|
| ||||||||
|
| ||||||||
رؤية حزب رابطة أبناء اليمن (رأي)ء
للمسألة الاقتصادية (الجزء الثاني)
صادرة عن الدائرة الاقتصادية للحزب
استعرضنا، سابقاً، القضايا التي أشرنا إلى أنه يتعين على خلفيتها تحليل الأوضاع الاقتصادية المحلية في اليمن ومناقشة البيان المالي للحكومة وما ورد فيه بشأن نتائج الإصلاح سعياً نحو المساهمة في تحديد متطلبات المرحلة القادمة. وذكرنا أننا سنعتمد على البيانات الرسمية للحكومة الواردة في البيان أو الصادرة عن جهات حكومية أخرى ، وكذلك التقارير والدراسات الوفيرة التي نشرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ونشير في هذا الصدد إلى أن هاتين المؤسستين نشرتا في صفحتيهما على شبكة الإنترنت العديد من الدراسات والتقارير حول اليمن، وأنه في حين أن تقارير الصندوق نشرت بتواريخ مختلفة في العام الماضي وهي مختصرة في معالجتها للموضوع، فإن البنك الدولي نشر عدداً من التقارير والدراسات منها دراسة واسعة ومعمقة حول جميع جوانب الاقتصاد اليمني تم إعدادها من قبل أخصائيين في كل قطاع وبعد القيام بمسوحات ميدانية واسعة وتم نشرها في بداية هذا العام. ونحث كل من لديه الإمكانية على الإطلاع على هذه الأعمال للتعرف بعمق على حقيقة أبعاد الوضع الاقتصادي في اليمن، الأمر الذي لا شك سيسهم في خلق الوعي اللازم حول هذه القضايا ويسهل من المشاركة الجماعية في البحث عن الحلول الملائمة والسياسات الناجحة لتحقيق التنمية الحقيقية في اليمن.
وسنتناول -الآن- الموضوع، في ثلاثة أقسام. يتعلق القسم الأول بنتائج جهود الإصلاح حيث سنتطرق إلى النتائج التي تم تحقيقها مع النظر إليها في إطارها الصحيح. وسنحاول في القسم الثاني رسم المعالم الرئيسية الحقيقية للوضع الحالي للاقتصاد، أي الصعوبات التي يواجهها، تمهيداً لمناقشة رؤيتنا حول متطلبات معالجتها في القسم الثالث والأخير.
أولاً : نتائج جهود الإصلاح الاقتصادي في اليمن
ذكرنا، سابقاً، أن برامج الإصلاح الاقتصادي في صورتها الموسعة، وهي الصورة التي يجري من ناحية المبدأ تطبيقها في اليمن، تشمل جانبين، يتعلق الأول منهما بالاستقرار الاقتصادي. أما الثاني فيتعلق بجانب العرض في الاقتصاد ويستهدف إزالة المعوقات الهيكلية من أجل تحفيز جانب الإنتاج. وسننظر إلى نتائج هذه الجهود من خلال هاتين الزاوتين.
تمكنت الحكومة، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، من تحقيق نتائج طيبة ومشجعة في مجال الاستقرار الاقتصادي.
فقد كان الاقتصاد في اليمن يواجه اختلالات كبيرة عشية الإصلاحات. ومن أهم أوجه تلك الاختلالات العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة، وارتفاع معدل نمو السيولة ومعدل التضخم، ووجود عجز مستمر ومتفاقم في ميزان المدفوعات، وانخفاض الاحتياطيات الرسمية وانخفاض سعر صرف الريال وتعدده. وترجع تلك الاختلالات بصورة رئيسية إلى التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي دون وجود ارتفاع مقابل من جانب الايرادات، وتمويل الحكومة للعجز الناتج عن ذلك بواسطة الائتمان المصرفي المقدم لها من البنك المركزي. وقد استطاعت الحكومة إعادة درجة كبيرة من الاستقرار الكلي للاقتصاد من خلال تقييد الطلب الكلي. ذلك أنه عند بروز الاختلالات المالية في الاقتصاد، يتم، كما ذكرنا سابقاً، اللجوء إلى تقييد الطلب الكلي في الاقتصاد (تقييد أحد مكوناته أو بعضها أو جميعها معاً) الأمر الذي من شأنه أن يخفف من الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد ويعيد إليه التوازن.
