الرئيس وكيلي
يواصل فيقول : لذلك فما ترتب على ما ظننته حقيقة في سؤالك يثبت الواقع بُعد هذا الظن عن الحقيقة.. ويدل ذلك على أن مواقف كثيرة يتخذها البعض في بلادنا بناء على خيالات.. وبناء على أوهام.. ومثل ذلك ما طرحته عن (أموالي وأهلي في الرياض).. فرغم أن استثمار الأموال في الرياض أو غيرها أو سكن الأهل.. ليس فيه إلا الأمن والأمان للأموال والأعراض.. ورغم أن كثيرين من أهل بلادي ومن علية القوم يستثمرون في دول الجزيرة وفي أمريكا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين وغيرها.. إلا أنني لا أملك أي استثمارات في المملكة العربية السعودية.. فالقانون لم يكن يسمح لي كأجنبي، ويجري تعديله الآن. ولي استثمارات في (صنعاء) و(تهامة) و(مأرب) وجزء صغير في (عدن).. لا أعرف عنها شيئاً منذ الاستيلاء عليها عام 1994م، وعرفت مؤخراً أن ما هو لي في (عدن) قد سلَّمه أحد مراكز النفوذ لإحدى الشركات العربية النافذة، وقد اتصل الأخ الرئيس قبل حوالي ثلاثة أشهر بشخصية كبيرة موضع ثقة الجميع وطلب منها إبلاغي بأن أوكِّل مَنْ يستلم بيوتي في (صنعاء)!! فكان ردّي مكتوباً ، وموجَّهاً للشخصية الكبيرة، بالشكر للرئيس وأن هذا الأمر ليس من أولويات اهتماماتي الآن وأن الأولوية عندي هي الإصلاح الشامل للأوضاع، وأن الأخ الرئيس هو وكيلي المؤتمن على كل ممتلكاتي، بما فيها ما تم تسليمه للشركة العربية في (عدن).. وهي حقائق موثَّقة ويعرفها الجميع..، بصفته رئيساً لكل اليمن.. ومسئولاً عن الجميع.
فأنا يا أخي يمني الولادة والوجدان والهوى والانتماء وجزيري الجهة والإقليم والامتداد عربي العمق إسلامي العقيدة، بمفاهيم الإسلام السمح، إنساني المشاعر.. عالمي الأفق.. أرضي المهمة روحي الهمة.. جرَّبَنا شعبُنا الذي يعيش فينا.. ونعيش له بالتوجه الصادق والسريرة النقية.. وبعراقة ونقاء تاريخنا من دماء أبناء شعبنا ومن التلاعب بحقوقه وعواطفه.. نرفض المزايدة في عملنا السياسي ونترفع عن بذاءة اللفظ وحدته.. بلا فجر إن اختلفنا ولا تفريط إن اتفقنا.. لا نتاجر بقضايا الناس ومعاناتهم.. نبحث عن العلاج للجراح لا عن ذر الملح عليها.. نطرح البديل إن انتقدنا ولا نتردد أن نشير إلى نواحي الإيجاب عند مَنْ نختلف معه.
إننا، بحمد الله، نبتعد عن الارتهان لانفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) بين الإيمان بوحدة شاملة وبين المزايدة على قضايا حدود قطرية.. ونعلم أنها لن تنتهي بمكسب كامل لأي طرف إلا بحروب دامية قد يحقق فيها أي طرف ما يريد من أرض ويخسر فيها من الدماء والثروات ما يفوق قيمة الأرض، لا المادية، وإنما الأهم من ذلك.. وهي الدماء العربية الإسلامية من طرفين عربيين مسلمين.. مع الأخذ في الاعتبار أن العصر الذي نعيشه لم يعد يتحمّل أو يسمح بذلك.. وأن الانتظار للزمن من أي من الطرفين لا يزيد الأمر إلا تعقيداً وسوءاً.. فماذا جنينا من الانتظار تلك العقود الماضية؟!
ثم هل وصل بنا الإحباط واليأس، كيمن وكأبناء جزيرة عربية وكعرب وكمسلمين، إلى أن نئد الأمل في نفوسنا بل وفي نفوس الأجيال القادمة بحيث نفقد أي ثقة في أن الزمن والجهود يمكن أن تحقق تقارباً بين دول العرب، أو على الأقل بين دول الجزيرة العربية، قد يفضي إلى توحد أو أي شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد؟
بين الإفراط والتفريط
يتابع مسترسلاً : إن إزالة الحساسيات والتوترات هي جزء من العمل المؤدي إلى زرع الوئام والتعاون وتشابك المصالح وكل ذلك يمكن أن يقود، مع الزمن، إلى التوحد أو الاتحاد أو على الأقل إلى تثبيت الوئام وتشابك المصالح وسير العلاقات في الاتجاه المطلوب. وهل يجب أن تكون توجهاتنا إيجابية في هذا الإطار أو نسلك طريقاً نحو مزيد من التأزم والتوتر وبناء جدران الخوف والكراهية؟!! ولا أقصد بذلك أن نفرِّط كيمن في حق من حقوقنا طالما العرب، جميعاً ، كل يتمسك بحقه القطري ولكن لا بد من التوازن بين الإفراط والتفريط.. بين الواقع المر للأمة والأمل في تقاربها وتشابك مصالح أبنائها.. بين ما يمكن تحقيقه طبقاً لمعطيات الواقع وما نطمح في تحقيقه.. بين ما نعتقده حقاً لنا وبين ما يعتقده غيرنا.. بين هدف استراتيجي وبين هدف مرحلي.. بين المقدرة، بمفهومها الواسع والعام، وبين الرغبة بمفهومها المجرد.. بين العقل والعاطفة.. بين ما لا تجوز المزايدة فيه لحسابات محلية أو حزبية ضيقة وبين ما يمكن استخدامه في الحسابات والخلافات المحلية والحزبية.
