملة:

لقد مرت بلادنا بمحن كثيرة ودوامة صراعات ولا نود، جميعاً، أن تستمر المحن ولا أن يستمر تكرار دوامة الصراعات.. ولدينا أحد خيارين لتحقيق الإصلاحات الشاملة:-

الـخـــيــار الأول:-

 إن أسلم الطرق.. وأقلها كلفة.. وأسرعها.. هي أن يكون الأخ الرئيس علي عبدالله صالح قد وصل إلى اقتناع ويقين بأن الإصلاحات الشاملة المذكورة أصبحت ضرورة ملحة وأنها السبيل لإصلاح وتقويم كل الاختلالات على كل صعيد وأن مهمته التاريخية أن يتولى هو قيادة عملية الإصلاحات بكل مراحلها من خلال:-

  1-            إنشاء هيئة عليا للإصلاحات يرأسها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح بشخصه.

    2-            قوام هذه الهيئة كالتالي:-

[1]          الرئيس.

[1]          نائب للرئيس يتم التوافق عليه.

[5]          من كل حزب مسجل رسميا وشارك في أول انتخابات نيابية عام 1993م.

[10]        من العلماء غير المنتمين لأي حزب سياسي أو الموالين لأي حزب ومن المشهود لهم بتلقي العلم من المصادر الأصيلة والأساسية والدراية والمشهود لهم بالورع والسلوك الحسن وبالسماحة والاعتدال (يتم التوافق عليهم بين العلماء في اجتماع يضم نخبة من العلماء الممثلين لاتجاهات المدارس العلمية الأصيلة في اليمن).

[1]          رئيس جمعية علماء اليمن.

[15]        من الشخصيات القبلية المؤثرة والواعية وغير المنتمية أو الموالية لأي حزب.

[10]        من السيدات المشهود لهن بالكفاءة، علماً أو خبرة، وغير المنتميات حزبياً.. ليتاح للمرأة تمثيلاً إضافياً من خلال الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والتخصصات.

رؤساء (أمناء عموم) منظمات المجتمع المدني القائمة.

[10]        شخصيات مستقلة غير منتمية حزبياً أو موالية لأي حزب من أهل الكفاءة والمشهود لهم بأدوار ريادية  والممارسات السليمة.

تمثل التخصصات كالتالي:-

[15] علماء دستور وشريعة وقانون بمختلف التخصصات من غير المنتمين حزبياً.

[3]  علماء اجتماع غير منتمين حزبياً.

[5]  علماء  اقتصاد.

[5] أخصائيون في المناهج والتربية.

[5] علماء طب.

[3] علماء فلسفة.

[5]         متخصصون في القضاء والتقاضي من المشهود والمتوافق على نزاهتهم وكفاءتهم واستقلاليتهم.

[5] علماء إدارة.

[3] علماء شئون مالية ونقدية.

[3] علماء تاريخ.

[2] علماء بيئة.

[2] متخصصون في تنمية مزارع الأسماك وصيدها.

[3] علماء زراعة.

رؤساء الجامعات الحكومية والأهلية  والمعاهد الفنية والمتخصصة.

 رؤساء تحرير الصحف المستقلة.

[10] من رجال الأعمال غير المنتمين حزبياً.

[10]        من الشخصيات من المغتربين (يراعى العدد من كل بلد اغتراب حسب كثافة المغتربين في تلك البلد).

[5] يمثـلون العمال.

[5] يمثلون الملاك الزراعيين.

[5] يمثلون المزراعين.

[5] يمثلون القوات المسلحة.

[5] يمثلون الأمن العام.

[5] يمثلون الأمن القومي والسياسي.

      -  هيئتي رئاسة مجلسي النواب والشورى.

     - رؤساء اللجان بمجلس النواب.

3-            مهام مكونات الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة وآلية عملها:-

تشكل من قوامها اللجان الفنية المتخصصة لتنفيذ مهامها المتعلقة بالإصلاحات الشاملة المذكورة في كل مجال من مجالات الإصلاحات ومنها:

‌أ)     صياغة مشروع تعديلات دستورية تتوافق مع الإصلاحات المذكورة في هذا المشروع في كافة النواحي، السياسية والاقتصادية والقضائية والتعليمية والاجتماعية...الخ.

‌ب)  صياغة منظومة القوانين وتعديل القائم منها بما يتوافق مع الإصلاحات الشاملة المذكورة ويسهل تنفيذها.

‌ج)  لجان متخصصة بوضع الأنظمة والضوابط والبرامج والمناهج التعليمية والجداول الزمنية التنفيذية لعملية الإصلاحات المذكورة الشاملة في المجالات المختلفة.

‌د)  تعقد الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة اجتماعاً عند تشكيلها لافتتاح عملها وإعلان تشكيل اللجان المتخصصة.. واجتماعات في نهاية عمل اللجان المتخصصة لمناقشة وإقرار ما انتهت إليه في صيغته النهائية.

