English

راسلنا

أخبار

دستور الحزب

قيادات الحزب

وثائق حزبية

لمحة تاريخية

الرئيسية

 

رؤية حزب رابطة أبناء اليمن (رأي)ء

للمسألة الاقتصادية (الجزء الثاني)

صادرة عن الدائرة الاقتصادية للحزب

استعرضنا، سابقاً، القضايا التي أشرنا إلى أنه يتعين على خلفيتها تحليل الأوضاع الاقتصادية المحلية في اليمن ومناقشة البيان المالي للحكومة وما ورد فيه بشأن نتائج الإصلاح سعياً نحو المساهمة في تحديد متطلبات المرحلة القادمة.  وذكرنا أننا سنعتمد على البيانات الرسمية للحكومة الواردة في البيان أو الصادرة عن جهات حكومية أخرى ، وكذلك التقارير والدراسات الوفيرة التي نشرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.  ونشير في هذا الصدد إلى أن هاتين المؤسستين نشرتا في صفحتيهما على شبكة الإنترنت العديد من الدراسات والتقارير حول اليمن، وأنه في حين أن تقارير الصندوق نشرت بتواريخ مختلفة في العام الماضي وهي مختصرة في معالجتها للموضوع، فإن البنك الدولي نشر عدداً من التقارير والدراسات منها دراسة واسعة ومعمقة حول جميع جوانب الاقتصاد اليمني تم إعدادها من قبل أخصائيين في كل قطاع وبعد القيام بمسوحات ميدانية واسعة وتم نشرها في بداية هذا العام.  ونحث كل من لديه الإمكانية على الإطلاع على هذه الأعمال للتعرف بعمق على حقيقة أبعاد الوضع الاقتصادي في اليمن، الأمر الذي لا شك سيسهم في خلق الوعي اللازم حول هذه القضايا ويسهل من المشاركة الجماعية في البحث عن الحلول الملائمة والسياسات الناجحة لتحقيق التنمية الحقيقية في اليمن. 

وسنتناول -الآن- الموضوع، في ثلاثة أقسام.  يتعلق القسم الأول بنتائج جهود الإصلاح حيث سنتطرق إلى النتائج التي تم تحقيقها مع النظر إليها في إطارها الصحيح.  وسنحاول في القسم الثاني رسم المعالم الرئيسية الحقيقية للوضع الحالي للاقتصاد، أي الصعوبات التي يواجهها، تمهيداً لمناقشة رؤيتنا حول متطلبات معالجتها في القسم الثالث والأخير.  

أولاً  :  نتائج جهود الإصلاح الاقتصادي في اليمن 

ذكرنا، سابقاً، أن برامج الإصلاح الاقتصادي في صورتها الموسعة، وهي الصورة التي يجري من ناحية المبدأ تطبيقها في اليمن، تشمل جانبين، يتعلق الأول منهما بالاستقرار الاقتصادي.  أما الثاني فيتعلق بجانب العرض في الاقتصاد ويستهدف إزالة المعوقات الهيكلية من أجل تحفيز جانب الإنتاج.  وسننظر إلى نتائج هذه الجهود من خلال هاتين الزاوتين.

1.      الاستقرار الاقتصادي

تمكنت الحكومة، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، من تحقيق نتائج طيبة ومشجعة في مجال الاستقرار الاقتصادي. 

فقد كان الاقتصاد في اليمن يواجه اختلالات كبيرة عشية الإصلاحات.  ومن أهم أوجه تلك الاختلالات العجز المستمر في الموازنة العامة للدولة،  وارتفاع معدل نمو السيولة ومعدل التضخم، ووجود عجز مستمر ومتفاقم في ميزان المدفوعات، وانخفاض الاحتياطيات الرسمية وانخفاض سعر صرف الريال وتعدده.  وترجع تلك الاختلالات بصورة رئيسية إلى التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي دون وجود ارتفاع مقابل من جانب الايرادات، وتمويل الحكومة للعجز الناتج عن ذلك بواسطة الائتمان المصرفي المقدم لها من البنك المركزي.  وقد استطاعت الحكومة إعادة درجة كبيرة من الاستقرار الكلي للاقتصاد من خلال تقييد الطلب الكلي.  ذلك أنه عند بروز الاختلالات المالية في الاقتصاد، يتم، كما ذكرنا سابقاً، اللجوء إلى تقييد الطلب الكلي في الاقتصاد (تقييد أحد مكوناته أو بعضها أو جميعها معاً) الأمر الذي من شأنه أن يخفف من الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد ويعيد إليه التوازن.

وحيث أن الانفاق الحكومي يشكل المكون الرئيسي للطلب المحلي في مثل تلك الحالة على وجه الخصوص، فقد لجأت الحكومة إلى تقييد الطلب الكلي في الاقتصاد بضبط النفقات ثم أخذت بعد ذلك في التوقف عن تمويل العجز بواسطة الائتمان المصرفي، ولجأت بدلاً من ذلك إلى إصدار أذون الخزانة على اعتبار أن مثل هذا التمويل للعجز يأتي من مصادر حقيقية ولا يؤدي إلى ضغوط تضخمية، بل أنه يساعد على امتصاص السيولة المتوفرة لدى الجهات غير الحكومية.

ومع انخفاض العجز المالي للحكومة وخفض الطلب الكلي أمكن خفض معدل التضخم ومن ثم تخفيض الضغط على ميزان المدفوعات وعلى الريال، مما ساعد على توحيد أسعار صرفه المتعددة.  وقد ساعد على اتباع هذا النهج ارتفاع حصيلة الصادرات النفطية وبالتالي إيرادات الخزينة.

وفي هذا الصدد، فإننا نتفق مع ما ورد في البيان حول النتائج الظاهرة لجهود الحكومة في مجال الاستقرار الكلي للاقتصاد والمتمثلة في الانخفاض الملحوظ في نسبة العجز المالي للحكومة إلى الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض معدل التضخم، وتحسن وضع ميزان المدفوعات وارتفاع الاحتياطيات الرسمية.

ولتقييم حقيقة هذه النتائج ومدلولاتها، فإنه يتعين النظر إليها في إطارها العام الصحيح.  وفي هذا الصدد نورد الملاحظات التالية:

أ) يعتبر الاستقرار الاقتصادي الكلي مطلباً هاماً عندما يكون الاقتصاد في وضع تعتريه الإختلالات المالية، ويكون في مثل هذه الحالة شرطاً مسبقاً لتحقيق النمو المستدام والتنمية الحقيقية.  ولذلك، لا يعتبر الاستقرار بحد ذاته هدفاً نهائياً بل وسيلة هامة أولية في السعي نحو تحقيق الهدف النهائي، وهو تحسين المستوى المعيشي للسكان.

ب) يتطلب تحقيق الاستقرار عند وجود الإختلالات المالية، كما كان عليه الوضع عشية الإصلاح الاقتصادي، إتباع سياسة تقييدية في إدارة الطلب من أجل الحد من الضغوط التضخمية والضغوط على ميزان المدفوعات.  وإتباع هذه السياسة لوحدها، كما أشرنا سابقاً، يؤدي إلى تأثيرات انكماشية من أجل إعادة التوازن للاقتصاد، ويتم تحقيق التوازن أو درجة كبيرة منه في معظم الأحيان في مستوى أدنى من الدخل، الأمر الذي يؤدي إلى خفض في الدخول الحقيقية ومستويات الإستهلاك ويكون أثره ظاهراً بوجه خاص على الطبقات من ذوي الدخول المنخفضة.  أي أن لهذه السياسة تبعات اجتماعية وتكلفة عالية لا يمكن الإستمرار في تحملها.  لذلك، تلجأ الدول المنخرطة في جهود الإصلاح إلى استحداث شبكات للحماية الإجتماعية لصالح هذه الطبقات أثناء هذه المرحلة من أجل التخفيف عليها من تلك التبعات وحتى يتم الإنتقال إلى مرحلة النمو الحقيقي المتوازن الذي يمكن من خلاله خلق فرص العمل الجديدة اللازمة لتحسين المستوى المعيشي للسكان.

والجدير ذكره أن شبكات الحماية الإجتماعية التي يتم إنشاؤها في هذا الإطار تعتبر أمراً مرحلياً، إذ أن الوسيلة الوحيدة الناجحة في إزالة الفقر أو التخفيف منه هو النمو المستدام في الاقتصاد الذي يمكّن من رفع مستوى الدخل وخلق فرص عمل جديدة بصورة تتلاءم مع معدلات نمو السكان.