وحيث أن الانفاق الحكومي يشكل المكون الرئيسي للطلب المحلي في مثل تلك الحالة على وجه الخصوص، فقد لجأت الحكومة إلى تقييد الطلب الكلي في الاقتصاد بضبط النفقات ثم أخذت بعد ذلك في التوقف عن تمويل العجز بواسطة الائتمان المصرفي، ولجأت بدلاً من ذلك إلى إصدار أذون الخزانة على اعتبار أن مثل هذا التمويل للعجز يأتي من مصادر حقيقية ولا يؤدي إلى ضغوط تضخمية، بل أنه يساعد على امتصاص السيولة المتوفرة لدى الجهات غير الحكومية.
ومع انخفاض العجز المالي للحكومة وخفض الطلب الكلي أمكن خفض معدل التضخم ومن ثم تخفيض الضغط على ميزان المدفوعات وعلى الريال، مما ساعد على توحيد أسعار صرفه المتعددة. وقد ساعد على اتباع هذا النهج ارتفاع حصيلة الصادرات النفطية وبالتالي إيرادات الخزينة.
وفي هذا الصدد، فإننا نتفق مع ما ورد في البيان حول النتائج الظاهرة لجهود الحكومة في مجال الاستقرار الكلي للاقتصاد والمتمثلة في الانخفاض الملحوظ في نسبة العجز المالي للحكومة إلى الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض معدل التضخم، وتحسن وضع ميزان المدفوعات وارتفاع الاحتياطيات الرسمية.
والجدير بالذكر هنا أن مثل هذه الإصلاحات الجادة، وخاصة في حالة مثل حالة اليمن، يتوقع لها أن تطول -بطبيعتها- كافة جوانب الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية والخدمية، والبيئة الكلية للاقتصاد والسياسات العامة للحكومة وأسلوب إدارتها للاقتصاد، وعلاقة الاقتصاد بالخارج وتعامله مع المتغيرات الدولية. فلا يمكن، من أجل الوصول إلى نتائجها المنشودة، الأخذ بها بصورة انتقائية من أجل معالجة قطاع بصورة منعزلة عن بقية قطاعات الاقتصاد أو عن بيئته الكلية أو لمعالجة حالة بعينها دون النظر إلى علاقتها أو أثرها على بقية الاقتصاد، أو كذلك معالجة الوضع المحلي دون الأخذ بعين الإعتبار لمتطلبات وآثار البيئة الدولية عليه. كما لا يمكن، على سبيل المثال، تحرير الاقتصاد وإزالة القيود المختلفة من أجل تحسين تخصيص الموارد مع الإبقاء على مؤسسات عامة فاشلة. كذلك، فإنه لا يمكن الطلب من القطاع الخاص توسيع نطاق أنشطته والقيام بدور أكبر في الإنتاج والتصدير دون تهيئة البيئة الملائمة لذلك. وأخيراً، فإن تحرير الاقتصاد لا يتماشى مع الإبقاء على أسلوب إدارة غير كفؤة وبيئة إدارية وقانونية تتصف بتفشي الفساد وتعوق من حسن إدارة الموارد.
ومن ناحية أخرى، فإنه وللطبيعة الشاملة لهذه الإصلاحات، فإنه يتعين الأخذ بها مرحلياً كما تقتضيه المعطيات الحقيقية، ولكن ضمن نظرة عامة واضحة للصعوبات ومتطلبات معالجتها. لذلك فإنه ومن أجل الوصول إلى نتائج ذات مردود عال، يتعين تحسين قدرة الإدارة الاقتصادية على وضع الأولويات وعلى التنفيذ والإشراف. ويتطلب الأمر كذلك وضع الأولويات على المستويين الكلي والقطاعي وتحديد دور كل قطاع في الاقتصاد مع الأخذ بعين الإعتبار المتغيرات الدولية التي يجب التعامل معها.
وبمعنى آخر، فإن تنفيذ هذه الإصلاحات بالصورة الصحيحة المطلوبة، وفي إطار رؤية واضحة لمتطلبات التنمية وفق المعطيات المتاحة، يتطلب إدخال تعديلات جوهرية ليس فقط في السياسات المتبعة وكيفية وضعها وتصحيحها، بل وبدرجة أهم في أسلوب الإدارة الكلية للاقتصاد كما أوضحته تجارب الدول السابقة في مجال الإصلاح الاقتصادي وفق ما أشرنا إليه سابقاً، وهو ما سنعود إليه بشىء من التفصيل لاحقاً.
