(رؤية حزب رابطة أبناء اليمن (رأي

للاقتصاد اليمني

صادرة عن الدائرة الاقتصادية للحزب

ناقش مجلس النواب في الأسبوع الماضي البيان المالي للموازنات العامة للعام المالي 2001 الذي قدمته الحكومة إليه وذلك خلال الجلسة العامة التي بثها التلفزيون وحضرها عدد من الوزراء والمسؤولين في الحكومة.  ومن المعلوم أنه نظراً لأهميته البالغة، يكون البيان المالي للحكومة محل اهتمام جميع الأطراف على الدوام في جميع الدول.  فهو يمثل رؤية الحكومة للأوضاع الاقتصادية في البلد، ويعكس الاستراتيجية المتبعة من قبلها لمعالجة هذه الأوضاع في المدى المتوسط والطويل ويتضمن، بالاستناد إلى ذلك، النتائج المستهدفة خلال العام المعني بالبيان والسياسات والإجراءات التي تعتزم الحكومة اتباعها للوصول إلى هذه النتائج في إطار الأهداف العامة التي تسعى الإستراتيجية إلى تحقيقها.

وغني عن البيان أن الوضع الاقتصادي في اليمن يشكل أحد الهموم الرئيسية لجميع أفراد المجتمع، إن لم يكن أهمها، ليس فقط لأن التطورات الاقتصادية تؤثر بطبيعتها بصورة مباشرة على كل منهم، كما هو الحال في كافة المجتمعات، ولكن أيضاً بالنسبة لليمن، للصعوبات الاقتصادية التي يعيشها، الأمر الذي أدى إلى استمرار معاناة المواطن اليمني بصورة عامة، وذوي الدخول المنخفضة، بصورة خاصة.

وقد جاء في البيان "أن تحليل أوضاعنا المحلية، لا بد وأن يبدأ بتحليل شامل لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري بهدف تقييم مراحل التنفيذ السابقة، للوقوف على الإيجابيات والسلبيات، والاستفادة من ذلك في مراحل التنفيذ المستقبلية."  كما ورد فيه أن الحكومة أكدت في تبنيها للبرامج على أن ترتكز على فهم عميق للمشكلات وأسبابه، وأن تكون المصارحة والمكاشفة والشفافية هي السبيل لتعاون الشعب مع الحكومة في تنفيذ البرنامج، وأن يأخذ البرنامج في حسابه المتغيرات العالمية، وأن يستفيد من تجارب الآخرين، وأن يكون الهدف الرئيسي للبرنامج هو رفع مستوى معيشة الفرد، والوصول به إلى المستوى الذي يكفل للمواطن احتياجاته الأساسية ويتيح له الفرصة الملائمة والمناخ المناسب للمساهمة في عملية التنمية.

كذلك، ورد في البيان أن بين الأهداف التي تركزت عليها المرحلة السابقة  تحرير الاقتصاد وإيجاد بيئة اقتصادية تنافسية تعمل وفقاً لآلية السوق وتكافؤ الفرص، وإعمال مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد بكافة صوره.

ونتفق مع ما ورد في البيان من أنه من أجل تحليل الأوضاع الاقتصادية المحلية، فإن الأمر يتطلب منا جميعاً أن نقف برهة لنتدارس هذه الأوضاع بصورة عميقة ومتأنية، والقيام بالتحليل الشامل المطلوب لنتائج الإصلاح الاقتصادي في المرحلتين السابقتين ليمكن لنا الاستفادة من التجربة السابقة في تحديد متطلبات المرحلة المستقبلية.  والجدير بالذكر هنا أن جدوى التحليل الشامل المطلوب لا تتأتى بمجرد تحليل نتائج الإصلاح الاقتصادي بصورة مجردة عن متطلبات التنمية أو بتحليل نتائج الإصلاح الاقتصادي في اليمن دون تحليل تجارب الدول الأخرى التي سبقت في تطبيق مثل هذه البرامج.  فالإصلاح الاقتصادي ظل يشكل محور اهتمام الدول النامية لعدة عقود.  ومع استمرار جهود الإصلاح في الكثير منها لفترات طويلة، بدى وكأن الإصلاح مرادف للتنمية الاقتصادية المنشودة في هذه الدول.  إلا أن النتائج المتواضعة التي تم تحقيقها أعادت إلى الأذهان أن الإصلاح والتنمية ليسا مترادفين وأن الأول يمكن أن يقود إلى الثاني إذا ما تم الأخذ به في إطار رؤية سليمة لمتطلبات التنمية.

ومن جانب أخر، فإن جهود الإصلاح كما نعرفها حالياً تتم في العادة بالتعاون مع المؤسسات الدولية ذات العلاقة وعلى وجه الخصوص صندوق النقد والبنك الدوليين باعتبارهما المؤسستين الدوليتين المعنيتين بصورة رئيسية بهذا المجال، بالإضافة إلى الدول المانحة التي توفر الدعم المالي لمعظم الدول النامية المنخرطة في جهود الإصلاح الاقتصادي.  ومن المعلوم، فإن تصميم برامج الإصلاح يتم من قبل هاتين المؤسستين بالارتكاز على النظريات الاقتصادية التي تعملان بموجبها وكذلك وفق رؤيتهما لمتطلبات الاستقرار الاقتصادي على المستوى الدولي.  وقد جرى إدخال تعديلات وإضافات متلاحقة على هذه البرامج في ضوء النتائج العملية للدول التي سبقت في تنفيذ هذه البرامج وكذلك في ضوء التطورات الاقتصادية الدولية، وهي من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن القيام بتحليل عملي وواقعي لجهود الإصلاح واستشراف متطلبات المرحلة القادمة دون أخذها بعين الإعتبار.

وعليه، فإنه وعملاً بما ورد في البيان عن أهمية الأخذ بعين الإعتبار للمتغيرات الدولية والإستفادة من تجارب الآخرين، وإعمالاً لمبدأ الشفافية، فسنحاول في هذه الدراسة مناقشة الجوانب المختلفة للموضوع.  وفي هذه الحلقة سنحاول بداية التعرف على الأسباب التي أدت بالدول النامية إلى الإنخراط في جهود الإصلاح الاقتصادي، وجعلت منه أمراً حتمياً.  ثم سنناقش طبيعة برامج الإصلاح التي تم تطبيقها في البداية وأهدافها، والتعديلات التي أدخلت عليها لاحقاً في ضوء التجارب العملية لتنفيذها في الدول النامية، وأسباب وأهداف ذلك.  وفي مناقشتنا سنحاول التمييز بين الإصلاح الاقتصادي والنمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية لتوضيح الخلط الذي يحدث دوماً نتيجة الأخذ بها بصورة غير دقيقة لنبين أنها ليست مترادفة ولكنها مرتبطة ببعضها البعض مع تحديد طبيعة هذا الارتباط.

وعلى خلفية هذا النقاش، سنعمد في الحلقة التالية على تحليل الأوضاع الاقتصادية المحلية ونتائج تجربة الإصلاح، ثم سنتناول، في ضوء ذلك، البيان المالي لنحاول البحث من خلاله للرؤية الاقتصادية التي يعكسها والاستراتيجية التي يرتكز عليها، قبل أن نختتم بالمساهمة في وضع المعالم الرئيسية للسياسات التي تتطلبها ظروف المرحلة الحالية لوضع الاقتصاد في المسار الذي يمكن أن يؤدي، إذا تضافرت الجهود، إلى تحقيق الدرجات الممكنة من التنمية وفق المعطيات المتاحة.

ولتحقيق هذه الأهداف سنعتمد على ما ورد في البيان المالي من بيانات، وما يتوفر من مصادر رسمية أخرى خاصة من البنك المركزي اليمني، وكذلك التقارير والدراسات الوفيرة لصندوق النقد والبنك الدوليين المنشورة على صفحتيهما في شبكة الإنترنت، ومنها الدراسة حول الإطار العام للسياسة الاقتصادية والمالية في اليمن خلال الفترة 1999-2001  المنشورة على صفحة الصندوق بتاريخ مارس 1999 والذي ورد فيها أنها تم إعدادها من قبل المسؤولين الحكوميين في اليمن بالتعاون مع الفنيين في الصندوق والبنك.  فهي لذلك، تمثل الموقف الرسمي لهذه الجهات الثلاث.