ج) من أهم الأمور التي ينظر إليها في تقييم جهود الاستقرار هو مدى قابليته للإستمرار من عدمه.  وتعتمد قابلية الاستقرار على الإستمرار، أي عدم انتكاسته وظهور الإختلالات مرة أخرى، على عدد من الأمور من أهمها حسن تصميم السياسات المتبعة وكفاءة إدارة الموارد ومتانة هياكل الاقتصاد، وهي الأمور التي تحد من قابلية الاقتصاد للتأثر بالصدمات الداخلية أو الخارجية.  وفي ضوء الوضع الحالي للاقتصاد المحلي، فإن الاستقرار الاقتصادي الكلي لا يعتبر قابلاً للإستمرار، إذ أنه عرضة للإنتكاسة من جراء السياسات غير الملائمة المتبعة وسوء إدارة الموارد، كما سنوضحه لاحقاً، بالإضافة إلى التقلبات في أسعار النفط أو أسعار الحبوب المستوردة أو التحويلات من الخارج، من جانب، وهي أمور خارجية لا يمكن التحكم بها، وكذلك نظراً للضعف الكبير في الهياكل الأساسية للاقتصاد، من جانب آخر.  وذلك هو الأمر الذي أشارت إليه دراسات وتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين المشار إليها.  ولقد ظهر مدى ضعف الاستقرار الكلي للاقتصاد جلياً في عام 1998 حين انخفضت أسعار النفط.  فقد أدى ذلك إلى تدهور الوضع المالي للحكومة مما اضطرها للعودة إلى الإقتراض من البنك المركزي.  كما أدى ذلك إلى تحول الفائض الذي تم تحقيقه في ميزان المدفوعات عام 1997 إلى عجز في ذلك العام وتعرض سعر صرف الريال إلى ضغوط كبيرة.  وللتعرف على دلالة هذا الأمر نذكر ما أورده البنك الدولي في أحد ملخصاته عن اليمن، حيث أشار إلى أن انتاج البترول من الحقول الحالية سينخفض تدريجياُ حتى عام 2006 ثم سيهبط بحلول عام 2008 إلى ثلث المستوى الذي كان عليه في عام 2000 وإلى السدس بحلول عام 2011.  وسيبلغ الإنخفاض في حصيلة الصادرات السنوية منه أكثر من مليار ونصف دولار حتى لو استمرت الأسعار في مستوياتها العالية الحالية، أو أكثر من أربعة أمثال حصيلة الصادرات غير النفطية.  وحتى لم تم اكتشاف حقول جديدة حالياُ، فقد يستغرق وصولها إلى الإنتاج الكامل عقد كامل  

ومن جانب آخر، تعاني القطاعات الإنتاجية الأخرى من صعوبات كبيرة.  فالقيمة المضافة من قطاعي التصنيع والزراعة في تدهور يرجع في القطاع الأول إلى صغر وحداته، وسوء أداء المؤسسات الحكومية، وضعف القدرة التنافسية لدى هذا القطاع خاصة مع استمرار مشكلة التهريب بالإضافة إلى العوائق الأخرى التي يواجهها الاقتصاد والتي سنتطرق اليها بشيء من التفصيل لاحقاً.  أما قطاع الأسماك الذي تتوفر فيه امكانات كامنة كبيرة فيلقى عدداً من الصعوبات منها عدم وجود استراتيجية واضحة لتنميته، الأمر الذي أدى الى الإستغلال المفرط لبعض أنواعه. ويقدر البنك الدولي أن الصادرات من هذا القطاع تقل عن ربع الإمكانات الكامنة فيه. وأخيراً قطاع السياحة، فعلى الرغم من امكاناته الواعدة، لا يزال مهملاً.

ويتضح من ذلك، أن الاقتصاد يعتمد أساساً على قطاع النفط الذي تعتبر الحصيلة من صادراته عرضة للتقلبات ولا يمكن التحكم بها.  كما يتضح أن الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها لم تنجح فيما استهدفته بشأن تقوية هياكل الاقتصاد وخلق البيئة الكلية الملائمة للنمو، وهو الأمر الذي يزيد بشكل كبير من قابلية الاقتصاد للتعرض للصدمات الخارجية ويزيد من ضعف الاستقرار الكلي ضعفاً، ويجعله غير قابل في صورته الحالية للإستمرار.

2. الإصلاحات الهيكلي:

تشير الأمور سابقة الذكر إلى وجود حاجة ماسة لتنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية وجادة لمعالجة الضعف الكبير في هياكل الاقتصاد وتنويع قاعدته الانتاجية من أجل ضمان قابلية الاستقرار الكلي للاستمرار.  كذلك، فإن هذه الإصلاحات، وإذا ما تم تنفيذها في إطار رؤية واضحة لمتطلبات التنمية الحقيقية وبالإستناد إلى استراتيجية محددة المعالم، يمكن لها أن تؤدي إلى معالجة معوقات التنمية ووضع الاقتصاد في المسار السليم.

والجدير بالذكر هنا أن مثل هذه الإصلاحات الجادة، وخاصة في حالة مثل حالة اليمن، يتوقع لها أن تطول -بطبيعتها- كافة جوانب الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية والخدمية، والبيئة الكلية للاقتصاد والسياسات العامة للحكومة وأسلوب إدارتها للاقتصاد، وعلاقة الاقتصاد بالخارج وتعامله مع المتغيرات الدولية.  فلا يمكن، من أجل الوصول إلى نتائجها المنشودة، الأخذ بها بصورة انتقائية من أجل معالجة قطاع بصورة منعزلة عن بقية قطاعات الاقتصاد أو عن بيئته الكلية أو لمعالجة حالة بعينها دون النظر إلى علاقتها أو أثرها على بقية الاقتصاد، أو كذلك معالجة الوضع المحلي دون الأخذ بعين الإعتبار لمتطلبات وآثار البيئة الدولية عليه.  كما لا يمكن، على سبيل المثال، تحرير الاقتصاد وإزالة القيود المختلفة من أجل تحسين تخصيص الموارد مع الإبقاء على مؤسسات عامة فاشلة.  كذلك، فإنه لا يمكن الطلب من القطاع الخاص توسيع نطاق أنشطته والقيام بدور أكبر في الإنتاج والتصدير دون تهيئة البيئة الملائمة لذلك.  وأخيراً، فإن تحرير الاقتصاد لا يتماشى مع الإبقاء على أسلوب إدارة غير كفؤة وبيئة إدارية وقانونية تتصف بتفشي الفساد وتعوق من حسن إدارة الموارد.

ومن ناحية أخرى، فإنه وللطبيعة الشاملة لهذه الإصلاحات، فإنه يتعين الأخذ بها مرحلياً كما تقتضيه المعطيات الحقيقية، ولكن ضمن نظرة عامة واضحة للصعوبات ومتطلبات معالجتها.  لذلك فإنه ومن أجل الوصول إلى نتائج ذات مردود عال، يتعين تحسين قدرة الإدارة الاقتصادية على وضع الأولويات وعلى التنفيذ والإشراف.  ويتطلب الأمر كذلك وضع الأولويات على المستويين الكلي والقطاعي وتحديد دور كل قطاع في الاقتصاد مع الأخذ بعين الإعتبار المتغيرات الدولية التي يجب التعامل معها.

وبمعنى آخر، فإن تنفيذ هذه الإصلاحات بالصورة الصحيحة المطلوبة، وفي إطار رؤية واضحة لمتطلبات التنمية وفق المعطيات المتاحة، يتطلب إدخال تعديلات جوهرية ليس فقط في السياسات المتبعة وكيفية وضعها وتصحيحها، بل وبدرجة أهم في أسلوب الإدارة الكلية للاقتصاد كما أوضحته تجارب الدول السابقة في مجال الإصلاح الاقتصادي وفق ما أشرنا إليه سابقاً،  وهو ما سنعود إليه بشىء من التفصيل لاحقاً. 

ولتبيان حقيقة التحديات التي يواجهها الاقتصاد، في بلادنا، نكتفي في هذا القسم بالإشارة إلى ما ورد في الدراسة التي أعدها المسؤولون في الحكومة اليمنية بالتعاون مع فنيي صندوق النقد والبنك الدوليين، المذكورة سابقاً.  فقد ورد في هذه الدراسة، أنه وفي ضوء ما تم اتخاذه من إصلاحات هيكلية، فإن المتطلبات في المرحلة القادمة تشمل مجالات واسعة، مما يدل على عدم كفاية ما تم تنفيذه من ناحية الأسلوب والأداء.  وتشمل هذه المتطلبات الآتي:

أ) الحاجة إلى تذليل نطاق واسع من العقبات الهيكلية التي تعوق دون تحقيق النمو في أنشطة القطاعات غير النفطية بواسطة القطاع الخاص، وهو الأمر المطلوب من أجل تحسين مستوى الدخل للفرد وفرص العمالة خاصة في ضوء معدلات النمو السكاني العالية.  ولتحقيق ذلك يتعين تنفيذ إصلاحات واسعة وعميقة من أجل إتاحة مجالاً أكبر للقطاع الخاص في إطار بيئة رقابية وإشرافية وإدارية وقانونية شفافة وفعالة.

ب) الحاجة الماسة إلى تحسين المؤشرات الإجتماعية لأهمية الموارد البشرية في تحقيق التنمية وتخفيف حدة الفقر.  ويتطلب هذا الأمر تطوير هيكل النفقات العامة، ومعالجة أوجه القصور المتعددة المؤسسية والإدارية الناجمة عن المستوى المتدني لنظام الخدمة المدنية.

ج) الحاجة إلى تعزيزهيكل الموازنة الناتج عن الإعتماد الكبير في جانب الإيرادات على الحصيلة المتقلبة للصادرات النفطية مقابل قاعدة بسيطة للإيرادات غير النفطية، أو النظام الضريبي غير الفعال وغير المرن.  وفي جانب النفقات، فإن المعوقات تتضمن النفقات على الدعم غير الفعالة في استهداف الفئات المعنية بها، ونظام الخدمة المتوسع، وعدم كفاية اعتمادات التسيير والصيانة، وقطاع المؤسسات العامة الكبير وغير الفعال. 

د) الحاجة إلى تطوير وتعزيز القطاع المصرفي الذي يتصف بالتخلف ويساهم قليلاً في حشد المدخرات وتوجيهها إلى الإستخدامات الإنتاجية.  وعلى وجه الخصوص، فإن المصارف الخاصة تركز بصورة مفرطة على الإقراض قصير الأجل للعملاء الكبار في حين أن المؤسسات المالية غير المصرفية وأسواق الأوراق المالية غير موجودة.  كذلك فإن سلامة القطاع المصرفي ضعيفة لعدم وجود رقابة مصرفية فعالة ولوجود نظام قضائي ضعيف. 

هـ) في ضوء ضآلة قطاع التصدير غير النفطي، يبقى ميزان المدفوعات معتمداً على حصيلة الصادرات النفطية والتحويلات، مما يجعله قابلاً للتعرض بشكل كبير للتقلبات في أسعار النفط، وبدرجة أقل للتقلبات في أسعار الحبوب. 