ولتبيان حقيقة التحديات التي يواجهها الاقتصاد، في بلادنا، نكتفي في هذا القسم بالإشارة إلى ما ورد في الدراسة التي أعدها المسؤولون في الحكومة اليمنية بالتعاون مع فنيي صندوق النقد والبنك الدوليين، المذكورة سابقاً. فقد ورد في هذه الدراسة، أنه وفي ضوء ما تم اتخاذه من إصلاحات هيكلية، فإن المتطلبات في المرحلة القادمة تشمل مجالات واسعة، مما يدل على عدم كفاية ما تم تنفيذه من ناحية الأسلوب والأداء. وتشمل هذه المتطلبات الآتي:
أ) الحاجة إلى تذليل نطاق واسع من العقبات الهيكلية التي تعوق دون تحقيق النمو في أنشطة القطاعات غير النفطية بواسطة القطاع الخاص، وهو الأمر المطلوب من أجل تحسين مستوى الدخل للفرد وفرص العمالة خاصة في ضوء معدلات النمو السكاني العالية. ولتحقيق ذلك يتعين تنفيذ إصلاحات واسعة وعميقة من أجل إتاحة مجالاً أكبر للقطاع الخاص في إطار بيئة رقابية وإشرافية وإدارية وقانونية شفافة وفعالة.
ب) الحاجة الماسة إلى تحسين المؤشرات الإجتماعية لأهمية الموارد البشرية في تحقيق التنمية وتخفيف حدة الفقر. ويتطلب هذا الأمر تطوير هيكل النفقات العامة، ومعالجة أوجه القصور المتعددة المؤسسية والإدارية الناجمة عن المستوى المتدني لنظام الخدمة المدنية.
ج) الحاجة إلى تعزيزهيكل الموازنة الناتج عن الإعتماد الكبير في جانب الإيرادات على الحصيلة المتقلبة للصادرات النفطية مقابل قاعدة بسيطة للإيرادات غير النفطية، أو النظام الضريبي غير الفعال وغير المرن. وفي جانب النفقات، فإن المعوقات تتضمن النفقات على الدعم غير الفعالة في استهداف الفئات المعنية بها، ونظام الخدمة المتوسع، وعدم كفاية اعتمادات التسيير والصيانة، وقطاع المؤسسات العامة الكبير وغير الفعال.
د) الحاجة إلى تطوير وتعزيز القطاع المصرفي الذي يتصف بالتخلف ويساهم قليلاً في حشد المدخرات وتوجيهها إلى الإستخدامات الإنتاجية. وعلى وجه الخصوص، فإن المصارف الخاصة تركز بصورة مفرطة على الإقراض قصير الأجل للعملاء الكبار في حين أن المؤسسات المالية غير المصرفية وأسواق الأوراق المالية غير موجودة. كذلك فإن سلامة القطاع المصرفي ضعيفة لعدم وجود رقابة مصرفية فعالة ولوجود نظام قضائي ضعيف.
هـ) في ضوء ضآلة قطاع التصدير غير النفطي، يبقى ميزان المدفوعات معتمداً على حصيلة الصادرات النفطية والتحويلات، مما يجعله قابلاً للتعرض بشكل كبير للتقلبات في أسعار النفط، وبدرجة أقل للتقلبات في أسعار الحبوب.
و) تبرز الحاجة إلى معالجة البلد للصعوبات البيئية الكبيرة المتمثلة في ندرة المياه والتصحير وذلك من أجل تحقيق النمو المستدام وتحسين معيشته للأعداد المتزايدة من السكان.
من أجل التوصل إلى تحديد متطلبات المرحلة القادمة، فإنه، وكما سبقت الإشارة إليه، يتعين بداية تحليل الأوضاع الحالية والتعرف على حقيقة الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد حالياً والصعوبات المرتقبة مع الأخذ بعين الإعتبار البيئة الدولية التي يعمل من خلالها. وللقيام بذلك، في إطار دراستنا هذه، سنعمد إلى تحديد المعالم الرئيسية لهذه الصعوبات لتكملة ما ورد في القسم الأول. ذلك، أنه بعد أن تمت الإشارة إلى أوضاع قطاعات الصناعة والزراعة والأسماك والسياحة والقطاع المصرفي، تشمل المعالم التي سنناقشها في هذا القسم مستوى الفقر في اليمن ومعدلات نمو السكان والبطالة، والإدخار المحلي، والتعليم، والصحة، ومستوى مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، والإستثمارات الأجنبية، ومشكلة المياه بالإضافة إلى إدارة الموارد المالية ونظام القضاء ثم مشكلة الفساد في الإدارة. ونأمل من ذلك توضيح طبيعة التحديات الاقتصادية التي يواجهها اليمن بالشفافية الكاملة المطلوبة، ليمكن في ضوئها تحديد متطلبات المرحلة القادمة من أجل مواجهة هذه التحديات.
