حديث الأستاذ عبدالرحمن علي الجفري

لصحيفة (البيان) الإماراتية

نوفمبر 1999م

 

س1: كيف تقيمون تجربة الإنتخابات الرئاسية التي أجريت مؤخراً ؟ وعلى ضوء هذا التقييم كيف تقيمون موقف حزب الرابطة خاصة وأحزاب المعارضة عامة من هذه الإنتخابات ؟

ج1: كان يمكن أن تكون تلك الإنتخابات من أهم الإنعطافات في التاريخ اليمني المعاصر.. وقد أوضحت في أحدى المقابلات الصحفية قبل الإنتخابات بأكثر من ثلاثة أشهر أن الظروف قد هيأت الفرصة لأن يدخل الرئيس من الباب الوطني للتاريخ إن هيأ المناخات الملائمة لإجراء الإنتخابات وذلك بإجراء إصلاح شامل ومصالحة شاملة بحيث تصبح الإنتخابات علامة تحول وتغيير حقيقي.. خاصة بعد عقد منتدى الديمقراطيات الناشئة في "صنعاء" و"إعـلان صنعاء" الصادر عن هذا المنتدى والذي أكد على كثير من الرؤى التي طرحناها حول الإصلاحات والإجراءات المطلوبة.. وللأسف كان هناك إصراراً على إجرائها في ظل غياب لكل عوامل التوازن وفي ظل انقسام وطني وانفلات أمني وبناء على مواد دستورية وقانونية لا علاقة لها بالديمقراطية.. وجاءت الإنتخابات، رغم الصرف الباهض عليها، كما توقعنا.. باهتة وبعيدة عن أي اهتمام جماهيري بها بل وغياب كامل لكل المنظمات لدولية ذات الثقل وإهمال إعلامي شامل على المستوى الدولي وباهت على المستوى العربي.

     لقد كانت الظروف مهيأة تماماً وعلى كل المستويات للإستثمار الأمثل للتجربة الإنتخابية لصالح الوطن اليمني بما كان يمكن أن يعود بالخير على سمعة البلاد وبما يحقق للمواطن وقواه الوطنيـة المشاركة الفعلية والإيجابية في صنع قرارات بلاده. وذهب كل ذلك أدراج الرياح وواضح أن الجانب السلبي هو الناتج الرئيس لتداعيات العملية الإنتخابية .

     أما عن تقييمي لموقف حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" فإن الحزب قد أصدر رؤيته وأوضح فيها الضمانات لإجراء إنتخابات سليمة وأوضح أن عدم توافر تلك الضمانات يجعل من الإنتخابات ملهاة عابثة ويعزز ابتعاد المواطن عن المشاركة ويعمّق عدم ثقته في جدية القائمين عليها وعلى العملية الديمقراطية برمتها. ولعل رؤية حزب "رأي" المبكرة وموقفه الناضج المعلن قبل الإنتخابات والذي ابتعد عن الإنفعال أو إعلان المقاطعة وفي نفس الوقت رفض تقديم أي مرشح أو تأييد أي مرشح وأعلن ترك الأمر لجماهير الشعب لإختيار الموقف المناسب.. لعل ذلك كله قد أكدت الإنتخابات وما حدث من ضجيج حولها صواب هذا الموقف وتلك الرؤية وعمقها ونضوجها .

     والأهم مما يمكن استخلاصه من هذه الإنتخابات الرسالة التي صاغها شعبنا -ونأمل أن يقرأها الجميع سلطة ومعارضة والراصدون والمحللون السياسيون- فقد كانت بالغة الوضوح والدلالة فقد قال شعبنا أنه "شبّ عن الطوق" ولم يعد قابلاً لأن يكون أداة للمساومات والمزايدات، وليس مستعـداً لن يكون طرفاً في مسرحيات تسخر منه وتستهين بقدراته في فهم الحاضر، وصنع المستقبل بعيداً عن الحسابات السياسية الهشة والمصالح الضيقة حزبية كانت أم فردية.. هـذه رسالة شعبنا التي قالها من خلال تعامله مع صندوق الإنتخابات وهو ما أكد سلامة موقفنا في الرابطة حينما قررنا أن نحيل الأمر فيما يخص العملية الإنتخابية إلى شعبنا بلا وصاية ولا استهانة بعقله أو تزييف لوعيه.