و) تبرز الحاجة إلى معالجة البلد للصعوبات البيئية الكبيرة المتمثلة في ندرة المياه والتصحير وذلك من أجل تحقيق النمو المستدام وتحسين معيشته للأعداد المتزايدة من السكان. 

ثانياً  :  المعالم الرئيسية للأوضاع الاقتصادية المحلية

من أجل التوصل إلى تحديد متطلبات المرحلة القادمة، فإنه، وكما سبقت الإشارة إليه، يتعين بداية تحليل الأوضاع الحالية والتعرف على حقيقة الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد حالياً والصعوبات المرتقبة مع الأخذ بعين الإعتبار البيئة الدولية التي يعمل من خلالها.  وللقيام بذلك، في إطار دراستنا هذه، سنعمد إلى تحديد المعالم الرئيسية لهذه الصعوبات لتكملة ما ورد في القسم الأول.  ذلك، أنه بعد أن تمت الإشارة إلى أوضاع قطاعات الصناعة والزراعة والأسماك والسياحة والقطاع المصرفي، تشمل المعالم التي سنناقشها في هذا القسم مستوى الفقر في اليمن ومعدلات نمو السكان والبطالة، والإدخار المحلي، والتعليم، والصحة، ومستوى مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، والإستثمارات الأجنبية، ومشكلة المياه بالإضافة إلى إدارة الموارد المالية ونظام القضاء ثم مشكلة الفساد في الإدارة.  ونأمل من ذلك توضيح طبيعة التحديات الاقتصادية التي يواجهها اليمن بالشفافية الكاملة المطلوبة، ليمكن في ضوئها تحديد متطلبات المرحلة القادمة من أجل مواجهة هذه التحديات.

1.             الفقـــــــــر 

تضمنت دراسة البنك الدولي المشار إليها بحثين مستقلين حول الفقر في اليمن تم إعدادهما من قبل خبراء متخصصين وفق المعايير العلمية المتعارف عليها بالنسبة لهذا الموضوع واستناداً على المسوحات الميدانية التي تمت في اليمن.  وقد اتفق البحثان على أن عدد من هم في مستوى الفقر في اليمن ونسبتهم إلى السكان في ارتفاع مستمر منذ عام 1992. 

ويشير البحثان إلى أن نسبة ارتفاع الفقر بين عامي 1992 و 1998 كانت عالية وأن هذه النسبة بلغت في المناطق الريفية في المتوسط قرابة ضعف ما بلغته في المدن. 

فقد بلغت نسبة ارتفاع الفقر 1.7 في المائة في المدن عام 1992 ثم ارتفعت إلى 3.2 في المائة في عام 1998.  كذلك، بلغت هذه النسبة في المناطق الريفية 4.0 في المائة عام 1992 ثم ارتفعت إلى 7.7 في المائة في عام 1998.  وبالنسبة للبلد ككل، بلغت هذه النسبة 3.3 في المائة عام 1992 ثم ارتفعت إلى 6.3 في المائة عام 1998. 

وبصورة إجمالية، بلغت نسبة ارتفاع الفقر خلال الفترة 1992–1998 في المدن 2.5 في المائة وفي المناطق الريفية 5.8 في المائة وفي مجموع البلد 5.0 في المائة.  وبأخذ عدد السكان بعين الإعتبار، يشير البحثان إلى أن هذه النسب تدل على أن الزيادة في العدد الفعلي للمواطنين ممن يعيشون في حالة الفقر تراوحت عام 1998 مـا بيـن 44 في المائة كحـد أدنـى و 63 في المائة كحد أقصى وذلك بالمقارنة مع عام 1992.  وفي ضوء ذلك، فإنه يقدر أن يكون ربع السكان تحت مستوى خط الفقر.

ومن بين ربع السكان الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر، يميز البحثان بين ثلاث مجموعات، هي المجموعة التي تسمى بالمعدمة، وأخرى تعرّف بأنها في حالة خطرة، ثم ثالثة تعرّف بأنها المجموعة التي تعيش بإلكاد.

كذلك فإن عاملين هامين يجب أخذهما بعين الإعتبار ، وإعطاءهما أولوية قصوى.. لما يشكلان من أهمية بالغة في هذا المجال.. وهما :

الأول: من المهم الإستفادة من الفرق الكبير بين سعر النفط الفعلي وبين السعر الذي جاء في تقديرات البيان المالي لمشروعات الموازنة ، والذي يجب الإعلان عنه [بالنسبة للعام 2000 والعام2001].. ووضعه في صندوق معلن يتم الإستفادة منه -فقط- في الشئون الإجتماعية بما في ذلك الصحة والتعليم.. وعدم السماح بالتصرف فيه خارج هذا الإطار.. وبشفافية كاملة ورقابة فعلية .

الثاني: إن الدين المحلي الذي تتراكم خدماته بشكل مخيف يشكل عبئاً ثقيلاً على الموازنة ويلحق ضرراً بالغاً بالشريحة الفقيرة في المجتمع والتي يزداد اتساعها وفقرها.. ويجب سرعة العمل على وقف هذا التزييف القاتل للاقتصاد والتنمية . 

2.             معدل النمو للسكان

تشير التقديرات إلى أن معدل نمو السكان في اليمن يبلغ 3.6 في المائة، وبذلك يعتبر من أعلى المعدلات في العالم.  وقد أشرنا سابقاً، أن معدل النمو الذي يحققه الاقتصاد ينظر إليه على خلفية النمو السكاني.  فارتفاع معدل النمو السكاني يتطلب تحقيق معدلات نمو عالية في الاقتصاد للحيلولة دون تردي المستوى المعيشي للسكان ولخلق فرص عمل جديدة تكفي لتشغيل الداخلين الجدد إلى سوق العمل.  وفي هذا الصدد، أشارت دراسة البنك الدولي إلى أنه في ضوء معدل النمو السكاني الحالي، فإنه يتعين مضاعفة معدلات النمو من أجل خلق فرص العمل المطلوبة. 

3.             معدل البطالة

في ضوء معدل النمو السكاني العالي والنمو البطئ للقطاعات غير النفطية، فإنه يقدر لمعدل البطالة أن يكون مرتفعاً.  وفي هذا الصدد، فإننا نتفق مع أعضاء مجلس النواب الذين أشارو إلى أن معدل البطالة المذكور في البيان المالي للحكومة، وهو 20.2 في المائة خلال عام 2000، لا يمثل حقيقة الوضع وخاصة في ضوء الإرتفاع الملحوظ في معدل البطالة بين الخريجين من المدارس الثانوية والجامعات.  وغني عن القول أن بلوغ معدل البطالة إلى هذا المستوى يدل على أن الاقتصاد عاجز عن إيجاد فرص العمالة الكافية الأمر الذي يعود إلى الضعف الكبير في هياكله الإنتاجية، ولكونه في حالة مستمرة من انكماش كبير، أو الإثنين معاً. 

4.             الصحـــة 

تعتبر الصحة والتعليم أحد أهم مكونات أي جهد ناجح لتنمية الموارد البشرية.  وقد أشارت الدراسة إلى أن اليمن يواجه تحديات كبيرة لتحسين الوضع الصحي للسكان، الأمر الذي يتعدى مجرد إنشاء شبكة لايصال الخدمات الطبية.  فبجانب عدم كفاية الخدمات الطبية بصورة عامة، فإن من المعوقات في هذا الصدد ارتفاع مستوى الأمية، وعدم توفر المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي.  وتشير الدراسة إلى أن الميـاه الصالحـة للشـرب متوفرة فقط لقرابة نصف سكان الريف وأن 14% من هؤلاء فقط تتوفر لهم خدمات الصحة العامة الكافية في حين تتوفر مثل هذه الخدمات لنسبة 40% من سكان المدن. 

كذلك، فإن معدل وفيات الأطفال يعتبر الأعلى في اليمن بين الدول العربية فيما عدا العراق.  كما أن اليمن تعتبر من الدول القليلة في المنطقة التي تعاني من مشاكل كبيرة فيما يتعلق بسوء التغذية، وخاصة بين الأطفال.  ومما يزيد من حدة هذه المشاكل، الاختلافات الكبيرة بين المناطق وبين المدن والريف.  وتشير التقديرات إلى أن نصف الأطفال ممن هم دون الخامسة من العمر يعانون من سوء التغذية، وأن 50% منهم يتعرضون للقزم أو التوقف عن النمو الصحيـح (56% في المناطق الريفية و 40% في المدن) بينما يظهر بيـن 13% من هؤلاء علامات الهزال والضعف.

5.             التعليـــم 

على الرغم من النفقات المخصصة للتعليم، فإن مخرجاته وكفاءته تعتبران، حسبما أوردت الدراسة، دون معدل الدول الأخرى منخفضة الدخل.  فلدى اليمن أدنى معدل للمتعلمين من الكبار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما أن معدلات التسجيل والحضور تعتبر منخفضة جداً.  وبالإضافة إلى ذلك فإن سنوات التعليم هي الأقل في المنطقة.  وتشير الدراسة إلى أن نسبة التسجيل في المدارس للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و 14 عام يصل إلى 55% فقط،  مما يدل على أن حوالي 2.1 مليون من بين هذه المجموعة ليسو مسجلين في المدارس.  وإذا استمرت النسبة دون تغيير كبير، فإن من المتوقع، في ضوء معدل نمو السكان الحالي، أن يبلغ عدد غير المسجلين إلى 3.7 مليون بحلول عام 2020م. 

وقد أشرنا، سابقاً، إلى أن التجارب العملية للدول السابقة في جهود الإصلاح بينت بصورة جلية أهمية الموارد البشرية في التنمية.  كما أشرنا إلى تجربة دول جنوب شرق آسيا الناجحة الذي شكل التعليم أحد مكوناتها الرئيسية.