تضمنت دراسة البنك الدولي المشار إليها بحثين مستقلين حول الفقر في اليمن تم إعدادهما من قبل خبراء متخصصين وفق المعايير العلمية المتعارف عليها بالنسبة لهذا الموضوع واستناداً على المسوحات الميدانية التي تمت في اليمن. وقد اتفق البحثان على أن عدد من هم في مستوى الفقر في اليمن ونسبتهم إلى السكان في ارتفاع مستمر منذ عام 1992.
ويشير البحثان إلى أن نسبة ارتفاع الفقر بين عامي 1992 و 1998 كانت عالية وأن هذه النسبة بلغت في المناطق الريفية في المتوسط قرابة ضعف ما بلغته في المدن.
فقد بلغت نسبة ارتفاع الفقر 1.7 في المائة في المدن عام 1992 ثم ارتفعت إلى 3.2 في المائة في عام 1998. كذلك، بلغت هذه النسبة في المناطق الريفية 4.0 في المائة عام 1992 ثم ارتفعت إلى 7.7 في المائة في عام 1998. وبالنسبة للبلد ككل، بلغت هذه النسبة 3.3 في المائة عام 1992 ثم ارتفعت إلى 6.3 في المائة عام 1998.
وبصورة إجمالية، بلغت نسبة ارتفاع الفقر خلال الفترة 1992–1998 في المدن 2.5 في المائة وفي المناطق الريفية 5.8 في المائة وفي مجموع البلد 5.0 في المائة. وبأخذ عدد السكان بعين الإعتبار، يشير البحثان إلى أن هذه النسب تدل على أن الزيادة في العدد الفعلي للمواطنين ممن يعيشون في حالة الفقر تراوحت عام 1998 مـا بيـن 44 في المائة كحـد أدنـى و 63 في المائة كحد أقصى وذلك بالمقارنة مع عام 1992. وفي ضوء ذلك، فإنه يقدر أن يكون ربع السكان تحت مستوى خط الفقر.
ومن بين ربع السكان الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر، يميز البحثان بين ثلاث مجموعات، هي المجموعة التي تسمى بالمعدمة، وأخرى تعرّف بأنها في حالة خطرة، ثم ثالثة تعرّف بأنها المجموعة التي تعيش بإلكاد.
كذلك فإن عاملين هامين يجب أخذهما بعين الإعتبار ، وإعطاءهما أولوية قصوى.. لما يشكلان من أهمية بالغة في هذا المجال.. وهما :
الأول: من المهم الإستفادة من الفرق الكبير بين سعر النفط الفعلي وبين السعر الذي جاء في تقديرات البيان المالي لمشروعات الموازنة ، والذي يجب الإعلان عنه [بالنسبة للعام 2000 والعام2001].. ووضعه في صندوق معلن يتم الإستفادة منه -فقط- في الشئون الإجتماعية بما في ذلك الصحة والتعليم.. وعدم السماح بالتصرف فيه خارج هذا الإطار.. وبشفافية كاملة ورقابة فعلية .
الثاني: إن الدين المحلي الذي تتراكم خدماته بشكل مخيف يشكل عبئاً ثقيلاً على الموازنة ويلحق ضرراً بالغاً بالشريحة الفقيرة في المجتمع والتي يزداد اتساعها وفقرها.. ويجب سرعة العمل على وقف هذا التزييف القاتل للاقتصاد والتنمية .
لا يمكن التحدث عن الموازنة وعن البيان المالي الذي يشكل محور نقاشنا دون التطرق إلى بعض الحقائق حول كيفية إعداد الموازنة وتنفيذها، واستخدام الموارد ومراقبة الموازنة، وكفاءة إدارة النفقات والإيرادات. وفي هذا الصدد، فإنه وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه حول الموازنة بموجب ما ورد في الدراسة المنشورة من قبل صندوق النقد الدولي، فقد أشارت الدراسة الموسعة المعدة من قبل البنك الدولي إلى الكثير من التفاصيل حول هذا الموضوع نورد فيما يلي باختصار ما من شأنه أن يؤدي إلى فهم أفضل للأسلوب الذي يتم بموجبه إدارة الموارد وهدرها وبالتالي إلى حقيقة ما يعكسه البيان المالي للحكومة
ب. الاستخدام الكفء للموارد
· تتضمن الموازنة عدداً من "المشاريع" التي لا تمثل مشاريع حقيقية، وإنما يقصد بذلك وضع الاعتمادات لإتاحة التمويل والمحافظة على مشاريع قائمة.