4-            آلية اختيار قوام الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة:-

‌أ)    بالنسبة لممثلي الأحزاب والهيئات ومنظمات المجتمع المدني فإن أمر اختيارهم يعود الى جهاتهم على أن يشمل بالنسبة للأحزاب الشخصية الأولى في كل حزب، رئيساً كان أم أميناً عاماً

‌ب)  بالنسبة للشخصيات والتخصصات التي لم تحدد آلية اختيارها والتي يتعذر اختيارها فإنه يتم التوافق عليها في الهيئة التنفيذية العليا.

5-            الهيئة التنفيذية العليا للإصلاحات:-

                مكوناتها:-

أ  )  رئيس ونائب رئيس الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة.

ب )  ممثلين عن الأحزاب بواقع اثنين عن كل حزب.

جـ)    [5] ممثلين عن منظمات المجتمع المدني يتوافق عليهم الرئيس ونائبه وممثلو الأحزاب.

6-            مهام الهيئة التنفيذية العليا:-

1)            تسمية قوام باقي الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة وفق الأسس المشار إليها.

2)            تشكيل اللجان العلمية والفنية المتخصصة في كل ناحية من نواحي الإصلاحات المذكورة من قوام الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة.

3)            يجوز لها إضافة متخصصين، من خارج قوام الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة، بناء على اقتراح من اللجنة المكلفة من قوام الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة.

4)            الإشراف والمتابعة لأعمال اللجان.. وتكليف من ترى من أعضائها لحضور اجتماعات أي لجنة من تلك اللجان إن رأت حاجة لذلك.

5)            الاجتماع بكل لجنة لمناقشة سير عملها وتسهيله وتذليل أي عقبات أمامها.

6)            الاجتماع مع كل لجنة عند انتهاء عملها ومناقشة ما وصلت إليه والعمل معاً لوضعه في صيغته النهائية كمشروع مقدم للهيئة العليا قبل عرضه عليها في اجتماع، أو اجتماعات، تستعرض فيها كل ما انتهت إليه اللجان لإقراره في صيغته النهائية.

7-            مصادر المعلومات:-

1)            يصدر فخامة الأخ رئيس الجمهورية قراراً ملزماً واضحاً بتمكين اللجان المتخصصة ،أو من تكلفه، من أي معلومات أو بيانات أو إحصائيات لدى أي هيئة أو مؤسسة أو دائرة لأي سلطة من السلطات أوجهة من الجهات، تتعلق بأداء كل لجنة لمهامها.

2)            يصدر فخامة الأخ رئيس الجمهورية مرسوماً بقانون يعاقب أي مسئول أياً كانت درجته إن عرقل أو منع أو حجب بأي طريقة أي معلومات أو بيانات أو إحصائيات عن أي لجنة من لجان الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة.

8-            مصادر تمويل عمل الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة والهيئة التنفيذية العليا واللجان المنبثقة عنهما:-

‌أ)    توفر الدولة كل الوسائل والأدوات والإمكانات المالية اللازمة لأداء الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة بكل مكوناتها لمهامها.

‌ب)  وفي أول اجتماع للهيئة التنفيذية العليا يتم دراسة وتحديد الميزانية الكاملة اللازمة لأداء تلك المهام.

‌ج)    تشكيل لجنة مالية تتولى الصرف والضبط وفقا للبنود التي تم إقرارها  وبشفافية كاملة وتخضع إشرافيا للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة.

9-            آلية تنفيذ الإصلاحات الشاملة:-

[أ]   يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة برئاسة فخامة الأخ رئيس الجمهورية بشخصه ويتم التوافق على نائب له في رئاسة الحكومة المؤقتة.. أو حكومة فنية مؤقتة ويتم التوافق على تشكيل الحكومة في الهيئة التنفيذية العليا وتقرها الهيئة العليا للإصلاحات الشاملة في اجتماعها.

[ب]    يترك لفخامة الأخ رئيس الجمهورية اختيار وزير الدفاع ورئيس الجهاز المركزي للأمن السياسي ورئيس الأمن القومي ووزير الخارجية لأسباب تتعلق بمهام تلك المؤسسات والتي لا يجب أن يحدث فيها ارتباك خلال المرحلة المؤقتة.

10-          مهام الحكومة المؤقتة:- 

‌أ)   تنفيذ الإصلاحات الشاملة في النواحي التنفيذية هياكلا وآليات وأدوات ووسائل.

‌ب)     الإعداد لانتخابات نيابية بمجلسيها ومحلية ورئاسية.. وبناء الآليات والهيئات وتوفير كل احتياجات تلك الانتخابات والتي يمكن أن تتم في أيام متتالية من خلال نفس اللجان الانتخابية الإشرافية والرئيسية والفرعية.. ويقوم بالفرز لجان فرز منفصلة لكل هيئة.. (وكون هذه العملية عملية فنية دقيقة فإنه يستعان بالخبرات المحلية والخارجية حول إمكانية إجراءها وفق هذا السياق أو وفق سياق آخر يراه الفنيون المتخصصون).