     أما مواقف باقي الأحزاب، عدا "رأي" و ((موج)) فقد غلب عليها التردد بين القبول بكل شيء والإمتناع عن كل شيء وقد يكون ذلك لغياب الدراسة التحليلية العلمية والموضوعية والمجردة عن الغايات الحزبية.

     وكنا نتمنى أن تكون كل المواقف مبنية على دراسة في اتجاه تحقيق مصالح الوطن اليمني أرضاً وإنساناً .

س2: ما هي برأيكم أهم استحقاقات المرحلة المقبلة على مستوى السلطة وعلى مستوى المعارضة؟

ج2: في رأيي أنه بالنسبة للمنظومة الحاكمة فما ستواجهه يتجاوز ما يسمى بالإستحقاقات التقليدية التي يمكـن التعامل معها في الظروف المعتادة للدول القائمة على مؤسسات فعلية لأن الموجود على ساحـة بلادنا مجرد هياكل ومسميات لمؤسسات مهمشة لا دور لها في القرار، رغم ما تشمله عضويتها من كفاءات وقدرات.

     لذلك فإن أصحاب القرار في المنظومة الحاكمة مطالبون -الآن- وبشكل جدي وحتمي بتغيير فعلي وعميق، في الرؤى والتوجهات والآليات، يحقق توازناً في آليات اتخاذ القرار مبني على توازن فـي المصالح، السياسية والإقتصادية والإجتماعية، بين فئات ومناطق الوطن.. ويشمل ذلك إصلاح قضائي شامل ودستوري وقانوني بما يرسي أسس المشاركة الشعبية الواسعة الذي يشكل الحكم المحلي، بأوسع قدر من الصلاحيات، أحد ركائزها الأساسية. واسمح لي أن أقول أن هذا التغيير أصبح أمراً وجوبياً ليس في اليمن وحسب بل في كثير من بلدان العالم.. وأستطيع أن أرى بوضوح وأستقرئ آفاق المستقبل القريب وأؤكد أنه كلما تأخرت منظومة الحكم في الشروع في هـذا التغيير كلما ازدادت الحاجة إلى التغيير أعمق وأوسع وأصبح ذلك أوجب وأكثر حتمية حتى لا يتجاوزها الواقع وترتد الأوضاع في بلادنا إلى أوضاع سابقة تفجر الصراعات بصورة أسوأ وأكثر خطراً على الوطن ووجوده وفي أحسن الأحوال يظل وطننا يراوح مكانه متخلفاً عن العصر ومعطياته ومتطلباته وهو أمر لا تتحمله حالة شعبنا ومعاناته الأمنية والمعيشية ولا يسمح به طموح شعبنا في أن تكون له مكانة في هذا العالم ودور يليق بتاريخه وموقعه الهام وأهمية التعامل الناضج مع قرن جديد يحمل متغيرات متسارعة في ظل ما يسمى بالنظام "العولمي" الجديد.

     وما قلناه عن السلطة أو منظومة الحكم ينطبق على المعارضة وبصورة أشد وأصعب.. فإن التغيير يجب أن يطال كل المنظومة السياسية في بلادنا، سلطة ومعارضة، والمعارضة بصورة خاصة لا بد وأن تتخلى عن ما يسمى بـ"الظاهرة الصوتية" وأن تنتهج العمل السياسي المدروس والقائم على العلم والمعرفة بما يجعل لكل حزب رؤيته المستقبلية الواضحة والمتميزة والمعايشة للعصر ومتغيراته.. ولا أبالغ إن قلت لعل حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" هو الأوضح بياناً في هذا الإطار.. وهو منذ تأسيسه-في أواخر الأربعينات وحتى اللحظة- ينتهج نهجاً بعيداً عن العنف بكل أشكاله بما في ذلك عنف الكلمة.. ومواكباً للعصر بكل معطياته ومجدداً ومتجدداً في إطار ثابت من الرؤية المميزة التي وضعته بحق رائداً للوسطية والإعتدال وهو ما يطلق عليه العالم اليوم "الطريق الثالث" الـذي لا بد وأن يتجه إليه عالم اليوم ولذلك نقول أن ماضي حزب "رأي" من حيث التوجهات والرؤى والنهج يمثِّل مستقبل اليمن المستقر الآمن .

