حديث الأستاذ محسن بن فريد لمجلة (الغد العربي)

ديسمبر 1998

 

أكد الأستاذ محسن محمد أبوبكر بن فريد أن حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) اختار الطريق السلمي كخيار استراتيجي ونهائي لعمله السياسي وأنه لايؤمن بالعنف ولن يلجأ إليه تحت أي ظرف من الظروف.

وقال في حديث أدلى به لمجلة (الغد العربي) ونشرته في عددها الصادر في ديسمبر 98م أنه يكفي ما سالت من دماء في بلادنا، كما أن العنف لايولد إلاّ العنف.. ومزيداً من العنف وقد جربت بلادنا العنف في الحياة السياسية لما يقرب من أربعة عقود من الزمن فماذا جنت؟ حصدت الآلام والمواجع والضحايا والثكالى.. وقال: على ضوء هذه التجربة المريرة نعتقد أنه ينبغي على أبناء اليمن أن يحتكموا للعقل والمنطق والحوار والوسائل السلمية لحل كل خلافاتهم ونزاعاتهم السياسية والقبلية.

وحذر الحكومة من مغبة تمريرها لقانون تقييد المظاهرات والمسيرات السلمية لأن تمرير هذا القانون يعني إجبار المواطنين على البحث عن وسائل أخرى (غير سلمية).

- وفي تفسيره لموجة العنف التي تشهدها اليمن قال بن فريد:

- فيما يتعلق بموجة العنف الأخيرة في اليمن لاتتوفر الآن معلومات وبيانات واضحة ودقيقة حولها، ولكن يمكن القول أن هذه الموجة من العنف تعبر عن حالة الإحباط واليأس التي تعاني منها أغلبية شعب اليمن وهي أيضاً تعكس رفض أبناء اليمن للخلل السياسي في البلاد وللضائقة المعيشية التي لم تشهدها اليمن طوال تاريخها الحديث ولتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية والقبلية وتلاشي الدولة وسيادة (قانون القوة).؟

- وعن المعارضة وأوضاعها ودعوتها إلى حوار وطني للتنسيق قال:

- إن وضع المعارضة اليمنية وضع بالغ الصعوبة، فالحزب الحاكم يملك كل شيء ويسخِّر كل إمكانات السلطة والبلاد لصالحه، بينما تحارب المعرضة على كل صعيد.. فهي تتعرض للترغيب والترهيب والتمزيق و(تفريخ) الأحزاب كما تتعرض للتخوين والتكفير والتهم الجاهزة لكل صاحب رأي، وتتعرض للقمع والاعتقالات. هذه هي الأجواء التي تعيش في ظلها المعارضة اليمنية منذ الحرب المشؤومة في صيف 1994م.. ومن جانبها سعت المعارضة اليمنية خلال السنوات الأربع الماضية لتجاوز أزماتها ورص صفوفها، وتنسيق مواقفها ونجحت في بعض المواقف، وفشلت في البعض الآخر، إلاّ أنه يمكن القول أنه تم مؤخراً تجاوز مرحلة "سوء الفهم" بين بعض أطراف المعارضة وتبلورت رغبة عامة في تحقيق تنسيق حقيقي بين فصائل المعارضة. وأستطيع القول أنه في تواصلنا ولقاءاتنا مع مختلف الفصائل والشخصيات لم نسمع أي اعتراض على فكرة الحوار والتنسيق بل الجميع مع هذه الفكرة، ولكن لكل تنظيم سياسي ظروفه الداخلية التي يحتاج بسببها إلى وقت يتخذ قراره، وحتى الآن وافقت ثلاثة تنظيمات سياسية ومعظم الشخصيات، ولازلنا ننتظر الزملاء الآخرين في التنظيمات الأخرى ونرجو لهم التوفيق في اتخاذ القرار الجريء.

وكشف الأستاذ محسن بن فريد أن مايتعرض له ناشطو حزب الرابطة من متابعة ومضايقة واعتقال وطرد من أعمالهم لا لشيء إلاَّ لأن لديهم (رأي حر) مخالف لرأي السلطة، والسلطة لاتريد إلاّ من يسبح ويهلل لها، وإلاّ فالاتهامات جاهزة ويتم الاعتقال لناشطي (رأي) كحزب معارض شرعي وعلني ويمارس نشاطه السياسي بمقتضى الدستور والقوانين السارية، ولكن الاخوة في السلطة يفسرون القوانين كما يحلو لهم، ويعتقلون من يريدون ويطلقون سراح من يريدون وهذه هي الديمقراطية في بلادنا اليمن.