لماذا الإصلاح الاقتصادي؟

ارتكزت استراتيجية التنمية التي اتبعها معظم الدول النامية ومنها العديد من الدول العربية خلال فترات مختلفة من مراحل نموها وحتى عشية الإصلاحات، على عدد من الأمور، كان من أهمها التركيز على التصنيع من خلال إحلال الواردات، وانغلاق الاقتصاد وانكفائه تجاه الداخل، والتخطيط من أجل التوجيه المركزي للموارد وللإدارة الاقتصادية.

وقد استهدفت تلك الاستراتيجية تحقيق غرضين، أولهما معالجة وتذليل ما يعرف بعقبة فجوتي الموارد الداخلية والخارجية التي تعاني منها هذه الدول. أما الغرض الثاني فهو إنشاء القاعدة الإنتاجية القادرة على تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل للإعداد المتزايدة من الداخلين إلى أسواق العمل.

ولتحقيق ذلك، نادت الاستراتيجية بأربعة أمور، أولها تبني ما عرف بسياسة إحلال الواردات، أي الإنتاج محلياً للسلع المستوردة سابقاً من أجل توفير العملة الصعبة التي كانت تستخدم لتمويل تلك الواردات. أما الأمر الثاني، فهو إنشاء الصناعات الثقيلة على اعتبار أنها تشكل أساس التطور الصناعي وذلك بالاستفادة مما يتم توفيره من عملة صعبة في إطار سياسة إحلال الواردات من أجل استيراد السلع الرأسمالية ومدخلات الإنتاج الضرورية.

وأما الأمر الثالث فهو توجيه الاقتصاد إلى الداخل لإنشاء القاعدة الإنتاجية وراء جدران من القيود الجمركية وغير الجمركية لحماية الصناعات الوليدة من المنافسة الدولية.

وأخيراً، كان الاعتقاد بأن آلية السوق ونظام الأسعار لا يمكن لهما القيام بتخصيص الموارد بكفاءة وأن القطاع الخاص ليست لديه القدرة على المساهمة بفاعلية في تطوير القاعدة الإنتاجية وتوفير مستلزماتها. وفي وضوء ذلك، فإن الأمر الرابع الذي نادت به الاستراتيجية وأولته أهمية كبيرة هو التخطيط. فقد رأت أن عملية التنمية هي نتيجة لخطوات وسياسات مدروسة لتحقيق أهداف تم التخطيط لها مسبقاً، وليست نتيجة لعوامل السوق التنافسية. فالتخطيط التنموي، حسب هذه الاستراتيجية، يشمل تنظيم العمليات الإنتاجية، والقرارات الاستهلاكية المتعلقة بالسلع والخدمات التي توفرها الدولة، وتوزيع الموارد المتاحة للاستثمار بين القطاعات المختلفة، والسياسات المالية والنقدية وسياسات الأجور والأسعار.

تلك هي باختصار المعالم الرئيسية لاستراتيجيات التنمية التي تبناها معظم الدول النامية حتى وقت قصير، وذلك باستثناء القليل منها، وخاصة دول شرق آسيا التي اتخذت مساراً آخر، سنتطرق إليه لاحقاً للتعرف على الدروس التي يمكن استخلاصها منه.

نتائج التجربة

يمكن حصر النتائج التي انتهت إليه تلك التجربة في ثلاثة أمور يتمثل أولها في أسلوب إدارة الاقتصاد الذي أدت إليه الاستراتيجية. فقد أدت تلك الاستراتيجية إلى تعاظم دور القطاع العام وهيمنته على النشاط الاقتصادي، الأمر الذي قاد إلى تفشي القيود الإدارية في شتى مجالات الاقتصاد والتدخل الواسع من قبل السلطات في تحديد الأسعار، وخاصة أسعار السلع الغذائية وأسعار منتجات المؤسسات العامة.

كما أدى ذلك إلى الاحتفاظ بأسعار صرف مغالى فيها للعملات الوطنية والعمل في الكثير من الأحيان بأسعار صرف متعددة للعملة الواحدة والتعامل بها في الأسواق السوداء.  كما امتدت القيود في معظم الأحيان إلى القطاع المصرفي بتقييد أسعار الفائدة وتوزيع الائتمان المصرفي إلى القطاعات المختلفة بموجب قيود إدارية مما أدى إلى تعطيل الدور الهام لهذا القطاع في الوساطة المالية.

أما الأمر الثاني فهو أن الاستراتيجية أهملت عدداً من الأمور التي أوضحت التجارب العملية للدول النامية فيما بعد أنها تمثل أبعاداً لها أهميتها الحاسمة في التنمية الاقتصادية. ومن هذه الأمور، التي سنكتفي بداية بذكرها ثم سنتطرق إليها لاحقاً بشيء من التفصيل، البعد الإنساني، وهو مقصد التنمية، ويشمل دور الإنسان والحافز الفردي ودور المجتمع في المشاركة في جهود التنمية والقبول بما تقتضيه من تضحيات مرحلية، والبعد التعليمي، أي دور التعليم في توفير القدرات البشرية اللازمة للتنمية على جميع المستويات الفردية والمؤسسية والحكومية، والبعد السياسي الذي يوفر البيئة الملائمة المتصفة بالشفافية والإفصاح بما يمكّن من إيجاد نظام إداري سليم يعمل وفق ضوابط وأسس للمساءلة متعارف عليها، ونظام قضائي يسهّل من إبرام العقود ويضمن عدالة تنفيذها. ومن الأمور التي تم إغفالها الدور الهام للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ودور آلية السوق في حسن تخصيص الموارد، ودور قطاع التصدير الذي يمثل البعد الدولي ذات الأهمية المتعاظمة وكذلك دور القطاع الزراعي الذي يعمل فيه الجزء الأكبر من السكان في معظم الدول النامية. ولأهمية هذه الأمور، تكفي الإشارة هنا إلى أن الممكن القول أن نجاح أي من الدول النامية لاحقاً، وخلال السنوات القليلة الماضية بالتحديد، في تحقيق درجات من التنمية الحقيقية، يعود أساساً، كما تشير إليه تقارير ودراسات المؤسسات الدولية المعنية، إلى إدراكها لهذه الأهمية، ويرتبط بصورة وثيقة بالسرعة التي عملت بها للأخذ بهذه الأمور، وبالدرجات المتناسبة مع أهميتها، في إطار جهودها التنموية، وذلك من خلال السياسات التي انتهجتها والإجراءات العملية المركزة والمتواصلة التي اتخذتها لذلك الغرض.

أما بالنسبة للأمر الثالث فإنه وبالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في الدول التي انتهجت تلك الاستراتيجية، يمكن القول أن نتائجها لم تكن ناجحة، بل كانت في معظم الأحوال معاكسة للأهداف التي توختها منذ البداية.

فقد أدت سياسة إحلال الواردات وما صاحبها من إهمال لقطاع التصدير إلى تدهور الموازين التجارية لما نتج عنها من الاعتماد المتزايد على الواردات من السلع الرأسمالية. كذلك، أدى التطور الصناعي في بعض هذه الدول والانتقال إلى مرحلة أعلى من مراحل التصنيع إلى أن تمتد الحماية التي توفرها الرسوم الجمركية إلى وسائل أكثر صرامة أخذت صور القيود الكمية أو الحظر المطلق مما أدى إلى عزل السوق المحلية عن الأسواق العالمية. وتميزت السياسات التجارية المتبعة في أنها لم تستهدف تصحيح اختلال موازين المدفوعات بل التأثير على هيكل الأسعار لصالح القطاع الصناعي على حساب القطاع الزراعي من خلال إجراءات نقدية ومالية وجمركية تمييزية. كما قادت الإجراءات الحمائية إلى أسعار صرف مغالى فيها للعملات الوطنية وبالتالي إلى فرض نوع من الضرائب على الصادرات. ونتيجة لذلك، أصبح أداء الصادرات المتدني يمثل عقبة كبيرة أمام جهود التصنيع.

ومن ناحية أخرى، أدى توسع النشاط الحكومي غير المصحوب بارتفاع مواز في حجم الإيرادات العامة إلى ارتفاع العجوز في المالية العامة وارتفاع الضغوط التضخمية خاصة وأن إمكانية تحويل الموارد الحقيقية من قطاع الزراعة أصبحت أكثر صعوبة مع التدهور المستمر في أوضاع موازين المدفوعات.