‌ج)     تسيير الأمور التنفيذية خلال الفترة الانتقالية.

11-          دور الهيئة التشريعية القائمة (مجلس النواب):-

طالما أن هناك قناعة بإجراء إصلاحات شاملة فإن مجلس النواب الحالي يتولى التالي:-

‌أ)   الاستمرار في دوره الرقابي.

‌ب)  مراجعة ونقاش وإقرار التعديلات الدستورية بما يتوافق مع الإصلاحات الشاملة المذكورة التي تدخل تعديلاتها ضمن صلاحياته

‌ج)     اتخاذ الخطوات الدستورية إزاء التعديلات الدستورية المتوافقة مع الإصلاحات الشاملة والتي ينص الدستور على الاستفتاء عليها.

‌د)     نقاش ومراجعة وإقرار أي قوانين جديدة أو تعديلات للقوانين النافذة بعد إجراء الاستفتاء على الإصلاحات الشاملة والتعديلات الدستورية المتوافقة معها.

هـ)  إضافة فقرة دستورية انتقالية تمكن الحكومة المؤقتة من الصلاحيات اللازمة لمهامها.

12-          الاستفتاء:

حال الانتهاء من الوثائق اللازمة للإصلاحات الشاملة.. بما فيها التعديلات الدستورية فإنه يتم استفتاء الشعب على التعديلات الدستورية.. وهو في نفس الوقت يعتبر استفتاء على الإصلاحات الشاملة المذكورة.

تنويه هام:-

1)            إن مشروع الإصلاحات الشاملة هذه والمطروحة بكل تفاصيلها ومراحلها وآلياتها.. لا نقصد بطرحها فرضاً لرؤيتنا يتوجب على الجميع قبولها كما هي.. فذلك.. ليس من نهجنا ولا استطاعتنا ولا حقنا.. ولكن ما نطرحه هو خلاصة تراكمية لتجربة حزبنا لأكثر من نصف قرن ولدراسة معمّقة لأوضاعنا ولمقتضيات دور بلادنا الهام الذي نتطلع أن تضطلع به وهو اجتهاد لا ندعي كماله بل نقر بعجزنا عن بلوغ أي كمال.. ولا نشك أنه في حاجة لإثراء كل أصحاب الرؤى والتوجهات الأخرى من الأخوة أبناء شعبنا ومن الزملاء في العمل السياسي وفي كافة التخصصات..بل ومن غير أهل بلادنا من أصحاب الفكر والتجربة.

2)            وقد حاولنا فيه، قدر الإمكان، أن يكون شاملاً وشارحاً لمنطلقات وفلسفة الإصلاحات الشاملة وأن لا يقتصر على طرح الرؤية النظرية في خطوط عامة.. كما حاولنا أن نضع تصوراً للمهام والآليات التنفيذية .. وهذا الأمر هو العامل الأساسي الذي في غيابه تظل الرؤى مجرد أطروحات نظرية وأماني وشعارات.

3)            إن الآلية التي نقترحها للنقاش والإثراء لهذا المشروع.. ومن ثم التوافق حول ما يلبي الإصلاحات الشاملة نستخلصها من تجارب نقاش مثل هذه القضايا في الاجتماعات الواسعة والذي يؤدي إلى تفرعات وخروج عن المسار الموضوعي.. لذلك نقترح التالي:-

أ  )     أن يدرس ويناقش كل طرف في إطاره هذا المشروع ويعد ما يراه من تعديلات أو تصويبات.. بالإضافة أو الحذف.

ب )    بالنسبة للمستقلين من أهل الفكر والرأي يمكن لكل منهم أن يقوم بهذا الأمر منفرداً أو بالتعاون مع أقرانه أو حتى مع من يرى من الأطر التنظيمية، من أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أخرى.

جـ)   على استعداد للحوار مع كل جهة أعدت تصورها وتعديلاتها لهدف الوصول الى مشروع مشترك.

د  )    استخلاص ما هو مشترك بين الجميع في هذه الحوارات كمتفق عليه.

هـ)   إجراء حوار، تشارك فيه كل الجهات التي أعدت تصورها وتعديلاتها، حول ما هو مشترك بين كل طرفين أو أكثر للوصول إلى توافق.

و  )  ما نصل فيه إلى توافق في الاجتماع المشترك الموضح في الفقرة (هـ) يضاف إلى ما سبق استخلاصه مما هو مشترك بين الجميع والموضح في الفقرة(د).. وبذلك نصل الى مشروع كامل مشترك يتم العمل بموجبه والعمل على تنفيذه وفق الآليات والمهام الموضحة.

4)            وفي كل الأحوال فإننا نفتح عقولنا وقلوبنا للقبول بأي صيغة عملية أخرى لنقاش مشروعنا وإثرائه والتوافق حول مشروع مشترك يحقق منطلقات وفلسفة الإصلاحات الشاملة وأهدافها.

