حديث الأستاذ عبدالرحمن الجفري

 لجريدة(الوطن) القطرية

أغسطس  2000

أجرى الحوار الصحفي الأستاذ عبدالله الحضرمي

- تحمستم كثيراً لصالح المعاهدة الحدودية مع المملكة العربية السعودية ووجهت شخصياً بانتقادات حادة، لا سيما من الذين يرون أن الترسيم لم يكن عادلاً.. الآن وقد قرأت المعاهدة هل تعتقد بأن ناقديك كانوا على حق؟

- القضية بالنسبة لنا لم تكن قضية (حماس) وإنما ننطلق من رؤى وتوجهات مدروسة مبنية على الفصل بين ما هو وطني عام وبين مقتضيات الخلافات السياسية بيننا وبين منظومة الحكم في بلادنا.

وقضية الحدود بيننا وبين الأشقاء في المملكة العربية السعودية لا ينبغي أن نتعامل معها -كمعارضة- من منطلق معارضتنا للسلطة أو لمنظومة الحكم.. فهي قضية وطنية عامة.. وهي قضية لها انعكاسات على كامل الإقليم.. وبالتالي على الأمة العربية والعالم الإسلامي وعلى العلاقات الدولية بالإقليم.. وذلك أن العالم في ظل ثورة المعلومات والاتصالات أصبح شديد الترابط والتقارب في علاقاته ومصالحه ولم يعد هناك مكان أو مجال لمن يحاول أن يعيش في غرفة "نوم" منعزلة عن "الصالون" العالمي.. وقبل ذلك وبعده فالعلاقات العربية وعلاقات دول وشعوب شبه الجزيرة العربية، بصورة خاصة، تقوم على روابط الدين والعروبة والجغرافيا والتاريخ والرحم والمصالح المشتركة.. ودفعت شعوبنا ثمناً باهضاً من دماء وثروات.. وإضاعة للوقت وانشغال عن التنمية والبناء الداخلي، نتيجة للتوترات الناتجة عن قضايا الحدود.

نحن أيَّدنا من حيث المبدأ، إنهاء أقدم وأعقد قضية حدود في الجزيرة العربية بل في العالم العربي.. وقلنا أن هذا موقف مبدئي يخدم اليمن والمملكة والجزيرة كلها وكل العرب.. وقلنا أننا لا نشكك في وطنية أي رمز يمني أكان في السلطة أو في المعارضة.. وأن التفاصيل في المعاهدة قد تصيب وقد تخطئ في بعض جزيئاتها وأن أي انتقاد من أي طرف، حول التفاصيل، يُفترض أن يكون من منطلق أن ما حدث هو اجتهاد بشري يمكن حدوث أخطاء في جزيئاته من أي من الطرفين وفي أي قضية بهذا التعقيد.. وقلنا أن مثل هذه القضايا لن يكون حلها بما يطمح أو يطمع فيه أي من الطرفين.. وأن أياً من الطرفين لن يحقق كل ما يريد أو يطلب أو يعتقده حقاً.. وأن أهم إشكالية أن مسافة طويلة من الحدود لم يسبق في التاريخ أن تم تحديدها رسمياً بين اليمن والمملكة أو غيرها.. بل إن الجنوب (سابقاً) -عندما نال استقلاله- لم يحرص أحد على تحديد حدود الدولة المستقلة لا مع عُمان ولا مع المملكة.. وتم اتفاق مع عُمان لتحديد الحدود بناءً على تسوية مماثلة، أيضاً ، ولم نسمع ضجيجاً ولا انتقادات حادة.. كذلك المملكة وقطر والمملكة وعُمان والمملكة والإمارات والمملكة والكويت أخيراً، والعراق والأردن.. وعُمان والإمارات وقطر والإمارات.. كلها قضايا حدود تم حلها بانتهاج أسلوب التسوية.

من هذه المنطلقات والحقائق، كان موقفنا المبدئي المؤيِّد للحل النهائي لقضية الحدود بين بلادنا والمملكة العربية السعودية الشقيقة.. وكوننا نتخذ مواقفنا بناءً على دراسات سياسية علمية عميقة تهيء لنا استقراءً صحيحاً وواضحاً للاحتمالات المُرجَّح حدوثها، فقد جاء إعلان موقفنا سريعاً بل فورياً ومفاجئاً لكثيرين ممن لم يتوقعوا ما حدث بل منهم من كان يستبعد حدوثه.. وهذا دفع البعض لأن يظن -خطأً- أننا على معرفة مسبقة بما يجري في مباحثات الدولتين أو أننا شركاء في هذا الأمر. وهو ما اتضح للجميع عدم صحته.. بل اتضح أن المحادثات كادت أن تفشل في اللحظات الأخيرة.. وأن كثيرين من المسئولين في بلادنا كانوا على غير علم بتفاصيل ما يحدث في المحادثات وفوجئ بعضهم بالإعلان عن توقيع المعاهدة.