كما أن السياسات النقدية استهدفت بصورة أساسية تمويل العجز المالي للحكومة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات السيولة المحلية وارتفاع الطلب المحلي وتفاقم معدلات التضخم، مما قاد إلى حلقة يستمر فيها تدهور أسعار صرف العملات المحلية وتفاقم معدلات التضخم. ولقد كان التوسع في الإنفاق الحكومي والسيولة المحلية من المسببات الرئيسية لارتفاع الطلب وزيادة التضخم وبالتالي تعميق الفجوة في الادخار. كما أن تضاعف آثار التضخم النقدي أدى في الكثير من الحالات إلى عجز متواصل في ميزان المدفوعات وإلى تقليص حجم الاحتياطيات الخارجية إلى أدنى المستويات. وبالإضافة إلى ذلك، أدى التضخم، في ضوء سيطرة القطاع العام على النشاط الاقتصادي، وغياب آلية السوق، إلى تعميق الاختلالات في هيكل الأسعار والحوافز، وبالتالي إلى تفاقم مشكلة الإنتاجية وسوء توزيع الموارد، وتدني معدلات النمو.

وقد انعكس قصور الأداء الاقتصادي وضعف الإنتاجية في تدني قدرة الاقتصاد على توليد وتعبئة المدخرات المحلية بما يكفي لتمويل الاستثمارات الضرورية لتحقيق النمو. وفي ظل تزايد عدد السكان لم تكن تلك المدخرات، من خلال أثرها في تحقيق النمو، كافية في الكثير من الأحيان لإبقاء نصيب الفرد من الدخل على مستوياته التي تعتبر في الأصل متدنية، ناهيك عن رفعه.

ومن العوامل التي أدت إلى تفاقم الأوضاع لجوء معظم هذه الدول إلى خيار التمويل لمعالجة الصعوبات بدلاً من اتخاذ السياسات اللازمة في مثل تلك الأوضاع، وذلك نظراً لاعتقادها بأنها صعوبات طارئة ومؤقتة.

وفي هذا الإطار لجأت هذه الدول إلى الاقتراض من الخارج، مع التركيز في حالات الكثير منها على الاقتراض من المصارف الخارجية. وبالنسبة لدول أخرى، فقد اعتمدت في بادئ الأمر على التحويلات الرسمية والتحويلات الخاصة لتغطية العجوزات في موازين مدفوعاتها، ثم إلى الاقتراض من الخارج عند انخفاض تلك التحويلات. وقد أدى ذلك، في ضوء الإنتاجية الضعيفة وتدني الأداء الاقتصادي، إلى تفاقم الدين الخارجي، وارتفاع أعباء خدمته، وبالتالي إلى تفاقم وتعميق فجوة الموارد. كما أدى إلى تدهور الجدارة الائتمانية لاقتصادات هذه الدول وتقاعس الجهات الخارجية المقرضة عن تقديم المزيد من القروض لها. وقد تبين ذلك بجلاء عندما انفجرت أزمة الديون الخارجية في مستهل عقد الثمانينات حين أخفقت المكسيك على الوفاء بديونها الخارجية، فكان موضوع الديون الخارجية محور الاهتمام على الصعيد الدولي. وقد سمي عقد الثمانينات في ضوء ذلك، بعقد التنمية الضائع.

ونتيجة لهذه التطورات وجدت هذه الدول نفسها مضطرة للجوء إلى المؤسسات الدولية، وخاصة صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل للعجوزات في موازين مدفوعاتها. وحيث أنه يعتبر المؤسسة التي تقوم مقام المقرض الأخير للدول، فقد اقتصرت القروض التي كان يقدمها على الدول التي هي في حاجة لمعالجة الاختلالات في موازين مدفوعاتها، وارتبطت بتنفيذ برامج لإصلاح ومعالجة هذه الاختلالات.

برامج الإصلاح الاقتصادي – المرحلة الأولى

لقد كان ينظر إلى الإصلاحات الاقتصادية في مراحلها الأولى في إطار برامج الإصلاح التي وضعها صندوق النقد الدولي على أنها تستهدف تحقيق أو إعادة الاستقرار الكلي للاقتصاد، أو تثبيت الاقتصاد أو بمعنى آخر إزالة الاختلالات الكلية الداخلية والخارجية التي قد تطرأ عليه. وقد تم تطوير هذه البرامج في الصندوق بالارتكاز على ما يعرف بالنظرية النقدية والتي تفترض أن الاقتصاد، ويقصد به الاقتصاد في الدول الصناعية المتقدمة، يكون دائماً في حالة توازن وأن الأجور والأسعار تتصف دوماً بالمرونة الكافية لجعل الاقتصاد يعمل في طاقته الكاملة مع التوظيف الكامل للعمالة. ولذلك، فإن أي اختلال في التوازن بين العرض والطلب في الاقتصاد يتم تصحيحه بالتحرك السريع للأجور والأسعار، أي أن الاقتصاد له آليته الخاصة المتمثلة في مرونة الأجور والأسعار، التي تعيد له التوازن في حالة اختلاله. 

ومحور هذه النظرية أن ما يهم هو عرض النقود الذي يعتبر العامل المؤثر في الاقتصاد في الأمد القصير، أما في الأمد الطويل، فالمؤثر هو الأسعار. وتعتقد هذه النظرية أن استخدام السياسة المالية يؤدي إلى اختلال في توازن الاقتصاد.

وقد استمدت هذه النظرية فعاليتها من أمرين، أولهما القدرة على استغلالها في التحليل الكمي وبالتالي في وضع صيغ لمعايير الأداء تأخذ صور أهداف نقدية يمكن متابعتها بسهولة. أما الأمر الثاني فهو ارتكاز برامج الإصلاح التي وضعها صندوق النقد الدولي في بادئ الأمر بشكل كلي عليها. ولذلك، اعتبرت تلك البرامج أن الاختلال في اقتصادات الدول النامية نابع أساساً عن عوامل داخلية تتمثل في تفشي الضغوط التضخمية الناجمة عن الطلب المحلي الفائض الذي كان دوماً النتيجة للتوسع غير اللازم في الائتمان المحلي. ورأت أن هذا الاختلال عبارة عن خروج مؤقت للاقتصاد عن مساره التوازني يمكن معالجته خلال فترة زمنية قصيرة نظراً لافتراضها وجود مرونة كافية في الاقتصاد تسمح له بالتجاوب بدون تكلفة مفرطة. وبتبنيه لتلك البرامج، لم يبذل الصندوق في ذلك الوقت جهداً للتعرف على مشاكل الدول النامية، واعتبر اقتصاداتها مماثلة لاقتصادات الدول الصناعية. ولذلك، كان الاعتقاد بأن مجرد إعادة التوازن إلى هذه الاقتصادات كفيل بمعالجة جميع مشاكل التنمية التي تواجهها.

ووفقاً لذلك، كانت تتمثل الإصلاحات في السياسات التي تعرف بإدارة الطلب الكلي للاقتصاد. وبصورة عامة، فإن الطلب الكلي في الاقتصاد هو الاستهلاك الكلي للأفراد والمؤسسات زائداً الإنفاق الحكومي زائداً الإنفاق على الاستثمار زائداً الصادرات. وبالتحكم بأي من هذه العوامل أو بجميعها يمكن إدارة الطلب الكلي في الاقتصاد، فيتم زيادته من أجل تنشيط الاقتصاد أو تقييده من أجل خفض الضغوط التضخمية وذلك حسبما يتطلبه الوضع في الاقتصاد في أي وقت من الأوقات.  وفي الحالات التي يعاني منها الاقتصاد من اختلالات كلية، ومنها وجود ضغوط تضخمية كبيرة، فإن سياسة إدارة الطلب تستهدف إعادة الاستقرار من خلال تقييد الطلب الكلي في الاقتصاد. ويؤدي ذلك إلى خفض وتيرة النشاط الاقتصادي وإلى حدوث انكماش تختلف حدته باختلاف حدة تقييد الطلب الكلي، أي أنه أصبح على اقتصادات الدول النامية التي تعاني من اختلالات مالية، أن تتكيف في إطار هذه البرامج مع مستويات أدنى من الدخل.