الــخـــــيـار الثاني:-

في حالة عدم وصول فخامة الأخ الرئيس إلى اقتناع وإدراك بأن تلك الإصلاحات الشاملة أصبحت ضرورة ملحة أو عدم رغبته في قيادة مسيرتها، وهو ما لا نرجوه أو نأمله ،.. فإننا انطلاقاً من:-

1)            حرصنا على تأهيل بلادنا لأداء دورها الهام والمحوري..

2)            لأهمية أن تستطيع بلادنا تحقيق مصالحها العليا ورعاية مصالح الآخرين بكفاءة واقتدار..

3)            وإدراكنا لحاجة بلادنا إلى تحقيق الأمن والاستقرار لتحقيق التنمية ولأداء هذا الدور الهام..

4)            ومن توجهاتنا ورؤانا الهادفة إلى الإصلاحات الشاملة التي كنّا السباقين في طرحها منذ سنوات تسبق تحولها إلى مطلب عام محلياً، وإقليمياً، ودولياً..

من ذلك كله:-

أ‌)      ندرك إن الإصلاحات الشاملة والعميقة هي الأساس الذي بدونه لا نستطيع شيئاً والذي بدونه ستظل بلادنا بؤرة لغياب الأمن والاستقرار تمتد آثارها من إضاعة مصالح شعبنا العليا إلى التأثير السلبي على مصالح الآخرين وأمنهم واستقرارهم، محلياً وإقليمياً ودولياً.. وبالتالي فإننا بذلك سنفسح المجال لغيرنا لفرض ما يؤمن مصالحه بطريقته.. وكما أسلفنا فإن "موسنا" الخاصة أسلم وآمن وأريح من "موس" غيرنا العامة التي قد تجرحنا وتدمينا.

ب‌)     كما ندرك أن بقاء الأوضاع في بلادنا دون إصلاحات عميقة وشاملة ستزيد شعبنا معاناة وقهراً وإفقاراً وانهياراً للحالة المعيشية، التي لم يشهدها شعبنا في تاريخه، وتذمراً على كل المستويات مما يهدد بانقسامات خطيرة.

لذلك فلا خيار لنا إلا أن نعمل على تحقيق الإصلاحات الشاملة والعميقة المذكورة وفق الآليات والأساليب التالية:-

1)            إننا نضع مشروعنا هذا أمام كل القوى والأطراف، أفراداً وجماعات.

2)            ندعو القوى والأفراد والجماعات التي تتفق معنا على هذه الإصلاحات الشاملة كما هي أو بعد إجراء التعديلات التي نتوافق حولها وفق ما هو موضح في "تنويه هام".

3)            تنظيم التحرك السلمي الجاد والهادف بقصد إحداث ضغط شعبي متنامي حتى تستجيب منظومة الحكم لهذه الإصلاحات الشاملة وفق ما سبق شرحه.

4)            في حالة استمرار عدم استجابة منظومة الحكم.. يستمر تصعيد الحراك السلمي بكل الأساليب السلمية المتاحة.

5)            الإعداد للآليات والوسائل التنفيذية للإصلاحات الشاملة والعميقة.

كل ذلك يحتاج إلى تفاصيل أكثر وضوابط لسلامة مسيرة الإصلاحات الشاملة ويمكن تحديدها في مرحلة التحضير.

الفصل الثاني: خطوات الإصلاحات الشاملة المطلوبة:-

الخطوة الأولى :إن الأساس يتمثل في الاقتناع بحتمية الإصلاحات وشموليتها.. وتوفر الإرادة والجدية.

الخطوة الثانية:         التوافق بين أولئك الذين يمتلكون القناعة بحتمية الإصلاحات والإرادة والجدية، على وجود تلك الاختلالات، بصرف النظر عن أسباب نشأتها، وعلى اتجاهات وأسس الإصلاحات الشاملة.

الخطوة الثالثة:  الحوار، وفق الآليات المذكورة، بين المتوافقين حول تفاصيل الإصلاحات الشاملة وآليات تحقيقها ومراحل تحقيقها.

الخطوة الرابعة: تشكيل تحالف وطني يضم المتوافقين على هذه الإصلاحات من هيئات أو\و شخصيات.. ونقترح اسم: "الإتحاد الوطني الديمقراطي – (دوا)" .

الخطوة الخامسة:     يقوم "الإتحاد الوطني الديمقراطي ـ "دوا" بوضع برنامج لنشاطه السياسي يتضمن استخدام كافة الوسائل السلمية الضاغطة للوصول إلى تحقيق الإصلاحات الشاملة.. وتشمل كل أشكال الحراك السياسي من إعلامي وحركي، ندوات، مهرجانات، واعتصامات، ومسيرات، ومظاهرات، وإضرابات.. وصولاً إلى تحقيق الإصلاحات الشاملة. وفي مقدمة ذلك الحوار الجاد والموضوعي والمنهجي مع منظومة الحكم والحزب الحاكم والهادف إلى السير نحو تحقيق الإصلاحات الشاملة والعميقة.

