الاستثمارات ستتدفق

- أستاذ عبد الرحمن، لا بد أن لك صلات مع المستثمرين الحضارم المهاجرين، هل لمست فيهم رغبة في الاستثمار باليمن، وهل بمقدورك توجيههم إلى هذا الهدف؟ وكم حجم الاستثمارات التي يمكن أن يشاركوا فيها؟

- نحمد الله أن سمعتنا وتاريخنا، النابذ للعنف، وتوجهاتنا المرتكزة على الحرية الاقتصادية وصيانة الملكية الخاصة، دون احتكار أو فوضى، ونظافة أيدينا من أموال الناس.. وخوفنا من الله.. كل تلك العوامل قد زرعت ثقة فينا واطمئناناً لنا.. ونحن على يقين أننا إن أهّلنا بلادنا للتعامل مع العصر وهيأنا الوعاء المستوعب للاستثمارات في إطار إصلاح سياسي شامل وأمن واستقرار، فإن الاستثمارات ستتدفق ليس فقط من أبناء بلادنا المغتربين بل من كل العالم. وستأتي بالمليارات.. وأي إبطاء في تحقيق ذلك فإن أحداً لن ينتظر ولن يُجمِّد أصحاب المال أموالهم في انتظار بلا حدود.. وكلما أسرعنا في إجراء التغييرات الإصلاحية الشاملة كلما كان حجم تدفق الاستثمارات أكثر وأكبر وأسرع.. وكلما تباطأنا كلما اتجهت إلى غيرنا.. وسوق المنافسة على الاستثمارات واسع ومتعدد.. والمستثمر يبحث عن الأفضل والأكثر أمناً وجاهزية.. وبلادنا كموقع تملك المقومات للمنافسة وعلينا أن نصلح الأوضاع لنستكمل المقومات الجاذبة للإستثمار.

- هل ترى أن الطقس الداخلي، راهناً، مناسب للقيام بإصلاحات من نوع ما، ما يمكن أن ينفذها رئيس الجمهورية؟

- لم يتهيأ مناخ أفضل من هذا في تاريخ اليمن للقيام بإصلاحات شاملة وعميقة وحقيقية.. ولا أحسب أن الفرصة ستتكرر بهذا الشكل إن تأخر البدء بالإصلاح. وسيجد الأخ الرئيس كل التعاون إن هو اتخذ الخطوة الشجاعة في هذا الاتجاه. وأي تفكير سياسي علمي وموضوعي لا بد وأن يصل إلى حقيقة واضحة جلية وهي أنه في مرحلة النجاح في الانتهاء من الملفات الخارجية فإنه إن لم يتم فوراً معالجة حقيقية للملف الداخلي من منظومة الحكم وبالذات من جهة القرار فيها فإن الناس تصاب بالإحباط فتتجه إلى الرفض وتتجه البلاد إلى الانفلات.. والمرحلة دقيقة.. وأقصر مما يتصوره الكثيرون.. ولا تتحمل أي تباطؤ أو تأخير لهذا الأمر.. وبإمكان الأخ الرئيس تحقيق ذلك إن استخدم نفس القدر من الإرادة السياسية التي استخدمها في قضية المعاهدة.

لمجرد العودة

- في مقابلة صحفية أشرت إلى قيامك بتهنئة الرئيس علي عبدالله صالح هاتفياً عقب توقيع المعاهدة، وقلت أن فخامته دعاكم إلى العودة، ولا بد أنك طرحت عليه قضية الأحكام شرطاً لتنفيذ تلك الدعوة.. ماذا كان رده؟ وهل شعرت أنه كان جاداً بتلك المبادرة، أم أنها جاءت بتأثير الاتصال والخلق الكريم للرئيس؟

- كان ذلك هو اتصالي الوحيد بالأخ الرئيس منذ غادرت الوطن عام 94م للتهنئة.. ولم أتطرق إلى ما جاء في سؤالك حول المحاكمات.. لأنني سبق وأن أعلنت رأيي من قضية المحاكمات والأحكام.. وان القضية سياسية لا جنائية وأن على جميع الأطراف أن يعملوا على أن لا تنسحب آثارها على المستقبل. أما دعوته لنا بالعودة فهي لا شك جادة.. وعادتي أن لا أطعن في جدية ما يقوله الأخ الرئيس.. ولكن قد أختلف معه في مفهومه لما يطرح.. فنحن نفهم العودة أن تكون عودة سياسية لا إنسانية وأن تكون ضمن قبول للإصلاح الشامل وللحوار لتحقيقه.. وأن نعود لنساهم في بناء الوطن لا لمجرد أن نسكن في الوطن أو لأن ننضم لما يسميه المواطنون؟ (حزب خليك في البيت).. والأخ الرئيس جاد في أن نعود لمجرد العودة، حتى الآن.