وبما أن لجوء الدول النامية إلى الصندوق، حدث في الكثير من الحالات عند وصول الاختلالات المالية إلى مستويات لا يمكن استمرارها على صعيد موازين المدفوعات والاحتياطيات وأعباء خدمة الديون الخارجية، فقد تطلبت برامج الإصلاح تنفيذ درجات عالية من التقييد في الطلب الكلي. والجدير بالذكر أن البرامج شملت معايير للأداء بالنسبة لعجز الموازنة والائتمان المحلي وميزان المدفوعات. وللالتزام بالمعايير الخاصة بالموازنة التي تستهدف ضبط العجز، فقد رأت الدول أنه في ضوء صعوبة تخفيض النفقات الجارية على الرغم من أنها تشكل الجزء الأكبر من النفقات الإجمالية، فإن من الممكن خفض النفقات الإجمالية إلى الحدود المطلوبة بخفض النفقات الاستثمارية. إلا أن ضآلة هذه النفقات أدت إلى الحاجة إلى خفض في النفقات الأخرى، لذى امتد التركيز في هذا الصدد إلى النفقات المختلفة للدعم على اعتبار أنها تمثل تشوهاً في الأسعار. وفي مجال الائتمان، وضعت البرامج سقوفاً للائتمان الذي يمكن تقديمه ليس فقط للحكومة بل وأيضاً لبقية قطاعات الاقتصاد. وفي هذا الصدد، أمكن للحكومات خفض الائتمان الذي يمكن توجيهه لبقية القطاعات والاستئثار بمعظم الائتمان في ظل السقف الكلي. كذلك، فإنه وفي مجال ميزان المدفوعات، فإنه ومن أجل خفض العجز، كان التركيز في معظم الأحيان على جانب الواردات فقط، لعدم وجود قطاع تصدير نشط لسد العجز، وتأثرت بذلك الواردات الاستثمارية. ولذلك، فإنه وفي الوقت الذي أدى فيه خفض النفقات الاستثمارية إلى خفض وتيرة النشاط الاقتصادي والحد من القدرة على إيجاد فرص عمل جديدة نظراً لغياب القطاع الخاص وهيمنة القطاع العام على الاقتصاد، فقد أدى خفض النفقات على أوجه الدعم المختلفة إلى رفع أسعار السلع المدعومة، وبالتالي الأضرار مرة أخرى بالمستفيدين من الدعم والداخلين إلى سوق العمل وخاصة من ذوي الدخول المنخفضة. ولذلك، لم تلق هذه البرامج وما تضمنته من جرعات، القبول لدى فئات الشعب في معظم الدول النامية.  ومع ازدياد هذا الشعور واقتران تنفيذها بعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، تمت إعادة النظر فيها، فبدأت المرحلة الثانية من الإصلاح.

الإصلاح الاقتصادي – المرحلة الثانية

تبين من التجارب العملية للدول التي عملت على تطبيق برامج الإصلاح حسب صيغها الأولية أن الاقتراضات التي ارتكزت عليها تلك البرامج، والتي تمثل حقيقة اقتصادات الدول المتقدمة، لا تنطبق على الدول النامية. ولذلك أصبح من الواضح أنه يتعين تعديل هذه البرامج وفق معطيات اقتصادات الدول النامية التي تهدف إلى معالجتها. ومن أهم هذه الاقتراضات، كما سبقت الإشارة إليه، مرونة الأسعار والأجور، أي آلية الاقتصاد الذاتية التي تمكنه من العودة إلى التوازن عند حدوث اختلال طارئ.

وقد نادى الكثير من الدول النامية بالقول بأن ما يجعل من غير الممكن تطبيق نفس البرامج في جميع الدول هو أن الطبيعة الهيكلية لاقتصاداتها تحد من فعالية آليات التصحيح القياسية التي تدعو إليها تلك البرامج. ففي هذه الدول، يميل مجال التحكم في الموازنة وعرض النقود وفعالية خفض سعر الصرف إلى أن يكون محدوداً مقارنة بالدول المتقدمة. فالأنظمة المالية في هذه الدول، بخلاف الأنظمة في الدول الصناعية، تفتقر إلى عوامل التصحيح المركبة داخلياً والتي يمكن لها أن تجعل العجز المالي يتجه بعكس الدورة التجارية. كذلك، فإن عدم  تطور المؤسسات المالية في الدول النامية يحد من إمكانية التحكم في الائتمان المحلي وعرض النقود، كما أن ضيق القاعدة الإنتاجية وتمركز الصادرات حول عدد محدود من الموارد الأولية  الذي يجعل من عرض الصادرات متصلباً بشدة في المدى القصير على الأقل يقلل من فاعلية سعر الصرف كأداة للتصحيح. وأخيراً، فإن طبيعة هياكل الاقتصادات في هذه الدول المتميزة بالتصلب وعدم المرونة تحد من قدرة الأسعار على التجاوب الملائم في جانب العرض.

ولذلك، فإنه في الوقت الذي تهدف فيه برامج الإصلاح إلى الحد من الطلب الكلي، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث انكماش، فإن الاقتصاد لا تتوفر له من المرونة في هياكله الإنتاجية التي تمكن جانب العرض فيه من التجاوب السريع وإخراج الاقتصاد من مثل هذه الحالة. وفي ضوء ذلك، تزايدت القناعة بأن التركيز على إدارة الطلب ليس بكاف لحل مشكلات الدول النامية، وأنه يتعين بالإضافة إلى ذلك إزالة التشوهات في الاقتصاد وتحسين آلية عمل السوق وتوسيع نطاق الإصلاحات إلى جوانب الاقتصاد المختلفة. ولقد عزز من هذه القناعة انفجار أزمة الديون ثم التحولات الكبيرة في المعسكر الاشتراكي وانهياره ومعه التخطيط المركزي.

أدت هذه الأمور إلى إعادة النظر في برامج الإصلاح في صيغها الأولية ونتج عن ذلك اتساع نطاق الإصلاحات الاقتصادية ليشمل بالإضافة إلى سياسات وإجراءات إدارة الطلب، السياسات الهادفة إلى تحسين تخصيص الموارد وتعزيز جانب العرض في الاقتصاد. وبذلك، لم تعد برامج الإصلاح تقتصر على سياسات الاستقرار الاقتصادي الكلي والتثبيت فقط (إدارة الطلب)، بل أصبحت تشمل أيضاً سياسات التصحيح الهيكلي (جانب العرض)، وأصبحت تعرف ببرامج التصحيح الاقتصادي الشامل.

وعلى الرغم من الاقتناع بأهمية الإصلاحات الهيكلية لتحسين تخصيص الموارد وتنميتها من أجل رفع معدلات النمو الاقتصادي، فقد استمر الاهتمام والعمل بسياسات الإستقرار كجزء من هذه البرامج على اعتبار أن التصحيح والإصلاح الاقتصادي السليم يتطلب تنفيذ الإصلاحات الهيكلية على قاعدة راسخة من الاستقرار الاقتصادي الكلي. وبمعنى آخر، فإن سياسات الاستقرار المرتكزة على إدارة الطلب ليست بكافية. إلا أن الاستقرار الكلي الذي يمكن تحقيقه من خلال هذه السياسات يعتبر أمراً مسبقاً هاماً من أجل ضمان نجاح الإصلاحات الهيكلية المتعلقة بجانب العرض من الاقتصاد.

وفي معالجتها لجانب العرض، وسعيها لتحقيق هدف تحسين تخصيص الموارد ورفع كفاءة استخدامها، أصبح التركيز في إطار هذه البرامج على عدد من الأمور لم تكن في إطار اهتمامات برامج الإصلاح في صيغها الأولية. ومن هذه الأمور تحرير الاقتصاد من شتى القيود التي كانت تحكم أنشطته المختلفة والاعتماد على آلية السوق في تخصيص الموارد. فقد اتضح من تجارب الدول التي طبقت برامج الإصلاح أن القيود في شتى صورها تمثل عامل تشوه كبير في الأسعار والحوافز، وأنها لذلك، شكلت عنصراً مقيداً للإنتاج وللقدرة التنافسية للاقتصاد. وفي ضوء ذلك أصبحت البرامج تتضمن إجراءات لإزالة القيود الإدارية على الأسعار وإزالة الدعم وحصره في أضيق نطاق، وتحرير سعر الصرف وإزالة القيود على التجارة الخارجية والانفتاح على الخارج. كما أصبحت تتضمن سياسات تهدف إلى تحرير أسعار الفائدة وإزالة القيود على النشاط المصرفي وإصلاحه، وكذلك سياسات لإصلاح القطاعين المالي والنقدي.

