حديث الأستاذ عبدالرحمن علي الجفري

لصحيفة (YEMENTIMES) اليمنية

فبراير 2000م

 س1: هنالك أنباء تؤكد التقاءكم في الآونة الأخيرة بقيادات بارزة في المؤتمر الشعبي العام؟  فهل الإشارة الواضحة التي يراها المراقبون السياسيون ولأول مرة من المؤتمر الشعبي بإتجاه المصالحة وإغلاق ملفات الماضي والذي أكدته اللجنة العامة في إجتماعها الأخير كان ثمرة هذه اللقاءات ؟

ج1: لقاءاتي بقيادات من المؤتمر الشعبي والإصلاح والمعارضة والرموز الوطنية المستقلة.. لم تنقطع في أي وقت.. فكنا ولانزال نلتقي بمعظم الزملاء من قيادات العمل السياسي والإجتماعي والثقافي والفكري عند وجودهم خارج الوطن في زيارة أو علاج أو عمل.. وتتم تلك اللقاءات بصورة علنية لا سرّ فيها ولا إخفاء.

     لكن لم تتم أي لقاءات رسمية أو بقصد "الحوار" -الذي ندعو إليه طوال تاريخنا كوسيلة حضارية لحل أي خلافات أو لمعالجة أي أزمات أو أي آثار للصارعات.. فذلك نهجنا منذ التأسيس قبل حوالي نصف قرن من الزمان-   وطالما هذا نهجنا.. وتلك دعوتنا.. فلا يتفق مع العقل أن نخفي أي حوار إن تم.. فإذا كان الإخوة في اللجنة العامة قد أقروا الإتجاه إلى الإصلاح الشامل (السياسي والإقتصادي والإجتماعي والدستوري...إلخ) على طريق المصالحة وإغلاق الملفات.. فهذا أمر إيجابي غير أنه لا بد من آليات -وسيلة الوصول إليها الحوار الجاد والموضوعي- وليس الإكتفاء بإعلانها كشعارات لا محتوى لها ولا خطوات لتنفيذها على أرض الواقع.. فهذا الأسلوب يقلل من المصداقية ولا يحل أزمة ولا يبني دولة ولا يعالـج مريضاً ولا يشبع جائعاً ولا يزيل القلق أو الخوف ولا يحمي مواطناً ولا يحفظ وطناً.. ولا يضع حداً للفتن والصراعات السياسية والإجتماعية والإقتصادية .

     لذلك لازلنا نأمل أن يتم وضع حد لإضاعة الوقت ، بتحويل القضايا الوطنية الكبرى إلى شعارات ، وأن نتجه إلى الحوار الجاد.. فالزمن لن ينتظرنا والعالم لن ينتظرنا .

     وقضية عودتنا من الخارج مرهونة بتهيئة الأجواء المناسبة التي تفسح المجال لأدائنا لدورنا الفاعل في بناء الوطن وبذلك تكون العودة سياسية لا إنسانية.. فخروجنا من الوطن كان نتيجة لقضية سياسية وبالتالي لا بد من حوار لتحقيق الإصلاح الشامل المنشود ولوضع حد للأزمات والصراعات ولبناء أسس تستقيم معها الأمور حتى نتمكن من وضع حدٍّ لتدهور الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية وفي كل المجالات.

س2: في الوقت الذي تتهم العديد من أحزاب المعارضة السلطة بإنتهاجها سياسة التفريخ للأحزاب والصحف وتهميش بعض الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في الداخل ومحاولة السلطة تضييق الخناق عليها.. نرى حزبكم يسعى إلى تكثيف نشاطه ويعد لعقد مؤتمراته خصوصاً في المحافظات الشرقية ؟ هل هذا يؤكد الشكوك الدائرة اليوم بأن السلطة تهيئ الأجواء لحزب الرابطة في الآونة الأخيرة ليحل محل بعض القوى السياسية التي تطرح مسألة الجنوب إحدى قضاياها ؟ وهل تستفيد الرابطة من هذه الفرصة ؟ أم إنها ستلاقي في الأخير ما يلاقيه ويعانيه الإصلاح اليوم ؟