- أشرت في تلك المقابلة أنكم ستدرسون موعد العودة، وهذا يوحي أن عودتكم، من غير الأربعة، ستكون سابقة لإلغاء الأحكام.. هل حددتم موعد العودة؟ وما هي التسويات التي اتفقتم مع الرئيس بشأنها ولم تعلن حتى الآن؟

- تَكَرَّرَ في الأسئلة (تقويلي) ما لم أقل أو (توصيفي) بما لا وجود له.. المقابلة التي ذكرت نشرتها جريدة (الطريق) الصادرة في (عدن) ونشرتها عنها جريدة (رأي) التي تصدر من (صنعاء) و(عدن) في:20/6/2000م.. وهي أمامي في موقع الصحيفتين على الإنترنت.. ولا وجود لهذا فيها.. علاوة على أنني لا أنسى ما أقول لأنه الحقيقة.. والحقيقة مهما تكرر قولها ولو على فترات زمنية فإنها لا تتغير.. ولا تسويات اتفقنا عليها وإلا لكنا أعلناها.. فنحن لا نقوم بما نخجل منه حتى نخفيه.

- في مقابلة صحيفة (عكاظ) قال رئيس الجمهورية أن العفو العام يشمل الجميع ما عدا الأربعة المحكوم عليهم من القضاء.. والمعروف أن الأحكام صدرت ضد آخرين غير الأربعة.. كيف تعاملتم مع هذا التصريح؟ وهل يفهم منه أن الأحكام المخففة أصبحت لاغية أو في طريقها إلى الإلغاء؟

- لم تكن المرة الأولى التي يقول فيها الأخ الرئيس ذلك.. ولم نسمع بإلغاء شيء من الأحكام الصادرة.. وحتى التي صدرت (مع وقف التنفيذ) تعتبر أحكاماً ولها آثار قانونية.. رغم عدم قانونيتها أصلاً.

القائمة منتقاة

- هل يشغل أحد الأربعة موقعاً قيادياً في جبهة (موج) وما هي حدود لقاءاتك بهم؟

- منهم مؤسسون في (موج) ومنهم في القيادة.. ونظرتنا لكل القضية أعلناها وهي بالطبع تختلف عن نظرة السلطة.. ولا حدود للقاءاتنا.. بل نلتقي جميعاً بكل يمني يرغب لقاءنا حتى لو كان يعتبر نفسه خصماً لنا. وعلى العموم ما سُمِّيت بقائمة الـ16 هي قائمة منتقاة بطريقة أستغربها ويستغربها كل إنسان موضوعي، بل أن وجود القائمة ذاته مستغرب.. والمحاكمة أصلاً لا تستند إلى أجواء البناء والتصالح، بل إلى أجواء الانفعال والتوتر والحرب، لذلك دعينا إلى وجوب تجاوزها والعمل على أن لا تنسحب آثارها المعكِّرة على مستقبل العمل الوطني.

- المطروح أن علي سالم البيض غير مهتم بمسألة المصالحة الوطنية لأن قضيته هي استقلال الجنوب عن الشمال.. لماذا تصر (موج) على إدماج البيض ضمن المصالحة الوطنية التي لا تمثل شأناً لديه؟ ألستم بهذا تدفعون الرئيس علي عبدالله صالح إلى الاستمرار في رفض المصالحة؟

- مفهومنا للمصالحة الوطنية لم نفصِّله على شخص بعينه.. فنحن لا نحبذ تفصيل الرؤى أو التوجهات على أشخاص.. والذي أودى ببلادنا هو (شخصنة) القضايا والأنظمة والخلافات والاتفاقات.. نحن قلنا بمصالحة وطنية شاملة.. ومفهومها تعكسه التسمية.. فهي مصالحة أي تصالح وعلاج جراح الصراعات.. ووطنية لأنها تشمل كل الوطن وكل فئاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وشاملة لأنها تشمل كل مراحل الصراعات وكل أنواعها سواء سياسية أو اجتماعية(قبلية وغيرها) واقتصادية (لعلاج الندوب والجراح التي مسّت المكونات البشرية والمادية للاقتصاد).. كذلك أوضحنا أن المصالحة التي نقصدها لا تترتب عليها أي دعاوى لاستحقاقات سلطوية.. وأن المشاركة أو الشراكة في السلطة تحكمها مقومات وعوامل أخرى تتعلق بالإصلاح الشامل "سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقضائياً ودستورياً وقانونياً وإدارياً.... إلخ".. ويتم من خلالها تطوير العملية الديمقراطية سواء على مستوى الحكم المحلي الواسع والكامل الصلاحيات أو على مستوى المركز.. والمصالحة الوطنية الشاملة المنشودة يشارك فيها كل الجهات المؤمنة بها ولا تستثني، هي، أحداً من المؤمنين بها. ولا أعتقد أن الأخ الرئيس يمكن أن تحكم توجهاته أي قضايا شخصية.