6.            الادخار المحلي

يشكل الادخار المحلي أحد مقومات النمو إذ أنه يمثل مستوى الموارد التي يمكن توجيهها للاستثمار في الاقتصاد.  فالادخار المحلي الإجمالي يعادل الناتج المحلي الإجمالي ناقصاً الاستهلاك الكلي، وبذلك يعكس مستوى الدخل في الاقتصاد.  فكلما ارتفع مستوى الدخل، وقلت النسبة التي تذهب منه إلى الاستهلاك، خاصة المكونات الأساسية منه، ارتفع مستوى الادخار.  ومن جانب آخر، فإن الادخار المحلي الإجمالي يعادل أيضاً الاستثمار الإجمالي ناقصاً ميزان السلع والخدمات (أي الصادرات ناقصاً الواردات من السلع والخدمات).  وبذلك، يعكس الادخار المحلي قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات إذ أنه كلما ارتفعت قدرته على إنتاجها وارتفعت صادراته منها، وقلت في المقابل احتياجاته من الواردات، ارتفع مستوى الادخار المحلي في الاقتصاد.  ومما يثير الكثير من القلق، أن نسبة الادخار المحلي الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في تناقص مضطرد وذلك من 20% عام 1996 إلى 12.7% عام 1999.  وبالمقارنة بلغت تلك النسبة 33% في الجزائر و 35% في السعودية.

7.            مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي 

من أجل تعزيز جانب العرض في الاقتصاد وتحفيز نموه، فإن من أهم ما تستهدفه الإصلاحات الهيكلية، هو تحرير الاقتصاد من القيود وتحسين تخصيص الموارد وتشجيع القطاع الخاص ليضطلع بدور أكبر في النشاط الاقتصادي.  إلا أن نشاط هذا القطاع في اليمن لايزال بعيداً عن المستوى المرجو له.  ومن بين المعايير التي يمكن التعرف بموجبها على مستوى نشاط هذا القطاع مستوى الائتمان الممنوح له.  وفي هذا الصدد، تشير البيانات إلى أن الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بلغ أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط سنوياً خلال الفترة من 1997 إلى 1999.  وبالمقارنة فإن هذه النسبة تبلغ 16% في الدول منخفضة الدخل و 34% في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

وقد أشارت الدراسة إلى أن القطاع الخاص في اليمن لا يزال في مراحل تطوره الأولى وأن البيئة التي يعمل من خلالها لا تحفز على توسعه وتنميته.  ومن أهم خصائص هذه البيئة تعدد العوائق الإدارية، وعدم كفاءة النظام القضائي، وعدم التنسيق بين الجهات الحكومية فيما يتعلق بتعاملها مع هذا القطاع، وعدم مصداقية السياسات الحكومية لدى القطاع.  وبالإضافة إلى ذلك، يعاني هذا القطاع من محدودية الائتمان الذي يحصل عليه ومحدودية أنواع التسهيلات الائتمانية المتاحة، وعدم توفر آليات لتشجيع وتسهيل النشاط التصديري.  وتؤدي كل هذه الأمور إلى ارتفاع تكلفة رأس المال. 

كذلك، فإن مما يعوق توسع نشاط القطاع الخاص، حسبما أوردته الدراسة، البنية الأساسية الضعيفة، وعدم وجود نظام للمقاييس، والافتقار إلى ضوابط ضد الاحتكار.  كما أشارت الدراسة إلى أن من العوائق الكبيرة التي يواجهها القطاع الخاص في اليمن مسألة التهريب.  وتتمثل الآثار السلبية لنشاط التهريب المستمر في اليمن في ثلاثة أمور، هي الموارد الضائعة من خزانة الدولة من جراء التهرب من دفع الرسوم الجمركية، والتشوهات الكبيرة التي يحدثها التهريب في الأسعار في الأسواق المحلية، وكذلك، وبدرجة أهم، إعاقته لتطور الإنتاج المحلي بتوفير السلع الأجنبية دون التقييد بأي ضوابط لمحاربة الإنتاج المحلي.

8.            الإستثمارات الأجنبية المباشرة 

تعد الإستثمارات الأجنبية المباشرة رافداً هاماً للمدخرات المحلية.  وقد أشرنا في هذا الموضوع إلى تجارب الدول الأخرى التي أصبحت تتسابق في إنشاء البيئة الملائمة من أجل جذب هذه الإستثمارات.  وقد أشارت دراسة البنك الدولي إلى أن الإستثمارات الأجنبية المباشرة تشكل بالنسبة لليمن عنصراً هاماً وحاسماً في احتمالات النمو الاقتصادي.  والجدير بالذكر أنه في حين أن متوسط نسبة هذه الإستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول منخفضة الدخـل بلغ 10.4% عام 1996، فقد بلغت هذه النسبة في اليمن (-4.9%)، أي أن هذه الإستثمارات تدفقت من اليمن إلى خارجه بدلاً من أن تتدفق إلى داخله.  ويعود هذا الأمر إلى أن هذه الإستثمارات تتعلق بالقطاع النفطي، في حين أنها لا تكاد تكون موجودة في القطاعات الأخرى 

وقد أشارت الدراسة التي أعدها البنك حول هذا الموضوع أن المعوقات التي تحول دون انسياب هذه الإستثمارات إلى اليمن، تشمل الأمور التالية:

·       التداخل في الصلاحيات بين الجهات الحكومية المختلفة.

·       التطبيقات الإختيارية غير المقيدة للقوانين والإجراءات.

·       الإدارة غير الكفؤة.

·       عدم وجود حماية للملكية وعدم وجود الآلية والقدرة على تنفيذ العقود.

·  وبالإضافة إلى ذلك، فإن المستثمر يواجه، حسب ما أوردت الدراسة، بالكثير من القيود والتراخيص غير اللازمة، بالإضافة إلى بيئة قانونية وقضائية غير واضحة وغير متسقة مع المعايير الدولية، ونظام خدمة غير متجاوب ويتصف بالفساد.

9.            المياه

تعد مشكلة المياه من إحدى التحديات الكبيرة التي تواجه البلد والتي يتوقع لها أن تشتد حدة مع مرور الوقت، نظراً للنقص المتزايد في المستوى المتوفر منها.  ويشير البنك الدولي إلى أن المتوفر من المياه القابل للتجدد"بواسطة الأمطار"، والذي يعد من أدنى المستويات في العالم، يتم استهلاكه بصورة مفرطة وبسرعة كبيرة.  ومن الملاحظ في هذا الصدد عجز الحكومة، كما أشار البنك الدولي، في الإشراف عليه، أو تسعيره أو توزيعه بكفاءة، أو التنسيق بين الإحتياجات المتنافسة عليه، كاحتياجات المدن مقابل احتياجات الريف.  ويرى البنك الدولي أنه بالإضافة آلى الآثار السلبية الصحية لعدم توفر المياه الصالحة للشرب والإستعمال وخدمات الصحة العامة، فإن جدوى اليمن الاقتصادية ستعتمد في المستقبل على توفر حد أدنى من المياه الصالحة بتكلفة معقولة.

10.     إدارة الموارد الحكومية

لا يمكن التحدث عن الموازنة وعن البيان المالي الذي يشكل محور نقاشنا دون التطرق إلى بعض الحقائق حول كيفية إعداد الموازنة وتنفيذها، واستخدام الموارد ومراقبة الموازنة، وكفاءة إدارة النفقات والإيرادات.  وفي هذا الصدد، فإنه وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه حول الموازنة بموجب ما ورد في الدراسة المنشورة من قبل صندوق النقد الدولي، فقد أشارت الدراسة الموسعة المعدة من قبل البنك الدولي إلى الكثير من التفاصيل حول هذا الموضوع نورد فيما يلي باختصار ما من شأنه أن يؤدي إلى فهم أفضل للأسلوب الذي يتم بموجبه إدارة الموارد وهدرها وبالتالي إلى حقيقة ما يعكسه البيان المالي للحكومة 

أ. إعداد الموازنة

أوردت الدراسة أنه على الرغم من وضع أسلوب جديد لإعداد الموازنة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي وذلك من أجل تصحيح الكثير من الإجراءات الخاطئة المتبعة سابقاً، فإن الإجراءات المتبعة حالياً في إعداد الموازنة لا تزال تفتقر إلى معايير واقعية وعملية يتم على أساسها اتخاذ قرارات اعتماد الموازنات.  كذلك، فإن عدم الوضوح بالنسبة لمسؤوليات الوزارات المختلفة لا يزال موجوداً، وهو الأمر الذي يعوق أيضاً من تكوين قاعدة بيانات حول المشاريع الإستثمارية.  كذلك، لا توجد لدى الوزارة القدرات الداخلية لتحديد المظاريف الكلية والقطاعية التي يتم في إطارها إعداد برامج الإنفاق. وعلى الرغم من استحداث وحدتين لهذا الغرض في إطار وزارتي المالية والتخطيط، إلا أن ذلك الأمر لم يتم تنفيذه عملياً، إذ أنه لم يتم تزويدهما بالموارد البشرية والقدرات الفنية اللازمة.

 

ب.   الاستخدام الكفء للموارد

ذكرت الدراسة أن عدداً  من العوامل يحول دون الاستخدام الكفء للموارد.  وأشارت في هذا الصدد إلى الأمور الأربعة التالية: 

·  تتضمن الموازنة عدداً من "المشاريع" التي لا تمثل مشاريع حقيقية، وإنما يقصد بذلك وضع الاعتمادات لإتاحة التمويل والمحافظة على مشاريع قائمة.

·  تشمل موازنة الاستثمارات، أي الاعتمادات المخصصة للنفقات الرأسمالية والاستثمارية، عادة أعداداً كبيرة من المشاريع التي لا يتم تمويلها إلا بصورة جزئية. والمثال على ذلك، حسبما أشارت إليه الدراسة، هو أنه بدلاً من تمويل بناء مدرسة واحدة، يتم توفير التمويل لبناء أجزاء فقط من خمس مدارس. وينتج عن ذلك، أن أجزاء كبيرة من الموازنة يتم صرفها دون إنشاء أصول قابلة للاستخدام.  ونشير في هذا الصدد إلى أن عدداً من النواب أشار إلى حقيقة هذا الأمر عند مناقشة البيان المالي في مجلس النواب. 