س3: أعلن رئيس الجمهورية مؤخراً إغلاق ملفات الماضي وفتح صفحة جديدة مع المعارضة في الداخل والخارج ، هل تلمسون الجدية في دعوة الرئيس بخاصة أنها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها ذلك ؟

ج3: بصفتي رئيساً للجبهة الوطنية للمعارضة ((موج)) ومعبراً عن رؤاها وتوجهاتها وسياساتها.. فإنني أتعامل مع ما يقوله الرئيس بجدية كاملة.. وأدرس بعمق كل ما يصدر عن فخامته.. وأستطيع أن أستقرئ أن الأخ الرئيس يطرح هذا الأمر بأسلوب يتناسب مع مفهومه لعلاج للأزمة ولا نختلف معه في ما يطرحه من عناوين ولكن خلافنا حول المفهوم لهذه العناوين.. فحديثه في كل مرة عن "إغلاق الملفات" وعن "فتح صفحة جديدة" وعن "عهد جديد".....إلخ.. هو في ذاته إدراك منه بوجود "ملفات مفتوحة" وبأهمية "بدء صحفة جديدة وعدم الإستمرار في الصفحة الحالية" وعن ضرورة "التخلي عن العهد الحالي والعلاقات الحالية في المنظومة السياسية والإقتصادية والإجتماعية.. وبدء عهد جديد".. كل ذلك نتفق مع الأخ الرئيس فيه.. ولكن ما هو المفهوم لـ"إغلاق الملفات.. ولفتح صفحة جديدة.. وللعهد الجديد".. نحن نرى أن إغلاق الملفات يتم بعد علاج آثار وجراح الصراعات السياسية والاقتصاديـة والاجتماعية والتي ملأت صفحات تلك الملفات وأن "فتح صفحة جديدة" يتم بوضع الضوابط لعدم تكرار دورات الصراعات.. وهو ما أسميناه بالمصالحة الوطنية الشاملة.. ولا يهم الإسم ونوافق على أي إسم آخر إن اتفقنا على المضمون.

     أما "بدء عهد جديد" فإننا نفهمه بأنه إصلاح شامل.. سياسي، اقتصادي  اجتماعي ،قضائي، الى إدري ، دستوري،  قانوني....إلخ.. وإلا فلا نستطيع أن نسمي ذلك بـ"عهد جديد" بل إنتاج واستنساخ للماضي بكل سيئاته وتداعياته.

     ولأننا نعتقد بجدية الأخ الرئيس، مع اختلاف المفاهيم  فإننا نعتقد أن هذه المرة تحتم البحث بعمق في المفاهيم لأن المتغيرات، الإقليمية والدولية ذات الإنعكاسات على بلادنا، تستهدف، في هـذا التوقيت بالذات، دعم الإستقرار والأمن وإزالة أسباب القلاقل والتوترات وخلق مناخات تساعد على جذب الإستثمارات بما يحقق معدلات تنمية معقولة.. هذا التوقيت يفرض البحث بعمق في مفاهيم التوجهات.

     إن الظروف في العمل السياسي، والتي تصنعها آليات وعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تهيء التوقيت للتعامل مع الأمور بجدية أكثر.. ولا حساب للنوايا.. وكنا نتوقع ما طرحه الرئيس بناء على حساباتنا الدقيقة ومنهجنا السياسي المدروس.

س4: رحبتم بإعلان الرئيس عدم وجود "فيتو" أو حظر على أي سياسي يمني في الخارج لكنكم ربطتم عودتكم بجملة شروط بينها تهيئة الظروف التي تمكنكم من الإسهام في معالجة قضايا الوطن.. ما هو إسهامكم -حالياً- وأنتم في الخارج في معالجة هذه القضايا ؟ وهل من الواقعية وضع شروط في تحقيقها -كما يرى الكثيرون- بداية النهاية للسلطة المركبة من تحالفات تجمعها مصالح؟

السابق

التالي