- وفي رده على سؤال حول اتهام الحكومة للحزب بأنه يحرض المواطنين على التظاهر خاصة في حضرموت وشبوة وعدن قال:

- أود أن أجدد تأكيدي أننا نرفض العنف بكل أشكاله وألوانه ونؤمن فقط بالوسائل السلمية في العمل السياسي والتظاهر حق قانوني ومشروع يقره دستور البلاد من وحق المواطن اليمني أن يعبر عن رأيه بكل الأساليب السلمية المشروعة بما في ذلك المظاهرات والمسيرات والاعتصامات رفضاً للأوضاع المتدهورة معيشياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً وقبلياً.. الخ لكن المشكلة هي في الحكومة التي تستخدم العنف ضد المواطنين الذين يستخدمون الوسائل السلمية في المعارضة. وأعدت الحكومة مشروع قانون بتقييد المظاهرات والمسيرات السلمية، وتعمل الآن على (تمريره) عبر مجلس النواب، وهكذا تلغي الحكومة حقاً دستورياً، وتدفع الآخرين دفعاً للعمل السري وغير السلمي.

وأضاف : نحن لسنا محرضين، نحن حركة معارضة سلمية حضارية، ولدينا رؤية متكاملة لإخراج بلادنا من أزماتها.. إننا نعتقد أن لامخرج لبلادنا من وضعها الصعب الحالي إلاّ من خلال إرساء أسس وحدة قابلة للاستمرار في ظل منظومة حكم متماسكة، تحقق التوازن، ونظام حكم محلي واسع الصلاحيات، والقضاء العادل المستقل، وتحقق الأمن والاستقرار والتنمية والمصالحة الوطنية الشاملة لعلاج جراحات كل الصراعات السياسية والاجتماعية، ووضع حد لدورات الصراع الدموية، وحماية الوطن من التمزق ليؤدي دوره الهام والرائد محلياً وإقليمياً ودولياً، صيانة لأمن واستقرار المنطقة وتأميناً لمصالح الوطن والآخرين.

- وفي معرض رده على اتهامات السلطة بالانفصالية قال:

- لقد سئم العالم العربي من الاتهامات.. والاتهامات المضادة وبلادنا -اليمن- مرت بتجارب أليمة ومريرة خلال الثلاثين سنة الأخيرة.. وشهدت الكثير من المزايدات.. والصراعات والانقلابات. وما أن يصل فريق إلى السلطة إلاّ ويعمل على إلغاء الطرف الآخر.. ويوجه له سهام الاتهامات المختلفة (رجعي أو تقدمي، اشتراكي أو برجوازي، يميني أو يساري، يساري انتهازي، أو يميني متخلف.. الخ) أما في هذه المرحلة فالعملة الرائجة من الاتهامات فهي تهمة (الانفصالية) و (الانفصاليون) وماذا حصد العالم العربي.. وماذا حصدت اليمن من هذه الاتهامات والاتهامات المضادة. حصدنا جميعاً الفشل تلو الفشل، والخيبة تلو الأخرى، ويكفي أن ننظر لحالنا اليوم في العالم العربي. فقد وصلنا إلى قاع الهوان. وعليه، فأنا لن انجر إلى "سوق" الاتهامات وأقول إن بلادنا تمر بوضع صعب في كل مناحي الحياة، ومن الواجب الوطني أن نتوقف عن كيل الاتهامات، والاتهامات المضادة، ونقف بمسؤولية وطنية للتوصل إلى حلول واقعية لمشكلة اليمن العميقة.

وباختصار ومسؤولية أقول نحن لسنا انفصاليين، إن كان على مستوى حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) أو على مستوى الجبهة الوطنية للمعارضة (موج) فالأطراف المكونة لموج كان لها باع رئيسي في التوصل إلى وثيقة الإجماع الوطني في اليمن، (وثيقة العهد والاتفاق). وهي الوثيقة التي تؤسس لبناء دولة يمنية حديثة في اليمن، تقوم على فكرة الحكم المحلي واسع الصلاحيات وعلى الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية، وهي الوثيقة التي ألغاها "المنتصرون" بعد حرب صيف 94م، ويسخرون منها الآن ونحن لانزال -وأغلبية شعب اليمن- نتمسك بمضامين وثيقة العهد والاتفاق، وإذا كانت مضامين الوثيقة مضامين وأفكار انفصالية فنحن انفصاليون، وأي متابع ومحلل منصف لما يجري في بلادنا منذ حرب صيف 94م إلى اليوم سيرصد أن الذي يمارس الانفصال هي السلطة الحاكمة منذ الحرب وحتى الآن، فقد خلقت هذه السلطة الانفصال في "النفوس" وهو الأخطر من الانفصال على الأرض، ولا أعتقد أن من المفيد الاسترسال في هذا الموضوع، فهو أمر محزن، ومؤلم.