ج2: في واقع الأمر لم يتعرض حزب طوال التاريخ، اليمني، لما تعرض له حزب رابطة أبناء اليمن"رأي" من محاولات التهميش والإلغاء و"الإستنساخ" والضغوط والقمع، منذ تأسيسه في مطلع الخمسينات، كما أنه الحزب الوحيد الذي لا يتلقى من الدولة -أو من غيرها- أي دعم كغيره من الأحزاب، وهو الحزب الوحيد الذي ترفض أجهزة الإعلام الرسمية إذاعة ونشر فعالياته، وهو أكثر الأحزاب تعرضاً للقمع من السلطة الحالية، فلقد اعتقل من أعضائه وقياداته في الثلاث السنوات الأخيـرة أكثـر مـن (120) في صنعاء وتعز ولحج وعدن وأبين وشبوه وحضرموت...إلخ.. وتعرض لهجمة إعلامية شرسة.. ولم تدخل معه السلطة في أي حوار رغم حواراتها المتكررة مع الجميع.. ومع ذلك فإن أصالة هذا الحزب وعراقته وتجاربه طوال (50)عاماً مكّنته في كل الظروف من الخروج من كل محنة أكثر قوة وصلابة وانتشاراً  .

     أما المؤتمرات التي تعقد في الفروع فهي دليل لإلتزام حزبنا بالديمقراطية ممارسة وفعل.. فنحن لا نتقن التنظير ، دون ممارسة ،.. والديمقراطية بالنسبة لحزب "رأي" أصيلة في نهجه وليست طارئة أو مسايَرة ظرفية لمستجدات ورؤى جديدة.. فحزبنا منذ 1951م أقر الديقراطية القائمة على التعددية الحزبية وبشّر بها في مرحلة مبكرة ولم يكن غيره -حينها- يفكر أو يتبنى الديمقراطية في معظم العالم العربي والعالم الثالث.. بل طبقها عملياً في أطره.. وأقام بداية تجربة -في "لحج"- لمجلس تشريعي وقضاء مستقل.. عندما كان لرواده نفوذٌ فيها .

     والمؤتمرات الإنتخابية الفرعية لحزب "رأي" لن تقتصر على محافظات دون أخرى وإنما لا بد أنها تسير وفق برنامج لتعم كل الفروع.. ومن ناحية أخرى فإن أي سلطة لا يمكن أن تهيء أجواءً لحزب من خارجها.. وإنما الأحزاب هي التي تعلن عن وجودها وفعاليتها من خلال طرحها ورؤاها وحركتها السياسية.. وحزب "رأي" لم يكتفِ بالنقد والكشف لأخطاء السلطة وإنما دائماً يطرح البديل الموضوعي.. ونجح حزبنا في ذلك.. وطرح رؤية واضحة للحاضر والمستقبل دون بكاء على أطلال الماضي التي نأى حزب "رأي" بنفسه عن الولوغ في مستنقعات صراعاتها الدموية.. وبالتالي يتصرف كطليق عن أسر الماضي في اتجاه الحاضر والمستقبل..

     كما أن فكرة أو مقولة أن حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" يريد أو يُراد له أن يحل محل غيره هي فكرة ومقولة بعيدة عن الواقع السياسي للأسباب التالية:

     أ) حزب "رأي" هو أصل ومؤسس في الحركة الوطنية وليس طارئاً ليحل محل أحد . ودوره التاريخي معروف .

     ب) خرج كثيرون من عباءته وحاول البعض أن يحل محله ولكن كان ذلك أمراً مستحيلاً.. لأن رؤى حزب "رأي" كانت قد سبقت زمانها.. في إتجاه الديمقراطية والوحدة القائمة على أسس صحيحة.. والإعتدال.. والنهج الإسلامي المعتدل السمح ونبذ العنف.. والنظرة الإقتصادية القائمة على اقتصاد السوق دون مساس بقيم العدالة الإجتماعية...إلخ.. وتلك رؤى كان حزب "رأي" متميزاً ومتفرداً بها وبالتالي لم يستطع أحد أن يحل محله ، وأن يحاول البعض إلغاءه وتهميشه ،.. وجاء الوقت لتلك الرؤى الرابطية فأخذ محل نفسه لا محل أحد.. ونرفض أن نحل محل سوانا.. فهو محل لا يلائم رؤانا ولا أساليبنا ولا نهجنا ولا طموح شعبنا .

