حديث الأستاذ عبدالرحمن علي بن محمد الجفري

 رئيس حزب رابطة أبناء اليمن "رأي"


أجرى الحوار /  الأستاذ محمد مصدق يوسفي ونشر في عدد من الصحف العربية


س1: انتهى إجراء أول انتخابات محلية ، يوم 20 فبراير (شباط) ، متزامنة مع الإستفتاء على مشروع التعديلات الدستورية ، كيف تحكمون على موقفكم منها ، وما هو تقويمكم لنتائجها وللوضع العام السياسي والأمني في اليمن ؟

ج1: رغم تحفظاتنا على قانون السلطة المحلية الذي جاء معاقاً ومعيقاً لـ:

أ- خلوِّه من أي صلاحيات حقيقية للمجالس المحلية .

ب- تعميق المركزية بإعطاء حق حل تلك المجالس المحلية المنتخبة لحكومة معينة .

جـ- تثبيت صلاحيات التعيين ، لجميع الوظائف المحلية على كل المستويات ، للسلطات المركزية.. أي أن أي تعيين لأي وظيفة من الفرَّاش إلى رئيس الوحدة المحلية هو من صلاحيات المركز منها ما هو للوزير ومنها ما هو لرئيس الوزراء ومنها ما هو لرئيس الجمهورية .

د- حصر سلطات المجالس المحلية في الرقابة والتوصيات غير الملزمة .

هـ- لا صلاحيات مالية تذكر ولا تنظيمية ولا إدارية لتلك المجالس المنتخبة . وتحولت إلى مجالس "ديكورية" كعمل طوعي يحرم منسوبيه حتى من حق المكافأة أو المخصص الشهري الضروري لتفرغهم لمهام عضويتهم .

         ورغم أننا من المطالبين بتعديل النظام الانتخابي بحيث تتم الانتخابات بالقائمة النسبية التي تحقق مشاركة أوسع وتمثيلاً للأغلبية عوضاً عن الإنتخابات الفردية التي تنتج منتخبين لا يحوزون إلا على دون الـ(20%) من أصوات الناخبين.. ورغم تحفظنا على أسلوب مشاركة وحدات القوات المسلحة والأمن في الإدلاء بأصواتهم والذي يتم تسخيرهم لصالح الحزب الحاكم وإدلائهم بأصواتهم بصورة مكررة.. ورغم تحفظنا على عدم حيادية الإعلام الرسمي المسخر للحزب الحاكم ومن يتحالف معه ، والمال العام ، والوظيفة العامة.. ونفوذ أجهزة السلطة وإمكاناتها وممتلكاتها ومقارها والتي جميعاً يتم تسيخرها للحزب الحاكم ومن يتحالف معه..

        رغم كل ذلك فإننا لم نقاطع الإنتخابات ، بل قررنا تفويض اتخاذ القرار بالمشاركة بمرشحين لقيادات الفروع كمؤشر عملي على إيماننا باللامركزية.. وعلى أهمية إعطاء الفرصة لقيادات الفروع للتدرب على تحمّل مسئولية اتخاذ القرارات.. وكانت النتيجة أن جميع الفروع قررت عدم المشاركة بمرشحين وحثت الأعضاء والأنصار علىالمشاركة في الإدلاء بأصواتهم لصالح المستقلين المشهود بنـزاهتهم والمؤمنين بالحكم المحلي واسع الصلاحيات وبأهمية إجراء إصلاح شامل ووئام وطني .

        أما التعديلات الدستورية.. فقد كان حزبنا هو الحزب الوحيد الذي طرح أهمية إجراء إصلاحات دستورية وطرح مشروعاً متكاملاً بهذا الخصوص.. وجاءت التعديلات المستفتى عليها قاصرة عن معالجة القصور في الدستور.. ونشرنا رؤيتنا حول هذا الأمر.. والتي قدمنا من خلالها تحليلاً مدروساً لتلك التعديلات بسلبياتها وإيجابياتها.. ولما كانت تلك التعديلات قد خلطت الغث بالسمين والسلبي بالإيجابي وأصبح مطلوباً من الشعب أن يدلي بـ"لا" أو "نعم" . كان موقفنا الذي دعينا الناس لتبنيه هو الإمتناع عن التصويت ، بوضع البطاقة دون اي إشارة عليها.. وذلك تفادياً لرفض ما هو إيجابي أو القبول بما هو سلبي .