الـختــام:

**    إن بلداننا ،علمياً، لا يصح وصفها بالنامية بل النائمة ،فلمّا تصحو بعد،.. كما لا يصح إلحاقها بعالم ثالث فهي لم تتأهل بعد لتكون رقماً ولو عاشراً في عالم اليوم، لأنها من الناحية القيمية والروحية والعلمية والتجريبية والثقافية وأدائياً، قد تخلت منذ زمن طويل عن الريادة والعطاء وظلت ،ولازالت، على هامش العالم لعهد طويل جداً.. وانتقل العالم، علمياً وفكرياً وأداء، من عصر النهضة والبخار والكهرباء إلى عصر النفط والذرة.. إلى عصر الإلكترون والتقنية الحديثة والمعلوماتية.. ومن العلمانية المحاربة للدين والماركسية اللينينية والمادية وما رافقها يساراً والرأسمالية وما رافقها يميناً إلى العلمانية المتعايشة مع الدين في المعابد والنافية له في الحياة.. إلى العولمة وعصر الحدود المفتوحة، تجارياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً.. وما رافق ذلك من عودة إلى الدين إما بمفاهيم متطرفة خاطئة مدمرة {مسيحياً أو يهودياً أو إسلامياً أو غير ذلك} تملك أدوات ومواقع الفعل المدمر استغله أو رافقه تطرف سياسي.. أو باعتدال وتسامح ديني واجتماعي وسياسي وفكري لازال يتلمس طريقه إلى أدوات التأثير البنِّاءة، وهو التوجه المستقبلي والأصيل للدين الإسلامي والديانات الأخرى،.. ورافق كل تلك التطورات حروب عالمية وحروب إقليمية وعهود استعمار لازالت تلقي بظلالها على حاضر العالم ولازالت آثارها السلبية الكثيرة والإيجابية القليلة تؤثر على العالم المتخلف ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.

وكل هذا الحراك في كل المجالات والاتجاهات وعلى كل المستويات، وبلداننا المتخلفة لا نصيب لها فيه إلا كأنماط مُسْتَهلِكة ومُسْتَهْلَكة أو أن تُستخدم كأدوات سيئة الأداء ؛ وزاولت كثير من نخبنا السياسية والفكرية مهمة التبرير والتنظير ،لحركة وفعل وجمود وتجمد تلك الأنماط والأدوات..، ولا إبداع لكثير من تلك النخب سوى إتقان النقل الآلي والحرفي والترجمة أو الاغتراب بمحاولة التعريب الرديئة  للإنتاج والإبداع الفكري للمجتمعات الأخرى . وأصبح التنطع بمصطلحات ذلك الإنتاج دليلاً على الترقي ،في الأخذ والتلقي، دون محاولات جادة، إلا نادرة جداً، للتفكير في المنقول لمعرفة الإيجابي والبنَّاء منه أو إعادة صياغته فكرياً أو دراسة لجذور مجتمعاتنا وموروثها العظيم ،فكرياً وثقافياً وقيمياً، وما يتلاءم من نتاج الآخر مع ما أثبتت التجربة والعصور من إيجابيات موروثنا فنأخذ به ونترك ما لا يتلاءم مع تلك الإيجابيات أو يتضاد معها.. بل إن الأدهى من ذلك هو أن تتبنى بعض نخبنا مفاهيم مغلوطة ،لديننا وقيمنا وموروثنا الثقافي والفكري، من نتاج بعض من ناصبوا تلك المفاهيم العداء أو أساءوا فهمه بقراءته وفق معايير موروثهم ومعاناتهم هم التي لا مثيل لها ولا لمسبباتها لا في موروثنا ولا في معاناتنا .. بل إن الأمَرَّ من ذلك أن تكون معايير بعض النخب لموروث أوطانها هي نفس معايير من أرادوا لهذه الأوطان ذلاً وتخلفاً ومهانة أومن أساءوا فهم موروثنا.. ذلك لأننا بعد أن تخلَّفنا ،نتيجة لتخلِّينا عن موروثنا الحضاري وتوقفنا عن تطويره، سيطرت علينا عقدة التخلف فلم نجهد أنفسنا بالبحث العلمي الدقيق عن عوامل هذا التخلف ،فقرأنا نتاج الآخرين فاستسهلنا الاستنساخ والتبنّي لمولود غيرنا وسارعنا لتبنّي أسباب تخلفه في القرون الوسطى لإنزالها حرفياً وبرمّتها على أوضاعنا دون دراسة وتمحيص لجذور عوامل تخلفه ولجذور عوامل تقدمنا في الماضي ،التي حتماً ستقودنا إلى النتيجة المنطقية العلمية من أن التخلي عن عوامل تقدم مجتمع ما هو المسبب الرئيسي والأساسي لتخلف ذلك المجتمع.. وأن عوامل تخلف أو عوامل تقدم أي مجتمع أو أي أمّة ليست بالضرورة هي نفسها أو برمّتها عوامل تخلف أو عوامل تقدم مجتمع آخر أو أمّة أخرى.