     كما أننا نؤمن أن اليمن الموحد القائمة دولته على أسس صحيحة يتسع لجميع من يسهم في بنائه ، أحزاباً ورموزاً وجماعات ، والديمقراطية الصحيحة ترفض أساساً فكرة الإحلال والإلغاء التي لا يقبلها أو يفكر فيها إلا أصحاب النهج الشمولي الذي عانى منه شعبنا والذي لم نسلكه في تاريخنا ، والحمد لله ، .

     كما أننا نطرح مسألة اليمن ودولته الموحدة ووحدته القابلة للإستمرار بأسسها السليمة.. وفي ذلك حل لما يسمى "بالمسألة الجنوبية" في إطار الكل الموحد.. فنحن نؤمن بالتنوع في الإطار الواحد.. وندرك أن ذيول الأزمات وآثارها قد طحنت الجميع جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً ووسطاً.. عاملين وعاطلين.. ريفاً ومدينة.. بادية وحضر.. مثقفين وأمّيين.. موظفين وقطاع خاص.. مدنيين وعسكريين....إلخ.. وبنسب متفاوته.. وبالتالي سيكون من المستحيل البحث عن حل جزئي لجزء من الوطن.. وإنما نبحث عن حل كلي يأخذ بعين الإعتبار الخصوصية لكل جهة والتوازن الفعلي .

     وحزب "رأي" ، بالتأكيد ، سيستجيب لكل توجه عقلاني ولكل حوار يؤدي إلى بناء الأسس الصحيحة للوحدة ودولتها وللوطن ومؤسساته.. وفي إطار الخيار الديمقراطي الصحيح الذي تأخذه تلك الأسس بعين الإعتبار والذي يمكن بحق أن يصبح خياراً ديمقراطياً فقط في ظلها.. ويستحيل أن تنشأ وتتطور ديمقراطية في غيابها -أي في غياب أسس الإصلاح الشامل ، التي طرحناها ، ثم المصالحة الوطنية الشاملة بمفهومها الواقعي الذي أعلناه.

س3: ما هي وجهة نظركم حول المناخ الديمقراطي الذي تعيشه البلاد ؟

ج3: بالإضافة لما ذكرت آنفاً فإن الديمقراطية في نظرنا نهج متكامل.. وملبِّي لحاجات كل الوطن.. أما إن إستمر الأمر في "تفصيل" الديمقراطية وآلياتها ونتائجها على "مقاس" حزب بذاته أو فئة بذاتها فذلك يؤدي إلى أن تصبح مولوداً "مسخ".. يسقط مصداقية التوجه الديمقراطي.. وما يجري في بلادنا محاولات لاتزال بعيدة عن النهج الديمقراطي الصحيح.. وتتخذ من الشكل أساساً وتسقط جوهر الديمقراطية مما يحول دون اتخاذ تجربتنا كمثل وقدوة.. ولا شك أن الجميع في السلطة وخارجها والمراقبين العرب وغير العرب قد أدركوا هذا الأمر.. ونحن نهدف إلى تحويل تلك المحاولات ، الشكلية ، إلى نهج حقيقي يراعي الجوهر ويبتعد عن كل أساليب "التفصيل" والتهميش والإستثناء والإستبعاد والإستحواذ على كل المقدرات والآليات.. ولن يصبح ذلك ممكناً إلا إذا تم الإصلاح الشامل (سياسي واقتصادي واجتماعي ودستوري وقانوني....إلخ) .