        ذلك كان موقفنا ، المتميز والدقيق في قراءته ، من الإنتخابات والإستفتاء على التعديلات الدستورية.. والذي أثبتت الأحداث والنتائج صوابه وعمق نظرته . وكانت النتيجة أن من كانت بطاقاتهم للإستفتاء دون إشارة (أي ممتنعين عن التصويت) تجاوزوا الـ(170 ألف)..كما أن المستقلين جاء ترتيبهم الثالث في انتخابات المجالس المحلية.. علماً أننا لم نكثِّف أي حملة إعلامية لهذا الأمر واكتفينا بما جاء بصحيفتنا وبتحرك محدود لأعضاء فروعنا في أوساط الناس . ولا ندعي بذلك أن نجاح العدد الكبير من المستقلين كان العامل الوحيد له دعمنا السياسي والإعلامي لهم.. وإنما كان ذلك العامل المساعد الرئيس بلا شك . أما النتائج الكاملة للإنتخابات المحلية وللإستفتاء على التعديلات الدستورية.. فقد جاءت متناسبة مع كثير من التوقعات.. فالأحزاب التي تملك عناصر القوة (السلطة ، النفوذ ، الوظيفة العامة ، السلاح ، المال ، الإعلام) والقدرة على الفرض وأحياناً على تزييف إرادة الناخبين ، حصل كل منها على نصيبه المتناسب طرداً مع عناصر القوة التي يمتلكها .

        ورغم كل ذلك فإن خطوة إجراء انتخابات للمجالس المحلية هي بذاتها اعتراف بعقم المركزية.. وذلك أمر إيجابي رغم كل تحفظاتنا ورغم كل السلبيات.. فوجود مجالس محلية ، ولو بصلاحيات شكلية ، ولو عبر انتخابات تنعدم فيها أي مستويات لتكافؤ الفرص.. ولو في ظل اختلال شامل للتوازن.. ولو من خلال قوائم للناخبين مزيفة.. كل ذلك لا يمكن أن يدفعنا لموقف المماحكة والمزايدة بإنكار أي إيجابيات لها مهما يراها البعض محدودة . إنها بكل المقاييس خطوة على الطريق الصحيح ندرك أهمية تطويرها وإصلاح الإعوجاجات التي رافقتها.. وهي اعتراف بحق السكان في الوحدات المحلية وتدريب لهم على ممارسة هذا الحق وفتح الباب واسعاً أمامهم لنيل ما تبقى من حقوقهم.. ولم تأتِ هذه الخطوة إلا نتيجة لنضال دام طويلاً.. نفخر أن حزبنا كان -ولايزال- المبادر في طرح هذه القضية منذ زمن طويل ثم من خلال مشروع متكامل لقانون للحكم المحلي الواسع الصلاحيات ، وسنناضل بكل السبل السلمية والديمقراطية للوصول إليه . كما سنناضل لتصحيح السلبيات في الدستور واستكمال نواحي القصور في مواده من منطلق أننا الحزب الذي قدم مشروعاً متكاملاً يعالج هذا الأمر .

        أما تقويمنا للوضع السياسي والأمني في بلادنا -اليمن- فقد عبرنا عن ذلك في مختلف المناسبات وقدمنا من الرؤى ما يكفل -في نظرنا- الوصول إلى أمن واستقرار وتنمية في الوطن اليمني .

        ومن هذا المنطلق نعتقد أن بلادنا في حالة مخاض لولادة -نرجوا أن لا تتعسر- تأتي عبر إصلاح شامل يحقق أسس بناء قابل للديمومة والإستمرار في إطار منظومة حكم متماسكة تحقق الحكم المحلي الواسع الصلاحيات والتوازن الفعلي في المصالح السياسية والإقتصادية والإجتماعية بين كل فئات ومناطق الوطن وقضاء مستقل عادل نافذة أحكامه ومصالحة وطنية -أو وئام وطني شامل- تعالج كل جراح الصراعات السابقة وتضع الضوابط لعدم تكرارها وبما يحقق الأمن والإستقرار والتنمية.. ويؤهل بلادنا للتعامل مع معطيات العصر ويحقق المصالح العليا لبلادنا وتبادل المصالح مع الآخرين .

        وما لم يتحقق ذلك فإننا نسير نحو المجهول.. وقد أبرزت الانتخابات الأخيرة خطورة الأوضاع.. وخطورة توليد الإحتقانات والتوترات وأهمية تضافر الجهود بين الجميع لمنع هذا التوليد الخطير للأزمات . فبلادنا مرت بمراحل من الصراعات على كل المستويات ، سياسية واقتصادية واجتماعية ومناطقية وجهوية ، ولم تتم معالجة آثارها وجراحها حتى الآن مما يجعل من انفجار الأوضاع أمراً محتملاً جداً عند أي منعطف تتولد وتتفاعل فيه الإحتقانات أو التوترات .

س2: لماذا لم يسمِ الحزب مرشحيه للإنتخابات المحلية وترك الأمر لفروعه بالمحافظات ، مع أن بعض هذه الفروع لم يقدم مرشحين بل اتجه لدعم ومساندة مرشحين مستقلين ؟

ج2: سبق وأجبت على هذا السؤال في معرض إجابتي على السؤال السابق . وللعلم نحن الحزب الوحيد الذي لم تقدم له الدولة أي دعم للمشاركة في الإنتخابات وفي الإستفتاء على التعديلات الدستورية.. بينما قدمت لجميع الأحزاب المشاركة الأخرى مبالغاً تتراوح بين العشرين مليون والألف مليون ريال يمني [أي بين مائة وخمسين ألف دولار وسبعة مليون دولار] ، أما الحزب الحاكم فقد صرف لنفسه ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليون دولار [أي أربعة ألاف وخمسمائة مليون ريال يمني] عدا استخدامه لوسائل نقل وممتلكات ومقرات أجهزة الدولة ووحدات القوات المسلحة والأمن وأجهزة السلطة المحلية ومنسوبيها في كل المحافظات.. ولكل وسائل الإعلام الرسمية المقروءة والمرئية والمسموعة.. عدا المشاريع التي انطلق وزراؤه ومحافظوه لإفتتاحها أو لوضح أحجار الأساس لها في كل المحافظات أثناء الحملة الإنتخابية.. وكل تلك الممارسات تشكل مخالفات صريحة وعلنية للدستور والقوانين النافذة ولأبسط أسس ومظاهر الديمقراطية السليمة.