· تشمل موازنة الاستثمارات، أي الاعتمادات المخصصة للنفقات الرأسمالية والاستثمارية، عادة أعداداً كبيرة من المشاريع التي لا يتم تمويلها إلا بصورة جزئية. والمثال على ذلك، حسبما أشارت إليه الدراسة، هو أنه بدلاً من تمويل بناء مدرسة واحدة، يتم توفير التمويل لبناء أجزاء فقط من خمس مدارس. وينتج عن ذلك، أن أجزاء كبيرة من الموازنة يتم صرفها دون إنشاء أصول قابلة للاستخدام. ونشير في هذا الصدد إلى أن عدداً من النواب أشار إلى حقيقة هذا الأمر عند مناقشة البيان المالي في مجلس النواب.
ومن الأمور التي تستوجب الملاحظة أن البيان المالي يورد الإعتمادات المقترحة لعام 2001 مع مقارنتها بالإعتمادات لعام 2000 فقط دون الإشارة إلى النفقات الفعلية التي تمت خلال ذلك العام. فمن أجل تقييم أداء الموازنة بصورة جدية يتعين بالإضافة إلى ذلك المقارنة بين الإعتمادات المقترحة والتنفيذ الفعلي خلال العام السابق. فمقارنة الإعتمادات المقترحة باعتمادات العام السابق فقط، تؤدي إلى تغييب معيار هام لتقييم أداء الموازنة. ولعل ما أورده البنك الدولي في دراسته عن كبر عدد المشاريع الواردة في الموازنة والتي لا تمثل مشاريع حقيقية، أو تلك التي يتم توفير التمويل لإجزاء صغيرة منها فقط يفسر هذا الأمر.
· لا تشمل الموازنة اعتمادات كافية للتسيير والصيانة. وتبرز هذه المشكلة بصورة كبيرة في قطاعات التعليم والصحة والزراعة.
· لا تتقيد الحكومة عند إعدادها لتقديرات الموازنة بالاعتبارات والمعايير التي تعكس متطلبات الاقتصاد في المرحلة التي تغطيها تلك التقديرات، إذ يتم جانباً من هذه التقديرات وفق اعتبارات غير اقتصادية. ويذكر في هذا الصدد ما سبق وأشرنا إليه حول الممارسات غير الصحيحة التي أظهرتها تجارب الدول السابقة في مجال الاصلاح الاقتصادي فيما يتعلق بالموازنة حين لجأ البعض منها إلى خفض النفقات ذات الأولوية العالية أو عدم زيادتها حسب الحاجة وذلك من أجل المحافظة على النفقات الإجمالية في الحدود المتفق عليها مع المؤسسات الدولية أو خفضها إلى تلك الحدود وذلك لاعتبارات مختلفة أدت إلى إضعاف قدرة اقتصاديتها على النمو. وتشمل النفقات ذات الأولوية العالية النفقات الاستثمارية التي تشكل أحد الأسس الهامة للنمو والنفقات على الموارد البشرية مقصد التنمية وهي النفقات على التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية. وفي هذا الصدد، أشارت الدراسة الى أنه تم في إطار موازنة عام 2000 رفع اعتمادات الدفاع بأكثر من 20% وأن هذه الزيادة عادلت مجمل الاعتمادات المرصودة لوزارة الصحة عام 1999. ومن الجدير بالذكر أن البيان المالي الحالي أورد في مقدمته أن عام 2000 هو عام الود والمحبة والوئام مع الأشقاء والجيران، وهو إنجاز يستحق الإشادة. وقد كان من المتوقع في ضوء ذلك أن يتم إنقاص الاعتمادات للدفاع نظراً للصعوبات الاقتصادية التي يواجهها البلد والحاجة الملحة لتوجيه الموارد القليلة المتوفرة إلى القطاعات المتعثرة. إلا أنه بدلاً من ذلك، يتضمن البيان زيادة في النفقات على الدفاع خلال عام 2001 تفوق الزيادات المعتمدة للصحة والصيانة ولصندوق الرعاية الاجتماعية والصندوق الاجتماعي للتنمية مجتمعة.
أشارت الدراسة إلى أنه لا توجد مراقبة دقيقة للموازنة كما لا تتوفر المعلومات الكافية للإدارة الكفؤة للمصروفات النقدية. كذلك، فإن اللجوء إلى خلق اعتمادات إضافية لأغراض بعينها، يحول دون وجود تخطيط كفؤ للأولويات. ويؤكد هذا الأمر ما أشرنا إليه سابقاً عن غياب المعيار السليم للتعرف على أداء الموازنة، كما يتضح ذلك أيضاً من غياب الأسس اللازمة لمراقبة الموازنة.