ومن الأمور التي تستوجب الملاحظة أن البيان المالي يورد الإعتمادات المقترحة لعام 2001 مع مقارنتها بالإعتمادات لعام 2000 فقط دون الإشارة إلى النفقات الفعلية التي تمت خلال ذلك العام.  فمن أجل تقييم أداء الموازنة بصورة جدية يتعين بالإضافة إلى ذلك المقارنة بين الإعتمادات المقترحة والتنفيذ الفعلي خلال العام السابق.  فمقارنة الإعتمادات المقترحة باعتمادات العام السابق فقط، تؤدي إلى تغييب معيار هام لتقييم أداء الموازنة.  ولعل ما أورده البنك الدولي في دراسته عن كبر عدد المشاريع الواردة في الموازنة والتي لا تمثل مشاريع حقيقية، أو تلك التي يتم توفير التمويل لإجزاء صغيرة منها فقط يفسر هذا الأمر.  

·   لا تشمل الموازنة اعتمادات كافية للتسيير والصيانة.  وتبرز هذه المشكلة بصورة كبيرة في قطاعات التعليم والصحة والزراعة.

·  لا تتقيد الحكومة عند إعدادها لتقديرات الموازنة بالاعتبارات والمعايير التي تعكس متطلبات الاقتصاد في المرحلة التي تغطيها تلك التقديرات، إذ يتم جانباً من هذه التقديرات وفق اعتبارات غير اقتصادية.  ويذكر في هذا الصدد ما سبق وأشرنا إليه حول الممارسات غير الصحيحة التي أظهرتها تجارب الدول السابقة في مجال الاصلاح الاقتصادي فيما يتعلق بالموازنة حين لجأ البعض منها إلى خفض النفقات ذات الأولوية العالية أو عدم زيادتها حسب الحاجة وذلك من أجل المحافظة على النفقات الإجمالية في الحدود المتفق عليها مع المؤسسات الدولية أو خفضها إلى تلك الحدود وذلك لاعتبارات مختلفة أدت إلى إضعاف قدرة اقتصاديتها على النمو.  وتشمل النفقات ذات الأولوية العالية النفقات الاستثمارية التي تشكل أحد الأسس الهامة للنمو والنفقات على الموارد البشرية مقصد التنمية وهي النفقات على التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية. وفي هذا الصدد، أشارت الدراسة الى أنه تم في إطار موازنة عام 2000 رفع اعتمادات الدفاع بأكثر من 20% وأن هذه الزيادة عادلت مجمل الاعتمادات المرصودة لوزارة الصحة عام 1999. ومن الجدير بالذكر أن البيان المالي الحالي أورد في مقدمته أن عام 2000 هو عام الود والمحبة والوئام مع الأشقاء والجيران، وهو إنجاز يستحق الإشادة. وقد كان من المتوقع في ضوء ذلك أن يتم إنقاص الاعتمادات للدفاع نظراً للصعوبات الاقتصادية التي يواجهها البلد والحاجة الملحة لتوجيه الموارد القليلة المتوفرة إلى القطاعات المتعثرة. إلا أنه بدلاً من ذلك، يتضمن البيان زيادة في النفقات على الدفاع خلال عام 2001 تفوق الزيادات المعتمدة للصحة والصيانة ولصندوق الرعاية الاجتماعية والصندوق الاجتماعي للتنمية مجتمعة.

ج.   تنفيذ الموازنة

أشارت الدراسة إلى أنه لا توجد مراقبة دقيقة للموازنة كما لا تتوفر المعلومات الكافية للإدارة الكفؤة للمصروفات النقدية.  كذلك، فإن اللجوء إلى خلق اعتمادات إضافية لأغراض بعينها، يحول دون وجود تخطيط كفؤ للأولويات.  ويؤكد هذا الأمر ما أشرنا إليه سابقاً عن غياب المعيار السليم للتعرف على أداء الموازنة، كما يتضح ذلك أيضاً من غياب الأسس اللازمة لمراقبة الموازنة.

د. مراقبة الموازنة

أوردت الدراسة أن إجراءات مراقبة الموازنة في اليمن تفتقر إلى عدد من الأسس اللازمة التي تشمل:

·       قوانين وإرشادات واضحة حول الإدارة المالية والعقوبات للمخالفات.

·       إدارة شفافة وإجراءات تحدد طبيعة عمل كل جهة وكيفية القيام بذلك.

·       الإشراف الجيد.

·        الرقابة المستقلة على المعاملات المالية والتفتيش والإبلاغ عن المخالفات.

هـ.  النفقات 

أوردت الدراسة أنه توجد أربعة أسباب تجعل من برنامج الإنفاق العام في اليمن لا يعكس وجود تحديد دقيق للأولويات من أجل الإستخدام الأفضل للموارد المحدودة.  وتشمل هذه الأسباب الآتي:

·       تعتبر البيانات حول المشاريع غير كافية لوضع أولويات للنفقات الإستثمارية.  كما أنه لا توجد تفاصيل حول التكلفة الإجمالية أو المبالغ المطلوبة لاستكمال المشاريع القائمة.

·    يشمل برنامج الإستثمارات أعداداً كبيرة من المشاريع الصغيرة التي تعتبر ذات أولويات منخفضة، كما أشرنا سابقاً.  ويأتي إضافة هذه المشاريع لخدمة مصالح مناطقية.  وهذا يعني أنه يتم توزيع الموارد المحدودة على مشاريع عديدة، تبقى غير مستكملة سنة بعد أخرى، دون صيانة فتتعرض للعوامل الطبيعية والبيئية المخربة لها.  وبذلك يتم صرف الموارد دون خلق أصول قابلة للإستخدام.

·       لا تعكس مكونات برامج الإستثمارات القطاعية عادة استراتيجية القطاع المعني.  ويرجع ذلك إلى عدم وجود رؤية واتفاق حول الأهداف القطاعية.

·       نادراً ما تفي الإعتمادات لأغراض التسيير والصيانة والإحتياجات الملحة لتسيير المشاريع القائمة. 

وفي ضوء هذه الأمور، فإنه لم يكن لنفقات التنمية في السنوات السابقة، حسب ما أوردت الدراسة، تأثير ملموس قابل للقياس على النمو الاقتصادي، الأمر الذي يعكس القصور في اختيار معظم مشاريع التنمية وفي الإشراف على تنفيذها.

و. الإيرادات:

أشارت الدراسة إلى أن من أوجه الضعف في جانب الإيرادات الضريبية غير النفطية، والتي شكلت 10% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1998 تعتبر الأدنى في المنطقة.  وبالإضافة، فإن نظام الضرائب يعكس عدداً من أوجه القصور ناتجة عن التحديد غير الملائم للقاعدة الضريبية وعن الإعفاءات الإعتباطية.

 

 

11.     النظام القضائي

 

أشارت الدراسة إلى أن القانون ومؤسساته لا يحظى بالكثير من الإحترام في اليمن، وأن ما يحظى به القضاة وأعضاء النيابة على المستوى الشخصي يقل عن ذلك.  كذلك، فإن النظام القضائي يحظى بدرجة متدنية من الثقة من قبل الجمهور ومن قبل المؤسسات الحكومية الأخرى.  ويرجع ذلك أساساً إلى الإعتقاد العام بأن هذا النظام غير كفؤ ويتصف بدرجة كبيرة من الفساد.

 

وقد أشارت الدراسة إلى أن مما يزيد من عمق المشكلة عدم وجود قواعد مكتوبة تحكم سلوك أعضاء النيابة مما يؤدي إلى الكثير من الخروقات في الأخلاقيات المهنية.

 

 

12.     مشكلة الفساد

 

يعرف البنك الدولي الفساد بأنه إساءة استغلال المنصب العام للحصول على منافع شخصية.  ويتم ذلك عند قبول الموظف الرسمي رشوة، أو عندما يطلب أو يبتز للحصول عليها.  كما يتم إساءة استغلال المنصب العام عند تقديم الآخرين رشوة لتفادي الالتزام بالقوانين أو الحصول على منافع.  ويمكن إساءة استغلال المنصب العام لمصالح شخصية حتى من دون وجود رشوة وذلك من خلال المحسوبيات ومحاباة الأقارب أو سرقة الأصول الحكومية أو تحويل الإيرادات الحكومية عن مسارها إلى مسار أخر.

 

ويأخذ الفساد صوراً متعددة.  ومن أهم صور الفساد، كما أشارت إليها دراسات البنك الدولي، الرشوة التي تستخدم من قبل الخواص للحصول على خدمات ومنافع متعددة من الحكومة، أو أن الموظفين الرسميين يسعون إليها بتوفير هذه الخدمات والمنافع.  وتشمل هذه الخدمات الذي ذكرها البنك الدولي، الحصول على عقود حكومية، ومنافع حكومية (نقدية كدعم أو منافع عينية سواء في المجال التعليمي أو الصحي أو مساهمات في مؤسسات يتم تخصيصها)، وتخفيض الضرائب التي يتعين دفعها، والحصول على تراخيص مختلفة، والتعجيل أو التأخير في المعاملات بالإضافة إلى منافع قضائية.

 

كذلك، فإن الفساد يأخذ صور السرقة، أي سرقة الأصول الحكومية من قبل الموظفين المسؤولين عنها.  وتأخذ هذه الصورة أحجاماً مختلفة تتراوح بين أصول الحكومة في الشركات العامة وسرقة المعدات والسيارات أو الوقود.

