س10) من هذا المنطلق، ما هي رؤيتكم العملية القريبة من الواقع اليمني ؟
جـ10) نعتقد أن لا مهرب -ولا نجاة- من المنزلق الخطير الذي تسير فيه بلادنا إلا ببناء أسس وحدة قابلة للإستمرار في إطار منظومة حكم متماسكة ونابذة للصراع والفتن و"لإدارة الوطن بالأزمات".. وتحقق التوازن الفعلي -سياسياً واقتصادياً واجتماعياً- بين كل مناطق الوطن وقواه.. والحكم المحلي واسع الصلاحيات لنحقق من خلاله المشاركة الشعبية الواسعة والفعلية.. والقضاء العادل المستقل النافذ.. وفصل الإعلام عن الحكومة لنضمن حيدته فلا توجد بلاد، تقول بالديمقراطية، تسيطر حكومة الحزب الحاكم فيها على الإعلام. كذلك استقلال جهاز الخدمة المدنية حتى لا يتحكم أي حزب حاكم في مصائر الناس ووظائفهم. والتحول إلى الحياة المدنية والحكم المدني لتصبح القوات المسلحة والأمن مؤسسات لكل الوطن لا للحزب الحاكم وهنا يمكن أن يتحقق شيء من العدل والأمن والإستقرار والتنمية ويمكن عندئذ نجاح الإصلاحات الإقتصادية المدروسة.. كما أنه ولا بد من تحقيق مصالحة وطنية شاملة "وفاق وطني" لعلاج آثار ونتائج الصراعات -السياسية والإجتماعية- السابقة والقائمة ووضع حد لدورات الصراع التي أضاعت من عمر بلادنا أكثر من ثلث قرن ومزقتها وأورثتها التخلف والبؤس والجوع والخوف. عند ذلك نكون قد أهلّنا بلادنا للقيام بدورها الهام في المنطقة والعالم وهيأناها للحاق بالعصر الذي يتجه بسرعة في اتجاه "العولمة" والتي يمكن أن تأتي بأضرار بالغة الخطورة على أي بلد لم يستطع أن يجري التغييرات المؤسسية والبرامجية اللازمة للتعامل مع معطياتها. إن "ثورة المعلومات" الطاغية و"العولمة" -الناتجة عنها- ستسحق أمامها كل بلد لا يسرع إلى تأهيل نفسه للتعامل معها بفهم عميق لمعطياتها وشروطها.. كما أن ذلك لا يجب أن يعمينا عن إدراك حالة مجتمعنا الإقتصادية والاجتماعية المتردية والتي تستوجب -إلى جانب اعتماد سياسة السوق والحرية الإقتصادية- التمسك بقيم العدالة الإجتماعية المادية والروحية وذلك بتأهيل المجتمع، وعلى وجه الخصوص شرائحه الدنيا اقتصادياً، للإستفادة من هذا التوجه ودفع الضرر الذي يمكن أن يلحقه بتلك الشرائح.. وذلك بتنمية كفاءاتها وقدراتها ومهاراتها وتهيئة الفرص أمامها حتى تستطيع من خلال تلك التنمية وتلك التهيئة من أن تنمي مداخيلها لتتمكن من مواجهة متطلباتها المعيشية والإجتماعية في عالم لا يرحم الضعفاء ولا العاجزين عن التعامل مع متطلباته -علمياً ومهنياً-.
كل ذلك مع إداركنا لواقع مجتمعنا اليمني المتخلف وتعقيدات مشاكله وصراعاته.. والذي يقتضي تظافر كل الجهود -بعيداً عن الإستثناء والتهميش ومحاولات وأد الخصوصيات والإحتواء والترقيع-.. فالوطن يتسع لكل أبنائه ومصلحته تتحقق بتحقيق مصالح كل أبنائه ومناطقه وقواه وبالإبتعاد عن أساليب الإستقواء والهيمنة وبإعمال "قوة القانون" لا "قانون القوة" الساري الآن.
تلك خطوط عامة لرؤيتنا البديلة -محلياً- ولها تفصيلاتها وآلياتها وأدوات ووسائل تنفيذها.. وهناك أدوار إقليمية ودولية هامة لليمن، تساهم في ترسيخ الأمن والإستقرار الإقليمي، ولنا رؤانا
حولها، ولا تستطيع اليمن القيام بها إلا إذا حققنا أولاً تأهيل بلادنا محلياً لهذه الأدوار.