وسبق أن قلنا.. إن مراحل الطفولة الفكرية والسياسية، التي مر بها تاريخ البشرية منذ النشأة الأولى، في عهد هابيل وقابيل، والتي يعاد إنتاجها في عصور مختلفة بوسائل ومنطلقات ومبررات وعوامل، قد تظهر مقنعة لقطاعات كثيرة من الناس، يصيغها بعض ممن لديهم خواء روحي وإنساني ويدفع بهم بعيداً ، عن العقل المحكوم بمعطيات الروح الإنسانية والحاجات المادية الإنسانية المتوازنة، إلى العقل المحكوم بالنَفَس المادي المجرَّد.. فتتغلب صفات سكان الغابة القائمة على صراع دائم بين صنف وصنف أو فئة وفئة أو جهة وجهة.. أي أن الذي يحكم اتجاه الصراع هو التصنيف العام المطلق المستهدف كل الصنف المقابل أو الفئة المقابلة أو الجهة الجغرافية المقابلة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
ويأتي ذلك من الامتلاء بإحدى الصفات البشرية الدنيا وهي الصفة الحيوانية على حساب الصفات الأخرى الراقية المرجِّحة لإنسانية الإنسان وروحه وعقله الذي يُفْتَرض أنه يتميز به على باقي المخلوقات وهو، أي العقل، مناط التكليف والاستخلاف والإبداع.
اتجاهات لم تعد صالحة
يكمل الإجابة قائلاً : هذه المرحلة من مراحل الطفولة الفكرية والسياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، قد مر بها العالم، في جيلنا، وتجاوزها إلى مرحلة تقترب فيها من النضج، ودفع شعبنا -وشعوب كثيرة- ثمناً باهضاً نتيجة لها،.. وإن بقي أفراد أو جماعات قليلة في مناطق مختلفة من العالم، ومنها بلادنا، لازالت تعيش على انتهاج هذا الخط فذلك أمر طبيعي ناتج عن عقود من التشبع به. وأي مظهر لهم للانفتاح على الآخر لا يشكل إلا غلافاً رقيقاً للمعهود لديهم. إنني لا أعني بذلك كله أن على البشر أن يتخلقوا بأخلاق الملائكة.. فكلٌ مُيسَّرٌ لما خُلق له.. والتنافس الذي قد يتحول، في بعض مراحله الحادة، إلى صراع هو إحدى سمات البشر.. ولكن ما أقصده أن ما لا يتفق مع إنسانية الإنسان وروحه وعقله ومهمته في الكون هو ديمومة المنطق التصارعي كأساس، ليحل محل المنطق التنافسي المشروع والمحكوم بمصالح تنمو بالعقل وتُدمَّر بالصراع، وديمومة النظرة للآخر كشرٍّ دائم كله.. والانطلاق من منطلق (أنا أو الطوفان) أو ما يسمى بمربع (إكسب على أن يخسر الآخر)، وما لم يتحقق هذا المربع فيتحول إلى منطلق (شمشوني)، أعتقد أنني بذلك قد أوضحت ما يكفي.. وثبت أن أَصْل وأساس بناء السؤال قد انهار منذ اتضح أن أساسه قام على رمال من معلومات لا أساس لها.. واتجاهات لم تعد صالحة للبقاء.
إقامة غير مشروعة
- كان عزاء الشارع أن المعاهدة ستساعد اليمن على الخروج من أزمته الاقتصادية، لكن المسؤولين في المملكة أكدوا أن المعاهدة لا تلزم بلادهم بشيء تجاه اليمن، مضافاً إلى ذلك قيام السلطات السعودية بترحيل مئات اليمنيين عقب التوقيع كتأكيد على ذلك.. ما هي إذاً الأهمية التي تشكلها معاهدة الترسيم بالنسبة لليمن؟
- الحقيقة أن الأمر يبدو عجيباً.. ومتناقضاً.. فتارة يعتبر البعض قضية الحدود قضية أرض وأنها أمر خطير وسيادي وتنازل وتفريط وغبن.... إلخ.. وتارة يتم إنزالها منزلة الرضى مقابل تأشيرة دخول أو إقامة لعامل في المملكة، رغم أهمية ذلك لكثير من المواطنين اليمنيين في هذه المرحلة، أو مقابل مساعدة اقتصادية آنية كمقايضة للأرض بالمساعدات.. إن الذين يطرحون هذا الطرح قد أخطأوا من حيث أرادوا أن يُخَطِّئوا غيرهم.