س3: هل يساند حزبكم مشاركة المرأة اليمنية في العمل السياسي وترشيحها للإنتخابات ؟

ج3: بالنسبة للمرأة.. لك أن تعلم أنها لم تصل في أي حزب إلى المواقع القيادية التي وصلتها في حزبنا.. فلدينا مساعدة لرئيس الحزب ومساعدة لأمين عام الحزب.. وبالتالي فإن حزبنا يدعم حق المرأة في الترشيح والإنتخاب.. ويساند تبوأها للمهام الوظيفية طبقاً لكفاءتها وقدراتها وميولها . ولا شك أن المرأة نصف كامل للمجتمع وشريك في النصف الآخر.. وهن شقائق الرجال .

س4: هل كان هناك تنسيق بينكم وبين أحزاب المعارضة الأخرى لخوض العملية الإنتخابية ؟

ج4: لا ، لم يكن هناك أي تنسيق.. وذلك لإختلاف التوجهات في هذه الإنتخابات وفي التعديلات الدستورية.. فنحن نبتعد عن التطرف ولا نحبذ أسلوب الرفض المطلق والكلي لكل شيء ولا القبول المطلق والكلي لكل شيء.. وإنما نتخذ اتجاه الوسطية والإعتدال ، بمعنى أننا لا نتخذ الموقف السلبي المسبق من الآخر ، فليس كل ما يأتي من السلطة شر ، وليس كل ما يأتي من المعارضة المتطرفة خير.. ولا نتردد في أن نشيد بالإيجابيات أيَّاً كان فاعلها أو قائلها.. وننقد نقداً موضوعياً السلبيات أيَّاً كان قائلها أو فاعلها.. ونؤمن بأهمية التعايش مع الآخر والتعامل معه في المساحة المشتركة ونعذر بعضنا في مساحات الخلاف لتتحول إلى ساحة حوار لا صراع.. ونحبذ أن ندير خلافاتنا مع الآخر بالمنطق والموضوعية دون تخوين أو تسفيه انطلاقاً من أننا نحسن النظر والظن بالآخر ونعتبر ما نختلف فيه اجتهاداً مشروعاً لكل منَّا.. وأن ما نطرحه صواباً يحتمل الخطأ وما يطرحه الآخر قد يكون خطأ يحتمل الصواب.. وأن الوطن اليمني يتسع للجميع.. ويجب أن نشارك جميعاً في بنائه كل من الموقع الذي يستطيع أن ينتج فيه مصلحة لشعبنا ، سواء من موقع سلطة أو معارضة .

س5: هناك اتهامات للإحزاب المعارضة بأنها تعيش إفلاساً سياسياً ، ويلاحظ تمييزاً بين الأحزاب السياسية مع تهميش وإقصاء بعضها كيف الحال مع حزب الرابطة ؟

ج5: أحزاب المعارضة تعكس الحالة العامة لما يجري في الساحة ، فإن أفلست كلها سياسياً فهذا يعني أن السلطة قد أفلست قبلها ، وما تعيشه المعارضة ما هو إلا انعكاس لذلك . ولكن نعتقد أن جميع مكونات المنظومة السياسية [منظومة الحكم + منظومة المعارضة] تعيش مرحلة مخاض ، أسأل الله أن يؤدي عبر إصلاح شامل وتصالح وطني ووئام إلى ولادة اليمن الجديد في توجهاته وعلاقاته . ولا أقصد بذلك الإزالة أو الإزاحة أو الإحلال لذوات مكونات المنظومة السياسية ، وإنما إزالة لترسبات أساليب التعامل السلبي وإزاحة لموروث الفكر والتوجهات والأساليب الأحادية أو القائمة على إدارة الأنشطة بالأزمات والصراعات.. وإحلال لتوجهات التماسك والتعايش والتعاون محل توجهات التنافر والإقصاء والصراعات لنتمكن من الإتفاق الجمعي على شروط وأسس بناء الدولة وعلى شروط وأسس تهيئة الساحة للعملية الديمقراطية الناشئة التي لا يمكن أن تستقيم ممارستها من خلال صانع واحد لشروط وقوانين ومساحات "الملعب" و"اللعبة" الديمقراطية.. بحيث نرتقي بها من "لعبة" كما هي الآن وكما تُسمى إلى ممارسة راقية وفق أسس وشروط متفق عليها من جميع المشاركين فيها

السابق

التالي