فاليابان نهضت وتقدمت دون التخلي عن موروثها بل بالمحافظة عليه.. وماليزيا نهضت بالمثل دون التخلي عن موروثها أو معاداته.. وكذلك الهند ،ذات النهضة التقنية والاقتصادية الحالية، والصين التي حققت معدل نمو قياسي.

إن تفاعل وتعايش المجتمعات والأمم وتبادل المعرفة في كل مجال وفن أمر مطلوب وضرورة لأي نهضة لكن لا يستدعي ذلك التخلص والانقطاع والتسفيه والإساءة والرفض للموروث الديني والثقافي والفكري بل بالتمسك به والارتكاز عليه وتنقيته مما شابه من غبار الزمن وسلبيات الفهم الخاطئ ونزعات التطرف الدخيلة عليه.

وقد تفاعلت أمتنا ومجتمعاتنا في صدرها الأول وفي عصور نهضتها مع الثقافات والمعارف الإنسانية.. واستوعبتها واستفادت منها وطورتها وأضافت إليها دون أن تتخلى عن منطلقاتها وفهمها الصحيح الراقي والواعي لرسالتها نحو الإنسانية.. ولذلك نهضت نهوضاً رائعاً في شتى المجالات ولم تحجب معارفها وعلومها عن الآخرين لانطلاقها من أن المعارف والعلوم هي ملك للإنسانية وأن الاستفادة منها حق لكل مكونات الوجود الإنساني وما يحيط به.

ولذلك فإن علينا أن ننفتح على كافة المعارف الإنسانية والعلوم وأن نتفاعل معها أخذاً وعطاءً ولن نجد أي تعارض أو تصادم بين ما وصلت إليه الإنسانية من معارف بنّاءة وعلوم تجريبية وبين معتقدنا وموروثنا النقي الذي علينا أيضاً أن نزيل ما علق به من شوائب التطرف الذي لا سند له عند أهل العلم.

وهذه مسئولية يجب أن يُفسح المجال لأدائها لأهل العلم المؤهلين بالتلقي والأخذ بالسند المتصل الصحيح والمشهود لهم سلوكاً وعملاً وعلماً وهم والحمد لله كثر. كما أنه من المهم، بل وأساس لا غنى عنه، أن يشارك في هذا الأمر أهل التخصصات في كافة علوم الحياة وخبراتها، إنسانية وتجريبية، فيتم بذلك التكامل والتعاون البنّاء.. وكل صاحب تخصص يستطيع أن يبين القواعد والمقتضيات والعوامل والظروف التي يمكن أن يتم تفعيل تخصصه في ظلها ومن خلالها. وسيجد الجميع القواعد والأحكام والآليات التي تدفع بآليات التفعيل لكل جوانب الحياة دون تصادم أو تضاد وبمراعاة الواقع دون وقوع في سلبياته ومحاذيره

وهذا التكامل بين العلماء المؤهلين ،علماء الشريعة والعلوم التجريبية والعلوم الإنسانية من فكرية وفلسفية وتعليمية وتربوية واجتماعية واقتصادية وبيئية وسياسية وقانونية وإعلامية وعسكرية وأمنية... الخ، هو الأساس الذي قامت عليه حضارتنا في كل عصورها الزاهرة ؛ والفرق أن كثير من تلك العلوم كان يتقنها بعض الروّاد من العلماء الموسوعيين الذين أستطاع العالِم منهم أن يتقن عدداً من العلوم بما فيها العلوم الشرعية ويبرع فيها وبالتالي كان يتجسد أحياناً التكامل بين كثير من تلك العلوم في الشخص الواحد فينتفي التصادم والتضاد. ومع اتساع العلوم والمعارف وتشعب التخصصات حتى في العلم الواحد أصبح من غير الممكن تحقيق هذا التكامل إلا باشتراك أهل التخصصات المختلفة في تحقيق هذا التكامل واحترام مكانة أهل كل تخصص بعدم الفتوى في القضايا التي تتعلق  بتخصصاتهم دون أن يبيّنوا هم المقتضيات العلمية لتخصصاتهم وظروف الواقع المحيطة بحركة الحياة في مجالهم، دون أن يفتئت أحد بالتنظير في تخصص آخر قبل أن يتقنه على أيدي أهله. ومن هنا ترتقي نظرة مجتمعاتنا للعلم والعلماء في كل المجالات والتخصصات. وهو الأساس الذي تنهض به المجتمعات والأمم والمفتاح الذي نفتح به باب الدخول إلى التطور في كل المجالات..

وعـزّت أمــّة: أعـزّت علماءَها...... وعزَّت أمةٌ عزّ علـماؤها..