من هنا.. قد يكون أن البعض، ممن تقولون أنهم وجهوا لي "انتقادات حادة"، قد ذهب بهم الظن أو التقدير الخاطئين إلى هذه الدرجة من الحدة. والبعض يمكن أن يكون قد انطلق من مواقف مسبقة وأحكام جاهزة.

وفي الحقيقة لم أطلع على نقد موضوعي، لموقفنا، تسنده الحجة ويدعمه المنطق أو تؤكده الحقائق والأدلة.. والبعض عندما لا تسعفه الحجة والمنطق للدفاع عن موقفه يتجه إلى إشغال نفسه بالانتقاد "الحاد" لمواقف الآخرين مُعتَمِداً على الأساليب القديمة التي عندما تعجز عن إيضاح موقف صاحبها فإنها تتجه للنيل من الآخرين بالباطل.

وأكرر أن القضية الإستراتيجية، وهي إنهاء الإشكال، هي الأهم وأن أي انتقاد للتفاصيل لا غبار عليه إن جاء بدافع النقد لاجتهاد قد يصيب أو يخطئ.. بل إن النقد نفسه، إن جاء بأسلوب النقد العلمي البنَّاء البعيد عن المماحكة أو الحدة، فهو نفسه اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ.. لكن التذبذب في المواقف والمماحكة والتخوين أو الطعن في وطنية من أقرّوا هذه المعاهدة في منظومة الحكم في بلادنا أمر غير مقبول رغم خلافنا العميق سياسيا معهم.

- أصدرتم بياناً باسم حزب الرابطة وجبهة (موج) عقب التوقيع على المعاهدة مباشرة.. هل قررت بالنيابة عن حزبين أو تيارين موقفاً خطيراً يتصل بالأرض؟

حكمت دون اطلاع

- سبق ونُشِرَت لي مقابلات صحفية أوضحت فيها كيف ولماذا أيَّدنا هذه المعاهدة.. وأستغرب السؤال الذي يبدو وكأنه يقرر وقائع حدثت بينما لا وجود لها على أرض الواقع.. وإذا عدت إلى البيانات أو البلاغات التي صدرت من حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" ومن الجبهة الوطنية للمعارضة (موج) لوجدت أن "رأي" أصدر بياناً من "صنعاء" ولم أشارك في صياغته بل صدر عن قيادة الحزب في "صنعاء" وتمَّت صياغته في "صنعاء".. وأن (موج) أصدرت بلاغاً أقرته اللجنة التنفيذية بإجماع أعضائها.. وقياداتها.. ومن هذا يتضح أنني لم أصدر بياناً مني باسم أي من المنظمتين.. وبإمكانك أن تعود إلى ما صدر إن كنت قد حكمت دون اطلاع وتروِّي. وإذا كان هناك توافق في الرؤية والموقف في ما صدر عن التنظيمين فذلك أمر طبيعي.. وغير الطبيعي هو أن لا تتوافق الأطراف المكونة لقيادة (موج) مع رؤيتها ومواقفها فموقف (موج) لا بد أن يعكس موقف أطرافها المُمَثَّلِين في أطرها القيادية.

الطرفان تنازلا

- ما هو تقييمك للمعاهدة من حيث كونها حدود وليس منجزاً وفي رأيك مَنْ تنازل لصالح الآخر وما هو حجم التنازل؟

- لم أفهم السؤال.. كيف تكون معاهدة حدود وليس منجزاً؟! هي بكل المقاييس منجز تاريخي يحسب لقيادتي الدولتين.. وبالنسبة لنا كيمن فهو منجز يحسب لمؤسسة الرئاسة بدرجة رئيسة ولكل من شارك في إنجازه من اللجان ومن الحكومة ومن مجلس النواب. ولا يعني أن خلافاتنا السياسية ستدفعنا بأن لا ننسب الفضل لأهله.. أما مَنْ تنازل لمَنْ ؟ فقد أوضحت في إجابتي السابقة.. وأضيف أن الطرفين قد تنازلا عن ما كان يطلبه كل منهما.. فمن وجهة نظرنا، كيمن، أننا يمكن أن نكون قد قدمنا تنازلاً لتحقيق هدف أكبر وهو الاستقرار الإقليمي وإزالة التوتر وتوفير دماء وثروات شعبنا التي استهلكتها التوترات والصراعات.. إضافة إلى أننا، كيمن، لنا هدف ومهمة خاصة بنا وهي علاج ملفاتنا الداخلية بعيداً عن الانشغال بملفات أخرى.. ومن الطبيعي أن الأشقاء في المملكة ستكون لهم وجهة نظر مماثلة والنتيجة أن الطرفين قد كسبا.