ومن الأمور التي أصبحت البرامج تدعو إليها فسح المجال أمام القطاع الخاص وتحفيزه على تولي الدور الرئيسي في إنتاج وتوزيع السلع والخدمات. كما تدعو إلى إعادة تأهيل المؤسسات العامة التي ساهمت في زيادة العجوزات في الموازنات العامة من أجل إصلاحها وتصفية الوحدات فاقدة الجدوى وتحويل ملكية هذه المؤسسات إلى القطاع الخاص من أجل توفير مزيد من الإيرادات للموازنة من جانب، وتحسين أدائها بإخضاعها للتعامل وفق آليات السوق. وكذلك، تدعو البرامج إلى خلق المناخ الملائم لزيادة الاستثمارات الخاصة والأجنبية.

يتضح مما سبق أن برامج الإصلاح في صيغها الموسعة أصبحت تشمل توليفة كبيرة من السياسات والإجراءات يمكن لها أن تعم شتى جوانب الاقتصاد. وهنا نود أن نشير إلى الأمور التالية:

1-  أنه وعلى خلاف برامج الإصلاح في صيغها الأولية التي ركزت على إدارة الطلب، فإن البرامج في صيغها الموسعة، وخاصة ما يتعلق منها بجانب العرض من الاقتصاد، لم تعد تخضع لنظريات محددة كما كان عليه الحال سابقاً. فلقد أصبح من الممكن، وهو ما يجري به العمل في التطبيق، أن يتم تكييفها مع طبيعة الاقتصاد الذي يقوم على تنفيذها بحيث يجري تحديد الأولويات في إطار هذه البرامج وفق معطيات الاقتصاد والصعوبات التي يواجهها.

2-  أن تطبيق هذه البرامج لم يعد يقتصر على التعاون مع صندوق النقد الدولي فقط، بل يتم أيضاً بالتعاون في الوقت نفسه مع البنك الدولي. ولذلك، تتوفر لدى الدول المطبقة لهذه البرامج إمكانية أكبر للاستفادة من موارد خارجية، إذ أن كلاً من المؤسستين يوفر الموارد من جانبه للدولة نفسها من أجل مساعدتها في تطبيق الإصلاحات في الجوانب المختلفة من الاقتصاد التي تقع ضمن اهتمامات كل منهما. كما أنه بالتعاون مع هاتين المؤسستين، أصبح لهذه الدول إمكانات أكبر للحصول على المساعدات من الدول المانحة، خاصة وأن مساعدات هاتين المؤسستين تعتبر محفزة للدول المانحة لتقديم مزيد من العون، وهو العون الذي يعتبر الأهم نظراً لتعدد هذه الدول وقدرتها على توفير مستويات كبيرة من الدعم.

3-  في ضوء ما سبق، اختلف تكوين هذه البرامج بين الدول باختلاف مراحل نموها واختلاف المشكلات التي تجابهها. كذلك، أصبح لدى المسؤولين في الدول مطبقة البرامج مرونة أكبر في معالجة المشكلات التي تواجهها اقتصاداتها بالاستفادة من المعونات الفنية والدعم المالي التي توفره هذه الجهات.  وإذا كانت المؤسستان تعملان، حسبما تقتضيه القواعد فيهما، على وضع البرامج لمعالجة صعوبات معينة في جوانب محددة من الاقتصاد المعني وفق صيغ متفق عليها مع المسؤولين بحيث يمكن لاحقاً متابعة أدائهم وفق هذه الصيغ، فإنه لا يوجد ما يحول دون سعي المسؤولين في الدولة المعنية، وأثناء الانتفاع من هذه المعونات، على توسيع نطاق المشاكل التي تجري معالجتها بحيث لا تقتصر على بنود البرنامج، بل تتسع لتشمل قضايا التنمية المحلية الملحة الأخرى

إلا أن من الملاحظ أن المسؤولين في العديد من الدول النامية يميلون إلى الاكتفاء بتنفيذ هذه البرامج، والاستدلال بالتطورات في معايير الأداء الموضوعة في إطارها على نجاح جهودهم في تنمية اقتصاداتهم. وكما سيتضح لاحقاً، فإن هذا الميل لا يأتي لمجرد الرغبة فيه، ولكن لعدم الاستعداد، أو القدرة على اتخاذ الإجراءات المطلوبة كما تقتضيه متطلبات التنمية وتوفير البيئة اللازمة لذلك. ويرجع إلى هذا الأمر بصورة رئيسية اختلاف النتائج المحققة بين مختلف الدول.  كما يعزى إليه نجاح بعض منها في تحقيق النتائج المرجوة من الإصلاح والإستمرار دون الحاجة إلى مساعدة المؤسستين في جهود التنمية.  ومن جانب آخر، أدى تركيز الاهتمام خلال العقدين الماضيين على هذه البرامج إلى خلق شعور بأنها تمثل الوسيلة المثلى لتحقيق التنمية وأن نتائجها هي أقصى المكتسبات التي يمكن تحقيقها في مجال التنمية.

فهل يعتبر الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي مرادفاً للتنمية؟

وللإجابة على هذا السؤال نشير إلى ثلاثة أمور. أما الأمر الأول فهو أن الإصلاح يعتبر، كما سبق وأن أوضحنا، جهداً لا مفر منه في حالات الدول التي تعاني من اختلالات مالية وهيكلية وذلك من أجل إزالة هذه الاختلالات وفسح المجال أمام إمكانات النمو. فهو، كما أوضحنا يتضمن توليفة كبيرة من السياسات والإجراءات، منها ما يعالج الاختلالات المالية، على غرار الصيغ الأولية، ومنها ما تم إضافته في إطار الصيغ التالية لمعالجة الاختلالات الهيكلية في شتى جوانب الاقتصاد. فهو يستهدف تحقيق الاستقرار الكلي أو تثبيت الاقتصاد وتحفيز جانب العرض أو الإنتاج.

وبما أن وضع هذه البرامج يتم من أجل معالجة مشاكل بعينها يتم تحديدها والاتفاق عليها بين السلطات المعنية والمؤسستين المعنيتين، فإن مدى النجاح في تطبيقها يتم تقييمه وفق معايير الأداء الموضوعة لها. ومن أهم هذه المعايير معدل النمو الاقتصادي، الذي يرمز إليه بالتغير في القيمة المضافة في الاقتصاد (حصيلة القيمة المضافة في جميع القطاعات الاقتصادية)، أي معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، بين عام وآخر.

وفي الحقيقة، فإنه ولأغراض التعرف على مدى نمو الاقتصاد من عدمه خلال أي فترة، لا يكفي احتساب الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، بل يتطلب الأمر احتسابه بالقيمة الحقيقية. ذلك أن احتسابه بالأسعار الجارية، يؤدي إلى التعرف على حجم الناتج بالقيمة الاسمية. وحيث أن هذه القيمة تتضمن أثر ارتفاع الأسعار، أو التضخم، فإنه ومن أجل التعرف على المعدل الحقيقي لنمو الناتج، يتم تعديل قيمته الاسمية، أي تخفيضها، بواسطة ما يعرف بمكمش الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك تكون القيمة الحقيقة للناتج أقل من قيمته الاسمية، والفارق بين الاثنين هو أثر الارتفاع الأسعار. وللتبسيط الكبير، بتم في بعض الأحيان تقليص معدل نمو الناتج الاسمي بمقدار معدل التضخم. وهذا الأسلوب، وإن كان يدل على اتجاه المعدل بصورة عامة، إلا أنه ليس دقيقاً.