- وعن التهمة التي تقول بالحصول على دعم مالي من الخارج قال الأخ محسن بن فريد:

- نحن نحصل على مساعدات انسانية كنازحين من بعض الدول الشقيقة ومن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.. وهي مساعدات تكفل الحياة الكريمة لقيادات وزعامات مدنية وعسكرية أُجبرت على مغادرة وطنها.. وعلى العيش المؤقت في المنافي.

- وفي مايتعلق بقضية عودته إلى أرض الوطن أوضح:

- (الغُربة) داخل الوطن أشد وطأة على النفس من الغربة خارج الوطن. ونتطلع لليوم الذي تضُمنا فيه بلادنا بعزة واحترام وكرامة. ولانعتقد أن هناك من يعرف (قيمة) الوطن أكثر من أولئك الذين عانوا "مرارة" الغُربة والنفي. ونحن (كأسرة) وكحزب (الرابطة) قد تجرعنا (الغُربة) خارج الوطن لعشرات السنين، خلال عهد الاستعمار البريطاني، وتجرعناها ثانية في ظل نظام مابعد الاستقلال، وهانحن نتجرعها -مرة ثالثة- في ظل الوحدة اليمنية. لقد اضطررت لمغادرة الوطن "مُكرها" كنتيجة من نتائج الحرب الظالمة في صيف 1994م. وقد عاد الآلاف من العسكريين والسياسيين والمدنيين إلى الوطن منذ نهاية الحرب. ولكن أنظر لحالهم الآن، انهم يعيشون عيشة مراقبة، ومتابعة، ومضايقة، واستفزاز بل وإذلال.

بالفعل أنا لم تصدر ضدي أية أحكام. إلا أن المسألة ليست مسألة "شخصية" نحن ننظر للقضية كقضية عامة، وهناك العشرات بل المئات من الزملاء الذين صهرتنا وإياهم محنة الحرب والنفي ولا أعتقد أن من الكرامة و"النخوة" أن نُعطي ظهرنا لهم. وزملاؤنا في قيادة الرابطة في الداخل يقودون حزب "رأي" ويمارسون نشاطهم السياسي السلمي في إطار "الهامش" المتاح لهم، ويتعرضون للمضايقة، والمتابعة والاعتقال في كثير من الأحيان. فالأخ الدكتور حسن بازرعه هو الرئيس المؤقت لحزب رابطة أبناء اليمن. والشيخ علي بن علي السدح هو الأمين العام المؤقت، وهناك (لجنة تنفيذية) تقوم بواجباتها ودورها.

والأهم من هذا وذاك هو أن الرابطة بالنسبة لنا (موقف) قبل أن تكون (أشخاص) وقيادة الرابطة وقواعدها متفقة كلها على (موقف) و (رأي) و (رؤية) واحدة بخصوص حاضر ومستقبل اليمن. وعلى أية حال، عندما نشعر أن المساحة المتاحة لحركتنا ونشاطنا السلمي في داخل الوطن مساحة ملائمة، وهناك (نَفَسْ) حقيقي لقبول (الرأي الآخر) وهناك أجواء (صحية) للعمل السياسي الحضاري عندها سنعود.. فمن غير المنطقي أن نسير في شوارع العاصمة صنعاء وسط قافلة من الحراسات والمدافع، وأن ندخل في معركة مسلحة عند كل ناصية، فهذه ليست أجواء عمل سياسي.. بل أجواء عصابات. أقول عندما تكون هناك ظروف ملائمة تسمح لنا بالمساهمة في بناء الوطن وتجنيبه ويلات التمزق عندها لن نتأخر عن العودة للوطن. ونأمل أن نعود قريباً في أجواء مصالحة وطنية حقيقية، عندما يتسع الوطن (لكل) أبنائه.