وذلـّت أمــّة: أذلــّت علماءَها ...... وذلَّت أمةٌ ذلَّ علـما ؤُها..م

تـطورات لاحقة: 

بعد أكثر من عام على إعداد مسودة هذا المشروع طرأت بعض التطورات الهامة والمؤشرات الواضحة التي تؤكد وتدعم رؤيتنا في حاجة بلادنا إلى إجراء إصلاحات شاملة وعميقة وفي أن البديل لذلك هو الانهيار والتمزق. ومن تلك التطورات والمؤشرات:

أولاً:

توالي صدور التقارير والدراسات والأبحاث ،محلية وعربية ودولية، والتي تؤكد أن بلادنا ،اليمن، معرضة للانهيار وذكرت الأسباب والعوامل لهذا الأمر والتي لم تختلف في جوهرها عن ما أوردناه في هذا المشروع من اختلالات ومسببات لهذه الاختلالات.

ثانياً:

إعلان فخامة الرئيس ،في 17يوليو2005 في مناسبة مرور 27عام على توليه منصب رئيس الجمهورية، عن قراره بعدم ترشيح نفسه لهذا المنصب لفترة أخرى وما أحدثه هذا القرار ،في الغالب، من ترحيب على مختلف المستويات محلياً وخارجياً. وفي نفس الوقت ظهرت مفارقة أخرى وهي شعور البعض بشيء من القلق مما يعني أن أوضاع بلادنا الحالية هي أصلاً غير طبيعية وغير مستقرة وغير سوية وأن كل شيء فيها معلَّق ومرتبط بشخص الرئيس ،فقط، وهي في نظر من يشعر بهذا القلق تعيش ،أصلاً وحالياً، في كل لحظة حالة خطر الانهيار والتمزق وكلما طال أمد بقاء الأوضاع على حالها كلما زادت درجة وحِِـدَّة هذا الخطر.

إن أصواتاً تنطلق متسائلة عن "البديل" تأتي كمفارقة أخرى ،فهي أصوات لطالما نادت بالتداول السلمي للسلطة!! وبعضها أصوات لطالما انتقدت بل وجرَّحت الأوضاع القائمة والقائمين عليها!! ونفترض أن كل مدرك ومتابع ولديه وضوح رؤية لابد أن يعلم أن الحديث عن البديل لما هو قائم يتكون من شقين:

الشق الأول:  توجهات تحدد المستهدفات ورؤى توضح نظام الدولة ونظام الحكم وأسس يرتكز عليها نهج الحياة ،سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وبرامج وخطط لتنفيذها وهياكل لبناء مؤسسات الدولة(أرض وشعب وحكومة ومنظمات المجتمع المدني) وآلياتها وأنظمة وقوانين تنظم وتحكم العلاقات بين مكونات الدولة وبينها وبين الغير وتضبط إيقاع حركتها في الاتجاهات التي تقود إلى تطورها ونمائها وتحقيق المصالح العليا للوطن ،أرضاً وإنساناً، ورعاية مصالح الآخرين. وجزء من هذا الشق قائم وما يحتاج إلى تعديل يتم تعديله وما يحتاج إلى تغيير يتم تغييره وما ليس قائماً تتم إقامته. وطرحنا وطرح غيرنا بدائل تعالج مختلف الاختلالات القائمة .

الشق الثاني:  وهو ما يتعلق بالبديل البشري.. وهو ينقسم الى قسمين:

القسم الأول:   وهو ما يتعلق بمنسوبي المؤسسات في السلطات الثلاث ،التشريعية والتنفيذية –المدنية والعسكرية-والقضائية، وكل منها ينظمه القوانين والأنظمة واللوائح الخاصة به ، انتخاباً أو تعييناً أو بأي وسيلة تحددها القوانين والأنظمة واللوائح..ولسنا بصدد استهداف استبدال منسوبي مؤسسات الدولة بل إن المستهدف هو وضع او تعديل القوانين ،بما يحقق تكافؤ الفرص، وتفعيلها وضبط أداء تلك المؤسسات ومنسوبيها وتطويرها واستبدال قانون القوة بقوة القانون.

القسم الثاني:   وهو السلطة السيادية والتنفيذية العليا..وتنقسم إلى هيئتين:

1-الحكومة: والتي سينظمها الدستور بالنص على أن حزب الأغلبية ،المطلقة أو النسبية، هو الذي يشكل الحكومة ..وفي النظام البرلماني تصبح هي السلطة التنفيذية العليا.

2- رئاسة الدولة: ويتضح أن التساؤل الذي أقلق البعض وأدخله في بعض الحيرة هو من البديل الفرد للرئيس!؟ وهو تساؤل ناتج عن قوة العادة ،من حيث أن أكثر من 70% من شعبنا لم يعرف رئيساً غيره وحوالي 20% لم يكن وعيهم قد نضج عندما كان غيره رئيساً والباقون قد أنهكتهم الصراعات على مدار حوالي نصف قرن. كما أن مركزة القرار والفعل في كل مفاصل حياة الفرد والمجتمع في مؤسسة الرئاسة ،أي الرئيس، كان العامل الأهم لطرح هذا التساؤل القلق والذي قد يغلفه البعض بما يمتلكه الرئيس من ذكاء وبراعة وخــبرة..