س4: ونحن ندخل الألفية الثالثة كيف ترون مستقبل اليمن في ظل ظروفه الراهنة؟

ج4: نحن ننظر إلى الوطن اليمني في الألفية الثالثة في ظل صنع ظروف تتجاوز الراهن إلى ما يجب أن يكون.. فالراهن لن يقود بلادنا إلا إلى التمزق.. ولقد ثبت للجميع أن بلادنا تسير -وفقاً للظروف الراهنة- إلى كارثة.. وأن العجز قد عمّ السلطة والمعارضة.. لذلك لا بد من تغيير عميق في نظرتنا للمستقبل ولما نريد أن تكون عليه بلادنا وللآليات والمؤسسات التي يجب أن نبنيها لصيانة وطننا من التمزق والإنهيار ولبناء مستقبل للأجيال القادمة.. فإن نحن -جميعاً- تضافرت جهودنا في هذا النهج الإصلاحي الشامل.. فإن مستقبلاً عظيماً ينتظر بلادنا تخرج فيه من ضيق أزماتها وصراعاتها إلى فسيح ميدان العمل الواسع المستهدف بناء الإنسان اليمني ويحقق طموحاته في الأمن والإستقرار والتنمية وفي رعاية مصالح أبنائه وقدرته على تبادل المصالح مع الآخرين.. ما لم فإن التاريخ لن يرحم.. وشعبنا لن يستمر صبره الذي أوشك على النفاذ.. والذي يستوجب منا جميعاً أن نعمل معاً لوضع حد للإنهيار والأزمات والصراعات .

س5: في الوقت الذي تعاني بلادنا من الإنفلات الأمني وكثرة الإختلالات، نرى ونسمع كثير من الخطابات لمسئولين رسميين في الحكومة إلاّ أن ذلك يعود لمن تسميهم في خطابها بالقوى المعادية للبلاد والعناصر الإنفصالية التي تعيش خارج الوطن إنهم يسعون إلى مثل هذه الأعمال ويقفون وراء كثير من الإختلالات والأحداث المخلّة بالأمن التي تحدث في البلاد، فما رأيكم حول هذا الموضوع؟ وما هو تعليقكم أو ردكم على ذلك ؟

ج5: هذا يدل على أي مستوى من العجز وصلت إليه السلطة.. فهي دائماً تبحث عن "شماعة".. وكان "الشماعة" في الماضي.. آل حميد الدين والإستعمار والسلاطين والتشطير.. والآن من تسميهم "الإنفصاليين" والقوى الخارجية.. والحقيقة أن السلطة هي التي تمارس "الإنفصال" في كل تصرفاتها وعلى كل المستويات.. وبأبشع الصور، ورغم أن هذا هو واقع السلطة.. وأنها هي التي تقود البلاد إلى الإختلالات الأمنية والمعيشية.. فالقوة والمال والنفوذ والإعلام والقرار في يدها.. فإذا كانت كل تلك العناصر في يد السلطة فلماذا هذا العجز والإختلالات والتردي.. ويعلم الجميع -والسلطة نفسها تعلم- أن ما تدعيه لا أساس له من واقع.. وأننا ننبذ العنف ونسعى لحوار يخرج بلادنا من الدوامة التي تعيشها.. ولو اتجهنا للعنف -المرفوض من قِبلنا- لما بقيت سلطة.. ولكننا لا نؤمن بالعنف كوسيلة لحل الخلافات.. وندرك خطره على الوطن ككل.. وما يمكن أن يقود إليه من تمزق.. فالعنف في نظرنا هو صفة أقرب إلى "الحيوانية" منه إلى "الإنسانية".. والسلطة هي التي تصنع أسبابه ومبرراته.. بل يبدو لي أحياناً أنها تفرح به.. وتشجعه..

     وفي نظري أن العنف هو أسوأ سبيل لحل الخلافات السياسية والإجتماعية.. ولا يجوز ، شرعاً أو وطناً ، اللجوء إليه إلا إذا أصبح عدم اللجوء إليه أسوأ منه . وهو أمر لا نعتقد أنه قائم .