ومن المؤشرات الهامة التي يستدل بها لتقييم الأداء تلك المؤشرات التي تعكس درجة الاستقرار المالي الداخلي والخارجي للاقتصاد، ومن أهمها معدلات السيولة والتضخم والوضع المالي للحكومة ووضع ميزان المدفوعات واستقرار صرف العملة المحلية ومستوى الاحتياطيات الخارجية ومستوى الدين العام الخارجي. وتأتي أهمية هذه المؤشرات نظراً لأن توفر الدرجة الكافية من الاستقرار المالي الداخلي والخارجي للاقتصاد يعتبر شرطاً أولياً هاماً لتمكين الاقتصاد من تحقيق معدلات نمو حقيقية. ولضمان توفر الدرجة اللازمة من الاستقرار الكلي للاقتصاد، تسعى السلطات إلى الإبقاء على هذه المؤشرات ضمن مستويات معقولة وقابلة للاستمرار. ولتقييم مدى قابلية هذه المؤشرات على الاستمرار، يتم مقارنة تطور هذه المؤشرات بين عام وآخر، وينسب البعض منها إلى قيم أخرى للتعرف على آثاره المحتملة على الاقتصاد وقدرته على الاستمرار في تحملها.

وفي واقع الحال، فإن تحقيق نتائج إيجابية في جميع المؤشرات سابقة الذكر، على الرغم من أهميتها، لا يعتبر الهدف النهائي للتنمية. فالهدف النهائي للتنمية هو تحسين المستوى المعيشي للسكان، وتحقيق نتائج جيدة في تلك المؤشرات يعتبر الهدف الوسيط بحيث يقاس نجاح هذه النتائج بالقدر الذي تنعكس فيه إيجابياً على الحياة المعيشية للسكان. فقد أظهرت التجارب العملية أن من الممكن تحقيق معدلات نمو عالية في الناتج المحلي الإجمالي وأن يقترن ذلك بتزايد الفروق بين دخل الأشخاص وكذلك بين دخل المناطق، وبالبطالة المتزايدة وتدهور الخدمات الاجتماعية وتزايد الفقر المطلق والنسبي. ولذلك، فإن الجهود الرامية في إطار برامج الإصلاح إلى رفع معدلات النمو التي يسجلها الاقتصاد لا يمكن الأخذ بها منفردة للتعرف على مدى نجاحها في تحقيق الهدف النهائي للتنمية، إذ يتعين النظر إليها على خلفية النمو السكاني للبلد والأوضاع الاجتماعية فيه كما تعكسها المؤشرات الاجتماعية المختلفة ومن أهمها مستوى الدخل الفردي للسكان، ومستوى العمالة (المشاركة الاقتصادية للسكان ومعدلات البطالة)، ومستوى الخدمات الصحية (بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي ووفيات الأطفال) ومستوى التعليم (مدى توفر التعليم في جميع مراحله للذكور والإناث).

ومن المعلوم أن موضوع السكان مرتبط بصورة وثيقة بجهود التنمية.  فالمعدلات العالية للنمو السكاني تتطلب تحقيق معدلات عالية للنمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي من أجل تحسين المستوى المعيشي للسكان، ذلك أن أي معدل نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي يقل عن معدل نمو السكان يمثل في واقع الأمر ترد في المستوى المعيشي للسكان. فعدم قدرة الاقتصاد على النمو بالصورة التي تمكنه من إيجاد فرص جديدة للعمل المنتج للداخلين إلى سوق العمل ينعكس في زيادة معدلات البطالة وبالتالي في زيادة نسبة منهم دون مستوى الفقر. وفي الحالات التي يتصف فيها الاقتصاد بارتفاع معدل البطالة، فإن ذلك يقتضي العمل على تحقيق معدلات نمو عالية من أجل إنقاص هذه المعدلات وتوظيف الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

ومن جانب آخر، فإنه على الرغم من أن العنصر البشري يعتبر مقصد التنمية، حيث تستهدف جهود التنمية تحسبن معيشته بتوفير فرص العمل المنتج له وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية اللازمة لتمكينه من العيش بصورة كريمة، فإن هذا العنصر من جانب آخر يشكل في واقع الأمر أحد الدعامات الأساسية للتنمية. فقد أصبح من المتفق عليه، بل من الأمور التي يجري التأكيد عليها في استمرار في إطار البيئة الاقتصادية الدولية الحالية المتسمة بالانفتاح والتنافس، أن قدرة الاقتصاد على النمو مرتبطة بشكل وثيق بتوفر الموارد البشرية ذات القدرات التعليمية والكفاءة المهنية القادرة على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي وتوفر البيئة الملائمة لإطلاق قدراتها وضمان حقوقها الفكرية ومشاركتها الفعالة في القرار، وذلك هو الأمر الذي يشكل أساس القدرة التنافسية للدول. وسنعود إلى هذه النقطة مرة أخرى لاحقاً.

ولذلك، فإن جهود التنمية لا تقتصر على الجهود الرامية لتحسين المؤشرات الاقتصادية فقط، ولكنها تشمل في حقيقة الأمر جميع الجهود الرامية إلى تحقيق حياة أفضل للسكان في ضوء الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة للبلد المعني، وهذا هو مفهوم التنمية الشاملة.

وتساهم في تحقيق هذه التنمية جهود جميع الجهات في البلد، الحكومة ومؤسساتها، والقطاع الخاص ومؤسساته، بالإضافة إلى بقية أفراد المجتمع. ولكل من هذه الجهات دور هام في هذه الجهود. ومن الأمور الهامة في مسيرة التنمية تفهم وتحديد دور كل من هذه الجهات من أجل التمكن من وضع السياسات والإجراءات الملائمة واتباع الأسلوب الكفء في التنفيذ والإدارة لتحقيق الدرجة اللازمة من التضافر بين جهودها وحشد الإمكانات المتوفرة لديها وبواسطتها لتحقيق هدف التنمية.

وقبل الانتقال إلى الأمر الثاني، فإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن تحقيق التنمية يقع في صميم مسؤوليات البلد المعني، ولا يأتي ضمن مسؤوليات أي من الجهات الخارجية.  فالجهات الخارجية لا يمكن لها القيام مقام المسؤولين في البلد المعني، وما يمكن لها أن تقدمه من عون يخضع للقواعد الذي تعمل بموجبها وللأهداف التي تتوخاها من تقديم ذلك العون. على أنه يمكن، بل ويجب الاستفادة من كل ما يمكن الحصول عليه من عون من الجهات الخارجية وتوظيفه، وتشجيعه على التوجه إلى القطاعات المختلفة المحتاجة أليه، من خلال السياسات الملائمة،  بالأسلوب الذي من شأنه أن يقود إلى التنمية وفق الرؤيا والتصور الذي يضعه البلد لنفسه.

أما الأمر الثاني فهو أنه إدراكاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن الإصلاح الاقتصادي لا يقوم بالضرورة مقام التنمية، فقد أعلنا في بيان مشترك أصدراه مؤخراً بأنه من أجل تحسين الطريقة التي يعملان بها فسوف تنحصر مهمة الصندوق في تعزيز استقرار النظام المالي العالمي واستقرار الاقتصاد الكلي ودعم النمو في الدول الأعضاء فيه، ومن ثم فسوف تقتصر مسؤولياته على جانب السياسات النقدية والمالية وسياسات سعر الصرف. أما البنك الدولي فسوف تتركز مسؤولياته في مساعدة الدول على تقليص الفقر، وبالأخص من خلال التركيز على الأبعاد المؤسسية والهيكلية والاجتماعية للتنمية. وبذلك، تكون المؤسستان قد أوضحتا لجميع الدول أن النجاح في تحقيق معايير الأداء في إطار برامج الإصلاح، وأن الأسلوب الذي تم اتباعه في تنفيذها لا يعتبر أمراً كافياً لتقليص الفقر، وهو أهم أهداف التنمية، وأنه لتحقيق ذلك، فسيتعين عليها اتخاذ إجراءات إضافية سيعمل البنك الدولي على التركيز عليها خلال المرحلة القادمة.