س11) وماذا يقول الجفري فيما يخص الشأن الاقتصادي المهتري في البلاد ؟
جـ11) لست عالم إقتصاد ولكن كمؤسسة لنا رؤيتنا.. وقد أوردت خط عام لها حول التعامل مع "ثورة المعلومات" ونتائجها.. والتي ستشمل النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وندرك أن الأزمة الإقتصادية القائمة لها أسبابها المتراكمة، منها ما هو لأسباب إقتصادية موضوعية، فلقد سارت العملية الإقتصادية، لسنين، بل لعقود، بلا خطة ولا سياسة اقتصادية أو مالية أو نقدية واختلاف النظامين الإقتصاديين في الشطرين قبل الوحدة، كذلك عودة المغتربين وانقراض تحويلاتهم لعدم الثقة في العملة، وتحولنا إلى شعب مستهلك وغابت أي مشاريع إنتاجية وتدنى الإنتاج الزراعي. ومنها ما هو ذاتي وناتج عن إدارة الوطن بالأزمات والصراعات التي أنهكت كل الوطن -اقتصادياً واجتماعياً وخدمياً وعلمياً وسياسياً ونفسياً....إلخ- والفساد المستشري الذي أتى على اليابس والأخضر وضعف السلطة القضائية وعدم استقلاليتها.. وغياب القانون النافذ وهيمنة القوة واستخدامها في النهب والسلب والأتاوات والهيمنة على الوكالات والشركات من قِبل مراكز القوى.. وغياب التوازن وانعدام المواطنة المتساوية بل بداية غياب حق المواطنة وتردي الحالة الأمنية والاستقرار والإصرار على عدم وضع حد للأزمات السياسية والاجتماعية برفض أي مصالحة.. كل تلك عوامل طاردة للاستثمار الذي يشكل حجر الزاوية في عملية أي إصلاح اقتصادي.. علاوة على أنها تشكل كوابح للإستغلال الصحيح والمجدي للإيرادات المحلية ولما تحصل عليه اليمن من قروض ومساعدات.. فتذهب معظمها في "شقوق" الفساد الواسعة وفي "ثقوب" التسيب الإداري و"آبار" ضعف السلطة القضائية.. وفي الصرف على "ترضيات" مراكز القوى المتنفذة. لذلك فإن عملية الإصلاح الإقتصادي ستواجه نكسات وإخفاق وفشل لأن الوعاء المتلقي لنتائجها وحصيلتها "الدولة"، عبارة عن "غربال" ومتشقق.. ونجاح أي إصلاح إقتصادي مرهون بإصلاح سياسي واجتماعي وقضائي ودستوري وقانوني شامل يحظى بقبول الناس وثقتهم.. والذي يمكن من خلاله تحقيق الأمن والإستقرار اللازمان للتنمية الإقتصادية والإجتماعية حيث يمكن عند ذلك تسخير الموارد في قنواتها الصحيحة ووفق خطة مدروسة من أهل الإختصاص وتجهيز الوعاء المتلقي للنتائج فلا تذهب أدراج الرياح.. أما والحال كذلك فمهما كانت الموارد -محلية أو خارجية- فستصبح كالماء في كثبان الرمال.
والأمثلة كثيرة أمامنا.. فأندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية وهي دول كان يطلق عليها "نمور آسيا".. لكن التطور الإقتصادي الذي وصلوا إليه عندما لم يواكبه إصلاح سياسي وإداري وعندما استشرى الفساد في مفاصل الدولة شاهدنا النتائج المفجعة.. هذا وهي دول قد حققت قفزات اقتصادية وأوضاعها السياسية والإدارية والقانونية لا يجوز مقارنتها بأوضاع بلادنا، المثقلة بكل أمراض الإنهيار (لا سمح الله) وبجراح صراعات عميقة ونتائج حرب مفجعة ووحدة طرية العود حديثة التكوين تغيب عن هياكلها أسس البناء للدولة في بلد يسوده التخلف والمناطقية والفئوية،.. ونحن نريد بناء تلك الأسس لإستمرار الوحدة لأنها -أي الوحدة- أهم عوامل النجاح لتنمية اقتصادية فعلية وأهم عوامل بناء نظام محترم تكون له مكانته ودوره.