أوردت الدراسة أن إجراءات مراقبة الموازنة في اليمن تفتقر إلى عدد من الأسس اللازمة التي تشمل:
أوردت الدراسة أنه توجد أربعة أسباب تجعل من برنامج الإنفاق العام في اليمن لا يعكس وجود تحديد دقيق للأولويات من أجل الإستخدام الأفضل للموارد المحدودة. وتشمل هذه الأسباب الآتي:
أشارت الدراسة إلى أن من أوجه الضعف في جانب الإيرادات الضريبية غير النفطية، والتي شكلت 10% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1998 تعتبر الأدنى في المنطقة. وبالإضافة، فإن نظام الضرائب يعكس عدداً من أوجه القصور ناتجة عن التحديد غير الملائم للقاعدة الضريبية وعن الإعفاءات الإعتباطية.
ثالثاً : رؤيتنا حول متطلبات المرحلة القادمة
يتضح مما ورد في القسمين السابقين أن التنمية الاقتصادية في اليمن تجابهها صعوبات كبيرة ومعقدة تغطي كافة جوانب الاقتصاد. وقبل أن نناقش رؤية حزبنا -حزب رابطة أبناء اليمن "رأي"- حول ما يتعين القيام به خلال المرحلة القادمة لمعالجة هذه الصعوبات، نود الإشارة إلى أن البيان المالي للحكومة جاء، في ضوء حقيقة الأمور سابقة الذكر، خالياً تماماً من أي نظرة واقعية لطبيعة الاقتصاد المحلي ومتطلبات تنميته، فهو لم يتضمن أي تحليل أو يعكس فهم حقيقي لكنه الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد وحجمها، ولذلك لم يستند على أي استراتيجية يمكن من خلالها معالجة هذه الصعوبات سواء على المدى المتوسط أو الطويل. وعلى رغم معرفتنا وتقديرنا للكفاءة الشخصية لكثير من الرموز الحكومية إلا أن تركيبة المنظومة، وغياب الأسس الصحيحة لعملها كمنظومة، واستشراء مراكز الفساد، تشكل عائقاً لا يسمح بالإستفادة من تلك الكفاءات.
وعلى عكس ما ينتظر عادة من البيان المالي للحكومة من حيث تحليل الأوضاع الآنية ورسم متطلبات المرحلة والسياسات اللازمة لمعالجتها بما يعكس رؤية الحكومة واستراتيجيتها، وكذلك خلافاً لما ورد في هذا البيان ولما تقتضيه الحاجة إلى الإستفادة من تجارب الدول الأخرى والأخذ بعين الإعتبار للمتغيرات الدولية وإعمال مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد، فقد جاء هذا البيان مبهماً وخالياً من أي توجه واضح مبني على أسس علمية وعملية، وبدى بذلك وكأنه مجرد بيان تجميعي.
وفي الواقع، فإن حقيقة حجم الصعوبات التي تواجه مسيرة التنمية في اليمن تتطلب تنفيذ إصلاحات عميقة وواسعة في شتى هياكل الاقتصاد، كما ذكر سابقاً، وإدخال تعديلات جوهرية، ليس فقط في أسلوب تصميم السياسات ووضع الإجراءات، بل أيضاً في أسلوب اتخاذ القرار وإدارة الاقتصاد والتنفيذ، وكذلك في التشريعات والأسس التي تحكم التعامل في الاقتصاد وذلك في إطار نظرة متكاملة تمكّن من تنفيذ كل هذه الأمور بصورة متسقة وفق استراتيجية ترتكز على الأولويات التي يتم تحديدها في إطار هذه النظرة استناداً على المعطيات المحلية والدولية الحالية والمرتقبة. ومجيء البيان بهذه الصورة، يؤكد عمق المشكلات التي يتعين التغلب عليها لوضع الاقتصاد في المسار السليم.
ويمكن تبويب أولويات المرحلة القادمة حسب رؤيتنا في ست مجموعات، وهي كالتالي:
1- تهيئة المناخ الملائم والمحفز للقطاع الخاص
تستهدف جهود الإصلاح والتصحيح الهيكلي في جميع الدول النامية، كما أشرنا سابقاً، وكما هو الحال بالنسبة لليمن، تحسين تخصيص الموارد ورفع كفاءة استخدامها. ويتم ذلك من خلال تحرير الاقتصاد من كافة القيود وتفعيل دور آلية السوق وإفساح المجال أمام القطاع الخاص ليقوم بالدور الرئيسي في مجال الإنتاج والتصدير، وذلك هو محور هذه الجهود.