 

أما الصورة الأخرى التي يأخذها الفساد فهو الفساد السياسي والإداري.  ويمكن أن تكون الحالتين منفصلتين عن بعض أو متصلتين.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الفساد قد يحدث في حالات محددة منعزلة أو قد يكون نظامي، أي متفش في النظام بأسره.  وفي الحالة الثانية تصبح الرشوة، بأحجام كبيرة أو صغيرة، هي الوسيلة المتعارف عليها في التعامل بين القطاع العام وبقية المجتمع.  وعلى الرغم من أن الرشوة قد تكون محظورة قانوناً، إلا أنه في مثل هذه الحالة يدرك الجميع أنها أصبحت القاعدة للتعامل مع الحكومة.

 

ومن بين العوامل التي تؤدي إلى انتشار الفساد، تأتي في المقدمة السياسات الحكومية، وأسلوب الإدارة.  ويزدهر الفساد عند ضعف المؤسسات الحكومية وعندما تظهر امكانية استغلال السياسات الحكومية للمنافع الخاصة.

 

ومن جانب أخر، فإنه يمكن النظر إلى ديناميكية الفساد من خلال تحليل تكلفة الفرصة الضائعة، التي يمكن النظر إليها على أنها علاقة بين مقدار المنافع التي يمكن للموظف الرسمي الحصول عليها مما يقع تحت إدارته،  ووسع الصلاحية الممنوحة له ودرجة المساءلة التي يتعرض لها فيما ينتج عن قراراته.  فحيث تكون الصلاحية الممنوحة للموظف واسعة وتنتفي المساءلة، يتفشى الفساد.

 

وتتصف البيئة التي يوجد فيها الفساد بوجود اختلاف بين القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تحكم التعامل في القطاع العام.  وحيث يتفشى الفساد، توجد قواعد رسمية، إلا أنه يتم تعطيلها لصالح القواعد غير الرسمية.

 

وتشير هذه الدراسات إلى أن للفساد آثار سلبية كبيرة يمكن للكثير من الدول النامية التوصل في حالة معالجتها إلى مضاعفة الدخل، كما سبق وأن أشرنا.  وتشمل هذه الآثار الأمور التالية:

 

أ‌.  يشكل الفساد عامل تقويض كبير على الاستقرار الاقتصادي من خلال ما يؤدي إليه من نقص في الموارد الحكومية وزيادة في الإنفاق.  ويمكن أن يحدث ذلك من خلال الفساد في دوائر الضرائب والجمارك، ومن خلال الديون التي تترتب على التهرب من الرقابة، ومن خلال العقود التي تمنح وفق اعتبارات غير سليمة.  كما يمكن أن يترتب على الحكومة أعباء مالية كبيرة من إنشاء المشاريع الكبيرة غير السليمة والتي تنشأ في الأصل من خلال الرشوات.  ويتحمل جميع أفراد المجتمع التكاليف المتعلقة بالاستقرار الكلي، وعلى وجه الخصوص ذوي الدخول المحدودة.

 

ب. أما الشكل الثاني للتكلفة فيتمثل في الآثار السلبية الكبيرة التي يحدثها الفساد على التدفقات من الإستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الاقتصاد المحلي.

 

ج. وتتمثل التكلفة الثالثة في الأثار السلبية الكبيرة للفساد على نشاط القطاع الخاص.

 

د. والتكلفة الرابعة والهامة، هي ما يمثله الفساد من عائق كبير أمام جهود الإصلاحات الهيكلية والتنمية الحقيقية وخاصة في الدول النامية التي يتطلب تحقيق أهداف هذه الجهود إحداث تعديلات جوهرية في هياكل الاقتصاد وتأسيس بيئة جديدة يمكن من خلالها استغلال الموارد المحدودة المتاحة بأقصى درجات الكفاءة الممكنة.

 

 

وبالنسبة لليمن، فإنه وعلى الرغم من أن صور الفساد سابقة الذكر هي حصيلة لتجارب العديد من الدول التي استندت دراسات البنك الدولي على المسوحات الميدانية التي تمت فيها، فإن من الأمور التي لا يوجد عليها اختلاف هو تفشي الفساد بصورة نظامية في الإدارة الحكومية في اليمن بكل الصور سابقة الذكر.  وقد أشارت دراسة البنك الدولي حول اليمن إلى أن العاملين في الخدمة المدنية الذين تمت مقابلتهم أشارو إلى أن المعوقات والمصاعب التالية تحول دون كفاءة وجدية نظام الخدمة المدنية:

 

-  انعدام الحوار وتبادل الآراء بين العاملين في الوظائف العليا والعاملين في الوظائف الدنيا مما يؤدي إلى عدم علم من هم في الوظائف العليا بالأوضاع التي يعمل خلالها العاملين في الوظائف الدنيا.  وقد أشارت الدراسة إلى أن هذه المشكلة لوحظت كذلك في المدارس والمستشفيات.

-  عدم وجود رقابة، الأمر الذي يسمح بالتغيب.

-  تفشي الفساد إلى درجة كبيرة وخاصة بين من لهم حماية سياسية.

-  تضارب المصالح (أوردت الدراسة مثالاً على ذلك، وهو تملك العاملين الموظفين الكبار في مجال الخدمات الطبية لعيادات خاصة واستجلابهم للفنيين من مراكز الخدمات العامة).

-  عدم معاقبة سوء التصرف.

-  الإستناد على القرابة والصلات الشخصية في تحديد الترقيات والمرتبات وليس على أساس الأداء.

-  استغلال الموظفين الكبار لصغار الموظفين.

-  عدم وجود الشفافية في التوظيف.

-  عدم وجود فرص التدريب بما يسمح بالتقدم في السلم الوظيفي.

 

وأورد التقرير أن هؤلاء أكدوا بصفة خاصة على موضوع الفساد وأن انتشاره بين الوظائف العليا أكثر منه بين الوظائف الدنيا.

 

 

 

ثالثاً :  رؤيتنا حول متطلبات المرحلة القادمة

 

يتضح مما ورد في القسمين السابقين أن التنمية الاقتصادية في اليمن تجابهها صعوبات كبيرة ومعقدة تغطي كافة جوانب الاقتصاد.  وقبل أن نناقش رؤية حزبنا -حزب رابطة أبناء اليمن "رأي"- حول ما يتعين القيام به خلال المرحلة القادمة لمعالجة هذه الصعوبات، نود الإشارة إلى أن البيان المالي للحكومة جاء، في ضوء حقيقة الأمور سابقة الذكر، خالياً تماماً من أي نظرة واقعية لطبيعة الاقتصاد المحلي ومتطلبات تنميته، فهو لم يتضمن أي تحليل أو يعكس فهم حقيقي لكنه الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد وحجمها، ولذلك لم يستند على أي استراتيجية يمكن من خلالها معالجة هذه الصعوبات سواء على المدى المتوسط أو الطويل. وعلى رغم معرفتنا وتقديرنا للكفاءة الشخصية لكثير من الرموز الحكومية إلا أن تركيبة المنظومة، وغياب الأسس الصحيحة لعملها كمنظومة، واستشراء مراكز الفساد، تشكل عائقاً لا يسمح بالإستفادة من تلك الكفاءات.

 

وعلى عكس ما ينتظر عادة من البيان المالي للحكومة من حيث تحليل الأوضاع الآنية ورسم متطلبات المرحلة والسياسات اللازمة لمعالجتها بما يعكس رؤية الحكومة واستراتيجيتها، وكذلك خلافاً لما ورد في هذا البيان ولما تقتضيه الحاجة إلى الإستفادة من تجارب الدول الأخرى والأخذ بعين الإعتبار للمتغيرات الدولية وإعمال مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد، فقد جاء هذا البيان مبهماً وخالياً من أي توجه واضح مبني على أسس علمية وعملية، وبدى بذلك وكأنه مجرد بيان تجميعي.

 

وفي الواقع، فإن حقيقة حجم الصعوبات التي تواجه مسيرة التنمية في اليمن تتطلب تنفيذ إصلاحات عميقة وواسعة في شتى هياكل الاقتصاد، كما ذكر سابقاً، وإدخال تعديلات جوهرية، ليس فقط في أسلوب تصميم السياسات ووضع الإجراءات، بل أيضاً في أسلوب اتخاذ القرار وإدارة الاقتصاد والتنفيذ، وكذلك في التشريعات والأسس التي تحكم التعامل في الاقتصاد وذلك في إطار نظرة متكاملة تمكّن من تنفيذ كل هذه الأمور بصورة متسقة وفق استراتيجية ترتكز على الأولويات التي يتم تحديدها في إطار هذه النظرة استناداً على المعطيات المحلية والدولية الحالية والمرتقبة.  ومجيء البيان بهذه الصورة، يؤكد عمق المشكلات التي يتعين التغلب عليها لوضع الاقتصاد في المسار السليم.

 

ويمكن تبويب أولويات المرحلة القادمة حسب رؤيتنا في ست مجموعات، وهي كالتالي:

 

1- تهيئة المناخ الملائم والمحفز للقطاع الخاص

 

تستهدف جهود الإصلاح والتصحيح الهيكلي في جميع الدول النامية، كما أشرنا سابقاً، وكما هو الحال بالنسبة لليمن، تحسين تخصيص الموارد ورفع كفاءة استخدامها.  ويتم ذلك من خلال تحرير الاقتصاد من كافة القيود وتفعيل دور آلية السوق وإفساح المجال أمام القطاع الخاص ليقوم بالدور الرئيسي في مجال الإنتاج والتصدير، وذلك هو محور هذه الجهود.