لم يحدث أي خلاف

- هناك معلومات تكشف عن خلاف بينك وبين البيض نتيجة معارضتك لأعمال العنف التي يمولها في الداخل.. هل تم تسوية ذلك الخلاف؟ ومَنْ من النازحين يؤيدونه في هذا الاتجاه؟

- نحن من الأساس ننبذ العنف ونرى أنه أسوأ السبل والوسائل لحل الخلافات، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية، وأقول دائماً إنه لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى هذه الوسيلة السيئة إلا إذا ثبت قطعياً أن عدم اللجوء إليها أسوأ من اللجوء إليها.. أو في حالة الدفاع المشروع والشرعي عن النفس أو العرض.  ولم يحدث أي خلاف بيني وبين أي أحد حول هذا الأمر، فلم يتم طرحه علي أصلاً ، ولا دليل لدي على أي أحد بأنه يموّل أعمال عنف ولست من الذين يلقون التهم جزافاً بدون دليل.؟

- لا يبدو أن لدى البيض رغبة في العودة إلى العمل السياسي بسبب اتجاهه نحو الاستثمار والعمل التجاري.. فبماذا تفسرون نزوعه نحو العنف وتأسيس منظمة انفصالية تسمى (حتم) وإحداث فرقعات من وقت لآخر في الداخل؟

- سبق وأجبت عن موضوع العنف.. أما العمل السياسي فلم يبلغ علمي أنه تركه، ونسمع تصريحات لناطق باسمه من آن لآخر.. وإذا كان لديه مال خاص به فما الجريمة في أن يستثمره -إن صح ما تقول- وهو ما لا علم لي به ولا دليل لدي عليه..

ونحن أوضحنا اتجاهنا أننا مع الوحدة ومع بناء أسس تضمن ديمومتها واستمرارها في إطار منظومة حكم محققة للتماسك والتوازن الفعلي والقضاء العادل النافذة أحكامه والحكم المحلي الواسع الصلاحيات وكاملها.. والأمن والاستقرار والتنمية.. هذا توجهنا ولسنا أوصياء على عقول الناس واتجاهاتها.. وإن وُجِدت مثل هذه الدعوات فإننا نعتقد أنه من المجدي، بدلاً من أن ننفعل ويتم التصرف بردود الأفعال، أن ندرس أسباب الظاهرة بعمق ونزيل تلك الأسباب لأنه لا يستقيم مع العقل أن يندفعون إلى الوحدة ثم يندفعون إلى النقيض بنفس اندفاعهم إلى الوحدة وربما أشد دون أن تكون هناك دوافع وأسباب.. ومهما كان الرأي في تلك الدوافع، وأيَّاً كانت الأسباب، فإنه علينا جميعاً أن نعالجها وليس العلاج الأمني المبني على القوة هو الأنجح والأدوم بل ربما يزيد النار اشتعالاً والأمر تعقيداً . وكبائر النار من )مستصغر( الشرر.. أي من الاستهانة والاستصغار للشرر وليس بالضرورة أن الشرر صغير.؟

إن طرحي هذا نابع من حرصي على الوحدة الحقيقية في النفوس وليس (وحدة الأداة) أو وحدة النظام فقط.. ومن حرصي على كل قطرة دم ودمعة ثكلى.. ومن بحثي عن كل ما يؤدي إلى الوئام والمحبة بين كل أبناء شعبنا ومناطقه ومحافظاته.. فالهدف وحدة النفوس لا الفؤوس.. ووحدة البشر أولى وأهم من وحدة الحجر والمدر والشجر.. فهل نعي جميعاً هذا الأمر قبل فوات الأوان؟.

السياسة أهم

- سؤال أخير.. هل ستكون عودة عبد الرحمن الجفري إلى الوطن، سياسياً ومستثمراً، أم ستظل تمنح اليمن السياسة وغيرها الاقتصاد؟!

- لقد منحنا الوطن اليمني كل سني عمرنا وكل أنفاسنا وكل وقتنا وجهدنا.. ومنحناه أموالنا المستثمرة فيه.. ونمنحه السياسة وعقولنا وهي أهم استثمار من كل الأموال.. لأنه "بالعقول السياسية المخلصة" و"بسياسة العقول السوية" تأتي الاستثمارات والأموال وينتعش الاقتصاد.. بينما بالاستثمارات وبأموال الدنيا لا يمكن أن تشتري (العقول السياسية المخلصة) ولا (سياسة العقول السوية).. إن الوطن يعيش فينا كل الوقت حتى وإن أجبرتنا الأنظمة المتعاقبة على أن لا نعيش فيه إلا بعض الوقت.

السابق