أما الأمر الثالث فهو أن النتائج التي تم تحقيقها خلال السنوات الأخيرة في الكثير من الدول في إطار برامج الإصلاح الشامل لم تعكس طموحات التنمية في هذه الدول. وقد انعكس ذلك في ارتفاع نسبة منهم دون مستوى الفقر أو عدم انخفاض النسبة في الكثير من الدول، وهو الأمر الذي أدى إلى سعي البنك الدولي إلى التركيز عليه في المرحلة المقبلة كما أشرنا، واستمرار نسب البطالة العالية في بعض الدول وارتفاعها في دول أخرى بما في ذلك بين خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وعدم كفاية معدلات النمو الاقتصادي المحققة في ضوء معدلات نمو السكان العالية، واستمرار الاختلالات في الاقتصاد.  وعلى غرار ما حدث في أوائل عقد الثمانينات، حين أدت النتائج إلى إعادة النظر في برامج الإصلاح، فقد أدت التطورات الأخيرة إلى إعادة النظر في البرامج الحالية للبحث عن العوامل التي حالت دون تحقيق النتائج المرجوة منها، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان أهمية أبعاد أخرى لم تأخذها البرامج بعين الاعتبار.  وسنناقش هذه الأبعاد في إطار ما أسميناه بالمرحلة الثالثة من برامج الإصلاح.

برامج الإصلاح الاقتصادي – المرحلة الثالثة

لقد أعادت تجارب الدول النامية في إطار برامج التصحيح الشامل خلال السنوات القليلة الماضية إلى الأذهان أهمية أبعاد أخرى لم تلق الإهتمام الكافي سابقاً مما ساهم بصورة كبيرة في الكثير من الأحيان في الحيلولة دون الوصول إلى النتائج المنشودة، وهي الأبعاد التي أصبحت التطورات الاقتصادية المتلاحقة على الساحة الدولية تؤكد عليها.  ومن هذه الأبعاد، البعد الدولي كما نعرفه الآن والذي يرمز إليه بالعولمة.

كما أن منها متطلبات العمل في إطار النظام التجاري والمالي الدولي الذي أصبحت منظمة التجارة العالمية تشرف عليه، والأزمات المالية الدولية المتلاحقة وما أدت إليه من اهتمام بالعمل على وضع الآليات اللازمة التي من شأنها أن تحول دون جدوثها وتساهم في الحد من انتشار عدواها.  وقد أصبحت هذه الأبعاد تشكل محور اهتمام الدول والمؤسسات الدولية، وتزايدت القناعة بأهمية الأخذ بها ليس فقط من أجل إنجاح هذه البرامج، بل وبصورة أهم من أجل التقريب فيما بين نتائجها وأهداف التنمية لتمكين هذه الدول من المساهمة في النمو الاقتصادي الدولي في إطار بيئة حرة ومستقرة.

وسنستعرض فيما يلي باختصار أهم هذه الأمور ضمن مجموعتين رئيسيتين هما دور الدولة في الاقتصاد خلال المرحلة الحالية وأهمية البعد الدولي، على أننا سنعود إلى مناقشة بعض منها عند تحليل الأوضاع الاقتصادية المحلية.

يتعلق البعد الأول بدور الدولة في الاقتصاد

لقد أوضحت التجارب السابقة أن تدخل الدولة الكبير في شتى جوانب الاقتصاد صاحبه وجود هدر كبير للموارد وإعاقة للنشاط الاقتصادي علاوة على خلق عقلية التواكل والاعتماد الكبير عليها، من جانب، وإهمال وتقصير كبيرين في الأنشطة الأساسية الموكلة إليها، من جانب آخر. وقد حدث ذلك في إطار النظريات واستراتيجيات التنمية التي اتبعتها معظم الدول النامية، كما سبقت الإشارة إليه، فأدت إلى قيام عملية التنمية على مبدأ هيمنة القطاع العام على الموارد الاقتصادية والنشاط الاقتصادي بصورة شبه تامة في الكثير منها، الأمر الذي أدى إلى إخراج الدولة عن مهامها الأصلية وأدوارها الأساسية وإبعاد المواطن عن النشاط الاقتصادي، الذي يعتبر مهمته الأساسية.  ومن الأمور التي ساهمت في استمرار هذا النهج أن تدخل الدولة الكبير في الإنتاج والتوزيع وفي التوظيف أصبح وسيلة هامة من وسائل الحكم. أما البيئة الاقتصادية الجديدة التي ترتكز على مبدأ تحرير الاقتصاد من شتى القيود والعراقيل التي كان يعاني منها، فتتطلب، وعلى عكس الاقتصاد المخطط والمسير مركزياً، أن تشمل الحرية كافة القطاعات وأن يتم تحرير الفرد وتفجير طاقاته الخلاقة وحثه على النشاط. ولتحقيق ذلك، تزايدت القناعة، في ضوء النتائج المتواضعة التي تم تحقيقها والظروف العالمية الجديدة، بأهمية إرجاع الدولة إلى دورها الأساسي وإرجاع المواطن إلى دوره الطبيعي.  ويشمل هذا الأمر العمل على عدة مستويات، منها ما يتصل بعلاقة الحكومة المركزية والمناطق الأخرى للإقلال من المركزية وايلاء هذه المناطق الحرية في التعامل مع الشؤون الاقتصادية الخاصة بها، ومنها ما يتعلق بعلاقة الدولة بالفرد.

ولا يعني ذلك أن من متطلبات المرحلة الحالية تقليص دور الدولة واضمحلاله، ولكن وعلى العكس، فإن المطلوب هو تطوير دور الدولة ليمكن لها القيام بأدوارها الأساسية بكفاءة أعلى، أي أن دورها الأصلي الذي تم إهماله سيصبح دورها الأساسي ولكن بفعالية أكبر في إطار البيئة الجديدة. ومن أهم هذه الأدوار وضع التشريعات والقوانين اللازمة وتحديد الإطار العام للتنمية.  وفي هذا الإطار، فإن من أهم الأمور التي يتوقع للدولة القيام بها هي النهوض بالمنافسة في الاقتصاد والسيطرة على الاحتكار وحماية المستهلك وحماية البيئة وتوفير البيئة الأساسية وتعزيز وتطوير التعليم والبحث العلمي والتقانة، أي أن تقوم بدور المحفز والحكم في الاقتصاد.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ثلاثة أمور، أولها أهمية إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليلعب دوراً أكبر في المجالات التي كانت الحكومة مسؤولة عنها. وتأتي في هذا السياق موضوع خصخصة المؤسسات العامة.  وقد أظهرت التجارب أنه لا يكفي تبني الحكومة لموضوع الخصخصة.  بل إن الأمر يتطلب إتمام ذلك في إطار يتصف بدرجة عالية من الشفافية والإفصاح لضمان تسعير هذه المؤسسات وفق أسس سليمة وإفساح المجال أمام جميع المواطنين لامتلاك أسهمها من أجل توسيع قاعدة المملكة والحيلولة دون تركزها لدى عدد قليل من ذوي النفوذ وبأسعار تقل عن مستوياتها الحقيقية. وتشكل أسواق الأوراق المالية الوسيلة الهامة لتحقيق ذلك، في الوقت الذي تشكل فيه عملية الخصخصة دافعاً قوياً لنشاط هذه الأسواق. ولقد حظي موضوع الخصخصة باهتمام أعداد متزايدة من الدول المتقدمة والدول النامية، ومن بين هذه الأخيرة دول تعمل على تطبيق برامج الإصلاح وكذلك دول التي لا تعمل على تطبيقها وذلك نظراً للحاجة الملحة إلى رفع كفاءة هذه المؤسسات في إنتاج السلع والخدمات وتعزيز قدراتها التنافسية.  ولذلك، أقدمت دول مثل دول مجلس التعاون على تبني برامج طموحة من أجل خصخصة المؤسسات العامة العاملة ليس فقط في مجال الإنتاج بل أيضاً في مجال الخدمات.  وتجدر الإشارة إلى أنه في العديد من الدول التي تعمل على خصخصة مؤسساتها العامة، ومنها مصر، استمرت إدارات عدد من هذه المؤسسات تعمل في إطار الملكية الجديدة واستطاعت تحقيق كفاءة ومردود يفوق عما حققته في إطار ملكية الدولة لهذه المؤسسات.  ويؤكد هذا الأمر الأثر الكبير للبيئة المحفزة والسليمة في تحسين الكفاءة ورفع الأداء.