 

وفي حالة اليمن، فإنه وفي ضوء الاوضاع الاقتصادية الحالية، التي رسمنا معالمها الرئيسية في القسمين السابقين، فإن دور القطاع الخاص يكتسب أهمية بالغة بل وحاسمة، لعدة أسباب:-

 

أما السبب الأول فهو أن معدل النمو العالي للسكان يتطلب، كما ذكرت دراسات صندوق النقد والبنك الدوليين وأشرنا إليه سابقاً، مضاعفة معدل نمو الاقتصاد من أجل خلق فرص العمل اللازمة لتشغيل الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، ناهيك عن الأعداد الكبيرة الموجودة في هذا السوق والتي لم تتمكن من العمل.  وغني عن القول بأن عدم التمكن من إيجاد فرص عمل جديدة لهذه الأعداد المتزايدة من السكان من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم حالة الفقر في البلد.

 

أما السبب الثاني فهو أن الاقتصاد في وضعه الحالي قابل للتعرض للصدمات الخارجية بشكل كبير نظراً لضعف هياكله الإنتاجية واعتماده على عوامل لا يستطيع التحكم في أي منها.  فالحاجة لتنويع القاعدة الإنتاجية ملحة وعاجلة. 

 

وأما السبب الثالث فهو أنه من أجل تحقيق هذه الأهداف، يتعين استغلال الإمكانات الواعدة الكامنة في المصادر الرئيسية للنمو بالكفاءة اللازمة.  وتشمل هذه المصادر قطاع الأسماك وقطاع السياحة والمنطقة الحرة في عدن وقدرة الميناء فيها على توفير خدمات التجارة والمواصلات.

 

ومن الواضح أن هذه الأهداف الضرورية والحاسمة للنمو لا يمكن تحقيقها إلا من قبل القطاع الخاص.  إلا أنه من أجل أن يتمكن من القيام بما ينتظر منه من دور، فإنه يتعين بداية خلق المناخ الملائم والمحفز له.

ويتطلب تأسيس هذا المناخ الأمور التالية :

 

- وضع استراتيجية متكاملة تظهر بوضوح وشفافية توجهات القطاع الحكومي تجاه القطاع الخاص، مع إيجاد الدرجة اللازمة من التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية بشأن التعامل مع القطاع الخاص وفق تلك التوجهات. 

- وضع التشريعات والقوانين المخفزة لنشاط القطاع الخاص.

- تطوير القطاع المالي والمصرفي وتحفيزه على تقديم الائتمان اللازم لنشاط القطاع الخاص وفق الضوابط المصرفية السليمة.

- تطوير النظام الضريبي بما يتماشى مع متطلبات هذا المناخ وإدخال الشفافية اللازمة عليه. 

- تطور النظامين القضائي والإداري.

- تخفيف القيود التي تعوق عمل هذا القطاع.

- تحسين البنية التحتية.

 

2- تهيئة المناخ القادر على جذب الإستثمارات الأجنبية

 

لقد ذكرنا أن الإستثمارات الأجنبية تعتبر رافداً هاماً وحيوياً للمدخرات المحلية، وأنه في ضوء نجاح تجارب الدول التي أسست استراتيجيات تنميتها حول هذا الأمر، كدول جنوب شرق آسيا، فقد أصبحت الدول النامية، بما في ذلك الدول العربية المصدرة للبترول تتسابق في القيام بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى جذب هذه الإستثمارات.

 

وفي اليمن، فإنه وفي ضوء انخفاض معدل الإدخار المحلي، وارتفاع معدل البطالة، فإن هذه الإستثمارات وما يصاحبها من تقنية ومهارات إدارية وما تمتلكه من شبكات تسويق واسعة ومنتشرة في جميع أرجاء العالم، تمثل مصدراً هاماً للنمو ولخلق فرص العمل.

 

ومن الجدير بالذكر، أن البنك الدولي أشار إلى أن نتائج المسح الذي قام به لدى عدد من المستثمرين الأجانب، أوضح أن هؤلاء المستثمرين يرون أن اليمن يمتلك بالنسة لهم امكانات واعدة للإستثمارات خاصة بالنظر إلى موقعه الإستراتيجي.  وتشمل القطاعات التي تشكل عام جذب لهذه الإستثمارات المنطقة الحرة في عدن، والبنية التحتية، والمشاريع التي يمكن خصخصتها، وقطاعات السياحة والأسماك والمعادن.

 

ومن أجل جذب هذه الإستثمارات، فإنه يتعين القيام بالأمور التالية.

 

- تهيئة المناخ الملائم لجذب هذه الاستثمارات بصورة عامة، والقادر على منافسة الجهات الأخرى التي تسعى بدورها إلى جذب هذه الإستثمارات إلى قطاعات مماثلة لديها، بصورة خاصة. 

- إدخال الشفافية العالية في المعاملات الحكومية.

- تأسيس الإدارة الكفؤة والسليمة.

- تطوير التشريعات والنظم بما يتسق مع المعايير الدولية وخاصة في مجال القضاء والضريبة وحماية الملكية.

- إزالة القيود والتراخيص التي تؤدي عادة إلى عزوف هذه الإستثمارات عن الدخول إلى البلد.

3- الإهتمام بالبعد الدولي

لقد أوضحت التجارب السابقة بما لا مجال للشك فيه أنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية وراء جدران تعزل الاقتصاد الوطني عن بقية العالم.  وخلال السنوات الأخيرة أدت الخطوات المتسارعة نحو عولمة الاقتصاد الدولي إلى حتمية التأهيل والإنفتاح والتكيف مع المتغيرات التي تطرأ على الساحة الدولية.

ومن المتفق عليه أن للعولمة منافع يمكن لأي دولة أن تسعى للحصول عليها أو تعظيم استفادتها منها، كما أن لها من جانب أخر، مخاطر يتعين العمل على تفاديها أو التقليل منها.  ومن أهم هذه المنافع ما يتصل بتدفق التجارة من السلع والخدمات وتدفق رؤوس الأموال عبر الدول وما يصاحبها من تقنيات ومهارات إدارية وتسويقية.  وقد أظهرت التجارب أن الإنفتاح على الاقتصاد العالمي والإندماج فيه يمكن أن يؤدي  إلى تحقيق معدلات نمو عالية وإلى تقليص معدلات البطالة والفقر.

إلا أنه في حالة الدول غير المؤهلة أو غير القادرة أو غير المستعدة على التكييف مع البيئة الدولية الجديدة، فإنه يمكن أن تكون للعولمة آثار سلبية كبيرة عليها قد تشمل حرمان صادراتها من الدخول إلى الأسواق الأخرى نظراً لعدم اتساقها مع المتطلبات في تلك الأسواق، وحرمانها من التدفقات من الإستثمارات الأجنبية المباشرة وعدم  التعامل مع قطاعاتها المصرفية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تهميش اقتصادات هذه الدول وإبقائها كأسواق تصريف وفي حالة تخلف مستمرة.

ومن جانب آخر، تؤدي عولمة الاقتصاد ومتطلبات البيئة الدولية الجديدة إلى التكيف مع القوانين والمقاييس والمعايير المعمول بها في شتى المجالات بما في ذلك المجالات الإنتاجية والتجارية والسياحية والمصرفية وحتى في أسلوب الإدارة، ومنها مستوى الإفصاح والشفافية.  وتعمل المؤسسات الدولية المناطة بكل جانب من هذه الجوانب على وضع هذه القوانين والمعايير، مثل "منظمة التجارة العالمية"، التي تضع القوانين والمعايير المتعلقة بنظم التجارة، و"لجنة بازل" للرقابة المصرفية التي تضع معايير لكافة أوجه التعامل في القطاع المصرفي مثل كفاية رؤوس أموال المصارف وأسلوب إدارتها والمخصصات التي يتعين وضعها، و"هيئة الأوراق المالية الدولية" التي تضع معايير الرقابة والتعامل في إطار أسواق الأوراق المالية، و"الهيئة الدولية للمحاسبة" التي تضع المعايير الدولية للمحاسبة.  وبصورة عامة، فإن حتمية التكيف مع هذه القوانين والمعايير من أجل التعامل مع الاقتصاد الدولي أدت إلى تقوية وتعزيز كافة النظم في الدول التي سعت إلى تطبيقها.  كذلك تؤدي هذه الأمور إلى تنميط القوانين وقواعد العمل وبالتالي إلى مزيد من الترابط بحيث يصعب على أي دولة إتخاذ السياسات وسن التشريعات بصورة منعزلة عن بقية العالم.  وبالإضافة إلى ذلك، أدى التعامل في الساحة الدولية وفق هذه القوانين والمعايير إلى بروز ما أصبح يعرف بالممارسات المثلى، التي اخذت تشكل الصورة التي يجب الإقتداء بها في شتى مجالات الاقتصاد.  وتكتسب أهميتها من أنها تمثل، بجانب تطبيق القوانين والمعايير، أساس التقييم الدولي لجدوى الاقتصاد المعني.

ولقد اتضح من تجارب بعض الدول، منها عدد من الدول العربية، أنه من أجل التكيف مع المتطلبات الدولية، فقد يكون من اللازم على كل منها إدخال تعديلات تختلف في أحجامها باختلاف تجاربها، وذلك إما على كافة التشريعات لديها أو على أغلبها وكذلك بالنسبة لبقية قواعد العمل المعمول بها.  ومع اتساق هذه القوانين والقواعد، يسهل التعامل في إطار هذه البيئة، مما ييسر انسياب التجارة ورؤوس الأموال والتقنية، وييسسر في الوقت نفسه انتقال عدوى الأزمات فيما بين الدول.

ومن الجدير ذكره أنه في الوقت الذي تؤدي فيه هذه المتطلبات إلى إرساء مقومات سليمة في كافة القطاعات، فإنه وفي حالة عدم الأخذ بها تأخذ هذه المتطلبات شكل حواجز تعيق البلد المعني من التعامل في المجال الدولي.

ومن أهم الدوافع لتسارع العولمة التقنيات الجديدة في مجال المعلومات والإتصالات التي أصبحت تفرض وجود الشفافية والإفصاح في كافة المجالات من أجل اكتساب الاقتصاد المصداقية اللازمة للتعامل في المجال الدولي. 