وفي حالة اليمن، فإنه وفي ضوء الاوضاع الاقتصادية الحالية، التي رسمنا معالمها الرئيسية في القسمين السابقين، فإن دور القطاع الخاص يكتسب أهمية بالغة بل وحاسمة، لعدة أسباب:-
أما السبب الأول فهو أن معدل النمو العالي للسكان يتطلب، كما ذكرت دراسات صندوق النقد والبنك الدوليين وأشرنا إليه سابقاً، مضاعفة معدل نمو الاقتصاد من أجل خلق فرص العمل اللازمة لتشغيل الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، ناهيك عن الأعداد الكبيرة الموجودة في هذا السوق والتي لم تتمكن من العمل. وغني عن القول بأن عدم التمكن من إيجاد فرص عمل جديدة لهذه الأعداد المتزايدة من السكان من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم حالة الفقر في البلد.
أما السبب الثاني فهو أن الاقتصاد في وضعه الحالي قابل للتعرض للصدمات الخارجية بشكل كبير نظراً لضعف هياكله الإنتاجية واعتماده على عوامل لا يستطيع التحكم في أي منها. فالحاجة لتنويع القاعدة الإنتاجية ملحة وعاجلة.
وأما السبب الثالث فهو أنه من أجل تحقيق هذه الأهداف، يتعين استغلال الإمكانات الواعدة الكامنة في المصادر الرئيسية للنمو بالكفاءة اللازمة. وتشمل هذه المصادر قطاع الأسماك وقطاع السياحة والمنطقة الحرة في عدن وقدرة الميناء فيها على توفير خدمات التجارة والمواصلات.
ومن الواضح أن هذه الأهداف الضرورية والحاسمة للنمو لا يمكن تحقيقها إلا من قبل القطاع الخاص. إلا أنه من أجل أن يتمكن من القيام بما ينتظر منه من دور، فإنه يتعين بداية خلق المناخ الملائم والمحفز له.
ويتطلب تأسيس هذا المناخ الأمور التالية :
- وضع استراتيجية متكاملة تظهر بوضوح وشفافية توجهات القطاع الحكومي تجاه القطاع الخاص، مع إيجاد الدرجة اللازمة من التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية بشأن التعامل مع القطاع الخاص وفق تلك التوجهات.
- وضع التشريعات والقوانين المخفزة لنشاط القطاع الخاص.
- تطوير القطاع المالي والمصرفي وتحفيزه على تقديم الائتمان اللازم لنشاط القطاع الخاص وفق الضوابط المصرفية السليمة.
- تطوير النظام الضريبي بما يتماشى مع متطلبات هذا المناخ وإدخال الشفافية اللازمة عليه.
- تطور النظامين القضائي والإداري.
- تخفيف القيود التي تعوق عمل هذا القطاع.
- تحسين البنية التحتية.
2- تهيئة المناخ القادر على جذب الإستثمارات الأجنبية
3- الإهتمام بالبعد الدولي
في ضوء هذه التطورات، فإن التكيف مع البعد الدولي والإستفادة من الفرص التي يتيحها تتطلب في إطار رؤيتنا تنفيذ الأمور التالية:
أ) إعادة النظر في التشريعات والقواعد ذات الصلة وإدخال التعديلات اللازمة عليها لضمان اتساقها مع المعايير الدولية.
ب) وضع مسألة التعليم في صدارة الإهتمام خاصة في ضوء مستوى التحصيل الدراسي المنخفض وتدني مستوى التسجيل في المدارس الإبتدائية.
جـ) الإعمال الحقيقي لمبدأ الشفافية والإفصاح بما يعزز المصداقية في الإطار الدولي ويتيح المشاركة الجماعية في مناقشة المشكلات والسياسات الموضوعة قبل اعتمادها ثم الإشراف الدقيق على تنفيذها.
د) وضع السياسات الملائمة للإستفادة القصوى من الموقع الإستراتيجي لليمن وخاصة فيما يتعلق بالخدمات التي يمكن لميناء عدن توفيرها.
هـ) الإستفادة من الإمكانات الكبيرة التي توفرها المعاهدة مع المملكة العربية السعودية من جانب، والقدرات المهاجرة وخاصة في جنوب شرق آسيا، من جانب آخر. فمن المعلوم، أن آثار هذه المعاهدة تتعدى حدود الدولتين، مما يجعل من الممكن لهما التحرك وفق رؤيا جديدة غير مسبوقة للاستفادة من امكانات التعاون الاقتصادي فيما بينهما. ففي إطار السياسات السابقة كان العطاء اليمني يتمثل في القوى البشرية والعطاء السعودي في العوائد التي تحولها تلك القوى البشرية. أما في إطار المنظومة الجديدة المترتبة على المعاهدة، فإنه يمكن للتعاون أن يأخذ أشكالاً متعددة منها ما هو ثنائي، ومنها ما يجمع بينهما والقدرات اليمنية المهاجرة. وفي هذا الصدد، يمكن لليمن القيام بدور منفذ للبضائع السعودية وموقع للمشاريع المشتركة، كما يمكن إيجاد المزيج بين رأس المال السعودي واليمني والمهاجر في الشرق الأقصى لإنشاء مشروعات وكيانات تدعم المعاهدة. كما أنه يمكن تأسيس المناخ المناسب للوصول إلى إتفاقيات ثنائية تتماشى مع روح المعاهدة تغطي مجالات العمالة والتبادل التجاري السلعي والخدمي بين الجانبين.