أما الأمر الثاني، فهو أن التجارب أظهرت أن من أهم معوقات التنمية في الكثير من الدول النامية يكمن في الفساد في الإدارة الاقتصادية وفي القضاء.  ولأثره السلبي الكبير، يلقى هذا الموضوع حالياً اهتماماً كبيراً من قبل الدارسين والمؤسسات الدولية المعنية والدول المانحة. وتكفي الإشارة هنا إلى أن البنك الدولي خصص مبالغ كبيرة وأسس مجاميع عمل عديدة من فنيين متخصصين وأنشأ مراكز متخصصة في صفحته على شبكة الإنترنت لمحاربة الفساد.  ولقد أشارت بعض الدراسات التي نشرها البنك الدولي إلى أن من الممكن في الكثير من حالات الدول النامية مضاعفة الدخل من خلال محاربة الفساد وتقليصه وتعزيز سلطة القانون.  كذلك، تجدر الإشارة إلى أن من أهم أسباب المصاعب التي لا تزال تواجهها إندونيسيا من بين دول شرق آسيا هو الفساد المتفشي في الإدارة ونظام القضاء. ولذلك، خصص البنك الدولي بالتعاون مع عدد من الدول المانحة برامج لمحاربة الفساد في ذلك البلد بالتعاون مع الإدارة الحالية، ويعتقد البنك أن المفتاح الرئيسي لإعادة إنعاش النمو فيه هو محاربة الفساد.

وأما الأمر الثالث، فهو الإدراك بأن إتيان جهود التنمية لمردودها مرهون إلى درجة كبيرة يتوفر الديمقراطية الحقيقية والدرجة الكافية من الشفافية بما يسمح لجميع أفراد المجتمع بالمشاركة الفعالة في القرار، من جانب، ويوفر الآلية اللازمة لمساءلة أصحاب القرار عن تبعات قراراتهم، من جانب آخر. فالمساءلة تشكل العنصر الرئيسي في خلق الإدارة السليمة على المستوى المؤسسي أو الحكومي، وهو الأمر الذي يعتبر حيوياً على جميع المستويات. وتشير تقارير الصندوق والبنك أن التجارب أوضحت أن من أهم الشروط المسبقة لتحقيق نتائج إيجابية في جهود التنمية هو حسن الإدارة ونوعيتها على المستويين المؤسسي والحكومي.

أما البعد الثاني، فهو البعد الدولي

لقد أهملت الاستراتيجيات السابقة، كما أشرنا، أهمية البعد الدولي باتباعها سياسات أدت إلى الانكفاء على الداخل واللجوء إلى الخارج فقط في حالة الاقتراض. وعلى العكس من ذلك، أولت دول شرق آسيا اهتماماً رئيسياً لقطاع التصدير وانتهجت استراتيجية للتنمية تتمحور حول هذا القطاع. وقد سمحت لها تلك الاستراتيجية بالانتفاع من فرص النمو الذي يتيحه الاندماج في الاقتصاد العالمي، فأمكن لها بناء اقتصادات لم تعد تصنف مع بقية الدول النامية. وعلى العكس من الدول النامية الأخرى الذي أصبح الأداء الضعيف لقطاع التصدير فيها يشكل عائقاً للتنمية، كما أشرنا، فقد مكّن هذا القطاع هذه الدول من النمو بصورة مستمرة.  وتكفي الإشارة هنا إلى أن صادرات دولة واحدة من هذه الدول، وهي كوريا، بلغت خلال عام 1998 ما يعادل تقريباً قيمة مجمل صادرات الدول العربية خلال ذلك العام بما فيها الصادرات النفطية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أربعة أمور، أولها أن من أهم ما اهتمت به هذه الدول في إطار استراتيجية تنميتها هو التعليم. وقد قادت التطورات الاقتصادية الدولية في السنوات الأخيرة إلى إظهار أهمية هذا الأمر. فهذه التطورات التي تمثلت في تأسيس النظام التجاري الدولي والعولمة، والتي فرضت وجود بيئة دولية متحررة يتعين على جميع الدول التعامل معها، ترتكز في الأساس على عنصر هام جداً، وهو عنصر المنافسة.  ومن أهم الأمور التي تؤثر على قدرة أي اقتصاد على اكتساب القدرة التنافسية هو عامل المعرفة أو التقانة إذ أنه يشكل أحد العناصر الجوهرية للإنتاج كما أنه محدد أساسي للإنتاجية. ولذلك، يعتبر التعليم معقل القدرة التنافسية خاصة في النشاطات عالية القيمة المضافة.  وبفضل تركيزها واهتمامها الكبيرين للتعليم والمعرفة، فقد استطاعت هذه الدول الدخول إلى مجال الصناعات ذات التقنية العالية وولوج أسواق الدول الصناعية والمنافسة فيها بجدارة.

أما الأمر الثاني، فهو أن هذه الدول أدركت أهمية الاستفادة التي يمكن أن تعود إلى الاقتصاد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فعملت على تأسيس البيئة القادرة على جذبها. ومن أهم أوجه هذه البيئة الاستقرار الاقتصادي والسياسي والنظم الإدارية والقضائية السليمة والشفافة التي تحفز هذه الاستثمارات على الدخول والتعامل وفق أسس سليمة متعارف عليها. كما أن من مقومات هذه البيئة وجود قطاع مالي ومصرفي قادر على القيام بدوره في الوساطة المالية بكفاءة والتعامل مع هذه التدفقات وفق الأسس المصرفية المتعارف عليها. ولقد أدرك الكثير من الدول النامية الأخرى أهمية هذه الاستثمارات، فأخذت تعمل على تهيئة مثل هذه البيئة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دولاً مثل دول مجلس التعاون، التي تتوفر لديها الموارد، أخذت، في ضوء انحسار عائدات النفط، بالتسابق مؤخراً في وضع التشريعات والإجراءات لجذب هذه الاستثمارات لاقتصاداتها بما في ذلك القطاعات التي كانت وإلى وقت قريب مقفلة أمام هذه الاستثمارات، وذلك إدراكاً منها للدور الذي يمكن لها أن تلعبه ليس فقط لأنها تشكل رافداً هاماً للمدخرات المحلية، بل وأيضاً من أجل الاستفادة من التقنية المصاحبة لها.

وأما الأمر الثالث، فهو أن استطاعة هذه الدول على بناء الهياكل الاقتصادية السليمة، مكنها من تجاوز الأزمة الكبيرة التي عصفت بها وذلك خلال فترة وجيزة.   وما ساعد على ذلك، أن تدفق الاستثمارات المباشرة إلى هذه الدول استمر على نفس الوتيرة أثناء الأزمة وفي نفس الوقت الذي أخذت الاستثمارات الحافظة بالتدفق إلى خارجها. ويرجع ذلك إلى الأسس السليمة لهياكل اقتصاداتها والبيئة المحفزة التي أسستها مما أدى إلى إبقاء جدوى إقتصاداتها وبالتالي من استمرار تدفق هذه الاستثمارات إليها، وهي أمور ساعدت على العودة سريعاً إلى تحقيق معدلات نمو عالية.

والأمر الرابع والأخير، هو أن ادراك هذه الدول المبكر لأهمية التحرر والإنفتاح والاستفادة التي يمكن أن تعود إليها من الاندماج في الاقتصاد العالمي، جعلها من أكثر الدول النامية مقدرة على التعامل مع البيئة الدولية الجديدة.  وفي المقابل، فإنه يتعين على معظم الدول الأخرى، وخاصة تلك التي لم تول هذا البعد الإهتمام الكافي، إجراء مراجعة جادة لإستراتيجياتها وسياساتها الاقتصادية لإعادة بناء هياكلها الاقتصادية من أجل تقليل الآثار السلبية التي يمكن أن تؤول إليها من جراء هذه البيئة، ناهيك عن الاستفادة من الفرص التي تتيحها.

تلك هي القضايا الرئيسية التي يتعين على خلفيتها القيام بالتحليل الشامل المطلوب للوضع الاقتصادي المحلي وتجربة الإصلاح الاقتصادي، ليمكن تبعاً لذلك قراءة البيان المالي للحكومة للوقوف على الإيجابيات التي تم تحقيقها والسلبيات والعوائق التي لا يزال الاقتصاد المحلي يعاني منها، وتحديد متطلبات المرحلة القادمة من أجل وضع الاقتصاد في المسار السليم.  وهو ما سنقوم به في الحلقة القادمة.

[الجزء الثاني من الرؤية الاقتصادية لحزب رأي]