س6: في الآونة الأخيرة تم إقرار مشروع قانون السلطة المحلية من قِبل مجلس النواب رغم مطالبة بعض الأعضاء بإجراء التعديلات على بعض مواده التي تراها مخالفة للدستور وتمثّل تراجع عن الديمقراطية ، فما هو رأيكم أو تعليقكم حول ذلك ؟

ج6: شيء مؤسف أن تصر السلطة على إقرار مشروع قانون للسلطة المحلية.. لا علاقة له بتحقيق سلطة محلية حقيقية.. بل مخالف للدستور وللنهج الديمقراطي.. ومؤسف أكثر أن السلطة تدرك أن هناك إجماع وطني من كل القوى خارج السلطة ومن كل فئات الشعب على أهمية إرساء أسس نظام حكم محلي واسع الصلاحيات قائم على أسس ديمقراطية وفق البديل الذي طرحناه وتبنّته كل القوى.. ولكن مشكلة السلطة أنها تمسك بمرآة تضعها أمامها فلا ترى إلا نفسها.. وهو أمر غاية في الخطورة.. لأن هذا أدى -ويؤدي- إلى انعزال السلطة لتصبح "جزيرة" منعزلة عن احتياجات وطموحات ومطالب الشعب.. ويشكّل ذلك إستهانة بمطالب الناس واحتياجاتها مما قد يؤدي إلى رفض شعبي عام للسلطة وما تأتي به.. ويجبر المعارضة على اتخاذ مواقف حادة ومتشددة وإلا خسرت وجودها بين الجماهير .

     إن تشدد السلطة وإصرارها على إقرار قوانين غير دستورية والتمادي في ممارسات مرفوضة من الناس هو بداية العد التنازلي لما تبقى من استقرار "شكلي" للسلطة مما يجعل الوطن كله في مهب الريح .

     إن هذا القانون (المنـزوع الـروح) يخالـف روح ونصـوص المواد[(4) ، (143) ، (144)] من الدستور.. بل تم تمرير المواد من [(34) إلى (113)] من هذا القانون دون نقاش بعد أن تم تمرير المادة (33) المخالفة للدستور في مادته (143) مخالفة صريحة.. فأصاب مجلس النواب إحباط كامل وعزوف عن أي نقاش لباقي المواد طالما تم الإصرار على مخالفة الدستور.. بل حتى باقي المواد من [(113) إلى (164)] لم تحظَ بأي نقاش حقيقي .

     كذلك فإن المواد [(124) ، (125) ، (126)] جاءت عمومية وغامضة ولا يوجد وضوح حقيقي في صلاحيات المجالس المحلية في القضايا الخاصة بالموارد المالية والميزانية وتوزيعها بين أجهزة السلطة المختلفة.. وحرمت المجالس المحلية من حق التعديل لميزانيات الوحدات التي يمثلونها .

     كذلك لا بد من منح كافة الصلاحيات والسلطات لمجالس الحكم المحلي في تقديم كافة الخدمات العامة في الوحدات التابعة لها -تخطيطاً وتنفيذاً وإشرافاً وإدارة- وفي التخطيط والإعداد لبرامج التنمية الإقتصادية وغيرها من البرامج كبرامج الرياضة والتسلية البريئة وبرامج السلامة العامة.. بدلاً من منح الجزء الأكبر من تلك الصلاحيات للحكومة المركزية كما هو الحال في هذا القانون .

     ومن العجيب أن هذا القانون يعطي الحكومة المركزية -المعينة- صلاحية حل المجالس المحلية -المنتخبة من الشعب- رغم أنه من المفترض أن يسري على المجالس المحلية نفس ما يسري على مجلس النواب في هذا الأمر.. وهو ما جاء في الدستور من أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب في الأسباب التي يبنى عليها الحل . فإذا أقرت الحل الأغلبية المطلقة لعدد من أعطوا أصواتهم أصدر رئيس الجمهورية قراراً به".

     إن إعطاء هذا القانون حق حل المجالس المحلية المنتخبة للحكومة المركزية المعينة يعد مخالفة لروح الدستور وللأسس الديمقراطية.. ويجعل من تلك المجالس عاجزة عن تأدية مهامها ، بل يجعل من كل مقاصد إصدار قانون للحكم المحلي أو السلطة المحلية في مهب الريح.. بل إن هذا الأمر قد ألغى -تماماً- أي فعالية لما يكون قد حواه القانون من إيجابيات محدودة جداً ومنها إنتخابات المجالس المحلية.. فما قيمة انتخابات المجالس المحلية إن كانت بلا صلاحيات حقيقية بالإضافة إلى امتلاك الحكومة حق حلّها متى شاءت كيفما شاءت .   بل إن تمرير هذا القانون تم بما يخالف اللوائح الداخلية لمجلس النواب نفسه..