س12) شارك حزب (الاصلاح) المعارض في السلطة فكان أداؤه محدوداً أقل بكثير من خطاباته النظرية فما الذي يمكن أن تقدمه (الرابطة) فيما لو سمح لها بالمشاركة في السلطة مع الفارق الكبير بين حجم الإصلاح وحجم الرابطة ؟
جـ12) مع احترامنا للإخوة.. فالمسألة ليست حجم أو عدد "مؤطر".. وإنما رؤية واقعية تلائم اليمن وتسمح له بتبادل المصالح مع الآخرين.. وقبول عند الناس، غير "المؤطرين" حزبياً، لهذه الرؤية ولمن يطرحها. وأي حزب لديه الرؤية العملية والمحققة لمصالح الناس والمواكبة لمتطلبات المرحلة، محلياً، ولمتطلبات العصر، إقليمياً ودولياً، ولديه القبول عند الناس ولديه المعرفة بتعقيدات المجتمع اليمني والمقدرة على التعامل معها لتطبيق رؤيته.. فإنه يستطيع أن يقدم أداءً مميزاً.. خاصة إذا لم يكن له عداوات حادة أو صراعات ذاتية مع فئات أو شرائح في المجتمع. كما أن المسألة ليست شراكة في سلطة وحسب.. وإنما أسس الشراكة البرامجية والمنطلقة من رؤية مشتركة للشركاء تحقق مصلحة الوطن وتواكب متطلبات العصر.. كما أن من أهم عوامل نجاح أي شراكة -في سلطة أو في سواها- هو قدرة الشركاء على التعايش والتماسك في إطار المنظومة الحاكمة تمكنهم من إدارة تلك الخلافات بما يمنع نشوء "أزمة" وتقضي بذلك على "الإدارة بالأزمات" وبذلك يتحقق الإستقرار في إطار المنظومة الحاكمة والمبني على رؤية برامجية وينعكس أثره على المجتمع.. وفي حالة كهذه لا بد من إفساح المساحة اللازمة لمعارضة واعية وقوية ومتكاملة مع منظومة الحكم وبما يحقق تعايش وتماسك في إطار منظومة المعارضة وبذلك يتحقق توازن سياسي عام يكون البديل المأمون لتوازن القوة "العضلية" (المسلحة)، الذي تكون نتيجته -حتماً- الصراع وتسيل الدماء ويتمزق الوطن، وإذا تحقق ذلك فيمكن للعملية الديمقراطية أن تتطور على أسس صحيحة تحقق بداية سليمة لوضع أسس للتداول السلمي للسلطة.
س13) يتهمكم الاشتراكي ضمنياً بأنكم تسعون للتنسيق المنفرد مع السلطة بدون التنسيق معه، ماذا تقولون في ذلك ؟
جـ13) لم أسمع هذا الإتهام من الزملاء.. ولا يوجد لي أي تنسيق مع السلطة وإن وجد لأعلنته.. فالجميع يجري حوارات منفردة بين فترة وأخرى مع السلطة لعوامل وأسباب خاصة أو عامة ولم ينسقوا مع بعضهم أو معنا.. أما نحن فلم يجرِ ذلك مطلقاً معنا. وأكرر إن حدث لما أخفيناه لأننا لن نعمل ما نخجل من إعلانه ولا ما يسيء إلى الآخرين أو يخل بعهدنا والتزاماتنا لشعبنا.
والمعارضة بجميع فصائلها لدينا صلات بكثير من فصائلها ورموزها ولم نسمع من الزملاء أي آراء مخالفة لرؤيتنا لحل الأزمة اليمنية.. كما أن لدينا رؤية لتظافر جهود المعارضة، دون تهميش أو استثناء لأحد،.. وقريباً إن شاء الله ستظهر وقد قدمناها للزملاء في بعض فصائل المعارضة.
س14) هل يعني ذلك أنه ليس بينكم وبين السلطة أي نقاط التقاء أو تواصل خاصة وأنه يتردد بأن شيئاً من هذا القبيل يجري بينكم وبينها ؟
جـ14) هذا سؤال كثير ما أجبت عليه.. وأؤكد أنه بالنسبة للحوار مع السلطة والتواصل معها فلا يوجد -حتى الآن- كما أكرر أننا لن نخفي ذلك إن حدث..
أما نقاط الإلتقاء فأنا أعتقد أن الحوار هو الذي يمكن أن يحدد نقاط الإلتقاء ونقاط الخلاف.. وأنا أؤمن أن أي "عقلاء" يلتقون فلا بد أن تبرز نقاط إلتقاء بينهم أكثر من نقاط الخلاف.. بل أنهم يستطيعون أن يحسموا -بالحوار- نقاط الخلاف أو على الأقل أن يتفقوا على أسلوب حضاري لإدارة ذلك الخلاف.
إن أهم ما في الموضوع أن ينطلقوا من رؤى واضحة تستهدف تحقيق مصلحة عامة وتحقيق أمن واستقرار وتنمية اليمن وبناء أسس دولة وحدته القابلة للإستمرار والمانعة للصراع والتمزق.
ونسأل الله أن تتجه السلطة في بلادنا إلى هذا الطريق قبل فوات الأوان.. فالأوضاع في بلادنا على مفترق طرق وتتسارع في اتجاه مرحلة قد لا يجدي فيها شيء -لا سمح الله-.