إن أهمية هذه المعاهدة أنها تنهي حقبة طويلة من الصراع والعداء والتوتر.. وتضع حداً لمراهنات كثيرة.. ويترتب على إنهاء تلك الحقبة المأزومة استقرار إقليمي، هو أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. ويترتب على ذلك أيضاً وقف نزيف الدم بين الدولتين ونزيف الثروات في الاستعدادات والتحشّدات العسكرية.. وفتح الباب واسعاً لتسهيل التبادل التجاري لمنتجات البلدين، ونحتاج في اليمن حاجة ماسة للسوق السعودية لمنتجاتنا الزراعية..؟
كذلك فإنهاء هذا الملف، العتيق والعتيد، يستلزم ضرورة التفرغ للملف الداخلي لتحقيق إصلاح شامل في منظومة العمل السياسي، سلطة ومعارضة، على طريق الوئام والتصالح والوفاق الوطني والأمن والاستقرار.. لتهيئة الوعاء القادر على استيعاب ما يمكن أن تحققه المعاهدة والظروف الإقليمية والدولية، اقتصادياً واجتماعياً وتجارياً، ولاستيعاب معطيات العصر وتأهيل اليمن للتعامل والتعاطي معه.
وبذلك، وحده، نستطيع في اليمن أن نجني ثمار المعاهدة وثمار التعامل مع العصر.. فتأتي الاستثمارات إلى بلادنا في جو من الاطمئنان والثقة.. فتتحقق التنمية المطلوبة ونبدأ الخروج من أزمتنا الاقتصادية.
إن أخطر ما يمكن أن نفكر فيه، كيمن، هو أن نستمر في التفكير بعقلية الثلاثينيات أو حتى السبعينيات والثمانينيات.. وأن نعيد ونكرر إنتاج ثقافة الاعتماد على هجرة واغتراب أبناء شعبنا ونعيش فقط، في الوطن، على ثمن عرقهم ودموعهم.. دون أن نستفيد، إنتاجياً ، من تحويلاتهم ودون أن نخطط لبناء أسس لاقتصاد بلادنا تمكننا من الاستفادة مما اكتسبه مهاجرونا وأبناؤهم من خبرات وعلم.
إن المهاجرين أو المغتربين لا يجب أن يشكلوا إلا أحد الروافد للعملية الاقتصادية.. والأصل أن نعمل على تحقيق الكفاية لأبناء شعبنا في بلادنا.. فالغربة اضطرار وكربة وعرق ودموع ولو إلى أرقى وأجمل بلاد الدنيا.
لذلك فإننا إن هيأنا الوعاء الصالح والقادر على استيعاب نتائج المعاهدة وأهّلنا بلادنا للتعامل مع العصر ومعطياته فإننا سنحتاج إلى معظم عمالتنا، كماً ونوعاً ، بل إن الثروة البشرية لبلادنا، إن أحسنّا تدريبها وتأهيلها ورفع درجة مهاراتها، ستصبح أحد أهم عوامل ومرتكزات التنمية الاقتصادية.
بل إن الاستقرار الإقليمي الذي ستحققه المعاهدة.. والأمن والإستقرار الداخلي في اليمن الذي سيحققه الإصلاح الشامل والوئام والمصالحة الشاملة.. وإنهاء التوترات المحلية والإقليمية سيدفع دول الجوار إلى إعطاء الأفضلية للعمال والفنيين اليمنيين، الفائضين عن حاجة اليمن، بل سترتقي درجة التعامل معهم مادياً ومعنوياً.. بل إننا، إن أهّلنا بلادنا بالإصلاح الشامل والوئام، سنعطي قيمة واحتراماً للمواطن اليمني أينما اتجه في أصقاع الأرض.
وعلينا أن نترفع عن الحساسيات المفرطة.. وأن لا نتوقع أن تتغاضى أي بلد في الدنيا عن وجود أي مقيمين بها بطريقة غير مشروعة قانوناً.. وبلادنا قامت بترحيل أكثر من (25)ألف عربي ومسلم -حسب تصريح وزير الداخلية- من الذين أقاموا بطريقة غير مشروعة.. وتفعل ذلك كل دول الجزيرة وكل دول العالم. وظروف دول العالم تغيرت وأصبحت تحكمها دواعي أمنية واقتصادية محسوبة لم يكن لها وجود من قبل.. وأصبحت كل بلد في العالم تعطي الأفضلية لمواطنيها في شغل الأعمال والوظائف.. وعلينا أن نعد بلادنا اقتصادياً لرعاية أبنائها على أوسع نطاق يمكن وأن نهيء المناخات السليمة بالإصلاح السياسي الفعلي الشامل الذي به وحده نستطيع أن نقيم المشاريع الكبيرة التي يمكن أن تستوعب أكبر قدر من أبناء وطننا.