- هذه الإجابة محشوة بالدبلوماسية، هل تخشى من القول أن اليمن هو الذي تنازل؟

- لست من الذين يترددون في الإفصاح عن الرأي.. بل إنني إن تعاملت مع القضية من منطلق المعارض الذي يتسقط أخطاء نظام الحكم بحق وبدون حق، والذي يبحث عن المزايدات والمماحكات، بعيداً عن الواقع وصدق التعامل السياسي الراقي، لانتهجت نهج الرفض للمعاهدة ولبحثت عن الأخطاء فيها وضخَّمتها، ولألقيت بظلال كثيف على أي إيجابية لها، ولوجدت في اللغة والمصطلحات (المحفوظة) في الساحة السياسية ما يكفي ويفيض. ولكننا نبحث عن الاستقرار والأمن والتنمية لبلادنا.. والتعاون والوئام الإقليمي والعربي.. ولا نبحث عن إدارة عملنا السياسي بالأزمات أو نتكسَّب منها.

- القضية بالنسبة إليك تبدو مختلفة بالنسبة لسواك، فأنت يمني تحمل جنسية سعودية، جذورك من (شبوة) و(حضرموت)، ووجدانك في (صنعاء)، وأموالك وأهلك في الرياض. إنك يمني-سعودي، هكذا يُقال، وأي البلدين يفوز بالأرض هو بلدك.. في كل الأحوال (زيتك في دقيقك).. هل لديك تعليق؟

-  مَنْ هم سواي الذين تبدو القضية لي مختلفة بالنسبة لهم؟! إن منظومة الحكم بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، والقوات المسلحة، قد أيَّدت وباركت وقررت وصادقت على المعاهدة.. والشخصيات الاجتماعية المعتبرة فأغلبها بارك وأيَّد.. والأحزاب السياسية قد أيَّدت وباركت أو رحَّبت جميعها وأعلنت ذلك في بياناتها.. بعضها متقدماً وبعضها بعد تروِّي ودراسة ونقاش.. وجموع الجماهير قد خرجت إلى الشوارع تؤيِّد.. والأشقاء عرب ومسلمين قد باركوا.. والأصدقاء من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن طرف العالم الجنوبي إلى طرفه الشمالي قد باركوا!! بقي.. عدد محدود من الكتاب.. أو عدد قليل من الشخصيات أو تراجُع بعض الأحزاب -التي أيَّدت أو رحَّبت- عن مواقفها، رغم أن ترحيبها، كما أَعْلَنَت، جاء بعد نشر المعاهدة وتفاصيلها واطلاعها عليها ودراستها!!،.. إن كان الأمر كذلك.. فالسؤال يوجّه للقلّة التي لم تؤيّد أو التي عارضت أو التي تراجعت عن مواقفها المرحِّبة.. ونحن نحترم رأيهم ولا ننال منه ونعتبره اجتهاداً ونتأسى بما قاله الإمام الشافعي "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب".. المهم أن سؤالك هذا قد وجهته إلى غير مَنْ يُفترض أن توجهه إليه.. فنحن موقفنا كان مبادراً ومدروساً وموضوعياً وتقدّم الجميع ثم أصبح موقفاً عاماً للجميع تقريباً وليس موقفاً منفرداً ، وإن كان متميزاً ومتفرداً ، كنا السباقين إلى ميدان تبعنا إليه الجميع، لأننا ندير الأمور بمنهجية علمية وليس ارتجالاً، لذلك سؤالك يوجّه للمواقف المنفردة وليس للمواقف المتفرِّدة والمتميِّزة.

هذا جانب.. أما الجانب الآخر.. من سؤالك فلقد جانبك الصواب والحق فيه تماماً.. ورغم أن الجنسية السعودية ليست أمراً معيباً بل العكس، ورغم أن الدستور اليمني والقوانين النافذة تعطي الحق لأي يمني أن يحمل جنسية أخرى، إلا أنني لا أحمل لا أنا ولا أيَّاً من أبنائي أو إخواني أو من أبناء عمومتي أي جنسية غير يمنية ما عدا واحد. ويتمتع كثيرون من أبناء اليمن بالجنسية السعودية والقطرية والإماراتية والعُمانية بل والأمريكية والبريطانية والكندية والروسية والفرنسية والألمانية والهولندية والإيطالية والإندونوسية والماليزية والهندية والحبشية والأريترية والجيبوتية والصومالية... إلخ.. ومنهم رموز و/أو أبناء رموز ومسئولون في السلطة والمعارضة ورجال أعمال نعلِّق عليهم آمالاً كثيرة.

السابق

التالي