وفي ظل هذه المتغيرات، فقد أصبح من المتفق عليه أن من أهم المتطلبات التي من شأنها أن تمكن الدول النامية من الإستفادة من العولمة هو الاستقرار السياسي والإدارة الكفؤة للاقتصاد ووجود قطاع مالي ومصرفي سليم وقوي، وسياسة سليمة وملائمة لنظام سعر الصرف وبرنامج تعليم يمكن الاقتصاد من اكتساب القدرة التنافسية اللازمة.  فقد أدى تسارع خطى العولمة إلى إيجاد فرص جديدة ليست مسبوقة تظهر مع تطور تقنيات جديدة.  ونتيجة لذلك، أصبح من الشروط المسبقة للإستفادة من الإنتعاش الاقتصادي في ظل العولمة وجود أياد عاملة متعلمة وذات مهارات فنية. وهو ما أشار إليه حزبنا في أكثر من مناسبة من أهمية تأهيل ورفع المهارات الفنية للعمالة في بلادنا وبذلك يزداد إنتاجه كماً وجودة وبالتالي ترتفع مداخيلها. 

كذلك، فإن من الأمور الهامة التي أظهرتها التجارب الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه المهاجرون والعاملون في الخارج.  فقد دلت تجارب دول جنوب شرق آسيا والصين ثم الهند لاحقاً أن المهاجرين من هذه الدول إلى الدول الغربية يشكلون عنصراً هاماً في انسياب الأفكار والمهارات والإستثمارات والتقنية إلى دولهم الأصلية وفي خلق الصلات مع الدول التي يعملون فيها بما يمكن دولهم الأصلية من الدخول في الشبكات الإنتاجية والتسويقية الدولية، الأمر الذي يعتبر  مكسباً هاماً وحيوياً في إطار البيئة الدولية الجديدة. وبذلك أصبح هؤلاء المهاجرون يمثلون جسراً بشرياً للتقنية الجديدة والنمو في دولهم الأصلية.

ومن جانب آخر، فإن بيانات التجارة الدولية تظهر أن التجارة في الخدمات أصبحت تشكل مصدر نمو متعاظم قابل للإنسياب إلي بقية قطاعات الاقتصاد.  وتشير البيانات إلى أن الأرباح الناتجة عن التجارة في السلع في تناقص في الوقت الذي أخذت فيه الأرباح عن التجارة بالخدمات المصاحبة لهذه السلع في ارتفاع.  وتشير البيانات إلى أن نصيب هذه الخدمات بلغ خمس مجموع قيمة التجارة الدولية خلال عام 1999 ، أي ما يعادل 1.3 تريليون دولار.  ويتوقع لهذه الخدمات أن تشكل جزءاً متعاظماً من التجارة الدولية في المرحلة القادمة ومصدراً هاماً لفرص العمل الجديدة في الكثير من الدول النامية.

وأخيراً، فإنه وفي مواجهة العولمة أصبحت الدول تسعى للتعامل في إطار مجاميع تمكنها من التصدي للآثار السلبية للعولمة وتعظيم الإستفادة في الوقت نفسه من التعامل مع بقية العالم في إطار هذه المجاميع والكيانات.  ومن أهم هذه الكيانات الإتحاد الأوروبي، والمنطقة الحرة لشمال أمريكا ومجموعة الدول المطلة على المحيط الهادي.

في ضوء هذه التطورات، فإن التكيف مع البعد الدولي والإستفادة من الفرص التي يتيحها تتطلب في إطار رؤيتنا تنفيذ الأمور التالية:

أ) إعادة النظر في التشريعات والقواعد ذات الصلة وإدخال التعديلات اللازمة عليها لضمان اتساقها مع المعايير الدولية.

ب) وضع مسألة التعليم في صدارة الإهتمام خاصة في ضوء مستوى التحصيل الدراسي المنخفض وتدني مستوى التسجيل في المدارس الإبتدائية.

جـ) الإعمال الحقيقي لمبدأ الشفافية والإفصاح بما يعزز المصداقية في الإطار الدولي ويتيح المشاركة الجماعية في مناقشة المشكلات والسياسات الموضوعة قبل اعتمادها ثم الإشراف الدقيق على تنفيذها. 

د) وضع السياسات الملائمة للإستفادة القصوى من الموقع الإستراتيجي لليمن وخاصة فيما يتعلق بالخدمات التي يمكن لميناء عدن توفيرها.

هـ) الإستفادة من الإمكانات الكبيرة التي توفرها المعاهدة مع المملكة العربية السعودية من جانب، والقدرات المهاجرة وخاصة في جنوب شرق آسيا، من جانب آخر.  فمن المعلوم، أن آثار هذه المعاهدة تتعدى حدود الدولتين، مما يجعل من الممكن لهما التحرك وفق رؤيا جديدة غير مسبوقة للاستفادة من امكانات التعاون الاقتصادي فيما بينهما.  ففي إطار السياسات السابقة كان العطاء اليمني يتمثل في القوى البشرية والعطاء السعودي في العوائد التي تحولها تلك القوى البشرية.  أما في إطار المنظومة الجديدة المترتبة على المعاهدة، فإنه يمكن للتعاون أن يأخذ أشكالاً متعددة منها ما هو ثنائي، ومنها ما يجمع بينهما والقدرات اليمنية المهاجرة.  وفي هذا الصدد، يمكن لليمن القيام بدور منفذ للبضائع السعودية وموقع للمشاريع المشتركة، كما يمكن إيجاد المزيج بين رأس المال السعودي واليمني والمهاجر في الشرق الأقصى لإنشاء مشروعات وكيانات تدعم المعاهدة.  كما أنه يمكن تأسيس المناخ المناسب للوصول إلى إتفاقيات ثنائية تتماشى مع روح المعاهدة تغطي مجالات العمالة والتبادل التجاري السلعي والخدمي بين الجانبين.

4- تحسين الأوضاع الإجتماعية

من أجل حماية الطبقة الفقيرة وذوي الدخول المنخفضة، فإنه يتعين تطوير برامج المعونة الإجتماعية من حيث استهدافها للمحتاجين وتوصيل الخدمات إليهم، وتوسيع نطاق هذه البرامج بحيث تشمل كل من ينتمي إلى هذه الطبقات.  ومن المهام الرئيسية في هذا المجال إيلاء أولوية خاصة للتعليم الإبتدائي، كما سبقت الإشارة إليه، وتوسيع وتطوير الخدمات الصحية العامة وخاصة للأمهات والأطفال والمعوقين.

وحيث أن الدراسات الميدانية للبنك الدولي أشارت إلى عدم وجود التنسيق اللازم بين البرامج المتعددة المعمول بها حالياً، مما أدى إلى ضعف أدائها، وأن التدخل الحكومي، أدى في ضوء الفساد الإداري الحالي، إلى حرمان هذه الطبقة من جانب كبير من المعونات المرصودة لها، فإننا نرى أهمية: 

-      الإفصاح الكامل والدقيق عن مكونات البرامج الإجتماعية والمعونات المرصودة لها والجهات المستهدفة والإعلان الرسمي عنها وعن كونها تشكل أولوية هامة لا يمكن تأخيرها أو التلاعب بها.

-      إفساح المجال أمام الجمعيات الخيرية الأهلية للقيام بدور كبير في هذا المجال خاصة في ضوء تجاربها السابقة الناجحة.

5- معالجة مشكلة المياه

تشكل ندرة المياه مشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم.  ووفقاً للإستخدامات الحالية للمياه الجوفية، فإن من المقرر أن تنضب هذه المياه خلال العشرين سنة القادمة ما لم يتم وضع برنامج متكامل يعالج هذه المشكلة.

ولذلك، فإن من المهم الإستفادة القصوى من المعونات التي يمكن أن توفرها الوكالة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي في هذا المجال وأن تقوم الحكومة بالتعاون مع هذه الوكالة بالدور المطلوب منها، وعلى عكس ما كان عليه حتى الآن، في وضع برنامج متكامل يعالج كافة جوانب هذه المشكلة، مع تحديد متطلبات تنفيذه في الإطار الزمني الملائم ووضع المخصصات اللازمة في إطار واضح وشفاف. 

6- الإصلاح السياسي 

إن مما لا شك فيه أن تحقيق الأمور سابقة الذكر يتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً من قبل الجميع.  فهو يتعلق بشتى مجالات الاقتصاد ومن خلال ذلك بشتى أفراد المجتمع ومؤسساته.  ولا يمكن لمثل هذه الجهود أن توتي ولو جزءاً من ثمارها ما لم يتوفر لها الإطار العام المناسب والمحفز. 

وعليه، فإن أساس هذه الجهود ومحورها الأساسي يتمثل في إصلاح الإطار العام الذي تعمل من خلاله.  ذلك أن هذه الإصلاحات لا يمكن القيام بها بصورة انتقائية، كما أشرنا سابقاً.  كما انه لا يمكن تنفيذها بصورة آلية دون وجود نظرة عامة واستراتيجية تحدد أولوياتها وطبيعتها المرحلية حسب مقتضيات كل مرحلة والإمكانات المحلية والدولية المتوفرة.  كذلك، فإنه لا يمكن تنفيذها بفعالية ما لم تتوفر الشروط البيئية اللازمة لها.

وفي الواقع، فإن هذه الإصلاحات لا تتطلب مجرد تعديل في السياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة في القطاعات المختلفة للاقتصاد، بل تتطلب، كما أوضحنا سابقاً، إدخال تعديل جوهري في التوجه والفكر وأسلوب الإدارة ليمكن معه التكيف مع متطلبات البيئة الدولية الجديدة والإستفادة منها في معالجة الصعوبات الاقتصادية الكبيرة والمتعددة التي يجابهها اليمن حالياً 

وبناء عليه، فإنه لا يمكن القول بأن الإصلا