من أجل حماية الطبقة الفقيرة وذوي الدخول المنخفضة، فإنه يتعين تطوير برامج المعونة الإجتماعية من حيث استهدافها للمحتاجين وتوصيل الخدمات إليهم، وتوسيع نطاق هذه البرامج بحيث تشمل كل من ينتمي إلى هذه الطبقات. ومن المهام الرئيسية في هذا المجال إيلاء أولوية خاصة للتعليم الإبتدائي، كما سبقت الإشارة إليه، وتوسيع وتطوير الخدمات الصحية العامة وخاصة للأمهات والأطفال والمعوقين.
وحيث أن الدراسات الميدانية للبنك الدولي أشارت إلى عدم وجود التنسيق اللازم بين البرامج المتعددة المعمول بها حالياً، مما أدى إلى ضعف أدائها، وأن التدخل الحكومي، أدى في ضوء الفساد الإداري الحالي، إلى حرمان هذه الطبقة من جانب كبير من المعونات المرصودة لها، فإننا نرى أهمية:
- الإفصاح الكامل والدقيق عن مكونات البرامج الإجتماعية والمعونات المرصودة لها والجهات المستهدفة والإعلان الرسمي عنها وعن كونها تشكل أولوية هامة لا يمكن تأخيرها أو التلاعب بها.
- إفساح المجال أمام الجمعيات الخيرية الأهلية للقيام بدور كبير في هذا المجال خاصة في ضوء تجاربها السابقة الناجحة.
5- معالجة مشكلة المياه
تشكل ندرة المياه مشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم. ووفقاً للإستخدامات الحالية للمياه الجوفية، فإن من المقرر أن تنضب هذه المياه خلال العشرين سنة القادمة ما لم يتم وضع برنامج متكامل يعالج هذه المشكلة.
ولذلك، فإن من المهم الإستفادة القصوى من المعونات التي يمكن أن توفرها الوكالة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي في هذا المجال وأن تقوم الحكومة بالتعاون مع هذه الوكالة بالدور المطلوب منها، وعلى عكس ما كان عليه حتى الآن، في وضع برنامج متكامل يعالج كافة جوانب هذه المشكلة، مع تحديد متطلبات تنفيذه في الإطار الزمني الملائم ووضع المخصصات اللازمة في إطار واضح وشفاف.
6- الإصلاح السياسي
إن مما لا شك فيه أن تحقيق الأمور سابقة الذكر يتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً من قبل الجميع. فهو يتعلق بشتى مجالات الاقتصاد ومن خلال ذلك بشتى أفراد المجتمع ومؤسساته. ولا يمكن لمثل هذه الجهود أن توتي ولو جزءاً من ثمارها ما لم يتوفر لها الإطار العام المناسب والمحفز.
وعليه، فإن أساس هذه الجهود ومحورها الأساسي يتمثل في إصلاح الإطار العام الذي تعمل من خلاله. ذلك أن هذه الإصلاحات لا يمكن القيام بها بصورة انتقائية، كما أشرنا سابقاً. كما انه لا يمكن تنفيذها بصورة آلية دون وجود نظرة عامة واستراتيجية تحدد أولوياتها وطبيعتها المرحلية حسب مقتضيات كل مرحلة والإمكانات المحلية والدولية المتوفرة. كذلك، فإنه لا يمكن تنفيذها بفعالية ما لم تتوفر الشروط البيئية اللازمة لها.
وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات لا تتطلب مجرد تعديل في السياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة في القطاعات المختلفة للاقتصاد، بل تتطلب، كما أوضحنا سابقاً، إدخال تعديل جوهري في التوجه والفكر وأسلوب الإدارة ليمكن معه التكيف مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة والإستفادة منها في معالجة الصعوبات الاقتصادية الكبيرة والمتعددة التي يجابهها اليمن حالياً
وبناء عليه، فإنه لا يمكن القول بأن الإصلا