     لذلك كله وغيره ننتظر ونأمل أن يعيد الأخ الرئيس القانون إلى مجلس النواب ، من موقعه كمسئولٍ عن حماية الدستور ، لتتم إعادة النظر في المواد المخالفة للدستور.. وانتخاب الشعب للمحافظين ولمدراء المديريات -إذ لا يعقل أن يعطي الشعب حق إنتخاب رئيس الجمهورية ويمنع من إنتخاب رؤساء وحداته المحلية- وأن يُعاد النظر في المواد المخلة بالدستور والمواد المضيِّقة للصلاحيات البسيطة ومنها المواد[(124) ، (125) ، (126) ، (140) ، (141) ، (142)] وهي المواد الخاصة بحل المجالس المحلية والخاصة بالصلاحيات المالية.. ولا بد من إدخال تعديلات على القانون بحيث يصبح من صلاحيات المجالس المحلية مراجعة الميزانية وإضافة التعديلات اللازمة وتحديد الموارد وأوجه الصرف وتخطيط البرامج الإقتصادية وغيرها .

     وأود أن أوضح أن اليمن تختلف في تركيبتها وتاريخها وظروف نشأة دولتها وحداثة هذه النشأة عن أي دولة أخرى في المنطقة العربية مثل مصر أو الأردن أو شمال أفريقيا -التي قارن البعض بينها وبين اليمن-.. وبالتالي فإن تلك العوامل تستلزم نظام حكم محلي واسع الصلاحيات إلى أكبر درجة ممكنة لترسيخ الوحدة بالمشاركة الواسعة في نظام دولتها وزرع الإحساس لدى المواطنين بالمكاسب التي تحققها الوحدة لهم وبالتالي يتمسكون بها ويدافعون عنها ويبنون حصونها.. أما إن نرسِّخ لديهم الشعور بأنها تلغيهم وتهمّشهم ولا تعطيهم حقهم في رعاية وإدارة وتسيير شئونهم فأي حرص سيتولّد عندهم عليها.. مما سيولِّد نوعاً من (اللاولاء) الذي يشكّل أهم عوامل التمزق والإنفراط والتفريط .

     وأكرر أنه لايزال هناك بصيص من أمل في أن يستجيب الأخ الرئيس لمطالب الناس في حكم محلي واسع وكامل الصلاحيات وعلى أسس ديمقراطية وانتخابات كاملة لكل مؤسساته ورؤساء وحدات الحكم المحلي..

     وفيما يختص بإنتخابات رؤساء الوحدات [محافظين ومدراء مديريات].. فإنني أقترح على الأخ الرئيس كحل وسط أن ترشح مجالس الحكم المحلي المنتخبة ثلاثة من أعضاء كل مجلس لكل منصب ويختار الرئيس أحدهم ويصدر مرسوماً بتعيينه محافظاً أو مدير مديرية ، في كل وحدة من وحدات الحكم المحلي (محافظة أو مديرية) . إن هذا في نظري هو الحل كخطوة تدريجية للدورة الأولى بحيث يتم في الدورات التالية الإنتقال إلى الإنتخابات المباشرة لرؤساء وحدات الحكم المحلي.

     إنني أدعو جميع القوى الوطنية من أحزاب ورموز إلى اللقاء لتضافر الجهود ورص الصفوف وطي صفحات الماضي والحوار الجاد حول رؤية تضافر الجهود التي طرحناها عام 1998م.. للوصول معاً إلى رؤية مشتركة وبرامج عمل موحدة تجمع الصفوف وتوحّد الجهود لبناء يمن المستقبل ، يمن القرن الواحد والعشرين ، يمن الأمن والإستقرار والتنمية والوئام والمودة.

السابق