والجواب الحقيقي على هذا التساؤل هو أن بلادنا مليئة بالرجال والكفاءات والذكاء والبراعة كما أن الحاجة اليوم ليس للبديل الفرد لإدارة البلاد بمركزة المفاصل والخيوط في يده وإنما البديل المؤسسي اللامركزي ..أما  خبرة الرئيس فهي بحق عميقة وكبيرة وطويلة ولكن في وظروف قد تغيرت وفي أوضاع وأساليب حكم ،قد تكون ملائمة لتلك الظروف التي تغيرت، ولم تعد ملائمة لغيرها ولا قادرة على الانتقال إلى المستقبل أو حتى لإبقاء أساليب الماضي رغم محاولاته لاستخدام تلك الخبرة للانتقال أو حتى الإبقاء على الحال كما هو..وهذا لا يقلل من براعته وذكائه وخبرته بالناس.

 ومع ذلك فإنه إن أعاد الرئيس النظر في قراره ،بعدم قبول الترشح لمنصب الرئيس في انتخابات سبتمبر2006، وقرر أن يترشح ،وفقاً لأي مبررات أو مقتضيات، فإن ذلك يستلزم القبول به بل والترحيب في حالة وجود التزام جِدِّي ومضمون  بـ( الإصلاحات الشاملة) بحيث تجري الانتخابات كجزء منها وفي إطار متطلبات (الإصلاحات الشاملة) وأسسها..وفي هذه الحالة يتم البدء في تنفيذ خطوات الإصلاحات الشاملة في أسرع وقت ممكن . وكمرحلة انتقالية ،من الآن حتى انتخابات الرئاسة، فإنها ستكون خطوة على الطريق الصحيح أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أهم رموز الوطن المؤمنة بالإصلاحات الشاملة والمستوعبة لها ،وبرئاسة الرئيس شخصياً، تكون مهمتها الاتفاق على اتجاهات وأسس ونواحي الإصلاحات الشاملة وتفاصيلها والشروع في تنفيذها وتأسيس الآليات ومتابعة أداءها ،وأولها إجراء التعديلات الدستورية والقانونية التي تتطلبها عملية الإصلاحات الشاملة،على أن يتولى الرئيس المنتخب رئاسة تلك الحكومة لسنة أخرى لاستكمال أسس وهياكل عملية الإصلاحات الشاملة..ثم يتم بناء مؤسسات الدولة وسلطاتها طبقاً للأسس الدستورية والقانونية الديمقراطية التي تكون عملية الإصلاحات الشاملة قد أفرزتها.

وفي حالة استمرار الرئيس في قراره بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة فإن ما ذكر أعلاه حول تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسته ،من الآن حتى انتخابات الرئاسة في سبتمبر2006 ، يظل قائماً وهاماً..بالإضافة إلى دوره الذي أعلنه في تسهيل انتقال السلطة بسلاسة ويُسر..وفي هذه الحالة فإن أدواراً هامة يمكن أن يلعبها في الحياة العامة ،داخلياً وخارجياً، كشخصية متميزة على المستوى المحلي والعربي والدولي.

إن الأمور إن سارت دون هذه المنطلقات الواعية والهادفة فإنها قد تحدث بعض الربكة ،المصحوبة أحياناً ببعض الألم، التي من الطبيعي أن تحدثها عملية الولادة والانتقال من الضيق إلى السعة ومن آلية إلى آلية ومن نظام مرور إلى آخر ومن وضع المسئولية على شخص الرئيس إلى تحمل كل شخص لمسئوليته ومن اللاَّ خيار إلى الاختيار.

إننا إن سلَّمنا واستسلمنا لذلك الشعور بالقلق فسيقودنا إلى حالة من العجز وإلى  مجرد التنظير والانتظار للتمزق والانهيار..وهو أمر لا يجب أن نسمح به كشعب حي وبصورة خاصة القيادات والنخب الاجتماعية والفكرية والثقافية والإعلامية. كما أننا إن قبلنا بذلك الشعور بالقلق وطرحناه كمبرر لبقاء الأوضاع دون التزام وضمانات بالإصلاحات الشاملة والعميقة والحقيقية  فإن من حقنا وحق شعبنا طرح سؤال لابد من إجابة عليه وهو:ـ ماذا سيكون عليه الحال بعد دورة انتخابات رئاسية أخرى؟؟ وكيف سيزول قلقكم هذا أم أن نفس المبرر سترتفع أصوات به لتعديل الدستور بفترة أخرى أو بالمناداة ببديل قد تتصورون بقدرته على المحافظة على نفس الحالة!!؟ فما الذي يمكن أن يبقي الحال وبقاءه من المحال!! وما الذي أوصل الأوضاع إلى هذا الحال الذي تقولون أنها مهددة بالضياع إن غاب الرئيس!!؟؟ أليس في ذلك أبلغ الإساءة للرئيس نفسه وتاريخه!!؟؟.